::منتديات قناديل الفكر والادب ::

::منتديات قناديل الفكر والادب :: (http://www.kanadeelfkr.com/vb/index.php)
-   النقد و الدراسات النقدية (http://www.kanadeelfkr.com/vb/forumdisplay.php?f=24)
-   -   ضوء جهاد بدران على قصيدة (خط استواء ) للشاعر هشام فتحي (http://www.kanadeelfkr.com/vb/showthread.php?t=47493)

جهاد بدران 04-26-2019 03:07 PM

ضوء جهاد بدران على قصيدة (خط استواء ) للشاعر هشام فتحي
 
النص : خط استواء
الناص : هشام فتحي
القراءة: جهاد بدران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النص :
ـــــــــــــــــــ
خط استواء
...............

قصيدة (خط استواء ) هشام فتحي

من أطفأَ القنديلَ
قنّاص المنى
من باع في سوقِ الهوى
حلمي أنا
من قال حيّا على الفنا
وقصيدتي كفّنتها
بقصيدةٍ أخرى لها
وقتَ الضحى
مّنْ ضاجعَ الحلمَ الوليدَ
وسَامه سوءَ الأرقْ
من مزّقَ الديوانَ
والشعرَ الممددَ
فوق أشلاءِ الورقْ
القابضون على مسارِ النجمِ
والقمر اتسقْ
من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ
............. .......

وأنا بظهرِ الغيبِ
أقتاتُ الوعودَ
لكي أعودَ
أعانقُ الأشياءْ
وأظلُ أركضُ
خلفها
ومتى كتبتُ النازفاتِ
من الحروفِ
تخلَقت عينُ المساءْ
أنا من كتبتُ قصيدتي
قبل انبعاثِ الحرفِ
من عينِ البكاءْ
أنا من تعثّر واقفا
ما بين شطرٍ قد بدا
ومودعا شطرا على وشكِ انتهاءْ
أنا من كتبتُ الشعرَ
موفورَ الرجاءْ
أمعفرَ البحر الطويلِ
بغربتي!!!!
أنا من عبرتُ بحبْوَتي
لُججا وأدمنتُ احتباءْ
سأظلُ أبحثُ عن طريقٍ
لطريقي
كلما اقترب الفنا
وحدي أنا
أعلنتُ يا شعرُ البقاءْ
إني مللتُ الشعرَ
كلُ قصيدةٍ دونتها
سفرً بعيدٌ بيننا
والبحرُ وقْعُ مطيةٍ عرجاءْ!!!
يا ليلُ
أدمنتَ الفؤادَ تمرّغاً
مالي وما لقوافلِ الشعراءْ
مالي وما للشعرِ
حين يردني حمماً
وحولي قد بدا
عمرُ الشتاءْ
كلُ الخطوطِ رسمتها
وعبرتُها....
ومشاعري خطُّ استواءٍ
دونه خط استواءْ

هشام فتحي
...............................

