آخر 10 مشاركات
هل ..؟ (الكاتـب : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 29 - الوقت: 10:39 AM - التاريخ: 10-16-2019)           »          رمية نرد (الكاتـب : - مشاركات : 6 - المشاهدات : 207 - الوقت: 10:37 AM - التاريخ: 10-16-2019)           »          دركات القلق (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 2 - الوقت: 10:34 AM - التاريخ: 10-16-2019)           »          ♧نمارقِ التّوْقِ..♧ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 93 - الوقت: 08:11 AM - التاريخ: 10-16-2019)           »          نمارق التوق و زاوية رؤيا (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 5 - الوقت: 08:09 AM - التاريخ: 10-16-2019)           »          خربشات على الماء (الكاتـب : - مشاركات : 676 - المشاهدات : 45263 - الوقت: 08:04 PM - التاريخ: 10-15-2019)           »          نسور مصر :: شعر :: صبري الصبري (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 13 - الوقت: 03:37 PM - التاريخ: 10-15-2019)           »          أنا شامة جبين الحزن للشاعر ايمن عمر (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 20 - الوقت: 10:42 AM - التاريخ: 10-15-2019)           »          حذار ! الطاهرة حجازي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 52 - الوقت: 05:14 AM - التاريخ: 10-15-2019)           »          الدار الصغيرة صفية أكطاي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 38 - الوقت: 05:04 AM - التاريخ: 10-15-2019)




شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة

قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول


إضافة رد
قديم 04-04-2014, 05:41 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة







خطاب الموت فـي جدارية محمود درويش
رثاء استباقي لذات حدقت فـي الموت طويلا (2)
______________________________________

- سأصير يوماً فكرةً.... ...
- سأصير يوما طائرا...
- سأصير يوماً شاعراً...
- سأصيرُ يوماً كرمةً...

تنبثق شعرية هذا الصور من رؤيا حلمية تفصيلية شاملة لحالات الوجع القصوى التي تستبد بالذات الشاعرة في عزلتها القاسية وهي تواجه مصيرها المحتوم؛ فلم يتبق للذات في أقسى لحظات غربتها الوجودية من ملاذ غير الشعر- الرؤيا تحتمي به من أجل الإفلات من ضغط حالات الحصار الجسدي والزمني فالشاعر لن يصير سوى ما يريد، حيث تجربة الحياة والموت «مشدودة إلى المستقبل بقدر ما هي مشدودة إلى الواقع. إنها معاناة للواقع الذي يتضمن معنى الموت واستشرافا للمستقبل الذي يحمل معنى التجدد والانبعاث»10.

لقد تمكن الشاعر عن طريق الرؤيا والحلم من أن يعيد ترتيب الأشياء في المستقبل بعدما تحرر من وطأة ذاكرته المشدودة إلى الماضي وعاداته. لقد أصبح الشاعر ذاتا منذورة للمستقبل تؤثت فضاءه وترتب أشياءه بكل ما أوتيت من حدس رؤياوي يسعفها في خلق حالة شعرية غير معهودة في تاريخ الشعرية التقليدية وقد تجسدت هذه الرؤيا في مجموعة من اللفتات التعبيرية والإسنادات المجازية التي تستفز حساسية القارئ وتستثير في قلبه ووجدانه أقصى حالات الوجد.

التشكيل الأسطوري:
يمثل استدعاء الأسطورة عنصرا تكوينيا في بناء جمالية خطاب الموت في جدارية محمود درويش. ذلك أن لجوء الشاعر إلى تطعيم قصيدته بمناصات أسطورية فرضته الحالة الانفعالية التي استبدت بدرويش وهو يجابه لحظة ملتبسة ومتوترة تمثلت في تجربة الموت وما يكتنفها من غموض واهوال تربك الذات الشاعرة وهي ترى كينونتها الهشة مهددة بالتواري والغياب بعد أن ملأت الكون بحضورها الشعري المتوهج.
لقد اختار درويش من ذاكرة الأساطير تلك التي نشأت وتخلقت في سياق صراع الإنسان مع الموت. من ذلك أسطورة الفينيق وملحمة جلجامش وشخصية المسيح حيث وردت هذه الإشارات الأسطورية مندغمة في نسيج النص الشعري اندغاما عضويا الأمر الذي مكن قصيدة الجدارية من خلق لحظة شعرية غنية بالدلالات الإنسانية والحمولات التاريخية والثقافية والحضارية. فقد أشار درويش إلى الفينيق الطائر الأسطوري الذي يعمد، عندما يشيخ ويستشعر قرب نهايته، إلى حك جناحيه فيحترق لينبعث من موته ويتجدد: (الجدارية ص: 12)

