عرض مشاركة واحدة
قديم 03-27-2019, 05:57 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
أديبة و شاعرة

الصورة الرمزية جهاد بدران
إحصائية العضو







جهاد بدران is on a distinguished road

جهاد بدران غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : هاشم فتحي المنتدى : قناديل الشعر العمودي و التفعيلي
افتراضي رد: قصيدة (خطُ استواء) هشام فتحي

/ خط استواء /
سنبدأ في هذه القصيدة بتشريح معالم العنوان..ذلك العنوان الذي تتفتح معه كل غرفات الخيال ونوافذ الفكر كي تتدفق في وعي الحروف وما تحمله من متاع الجمال الساحر والذي يضفي على الذائقة رحيق المعاني وما بين طيات الحروف من درر.. سنحاول استخراجها كي نتذوق أصول الإبداع على طبيعتها على طبق أدبي متميز متفرد..
لنبدأ من معاني/ خط استواء/
معروف لدينا ان الخط الاستواء الذي نعرفه هو ذاك الخط الوهمي الذي يشكّل بانغلاقه دائرة وهمية تقسّم الكرة الأرضية لقسمين..شمالي وجنوبي بحيث يتساوى الليل والنهار عند هذا الخط طوال السنة وتنعدم عندها الفصول حيث نعلم أن المناخ الاستوائي حرارة مرتفعة وأمطار غزيرة...
لمحة جغرافية رسمتها قبل الولوج لداخل النص..لأنه ثمة ما يقال من خلال هذه الجغرافية المتقنة للقصيدة وهندستها البارعة في التصميم اللغوي والبناء المتين في تراكيبها الراقية..
أما العنوان / خط استواء/
فهو عنوان غير معرّف بأل التعريف..نكرة ويدل على أنه معنى مجازي له أبعاده وتأويله المختلف ولو كان فيه مسحة من معالم الخط الاستوائي..
سنتبين من ذلك من خلال عمق النص وما فيه من تجاويف متنوعة تصب في العنوان نفسه...
بل سنقوم بتقشير الحروف النبهمة للوصول إلى لب المعنى والذي يرتبط بالعنوان لا محالة..
قبل الدخول للنص سأمرّر فكرة المعنى الظاهري للكلمتين من زاوية رؤيتي المتواضعة:
/خط/....ويعني طريق
ويمكن للخط أن يكون مستقيماً أو منحنياً أو منكسراً ويمكنه أن يكون مفتوحاً أو مغلقاً..
وهذا يرمز به للنفس الإنسانية ومرور تقلبات الحياة فيها كلٌّ حسب إيقاع الأحداث ومجرياتها..لأن النفس والذات تحمل صفات هذا الخط..
..نفوس مستقيمة لا تقبل الانحناء والانكسار..
..نفوس منحنية لظواهر حياتية تقبع تحت الضغط ولا تملك القوة والسيطرة على الذات وإشباعها بتحصينات إيمانية تشد من أزرها..
..نفوس منكسرة ضعيفة لا تملك أي نوع من ردع النفس عن الشهوات وتعتبر من التبعية في كل شيء..وهذه من أخطر النفوس في المجتمعات..لأنها تشكل خطراً عظيماً من مخلفات الانكسار وتقوم ببث الانكسار في البيئة المحيطة بها تحت وطأة الضعف وعدم القدرة على مجابهة الأحداث والتغييرات..