القراءة :
ــــــــــــــــــــــــ

/ خط استواء /
سنبدأ في هذه القصيدة بتشريح معالم العنوان..ذلك العنوان الذي تتفتح معه كل غرفات الخيال ونوافذ الفكر كي تتدفق في وعي الحروف وما تحمله من متاع الجمال الساحر والذي يضفي على الذائقة رحيق المعاني وما بين طيات الحروف من درر.. سنحاول استخراجها كي نتذوق أصول الإبداع على طبيعتها على طبق أدبي متميز متفرد..
لنبدأ من معاني/ خط استواء/
معروف لدينا ان الخط الاستواء الذي نعرفه هو ذاك الخط الوهمي الذي يشكّل بانغلاقه دائرة وهمية تقسّم الكرة الأرضية لقسمين..شمالي وجنوبي بحيث يتساوى الليل والنهار عند هذا الخط طوال السنة وتنعدم عندها الفصول حيث نعلم أن المناخ الاستوائي حرارة مرتفعة وأمطار غزيرة...
لمحة جغرافية رسمتها قبل الولوج لداخل النص..لأنه ثمة ما يقال من خلال هذه الجغرافية المتقنة للقصيدة وهندستها البارعة في التصميم اللغوي والبناء المتين في تراكيبها الراقية..
أما العنوان / خط استواء/
فهو عنوان غير معرّف بأل التعريف..نكرة ويدل على أنه معنى مجازي له أبعاده وتأويله المختلف ولو كان فيه مسحة من معالم الخط الاستوائي..
سنتبين من ذلك من خلال عمق النص وما فيه من تجاويف متنوعة تصب في العنوان نفسه...
بل سنقوم بتقشير الحروف النبهمة للوصول إلى لب المعنى والذي يرتبط بالعنوان لا محالة..
قبل الدخول للنص سأمرّر فكرة المعنى الظاهري للكلمتين من زاوية رؤيتي المتواضعة:
/خط/....ويعني طريق
ويمكن للخط أن يكون مستقيماً أو منحنياً أو منكسراً ويمكنه أن يكون مفتوحاً أو مغلقاً..
وهذا يرمز به للنفس الإنسانية ومرور تقلبات الحياة فيها كلٌّ حسب إيقاع الأحداث ومجرياتها..لأن النفس والذات تحمل صفات هذا الخط..
..نفوس مستقيمة لا تقبل الانحناء والانكسار..
..نفوس منحنية لظواهر حياتية تقبع تحت الضغط ولا تملك القوة والسيطرة على الذات وإشباعها بتحصينات إيمانية تشد من أزرها..
..نفوس منكسرة ضعيفة لا تملك أي نوع من ردع النفس عن الشهوات وتعتبر من التبعية في كل شيء..وهذه من أخطر النفوس في المجتمعات..لأنها تشكل خطراً عظيماً من مخلفات الانكسار وتقوم ببث الانكسار في البيئة المحيطة بها تحت وطأة الضعف وعدم القدرة على مجابهة الأحداث والتغييرات..

اما معنى/ استواء/..ويعني استقامة بلا اعوجاج..
سنبدأ بالسبر بين أغوار النص للوصول لمنطقة إلتقاء ما بين النص والعنوان..
يبدأ الشاعر بقوله:
/من أطفأَ القنديلَ
قنّاص المنى
من باع في سوقِ الهوى
حلمي أنا
من قال حيّا على الفنا
وقصيدتي كفّنتها
بقصيدةٍ أخرى لها
وقتَ الضحى
مّنْ ضاجعَ الحلمَ الوليدَ
وسَامه سوءَ الأرقْ
من مزّقَ الديوانَ
والشعرَ الممددَ
فوق أشلاءِ الورقْ
القابضون على مسارِ النجمِ
والقمر اتسقْ
من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ/.
الشاعر بدأ قصيدته ب/ مَن/ وهي اسم استفهام يُستخدم للسؤال عن العاقل.. ويُعرب حسب موقعه من الجملة..
واستعمال صيغة السؤال والاستفهام في بداية القصيدة..يفتح نوافذ البحث والتنقيب على عمق النص لايجاد ذلك الجواب الشافي الذي يعيد للفكر الاستنتاج من محتوى القصيدة..
وهذا سرّ الجمال في طرح النص أو القصيدة..
فقد كرّر الشاعر اسم الاستفهام/ مَن/ في هذه الأبيات خمس مرات وهو يعيد تكرارها لجذب ذائقة المتلقي..خاصة ما تحمل عملية التكرار من إيقاع موسيقي محبب تطرب له الذائقة..
وهذا النوع من التكرار يقال له تكرار استهلالي
لأنه تم تجنيده في بداية النص مما أسفر عن ذلك بنية إيقاعية حرّكت مفاصل النص لأبعاد ودلالات ساهمت في تطوير البُنية الفكرية ونسيجها الخيالي في منظومة الجمال والإبداع وأطربت النفس وهي ما بين ذائقة الشاعر وذائقة المتلقي..
تكرار الشاعر لاسم الاستفهام/ من/ بمثابة لفت النظر وعملية تأكيد على ما يسأل عنه في هذا الوجود..أسلوب التساؤل هذا ممزوج بفلسفة تعيد الفرد للتأمل والتدبر والوقوف في هذا الجوّ الروحاني والنفسي كي يكون أداة تحريك وتغيير في العوامل التي تطرأ في حياة الإنسان...فالتساؤل جاء لزعزعة الركود والصمت وإحياء الفكر والعمل..
لننظر لمنزلة السؤال وحجمه وبراعته وتأثيره في النفس :

- من أطفأ القنديل؟
والقنديل هو ضوء الحياة والاهتداء في الظلام والعتمة..في انطفائه يحضر الموت ويجلب التخبط وعدم الهداية..
ربما يكون القنديل كناية عن الهدى والحياة بنور الله..
وعملية التساؤل هنا وكأن الشاعر أراد منا البحث عن هؤلاء الذين يطفئون نور الله بأيديهم..ويُكثروا من الفساد في الأرض..

