::منتديات قناديل الفكر والادب ::

::منتديات قناديل الفكر والادب :: (http://www.kanadeelfkr.com/vb/index.php)
-   قناديل القصة و الرواية و المسرحية (http://www.kanadeelfkr.com/vb/forumdisplay.php?f=13)
-   -   الرجاء الأخير (http://www.kanadeelfkr.com/vb/showthread.php?t=510)

أبو القاسم علوي 03-27-2008 07:57 PM

الرجاء الأخير
 
الرجاء الأخير



..وكأنَّ الأيامَ لمْ تكنْ لِتكتفيَ بنقشِ تلك الخطوطِ المتعرجةِ على مُحَيّاها فراحتْ تُؤكدُها بعمقٍ يُحاكي عمقَ تلك المُعاناةِ التي جعلتَها أهونَ الناسِ عليه .
لقد آثرتْ أن تغوصَ في ماضٍ كان أكثرَ عدلاً وسخاءً من حاضرٍ أنكرَ عليْها أمومةً راحتْ تمارسُ طقوسَها من خلال هذا القميص الذي ألبسَتْهُ طفلَها يومَ العيد ..
هاهيَّ ذي مرةً أخرى تعتكفُ في زاويةٍ من حُجرتِها الضَّيقة تناجيه وتذكرُه بوعدٍ قَطَعَهُ على نفسِه في لحظةٍ منَ البراءَةِ والصِّدق " حينَ أصبحُ رجلاً سأجعلكِ أسْعدَ الناس "
كانتْ تلك الكلماتُ تُمثل لهَا العزاءَ الكاملَ عنْ كلِّ المُعاناةِ التي بدأتْ في يومٍ أفاقتْ فيهِ لتجدَ نفسَها أرملةً تحتضنُ يتيمًا ..
أقبلتْ على الأيام تسْـتَحِثها على المُضِيِّ وكأنها تستعجل طيَّ صَفحةِ ربيعِها لتستنْهِضَ ربيعًا آخرَ كانتْ تسْتشفه في طِفلِها الوحيد.
عاشتْ تُسابق أيَّامَها لتُضيفَها عُمْرًا إلى عُمْرِه .. تعانقُ أحلامَها لتنثرَها وَرْدًا على ذلك القميص الذي صار بمثابة تذكرة العبور إلى ماضٍ سوف يُحَلقُ بها إلى غدٍ مشرق ..
قميصٌ شهِدَ وعْده وبراءتَه ولحظةَ صدقِه ، لا تفْتَـأُ تخاطبُه وتشكو إليه همّها وتذرفُ بين يديهِ دَمْعها ..لعلهُ في ليْلةِ العيدِ هذه يَسمعُ فيسْتجيب ..
تتدافعُ الذكرياتُ في وجدانِها أمَلاً متجددًا يفترشُ السكونَ في ليلٍ يوشكُ على الانتهاء . ترْتعش فرائصُها كُلما اهْتز خيطُ السكون الذي يشدُّها إلى عمق الذكريات ، وحينَ تسمعُ قلقلةَ مفتاحِه يعتريها رُعبٌ آخر.. فتضُم قميصَه إلى حضنها كمنْ يطلبُ الهروبَ من حاضرٍ مغدقٍ في المرارة إلى ماضٍ أشرقَ بوعدٍ عاشتْ تنتظرُه بصبر لا ينفذ.
تذرفُ دمعة أخرى باتتْ تعرفُ مستقرَّها وهي تحاولُ ألاَّ تحدثَ أي صوتٍ فهي تعلمُ أنه صار لا يطيقُ نظراتِ الحسرةِ عليْه ..
كانت تعرفُ مقدارَ تدهورِ حالتِه منْ خطواتِه المبعثرةِ التي راح يجرُّها باتجاه المطبخ وهو لا يكاد يقوى على حَمْلِ نفسِه ..
كَتَمَتْ أنفاسَها حين تقدَّم يردِّدُ كلاما بصوتٍ عالِ كأنه يريدُها أن تَسْمعَه .. لم تعدْ قادرةً على منعِه مِنَ الخوض في مسْلكٍ اختطفه منها وبات كلَّ حياتِه .. ما أكثرَ ما جَثَتْ عند قدميه تتوسّل ، عَلَّهُ يُقلع عن تعاطي ذلك السُّم الذي هَدَّ جسمه وأتلفَ عقله ..
لقدْ كان توسلُها يثير غضبَه ورجاؤُها له يزيده إصْرَارًا على المُضِيِّ أبعدَ ..
يقتحم حُجرتَها ويتقدَّم نحو خزانتِها علّهُ يجدُ ما ينفقُه على إتلافِ عقلِه ، فلم يعُدْ يقوى على مقاومة جنونِه ..
تهاوتْ كلُّ أحلامِها حينَ قامتْ تمنعُه .. دفعها بقوةٍ على جدارٍ كانَ أحنَّ عليها من قلبِه ..
سقطتْ..
سقطتْ.. لتسقطَ معها آخر أوراقِ ماضيها المشرق ..
سقطتْ لتضيف هذا اليوم إلى أيام الشقاءِ التي تمنَّتْ أن تنتهي بيوم عيدِ كذاك الذي تلقتْ فيه وعدَه .
سقطتْ وهي تحْمِلُ قميصه المتعب من وعدٍ طوَّقها و لم يَفِ به يوما ..
سقطت لتُحَمِّـلَ ذاك القميصَ الغارقَ في دمها شهادةً أخرى .. تُضافُ إلى وعده القديم.
نزفت لتريحَ قلبا حَرَّقتْه نيرانُ الجحود ..
ماتتْ .. ليكونَ موتُها الرَّجاء الأخيـر .