سأصير يوماً طائراً، وأسُلُّ من عدمي
وجودي. كُلَّما احترقَ الجناحانِ
اقتربت من الحقيقةِ. وانبعثتُ من
الرماد. أنا حوارُ الحالمين، عَزفتُ
عن جسدي وعن نفسي لأكملَ
رحلتي الأولى إلى المعاني

وقد بلغ استدعاء الأسطورة ذروة اشتغاله في الجدارية باستحضار ملحمة جلجامش الملك السومري الأشهر الذي حلم بالخلود وسعى إلى تأبيد وجوده عن طريق البحث عن نبتة الخلود، لكن آماله ستؤول إلى الفشل لأن الفناء قدر الكائن. ونظرا لشمولية النظرة التي عالجت بها الاسطورة موضوعة الموت فقد استأثرت بخمس صفحات من الجدارية مما يدل على مدى احتفاء درويش بمغامرة الملك السومري في مسعاه إلى تأجيل موته. ولعل أهم ما يلفت النظر أن درويش يسند الكلام إلى بطل الخلود الذي يتولى سرد تفاصيل مغامرته بضمير المتكلم حيث بدأت مأساته مع الفناء بموت رفيقه أنكيدو الذي رأى فيه علامة تنذر بمصيره الأليم: (الجدارية ص:80)

ولم نزل نحيا كأن الموت يخطئنا,
فنحن القادرين على التذكر قادرون
على التحرر,سائرون على خطى
جلجامش الخضراء من زمن الى زمن...
هباء كامل التكوين...
يكسرني الغياب كجرة الماء الصغيرة.
نام انكيدو ولم ينهض جناحي نام
ملتفا بحفنة ريشة الطيني.آلهتي
جماد الريح في أرض الخيال. ذراعيَ
اليمنى عصا خشبية. والقلب مهجور
كبئر جف فيها الماء فاتسع الصدى
الوحشي: انكيدو, خيالي لم يعد يكفي لأكمل رحلتي واقعيا, هات
أسلحتي ألمعها بملء الدمع, هات
الدمع, انكيدو. ليبكي الميت فينا
الحي.

من الواضح أن صوت الشاعر يلتبس في هذه الفقرة الشعرية بصوت جلجامش الذي يتخذ منه قناعا يعبر من خلاله عن مأساته الشخصية وهو يرى فيه مصيره الفاجع أما أنكيدو فيمثل الجزء الفاني من جلجامش بعد أن تمرس بما هو بشري مفض إلى الموت والغياب ويرمز في نفس الوقت إلى الجسدي في الشاعر الذي يؤول إلى التحلل والتلاشي.

عندما تتوارى الذات عن نصها لتمنح سلطة الكلام لغيرها فإنها تتوخى إنتاج وهم انتساب الخطاب الشعري على المتكلم وهو ما يمنحها حضورا مضاعفا، حيث تنسخ من الأنا الغيرية وجودا آخر تتشكل من خلاله سيرة مزدوجة. إن الشاعر هنا يعيد إنتاج الآخر الغيبي الذي يشاركها تجربة التحديق في الموت من أجل التوغل داخله مما يتيح لها تجاوز نقصه وتأسيس كينونة يتضاعف فيها وجودها. وهي بذلك تنجز ما يمكن تسميته بالتداخل السيري الذي يسمح بتخليد الذات وتأبيدها في الزمن. لأن الحضور هنا يغدو حضورا مزدوجا تعيش من خلاله الذات تجارب الآخرين ومصائرهم. الأمر الذي يعمق الوجود ويضاعف الحضور.
تبدو الذات في هذا المناص الأسطوري وهي تستعيد مأساة الملك السومري عارية أمام موتها. لقد اقتنعت بعد مرافقتها له في رحلته المجازية بحثا عن النبتة السحرية التي باستطاعتها أن تجعله خالدا مثل الآلهة أن الخلود حلم مستحيل لأن الفناء قدر الكائن. وأمام هذه الحقيقة الفاجعة لا يبقى من ملاذ أمام الشاعر سوى مجابهة مصيرها بالإغراق في متع الحياة التي بدأت تتفلت من بين يديه: (الجدارية ص:84)