- مَن باع حلمه في سوق الهوى؟
هذا التساؤل يوضح أنه يوجد تعدي على خصوصيات الإنسان وحريته واغتيال للأحلام
وإلا من يتدخل في بيع أحلام الغير إلا مغتصباً لملكيتها..وهذا كناية عن عدم وجود الأمن الفكري وحرية التعبير..
وعملية بيع الحلم في سوق الهوى هو عملية بيع غير مشروعة..وكأن حلم الشاعر مختلف عن الهوى التي معناها في معجم المعاني:
الهَوَى : العِشقُ ، ويكون في الخير والشر
الهَوَى : المَيْلُ
الهَوَى : ميلُ النَّفس إِلى الشهوة..
ويعني ذلك أن حلم الشاعر أعظم وأسمى مكانة بحيث يختلف عن أبعاد بيعه ...
وكأن حلمه مقدس لا يُتاجَر به أبداً...

- من قال حيّا على الفنا؟
وقصيدتي كفّنتها
بقصيدةٍ أخرى لها
وقتَ الضحى

يا لروعة هذه الصورة التي تطوي معالم وأبعاداً كثيرة..
صيغة السؤال تحمل دلالات الموت والفناء..ليس حتماً موت الإنسان..بل للموت أشياء كثيرة..منها محسوسة ومنها معنوية..
من خلال هذا السؤال يوجهنا الشاعر لمن خلف الموت والمسببات التي أتت به..هل هو الظلم والجور وهل هو بأيدي آثمة تقضي على الحق وأهله وتبيد كل جمال في الكون ..من الذي ينادي على عدم البقاء؟! وموت القصائد والأقلام الحرة مطعونة لم تجهر بحروفها لتُغتال في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع دون أن يحركوا لها ساكناً..فالصورة الإبداعية التي استحضرها الشاعر هنا كانت تزيح عن الظلم الستارة وتظهر اغتصاب الأقلام وإعدامها وقتل كلمة الحق..
/في وقت الضحى/ كناية عن الجهر بتكفينها وموتها ومعرفة من وراءها..وهذا كناية أيضاً عن الجهر بالظلم دون حساب لأحد..أو ربما كان قصد الشاعر مدى الجهل الذي يعيشه إنسان اليوم من عدم القراءة وانسلاخ الموروث الثقافي منه ليكون في مدار الجاهلية التي تغمض عيونها عن نور الله..وربما تحمل أبعاداً أكثر في معجم الشاعر..صورة إبداعية جسدها الشاعر وهو في مرحلة الوحي الذي يشرق على الأرض بوعي ونور وعلم..

- مّنْ ضاجعَ الحلمَ الوليدَ
وسَامه سوءَ الأرقْ؟!

وصف متقن لصورة الأحلام التي تشوهت بالقلق في تحقيقها..حتى الأحلام البكر لم يتركوها سالمة معافاة من التحليق في الخيال ولم يتركوها تأخذ حقها أو تسير في مسرى الحياة..نلازم الحلم الوليد ليكبر وعيون الأرق ما زالت مفتحة تخشى الهبوط على أنامل الواقع المرتجف..

- /من مزّقَ الديوانَ
والشعرَ الممددَ
فوق أشلاءِ الورقْ
القابضون على مسارِ النجمِ
والقمر اتسقْ
من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ/.