أبو القاسم علوي

علي جاسم 03-28-2008 07:41 AM

السلام عليكم

قصة مؤثرة أخي

نسجتها بصورة جيدة

حتى أستطاع هذا المشهد أن يصل للمتلقي بسهولة

تقديري لك

وأهلاً بك معنا

د. جمال مرسي 04-05-2008 07:05 PM

حين يقع المرء فريسة الإدمان فإن كل شيء يهون عليه حتى أمه التي ربته و سهرت عليه عمرها
قصة مؤلكة وقائغها تحدث كثيرا لشبابنا نسأل الله أن يعافيهم و يعافينا .
أحسنت نسج القصة أخي القاص أبا القاسم فلله درك
محبتي و تقديري

اشرف الخريبي 04-14-2008 11:34 PM

اول ما لفت نظري لهذا النص الماتع
هو لغته واعتناء الكاتب باللغة يعنى انه يطمح لتقديم الرائع والجيد
أقبلتْ على الأيام تسْـتَحِثها على المُضِيِّ وكأنها تستعجل طيَّ صَفحةِ ربيعِها لتستنْهِضَ ربيعًا آخرَ كانتْ تسْتشفه في طِفلِها الوحيد

كتابة تستحق الثناء والتقدير

احييك علي هذا النص
واتمنى ان اراك دوما

اشرف

أبو القاسم علوي 04-15-2008 02:00 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علي جاسم (المشاركة 3686)
السلام عليكم

قصة مؤثرة أخي

نسجتها بصورة جيدة

حتى أستطاع هذا المشهد أن يصل للمتلقي بسهولة

تقديري لك

وأهلاً بك معنا

لك أخي الفاضل كل الود عى قراءتك ورأيك الذي أعتز به ..

نرجو من الله أن يوفقنا كي نرقى إلى مستوى ذوقكم الأدبي الرفيع

أبو القاسم علوي 04-15-2008 02:03 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. جمال مرسي (المشاركة 5975)
حين يقع المرء فريسة الإدمان فإن كل شيء يهون عليه حتى أمه التي ربته و سهرت عليه عمرها
قصة مؤلكة وقائغها تحدث كثيرا لشبابنا نسأل الله أن يعافيهم و يعافينا .
أحسنت نسج القصة أخي القاص أبا القاسم فلله درك
محبتي و تقديري

بورك فيك أخي الفاضل ..نرجو لكم التوفيق في القيام بهذه الرسالة النبيلة التي تحملونها ..
وكم أسعذني التواجد بينكم في هذا الصرح الذي أراه يرقى يوما بعد يوم .

أبو القاسم علوي 04-15-2008 02:06 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اشرف الخريبي (المشاركة 8379)
اول ما لفت نظري لهذا النص الماتع
هو لغته واعتناء الكاتب باللغة يعنى انه يطمح لتقديم الرائع والجيد
أقبلتْ على الأيام تسْـتَحِثها على المُضِيِّ وكأنها تستعجل طيَّ صَفحةِ ربيعِها لتستنْهِضَ ربيعًا آخرَ كانتْ تسْتشفه في طِفلِها الوحيد

كتابة تستحق الثناء والتقدير

احييك علي هذا النص
واتمنى ان اراك دوما

اشرف

شكرا على كلماتك الطيبة والتي وقعت من قلبي موقعا ..
بارك الله فيك أخي ووفقكم لأداء رسالة عظيمة أراكم أهلا لها


الساعة الآن 07:45 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO

vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010