اما معنى/ استواء/..ويعني استقامة بلا اعوجاج..
سنبدأ بالسبر بين أغوار النص للوصول لمنطقة إلتقاء ما بين النص والعنوان..
يبدأ الشاعر بقوله:
/من أطفأَ القنديلَ
قنّاص المنى
من باع في سوقِ الهوى
حلمي أنا
من قال حيّا على الفنا
وقصيدتي كفّنتها
بقصيدةٍ أخرى لها
وقتَ الضحى
مّنْ ضاجعَ الحلمَ الوليدَ
وسَامه سوءَ الأرقْ
من مزّقَ الديوانَ
والشعرَ الممددَ
فوق أشلاءِ الورقْ
القابضون على مسارِ النجمِ
والقمر اتسقْ
من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ/.
الشاعر بدأ قصيدته ب/ مَن/ وهي اسم استفهام يُستخدم للسؤال عن العاقل.. ويُعرب حسب موقعه من الجملة..
واستعمال صيغة السؤال والاستفهام في بداية القصيدة..يفتح نوافذ البحث والتنقيب على عمق النص لايجاد ذلك الجواب الشافي الذي يعيد للفكر الاستنتاج من محتوى القصيدة..
وهذا سرّ الجمال في طرح النص أو القصيدة..
فقد كرّر الشاعر اسم الاستفهام/ مَن/ في هذه الأبيات خمس مرات وهو يعيد تكرارها لجذب ذائقة المتلقي..خاصة ما تحمل عملية التكرار من إيقاع موسيقي محبب تطرب له الذائقة..
وهذا النوع من التكرار يقال له تكرار استهلالي
لأنه تم تجنيده في بداية النص مما أسفر عن ذلك بنية إيقاعية حرّكت مفاصل النص لأبعاد ودلالات ساهمت في تطوير البُنية الفكرية ونسيجها الخيالي في منظومة الجمال والإبداع وأطربت النفس وهي ما بين ذائقة الشاعر وذائقة المتلقي..
تكرار الشاعر لاسم الاستفهام/ من/ بمثابة لفت النظر وعملية تأكيد على ما يسأل عنه في هذا الوجود..أسلوب التساؤل هذا ممزوج بفلسفة تعيد الفرد للتأمل والتدبر والوقوف في هذا الجوّ الروحاني والنفسي كي يكون أداة تحريك وتغيير في العوامل التي تطرأ في حياة الإنسان...فالتساؤل جاء لزعزعة الركود والصمت وإحياء الفكر والعمل..
لننظر لمنزلة السؤال وحجمه وبراعته وتأثيره في النفس :

- من أطفأ القنديل؟
والقنديل هو ضوء الحياة والاهتداء في الظلام والعتمة..في انطفائه يحضر الموت ويجلب التخبط وعدم الهداية..
ربما يكون القنديل كناية عن الهدى والحياة بنور الله..
وعملية التساؤل هنا وكأن الشاعر أراد منا البحث عن هؤلاء الذين يطفئون نور الله بأيديهم..ويُكثروا من الفساد في الأرض..

- مَن باع حلمه في سوق الهوى؟
هذا التساؤل يوضح أنه يوجد تعدي على خصوصيات الإنسان وحريته واغتيال للأحلام
وإلا من يتدخل في بيع أحلام الغير إلا مغتصباً لملكيتها..وهذا كناية عن عدم وجود الأمن الفكري وحرية التعبير..
وعملية بيع الحلم في سوق الهوى هو عملية بيع غير مشروعة..وكأن حلم الشاعر مختلف عن الهوى التي معناها في معجم المعاني:
الهَوَى : العِشقُ ، ويكون في الخير والشر
الهَوَى : المَيْلُ
الهَوَى : ميلُ النَّفس إِلى الشهوة
ويعني ذلك أن حلم الشاعر أعظم وأسمى مكانة بحيث يختلف عن أبعاد بيعه ...
وكأن حلمه مقدس لا يُتاجَر به أبداً...

- من قال حيّا على الفنا؟
وقصيدتي كفّنتها
بقصيدةٍ أخرى لها
وقتَ الضحى

يا لروعة هذه الصورة التي تطوي معالم وأبعاداً كثيرة..
صيغة السؤال تحمل دلالات الموت والفناء..ليس حتماً موت الإنسان..بل للموت أشياء كثيرة..منها محسوسة ومنها معنوية..
من خلال هذا السؤال يوجهنا الشاعر لمن خلف الموت والمسببات التي أتت به..هل هو الظلم والجور وهل هو بأيدي آثمة تقضي على الحق وأهله وتبيد كل جمال في الكون ..من الذي ينادي على عدم البقاء؟! وموت القصائد والأقلام الحرة مطعونة لم تجهر بحروفها لتُغتال في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع دون أن يحركوا لها ساكناً..فالصورة الإبداعية التي استحضرها الشاعر هنا كانت تزيح عن الظلم الستارة وتظهر اغتصاب الأقلام وإعدامها وقتل كلمة الحق..
/في وقت الضحى/ كناية عن الجهر بتكفينها وموتها ومعرفة من وراءها..وهذا كناية أيضاً عن الجهر بالظلم دون حساب لأحد..أو ربما كان قصد الشاعر مدى الجهل الذي يعيشه إنسان اليوم من عدم القراءة وانسلاخ الموروث الثقافي منه ليكون في مدار الجاهلية التي تغمض عيونها عن نور الله..وربما تحمل أبعاداً أكثر في معجم الشاعر..صورة إبداعية جسدها الشاعر وهو في مرحلة الوحي الذي يشرق على الأرض بوعي ونور وعلم..