الصورة هذه من أبرع ما وصفها الشاعر في تجسيد قمة الوجع وعظمة ما نالته النفس من ألم..
السؤال هنا يطرحه الشاعر ابتداءً من الديوان الشعري وكيفية تمزيقه...فالديوان هو مجموعة المشاعر الحية الملتهبة التي تلتقطها النفس في مجموعة حروف منسقة في مجموعة كلمات نابضة من القلب في مجموعة قصائد لاهثة تبحث عن وجودها وإحيائها لتلقى ذلك الصدى الحي الذي يكمل محتواها ويعمل ضمن معالمها...
/أشلاء الورق/ هي صورة وصفت ما ذاق الشعر من ألم..كناية عن مرحلة من مراخل الشعر الذي لقي في طريقه المعاناة وقد شرب من الواقع الملازم للشاعر قهراً..حيث يصف الورق والذي هو بيت الشعر أنه أشلاء..كناية عن عدم الأمن والاستقرار والطمأنينة..إذا كان بيت الشعر غير آمن فكيف ستكون مشاعر الشاعر وقد تشرب الألم..والدليل على ذلك قوله:
/ من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ/..
حيث يصف مراحل نمو القصيد ..من نطفة تخلّقت من بين آلام الشاعر علقاً...
هذا التشبيه المجازي لولادة القصيدة كان بحد ذاته أنسنة..إذ أعطى القصيد صفات الإنسان في خلقه من خلال التناص القرآني..فالنطفة والعلقة فيها قال الله تعالى :
"( يَاْ أَيُّهَاْ النَّاْسُ إِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّاْ خَلَقْنَاْكُمْ مِنْ تُرَاْبٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِن ْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) الحج 5"..
السؤال المطروح هنا لماذا شبه الشاعر القصيد بمراحل نمو الإنسان؟
هذا تشبيه بارع محترف البناء وماهر الفكرة..
وذلك حتى يعطي القصيد نفحة الحياة وأنها تشبه الإنسان بمراحل نموه وحياته..فالإنسان يتغذى ويكبر ويتحرك ويموت..
والقصيد تحمل نفس الصفات الإنسانية..
حيث تبدأ القصيدة من نطفة..ولنقل أن النطفة هي الفكرة التي تخطر بفكر الشاعر لتتطور وتنمو حرفاً ثم كلمة ثم بيتاً شعرياً لتصبح قصيدة..حيث تكبر وتتحرك في قلوب المتلقين من الكم الهائل من المشاعر والمعاني العظيمة التي تملكها..ثم يموت الشاعر وتبقى هي الأثر الطيب والعمل الراقي كي تخلّد ذكراه..كعمل الإنسان الصالح بعد الموت..والذي يُعتبر مسكاً يفوح عطره وذكره في الأرض والسماء..
لكن التشبيه الذي وصفه الشاعر كان جماله وبراعته في كلمة /تخلّقت/
وهنا يكمن الجمال والكمال في التراكيب البنائية للكلمات..
تخلّقت..معناها حملت نفس الصفات وليست نفس العلقة والنطفة..بمعنى تطبعت واكتسبت نفس المعنى وليس نفس الشكل..وهذا هو سر جمال كلمة تخلّقت..وليس خُلقت..لأن الخالق هو الذي يخلق وليس البشر..أما هنا فكانت القصيدة قد كبرت وبُنيت من الآلام التي يحملها الشاعر والتي نبعت من مشاعره الموجعة..فجعل في القصيدة من صفات الشاعر..من نبضه وحسه ووجوده

/وأنا بظهرِ الغيبِ
أقتاتُ الوعودَ
لكي أعودَ
أعانقُ الأشياءْ
وأظلُ أركضُ
خلفها
ومتى كتبتُ النازفاتِ
من الحروفِ
تخلَقت عينُ المساءْ/

يا لروعة هذه الصورة التي أحسسنا عبرها وجع الغربة وكيف ينتظر المغترب بصيص أمل لعودته للأشياء التي ينتمي إليها والتي تحسسه بالأمان والدفء في ظل مكان يغنيه عن الحاجة والحرمان..
في هذه الكلمات القليلة.. ابتدأها الشاعر بالضمير المنفصل / أنا/ والذي تكرر بعدها
عدة مرات..سنسلط الضوء عليه وعلى أبعاده ودلالاته لاحقاً...
استعمل الشاعر أفعال المضارعة التي يستمر فيها الفعل ويبقى بين جوانبها الأثر..المضارع الذي يعلن عن وجوده بأنه ما زال حياً..
/ أقتات/ أعود/ أعانق/ أظل/ أركض/
خمسة أفعال مضارعة حصرها الشاعر بين سبعة كلمات....ما معنى ذلك..؟! أليست دليلاً على حجم الوجع الذي ما زال يحرك مشاعره وينحت فيه غربته أليست هي من بنود الغربة..أليست دليلاً على سياط ومرارة الغربة التي يستمر مفعولها حتى العودة ومهما طال به الزمن..
ثم الفعل / أقتات/ أليست تعني تكرار الوعود بلا فائدة حتى أصبحت من كثرتها كالغذاء..كناية عن كثرتها وتكرارها..
صورة حية مجسدة مدى الوجع وحجمه الذي لا يقاس..
الشاعر هنا استطاع بهذه الأفعال أن يعلن للدنيا عن حق العودة لكل مغترب تحت جناح هذه الأفعال التي أدت دورها بحرفية متقنة وما يحمل كل فعل من غايته..
ومتى كتبتُ النازفاتِ
من الحروفِ
تخلَقت عينُ المساءْ/
هنا ..عين المساء..كناية عن حروفه الموجعة التي تغطيها وتلفها عتمة المساء بتشبيه من الحروف التي تنزف ألماً ووجعاً..
يكمل الشاعر بقوله:

/أنا من كتبتُ قصيدتي
قبل انبعاثِ الحرفِ
من عينِ البكاءْ/

هنا نرى الضمير المنفصل / أنا/ يتكرر..يعلن عن وجوده من خلال كتابته القصائد وهي تنحني للوجع والبكاء قبل انبعاث حرف الشاعر..وهذا كناية على أن الشاعر يتذوق الألم من زمن بعيد جداً...وكأن الوجع يلازمه ولا يتركه..

/أنا من تعثّر واقفا
ما بين شطرٍ قد بدا
ومودعا شطرا على وشكِ انتهاءْ/

الضمير المنفصل / أنا/ يتكرر..
لكن بصيغة أخرى وبمعالم جديدة تتدفق من بين أنامل التعثر ما بين شطري البيت الشعري في القصيدة..في أوله وآخره..
لكن يريد الشاعر أن يقول أنه تعثر رغم صموده ووقوفه ثابتاً في وجه المنحنيات التي تلاطم بحر القصيدة وحياته التي تنبعث من قلب الوجع..وهذا كناية عن شدة الظروف التي تعاقره وتمرّ به..

/أنا من كتبتُ الشعرَ
موفورَ الرجاءْ
أمعفرَ البحر الطويلِ
بغربتي!!!!/

الضمير المنفصل / أنا/ يتكرر..
فالأنا جاءت عملية تأكيد لوجود الشاعر في حالة من الرجاء في تحقيق غاياته وهو في جبّ الغربة وهو في حالة تعجب مؤكدة بتكرار علامة التعجب على أن قصائده التي ينظمها على البحر الطويل المغبر كناية عن النفس الطويل في الرجاء والدعاء وطول الأمد للوجع وهو يتذوق مرارة الغربة..

/أنا من عبرتُ بحبْوَتي
لُججا وأدمنتُ احتباءْ
سأظلُ أبحثُ عن طريقٍ
لطريقي
كلما اقترب الفنا
وحدي أنا
أعلنتُ يا شعرُ البقاءْ
إني مللتُ الشعرَ
كلُ قصيدةٍ دونتها
سفرً بعيدٌ بيننا
والبحرُ وقْعُ مطيةٍ عرجاءْ!!!
يا ليلُ
أدمنتَ الفؤادَ تمرّغاً
مالي وما لقوافلِ الشعراءْ
مالي وما للشعرِ
حين يردني حمماً
وحولي قد بدا
عمرُ الشتاءْ
كلُ الخطوطِ رسمتها
وعبرتُها....
ومشاعري خطُّ استواءٍ
دونه خط استواءْ/