كل شيء باطل، فاغنم
حياتك مثلما هي برهة حبلى بسائلها،
دم العشب المقطر. عش ليومك لا
لحبك. كل شيء زائل. فاحذر
غدا و عش الحياة الآن في امرأة
تحبك، عش لجسمك لا لوهمك

إلى جانب الإشارة الأسطورية لملحمة جلجامش تحضر في الجدارية شخصية دينية هي المسيح الذي يتخذ شكل رمز يختزل ثنائية الموت والحياة فالمسيح تجسيد لمحنة الإنسان المعاصر كما يمثل رمزا للاختيار الاكثر سموا عندما ضحى بنفسه من أجل إنقاذ الآخرين حسب مرجعها الثقافي في التراث المسيحي وإن درويش يوظف هنا شخصية المسيح توظيفا رمزيا وتخييليا من أجل رفد القول الشعري بكثير من سمات الفعل الدرامي، حيث يتوحد درويش بشخصية المسيح ويستعير لسانه ليبوح بمكنونات نفس حزينة ملتاعة تواجه خطر غيابها الأبدي: (الجدارية ص:42)

أعلى من الأغوار كانت حكمتي
إذ قلت للشيطان : لا. لا تمْتحِنٌِي !
لا تضعْني في الثنائيّات، واتركني
كما أنا زاهدا برواية العهد القديم
وصاعدا نحو السماء، هناك مملكتي
خذِ التاريخ، يا ابن أبي، خذِ
التاريخ، واصنعْ بالغرائز ما تريد

ينبعث درويش في هذا المقطع الشعري مسيحا جديدا يلتقي مع المسيح القديم في الموت الإسمى الذي يتمثل في الصعود إلى أعلى، ولكنه يختلف عنه رفضه لرواية العهد القديم عندما يتوجه إلى الشيطان بدلا من الله بعبارته «لا تمْتحِنِّي !لا تضعْني في الثنائيات» طالبا منه بذلك عدم «وضعه في التجربة»، لكن درويش سرعان ما يدرك البون الشاسع بينه تجربته مع الموت وتلك التي اجترحها المسيح. لقد كان المسيح مجللا بالقدرة على صنع المعجزات وإتيان الخوارق مثل المشي على الماء كما ان موته كان تبشيرا بالقيامة في حين يدرك درويش تماما مقدار عجزه وانكساره. إذ قوته ومعجزته تتمثل في قدرته على ممارسة اختياراته في الحياة وفي مقدمتها التجرؤ على رفض فعل الصلب والنزول من الصليب والاستماع إلى صوت القلب وما يردد من أناشيد تجسد فرح الحياة: (الجدارية ص:92)

مثلما سار المسيح علي البحيرة،
سرت في رؤياي،
لكني نزلت عن الصليب
لأنني أخشى العلو،
ولا ابشر بالقيامة
لم أغير غير إيقاعي لأسمع صوت قلبي واضحا.

تنزع الذات الشاعرة في هذا المقطع إلى التشبه بالمسيح على مستوى الفعل والسلوك، لكنها تميل إلى تأسيس كينونة مختلفة عن مأساة المسيح في التوجه والوجهة؛ فإذا كان المسيح يسير على الماء فإن الشاعر يسير في الرؤى. وإذا كان المسيح يختار الصعود إلى الصليب فإن الشاعر يفضل النزول عنه. وتجد هذه الاختيارات المخالفة لشريعة المسيح تبريرها شعريا في أن المسيح كان مطمئنا إلى مصيره بإيعاز من ربه. ولذلك ذهب الى الموت مفتوح العينين لأنه اختار مصيره عن قناعة حتى يتمكن من التبشير بالقيامة. في حين لا يرغب الشاعر في موت يجهل كنهه وحقيقته. ولذلك اختار النزول من الصليب ليواصل الاستماع إلى نبض القلب وما يبدع من أناشيد تلوذ بها الذات الشاعرة في وحدتها القصية والقاسية: (الجدارية ص:46)