- مّنْ ضاجعَ الحلمَ الوليدَ
وسَامه سوءَ الأرقْ؟!

وصف متقن لصورة الأحلام التي تشوهت بالقلق في تحقيقها..حتى الأحلام البكر لم يتركوها سالمة معافاة من التحليق في الخيال ولم يتركوها تأخذ حقها أو تسير في مسرى الحياة..نلازم الحلم الوليد ليكبر وعيون الأرق ما زالت مفتحة تخشى الهبوط على أنامل الواقع المرتجف..

- /من مزّقَ الديوانَ
والشعرَ الممددَ
فوق أشلاءِ الورقْ
القابضون على مسارِ النجمِ
والقمر اتسقْ
من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ/.

الصورة هذه من أبرع ما وصفها الشاعر في تجسيد قمة الوجع وعظمة ما نالته النفس من ألم..
السؤال هنا يطرحه الشاعر ابتداءً من الديوان الشعري وكيفية تمزيقه...فالديوان هو مجموعة المشاعر الحية الملتهبة التي تلتقطها النفس في مجموعة حروف منسقة في مجموعة كلمات نابضة من القلب في مجموعة قصائد لاهثة تبحث عن وجودها وإحيائها لتلقى ذلك الصدى الحي الذي يكمل محتواها ويعمل ضمن معالمها...
/أشلاء الورق/ هي صورة وصفت ما ذاق الشعر من ألم..كناية عن مرحلة من مراخل الشعر الذي لقي في طريقه المعاناة وقد شرب من الواقع الملازم للشاعر قهراً..حيث يصف الورق والذي هو بيت الشعر أنه أشلاء..كناية عن عدم الأمن والاستقرار والطمأنينة..إذا كان بيت الشعر غير آمن فكيف ستكون مشاعر الشاعر وقد تشرب الألم..والدليل على ذلك قوله:
/ من نطفةٍ جاء القصيدُ
تخلّقت من بين آلامي
عَلَقْ/..
حيث يصف مراحل نمو القصيد ..من نطفة تخلّقت من بين آلام الشاعر علقاً...
هذا التشبيه المجازي لولادة القصيدة كان بحد ذاته أنسنة..إذ أعطى القصيد صفات الإنسان في خلقه..فالنطفة والعلقة فيها قالتعالى :
"( يَاْ أَيُّهَاْ النَّاْسُ إِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّاْ خَلَقْنَاْكُمْ مِنْ تُرَاْبٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِن ْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) الحج 5"..
السؤال المطروح هنا لماذا شبه الشاعر القصيد بمراحل نمو الإنسان؟
هذا تشبيه بارع محترف البناء وماهر الفكرة..
وذلك حتى يعطي القصيد نفحة الحياة وأنها تشبه الإنسان بمراحل نموه وحياته..فالإنسان يتغذى ويكبر ويتحرك ويموت..
والقصيد تحمل نفس الصفات الإنسانية..
حيث تبدأ القصيدة من نطفة..ولنقل أن النطفة هي الفكرة التي تخطر بفكر الشاعر لتتطور وتنمو حرفاً ثم كلمة ثم بيتاً شعرياً لتصبح قصيدة..حيث تكبر وتتحرك في قلوب المتلقين من الكم الهائل من المشاعر والمعاني العظيمة التي تملكها..ثم يموت الشاعر وتبقى هي الأثر الطيب والعمل الراقي كي تخلّد ذكراه..كعمل الإنسان الصالح بعد الموت..والذي يُعتبر مسكاً يفوح عطره وذكره في الأرض والسماء..
لكن التشبيه الذي وصفه الشاعر كان جماله وبراعته في كلمة /تخلّقت/
وهنا يكمن الجمال والكمال في التراكيب البنائية للكلمات..
تخلّقت..معناها حملت نفس الصفات وليست نفس العلقة والنطفة..بمعنى تطبعت واكتسبت نفس المعنى وليس نفس الشكل..وهذا هو سر جمال كلمة تخلّقت..وليس خُلقت..لأن الخالق هو الذي يخلق وليس البشر..أما هنا فكانت القصيدة قد كبرت وبُنيت من الآلام التي يحملها الشاعر والتي نبعت من مشاعره الموجعة..فجعل في القصيدة سمات من صفات الشاعر..من نبضه وحسه ووجوده..
.
.
.
.
يتبع...بإذن الله تعالى
جهاد بدران
فلسطينية







التوقيع




( عذراً .. ليس لي حساب على الفيس بوك )

رد مع اقتباس