الموضوع: الرجاء الأخير
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-27-2008, 07:57 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أديب

الصورة الرمزية أبو القاسم علوي
إحصائية العضو







أبو القاسم علوي is on a distinguished road

أبو القاسم علوي غير متواجد حالياً

 


المنتدى : قناديل القصة و الرواية و المسرحية
افتراضي الرجاء الأخير

الرجاء الأخير



..وكأنَّ الأيامَ لمْ تكنْ لِتكتفيَ بنقشِ تلك الخطوطِ المتعرجةِ على مُحَيّاها فراحتْ تُؤكدُها بعمقٍ يُحاكي عمقَ تلك المُعاناةِ التي جعلتَها أهونَ الناسِ عليه .
لقد آثرتْ أن تغوصَ في ماضٍ كان أكثرَ عدلاً وسخاءً من حاضرٍ أنكرَ عليْها أمومةً راحتْ تمارسُ طقوسَها من خلال هذا القميص الذي ألبسَتْهُ طفلَها يومَ العيد ..
هاهيَّ ذي مرةً أخرى تعتكفُ في زاويةٍ من حُجرتِها الضَّيقة تناجيه وتذكرُه بوعدٍ قَطَعَهُ على نفسِه في لحظةٍ منَ البراءَةِ والصِّدق " حينَ أصبحُ رجلاً سأجعلكِ أسْعدَ الناس "
كانتْ تلك الكلماتُ تُمثل لهَا العزاءَ الكاملَ عنْ كلِّ المُعاناةِ التي بدأتْ في يومٍ أفاقتْ فيهِ لتجدَ نفسَها أرملةً تحتضنُ يتيمًا ..
أقبلتْ على الأيام تسْـتَحِثها على المُضِيِّ وكأنها تستعجل طيَّ صَفحةِ ربيعِها لتستنْهِضَ ربيعًا آخرَ كانتْ تسْتشفه في طِفلِها الوحيد.
عاشتْ تُسابق أيَّامَها لتُضيفَها عُمْرًا إلى عُمْرِه .. تعانقُ أحلامَها لتنثرَها وَرْدًا على ذلك القميص الذي صار بمثابة تذكرة العبور إلى ماضٍ سوف يُحَلقُ بها إلى غدٍ مشرق ..
قميصٌ شهِدَ وعْده وبراءتَه ولحظةَ صدقِه ، لا تفْتَـأُ تخاطبُه وتشكو إليه همّها وتذرفُ بين يديهِ دَمْعها ..لعلهُ في ليْلةِ العيدِ هذه يَسمعُ فيسْتجيب ..
تتدافعُ الذكرياتُ في وجدانِها أمَلاً متجددًا يفترشُ السكونَ في ليلٍ يوشكُ على الانتهاء . ترْتعش فرائصُها كُلما اهْتز خيطُ السكون الذي يشدُّها إلى عمق الذكريات ، وحينَ تسمعُ قلقلةَ مفتاحِه يعتريها رُعبٌ آخر.. فتضُم قميصَه إلى حضنها كمنْ يطلبُ الهروبَ من حاضرٍ مغدقٍ في المرارة إلى ماضٍ أشرقَ بوعدٍ عاشتْ تنتظرُه بصبر لا ينفذ.
تذرفُ دمعة أخرى باتتْ تعرفُ مستقرَّها وهي تحاولُ ألاَّ تحدثَ أي صوتٍ فهي تعلمُ أنه صار لا يطيقُ نظراتِ الحسرةِ عليْه ..
كانت تعرفُ مقدارَ تدهورِ حالتِه منْ خطواتِه المبعثرةِ التي راح يجرُّها باتجاه المطبخ وهو لا يكاد يقوى على حَمْلِ نفسِه ..
كَتَمَتْ أنفاسَها حين تقدَّم يردِّدُ كلاما بصوتٍ عالِ كأنه يريدُها أن تَسْمعَه .. لم تعدْ قادرةً على منعِه مِنَ الخوض في مسْلكٍ اختطفه منها وبات كلَّ حياتِه .. ما أكثرَ ما جَثَتْ عند قدميه تتوسّل ، عَلَّهُ يُقلع عن تعاطي ذلك السُّم الذي هَدَّ جسمه وأتلفَ عقله ..
لقدْ كان توسلُها يثير غضبَه ورجاؤُها له يزيده إصْرَارًا على المُضِيِّ أبعدَ ..
يقتحم حُجرتَها ويتقدَّم نحو خزانتِها علّهُ يجدُ ما ينفقُه على إتلافِ عقلِه ، فلم يعُدْ يقوى على مقاومة جنونِه ..
تهاوتْ كلُّ أحلامِها حينَ قامتْ تمنعُه .. دفعها بقوةٍ على جدارٍ كانَ أحنَّ عليها من قلبِه ..
سقطتْ..
سقطتْ.. لتسقطَ معها آخر أوراقِ ماضيها المشرق ..
سقطتْ لتضيف هذا اليوم إلى أيام الشقاءِ التي تمنَّتْ أن تنتهي بيوم عيدِ كذاك الذي تلقتْ فيه وعدَه .
سقطتْ وهي تحْمِلُ قميصه المتعب من وعدٍ طوَّقها و لم يَفِ به يوما ..
سقطت لتُحَمِّـلَ ذاك القميصَ الغارقَ في دمها شهادةً أخرى .. تُضافُ إلى وعده القديم.
نزفت لتريحَ قلبا حَرَّقتْه نيرانُ الجحود ..
ماتتْ .. ليكونَ موتُها الرَّجاء الأخيـر .

أبو القاسم علوي






رد مع اقتباس