هنا يتكرر أيضاً ضمير المنفصل/ أنا/ مرتين..
حيث تتأجج مشاعر الشاعر وتزداد درجة الانفعال لقمتها وهو ما بين درجة من الإرادة في البحث عن طريق جديد يُغيّر عبره بوصلة الحظ ليلتمس الخلاص من الشعر ودروبه الموبوءة بالغليان والحمم الثائرة التي تحرّض القلب على الوجع من خلال الشعر..وتمدّه بقوافل الشعراء الذين يغرسون بذور الألم..
كل هذه المشاعر وصفها على أنها خط استواء..
وكما شرحت أول القصيدة في تعريف خط الاستواء../ الخط الاستواء الذي نعرفه هو ذاك الخط الوهمي الذي يشكّل بانغلاقه دائرة وهمية تقسّم الكرة الأرضية لقسمين..شمالي وجنوبي بحيث يتساوى الليل والنهار عند هذا الخط طوال السنة وتنعدم عندها الفصول حيث نعلم أن المناخ الاستوائي حرارة مرتفعة وأمطار غزيرة.../
من خلال تعريف خط الاستواء فإننا نتطرق لبوح الشاعر واندماج مشاعره في المؤثرات الذاتية مع تراكيب اللغة العذبة التي ساقت لنا أبعاداً جمالية عديدة تُصبّ في بوتقة الذات المتأثرة بالواقع المرير المتصادمة به.. والتي حركت درجات البوح باللغة الإبداعية المتفردة وأثارتها بتجسيد محكم صوّر عن طريقه فكره الناتج والذي لاءم ولبى رؤيته الفكرية وفق مساحة اللغة ذات السبك المتين مع تلك الصور الذهنية البارعة التي كشفت المخزون المتراكم في أعماق الذات لتعرية الواقع المرير..في رموز تحمل أبعاد الغربة والألم...
شبه الشاعر مشاعره بخط استواء..حيث تشكل بانغلاقها على الذات كدائرة تنتهي فيها المشاعر من حيث بدأت..بمعنى أن أكوام المشاعر التي ترسم خط استواء ما زالت كما هي..حممٌ وتمرّغ في القلب واندلاعها إزاء انعكاس الواقع وتفاعلها معه..جعلها على وتيرة واحدة لم تهدأ يوماً ما أو تصمت أو تتبدل لمشاعر السكينة والهدوء والرضوخ للواقع..حيث شبه مشاعره بخط استواء بالحرارة الشديدة نتيجة غليانه من الواقع المؤلم..وبالمطر الشديد حين يتفاعل بالرضى ويقدم كل ما بوسعه من عملٍ دفاعاً عن ضجيج الواقع ووجعه ونزفه..
وإن كانت مشاعره خط استواء ودونه خط استواء..هذا يعيدنا لزاوية أخرى من التأويل أن مشاعره في مرحلة التمكن والاستقرار نتيجة لهيبها المتفاعل وحممها التي تفور من ظلم الواقع..ثم تعلو درجة انفعالها لتصل لدرجة الاستقامة والاعتدال..
ثمة غليان اتسعت بؤرته من بركان ما أحدثه الواقع المرير..وهذا ما انعكس في نواة مشاعر الشاعر لتكبر في إزاء إحداث التغيير الناضج في عنق تصوراته وتغيير بوصلة الأزمة الخانقة من داخل الذات لخارج الوطن..لتحويلها لمراحل اعتدال واستواء واستقرار..وهذه المشاعر المختلطة بقيت متقدة في مستوى واحد بحيث لم تضعف لحد الخفوت ولم تعلو لدرجة الانفجار..بل بقيت كما عبّر عنها بأن مشاعره خط استواء..
..
نأتي لوضع لمسات فنية من خلال تكرار الضمير المنفصل /أنا /في هذه الأبيات لستة مرات..إذ أن التكرار له اعتبارات عديدة وجماليات كثيرة ومعالم مختلفة..
التكرار يعطي للقصيدة إيقاع موسيقي عذب تطرب له الذات وتتناغم معه الروح مع ذبذبات التكرار لتعطي للمتلقي هوية التناغم الذي يوقظ فيه روح النص بدلالاته وتأويلاته والتي تفتح أبواب الحراك في التذوق الجمالي لهوية النص الشعري من خلال الصور التي أرادها الشاعر كي يدلل على عمق حسه وجوانب مشاعره التي تدفقت بقوة من أول النص الشعري لآخره..
عملية التكرار إنما جاءت لترفع من وتيرة الإيقاع وتثبّت نغمات الكلمات وتناغمها الفني بشكل موسيقي تطرب له الروح المتلقية من خلال تكرار ضمير الأنا فيها..مما أضفى نبضاً جمالياً مؤثراً دالّاً على الحالة الشعورية المتأزمة المتلاصقة بالشاعر لتوكيد هويته الذاتية..وتأثير وجعها في المتلقي لإبراز صورة الشاعر والكم الهائل من المشاعر التي تلامسه وتقضّ مضجعه..لتكون بؤرة الإيقاع الصوتي المؤثر في تكوين مستوى الجمالي والدلالي فيما بين السطور ليزداد النص جمالاً وترابطاً في ثلاثية بارعة من/ بناء القصيدة ووحدتها الفنية البارعة و/جماليات الدلالات المختلفة/ ودقة توظيف الصور/ لتحقيق معالم الذات التي طغت بفاعليتها على الأجواء العامة للقصيدة لتنساب في ذهن المتلقي كمعزوفة راقية على أوتار الشعر البديع..
لذلك كان من تكرار الضمير المتكلم المفرد /أنا/ في النص..دلالة توثيق ذاتية لإثبات هوية الشاعر وقوته ودرجة انتمائه ومدى قدرته على التحدي والمقاومة ليقول للمتلقي أنه ما زال يقاوم لأجل ما يصبو له وبترابط وثيق بين الذات الداخلية والهوية الخارجية التي تجمعه بالأرض والوطن لتبقى مشاعره منارة التحدي والصمود وبوصلة التوجيه نحو الحق والحرية والحفاظ على معالم الهوية بكل اختلافها...
لذلك كان من هذا التكرار تحويل دلالي إلى صورة صوتية للمورفيمات..الفونولوجي..لإفراغ الشحنات العاطفية من عمق الذات لإثارة الذائقة المتلقية والتعايش مع الصورة المتكاملة التي ينقلها الشاعر من أعماقه للروح المخاطبة بشكل متناغم بارع ومثير...
.
.
الشاعر الكبير المبدع البارع
أ.هشام فتحي
بوركتم وقلمكم المتألق وحرفكم المتفرد..على هذه االوحة التي فتحت آفاق الذهن وسالت منابع الذائقة في فك شيفرتها الجمالية التي أثرت الفكر والأدب بما تحمله من بلاغة وفصاخة ومهارة في حياكة ثوبها الجمالي المضيء..
وفقكم الله لنوره وحبه ورضاه
وزادكم بسطة من العلم والخير الكثير...
.
.
جهاد بدران
فلسطينية