فغنِّي يا آلهتي الأثيرة، يا عناةُ
قصيدتي الأولى عن التكوين ثانية
فقد يجد الرواة شهادة الميلاد
للصفصاف في حجر خريفي، وقد يجدُ
الرعاةُ البئر في أعماق أغنية، وقد
تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
المعاني من جناح فراشة علقت
بقافية، فغنِّي يا آلهتي الأثيرة
يا عناة،

تستمد هذه الابتهالات التي يقدمها درويش لعناة من دلالاتها الشعائرية في سياق هذه القصيدة التي تحتفي بالحياة وتحاول الإفلات من قبضة الموت ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ فهذه الآلهة الأثيرة في الجدارية هي التي استطاعت تحرير بعل الذي يتماهى معه صاحب الجدارية من الموت وإعادته إلى الحياة. والغناء هنا رمز لعنفوان الحياة التي تنتصر على الموت.

وقد يفيد درويش في بعض المواضع من جداريته من مناصات دينية مثل قصص القرآن التي يستدعيها أجل تشييد عوالم تخييلية تشكل ثنائية الموت والحياة ركنا أساسا في بنائها وتكوينها: (الجدارية ص:60)

كن صديقا طيٌِبا يا
موت ! كنْ معنيا ثقافيا لأدرك
كنْه حكمتِك الخبيئةِ ! ربٌما أسْرعْت
في تعليم قابيل الرماية. ربٌما
أبطأت في تدريب أيٌوبي علي

الصبر الطويل
لقد أدمج درويش في هذا المقطع الشعري قصتين من القرآن تجسدان صراع الإنسان مع الموت، حيث تنبثق معاناة الذات من المساحة التي تمتد بين فعلين دالين ينسبا في القصيدة إلى الموت يتمثلان في الإسراع في تعليم قابيل فعل القتل وبالمقابل الإبطاء في تدريب أيوب على الصبر. لكن التأمل يكشف إذ يحيل إلى تجربة الموت الأولى كونيا عندما قتل قابيل أخاه هابيل أن الموت من صنع الإنسان نفسه عندما أسهم في بلورته بإيجاد أدوات تنفيذه كما أن الإنسان هو المسؤول عن بلورة مفهوم الموت عندما التفت إليه وانكب عليه تفكيرا وتأملا عمق من دلالته بالنسبة إلى الإنسان الذي أصبح يجترح الموت ويعانيه مرات عديدة عبر استحضاره والاستعداد له بما أبدع من طقوس وما ابتكر من أوهام وتخيلات. وبذلك يكون درويش قد نجح في المزج بين قصتين قرآنيتين مختلفتين في مسيرهما التراجيدي؛ قابيل مرتكب أول جريمة كونية وأيوب الذي يتكلف الصبر على المعاناة. مما يكشف أن الإنسان خلق فكرة الموت ثم أعد لها ما شاء له خياله من الطقوس والشعائرية لعلها تستطيع التخفيف من فداحة المصير الفاجع الذي يتهدد وجوده الهش. فالإنسان هو الوحيد من بين الكائنات الذي يستطيع أن يتحمل فكرة موته وأن يحمل موتاه. لكنه الموت الذي يؤدي إلى حياة أبهى وأجمل. إنه العبور إلى المطلق واللانهائي: (الجدارية ص:63)

فماذا يفعل التاريخ، صِنوك أو عدوّكَ
بالطبيعة عندما تتزوج الأرضَ السماءُ
وتذرف المطر المقدس؟

يتمثل البعد الأسطوري في هذا المقطع في الإشارة إلى زواج الأرض والسماء الذي ينتج منه المطر المقدس وهي إشارة إلى أسطورة البعث كما صاغتها الشعوب الزراعية، حيث الانتصار يكون للخصب على الجدب، وحيث المطر هو ماء الحياة الذي يتسلل إلى باطن الأرض، كي يُخصبها ويمنحها الحياة والتجدد، لأن تجربة الحياة والموت «تضع الخصب مكان الجفاف والأمل مكان الموت والنصر مكان الهزيمة»11.