فاطمة الزهراء العلوي 05-05-2019 05:08 PM

رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة (خط استواء ) للشاعر هشام فتحي
 
مررت للسلام ومباركة سيدنا رمضان
للغالية جدا جهاد
واما القراءة فقد تقمصتني مذ فجر اللقاء الأول ما بيننا
هي ذي ريشة جهاد تبحث تنقب وتاتي بقراءات موازية للنص
تحية لك وللمحتفى به ضيف القراءة

جهاد بدران 05-05-2019 09:05 PM

رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة (خط استواء ) للشاعر هشام فتحي
 
وعليكم السلام يا الغالية العزيزة الزهراء
والله مفاجأة جميلة حضورك الراقي ومرورك العذب
أهلاً بسيدة الحرف البليغ
ما أسعدني بحضورك الذي وافق هذا الشهر العظيم المبارك
كل عام وأنت بخير
أقرَّ الله عينك في رمضان بلذة الأسحار وصُحبة الأخيار ورحمة الغفار وجنة الأبرار.
الله يتقبَّل صيامك وقيامك ومبارك عليك الشهر.

جهاد بدران 05-05-2019 09:14 PM

رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة (خط استواء ) للشاعر هشام فتحي
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فاطمة الزهراء العلوي (المشاركة 702617)
ممرت للسلام ومباركة سيدنا رمضان
للغالية جدا جهاد
واما القراءة فقد تقمصتني مذ فجر الللقاء الاول ما بيننا
هي هذه ريشة جهاد تبحث تنقب وتاتي بقراءات موازية للنص
تحية لك وللمحتفى به ضيف القراءة

وعليكم السلام ورحمة الله غاليتي العزيزة الزهراء
أهلاً بسيدة الحرف البليغ وصاحبة المقام الرفيع
ما أسعدني بهذه الطلة المضيئة بعد غياب طويل..
كل عام وأنت بألف خير حبيبتي
أقرَّ الله عينك في رمضان بلذة الأسحار وصُحبة الأخيار ورحمة الغفار وجنة الأبرار.
الله يتقبَّل صيامك وقيامك ومبارك عليك الشهر.
لي الشرف والاعتزاز والفخر أن تلامس عيناك من متواضع ما أكتب..
ومتابعتك التي تزيدني تشجيعاً خاصة كقارئة فذة أمثالك..
شهادتك هذه أعتبرها ضوء ينير درب الأدب نحو الأفضل..
وفقك الله ورعاك وزادك علما ونورا وخيرا كثيرا

فاطمة الزهراء العلوي 05-05-2019 09:48 PM

رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة (خط استواء ) للشاعر هشام فتحي
 
شكرا كبيرة الغالية جهاد هي ظروف تبعدنا لكنكم أحبتي في القلب
وحروفك وحضورك يغريان بالمتابعة
ثم أعتذر عن بعض الهنات مرت في تعليقي الأول
لك المجد يا غالية


الساعة الآن 10:06 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO

vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010