ومن هنا حضر اللون الأخضر بكثافة في هذه القصيدة لكونه يجسد طقس البعث الذي يتحقق في فصل الربيع : (الجدارية ص:68)

خضراء أرض قصيدتي، خضراء عالية
على مهل أدوّنها، على مهل، على
وزن النوارس في كتاب الماء أكتبها
خضراء أكتبها على نثر السنابل في
كتاب الحقل،

يحيل اللون الأخضر إلى موسم الربيع الذي يرتبط بشعيرة طقسية هي عودة الحياة لتموز جالباً الخصب والنماء إلى الأرض التي تخضر وتتجدد. وفي ذلك مخايلة رمزية بين تموز الذي يتجدد في فصل الربيع وقصيدة الجدارية التي مثلت تعويذة الشاعر لقهر الموت والاحتفاء بالحياة من خلال الإبداع الذي يهزم الموت. ولذلك يجلل درويش قصيدته باللون الأخضر الذي يعود مع موسم الربيع علامة آلهة وآلهات الخصب والنماء في الأساطير الوثنية القديمة. ولا يخفى أن استدعاء عناصر أسطورة الموت والبعث يعمق من دلالات وإيحاءات قصيدة الجدارية المكرسة بكاملها لتجربة الموت والحياة فهي أسطورة ثنائية مدارها على النقيضين المتآخيين الموت والحياة وما بينهما من حالات وجودية تتأرجح بين الفرح والحزن الضحك والبكاء الحضور والغياب. وهو ما يجليه الربط الذي يقوم به القارئ بين صفة الخضرة التي ما يفتأ الشاعر يسم بها قصيدته وبين خطى جلجامش الباحث عن نبتة الخلود. فالتماثل الدلالي والرمزي واضح بين حال الشاعر الذي يجابه الموت بالكتابة وجلجامش الباحث عن نبتة الخلود: (الجدارية ص:80)

فنحن القادرين على التذكر قادرون
على التحرر، سائرون على خطى
جلجامش الخضراء من زمن إلى زمن

وهذه المخايلة الرمزية التي توحد بين الذات ومعادلها الموضوعي من أبرز خواص التشكيل الأسطوري، حيث يتوحد الواقع بالحلم، والممكن بالمتخيل. ولذلك نقرأ في الجدارية (ص: 83):

الأسطورة اتخذت مكانتها / المكيدة
في سياق الواقعي. وليس في وسع
القصيدة أن تغير ماضياً يمضي ولا يمضي
ولا أن توقف الزلزال.

لقد مثل استدعاء المكون الأسطوري عنصرا مركزيا في تكوين جمالية خطاب الموت في جدارية محمود دروبش. إذ أضفى عليها صفة القصيدة التركيبية لكونها تدمج صوت الشاعر بصوت الراوي من جهة وبصوت الشخصية الأسطورية من جهة أخرى، وبالإضافة إلى ذلك مثل استدعاء الأسطورة أداة من أدوات التشكيل الجمالي في هذه القصيدة التي تفيض بالشاعرية الفذة. فعن طريق دمج العناصر الأسطورية في نسيج النص تمكن درويش من المزج بين أدوات تعبيرية تنتمي لأشكال خطابية مختلفة. مثل المسرح والسرد كما مزج بين التراث العربي المحلي والتراث الإنساني العالمي إلى جانب المزج بين الأزمنة حيث يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل في سياق حلمي تتفاعل فيه الواقعة التاريخية المسرودة بصياغتها المعدلة استجابة لخصوصية الإبداع الشعري الذي يطمح إلى التعبير عنه فواجه الذات بما يساويها أو يفسرها معنويا ورمزيا حتى يفتح قارئه على أفق من الاحتمالات والممكنات الدلالية والانفعالية. ولذلك استنفر درويش خياله المبدع والمبتكر من أجل تعديل الوقائع التاريخية والأسطورية بما يتناسب مع السياق النصي الجديد الذي تندرج فيه خصوصية التجربة الإنسانية التي يراد نقلها والتعبير عنها. وهو ما يجعل النص الشعري يغتني بالأبعاد الرمزية والإيحائية التي يتيحها تتنوع المستويات التعبيرية وكثافة الرسالة الشعرية.
التخييل السردي:

يطور درويش في قصيدته الجدارية بناء سرديا ودراميا من خصائصه البارزة حضور مكثف لمكونات الخطاب السردي من جهة الأقوال والأفعال يقودها ناظم خارجي هو الشاعر الذي يعمل على ترتيب الاحداث والوقائع في بناء شذري تتنظم فيه العناصر السردية وفق نظام يخضع لإيقاع وانفعالات الذات الشاعرة بما يؤدي إلى إكساب النص الشعري سمة الدرامية من حيث هو سرد فاجع لأشواق ذات تحدق في موتها وتعاتق غيابها. فالقصيدة سرد شعري لتجربة شخصية مع الموت مما يجعلها تقترب من قصيدة السيرة الذاتية التي تتناول وقائع قولية وفعلية يتداخل فيها الواقعي بالخيالي والممكن بالمتخيل. ومن هنا شكل السرد بآلياته المختلفة ووظائفه المتنوعة مكونا مركزيا من مكونات الخطاب الشعري في قصيدة «الجدارية». إنه أداة من أدوات التشكيل الجمالي التي توسل بها درويش من أجل تشييد جماليات خطاب الموت وتوليد مساراته الدلالية واستراتيجياته النصية.

يمثل السارد في الجدارية وعيا جماليا وإبداعيا ينبثق من خلال الوحدات الحكائية التي تتخذ شكل إسقاط تخييلي للمؤلف الواقعي المتحكم في بناء النص وتشكيل جمالياته. يتعلق الامر إذن بشخصية مركزية تمثل الناظم الذاتي لنسيج النص إذ يتكفل بسرد وقائع وتفصيلات سيرية عديدة ومتنوعة ضمن سياق شعري يقترب في كثير من المواضع من الصوغ السيرذاتي حيث يستعيد السرد الشعري في الجدارية تجربة الموت كما عاشها وانفعل بها الشاعر- المؤلف الواقعي الموجود خارج النص.
يكشف النظر الدقيق في نص الجدارية من منظور السرد الشعري عن وجود صوتين سرديين يتعاقبان على تنضيد المحكيات وتقديم المشاهد؛ سارد مشارك في أحداث الحكاية ويعرف بالسارد «جواني الحكي» على نحو ما تجسده هذه الفقرة الشعرية: (الجدارية ص:10)

أنا وحيدُ...
لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ.
لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا
أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ
الهواجس. لم أَجد أَحداً لأسأل :
أَين (أَيْني) الآن؟ أَين مدينةُ
الموتى، وأَين أَنا؟ فلا عَدَمٌ
هنا في اللا هنا... في اللازمان،
ولا وُجُودُ

يتميز السرد في هذا المقطع الشعري بأنه سرد ذاتي مباشر على نحو ما نجد في السيرة الذاتية التي يتقاطع فيها السرد الذاتي والسرد التخييلي. وإن كان السرد الشعري في هذا المقطع يتسم بالإغراق في عوالم غرائبية متخيلة تتجاوز الواقع الحسي بوساطة الصيغ المجازية والسرد الحلمي والتكثيف الدلالي. وهو ما يسهم في إغناء الكون التخييلي والجمالي الذي يشيده النص؛ فالأحداث التي تجري في فضاء غرائبي يتم سردها باعتماد ضمير المتكلم الذي يكشف عن سارد متماه بمرويه وملتحم بطبقات محكيه من دون مواربة أو تحفظ.

إلى جانب السرد بضمير المتكلم يتحقق السرد الشعري في بعض المقاطع من الجدارية بواسطة سارد خارجي غريب عن الحكاية. يتعلق الأمر بسارد غائب غير مشارك في الأحداث أو «براني الحكي»: (الجدارية ص:20)

في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ
الساحل السوريّ من طول المسافةِ،
واحترقْنَ بشمس آبَ.

يطغى على هذه الفقرة الشعرية سرد موضوعي يتحقق من منظور سارد غائب يتموقع خارج الحكاية. ويمثل هذا الصنف من السرد الشعري بعدا من أبعاد الصوغ الجمالي في نص الجدارية، حيث يغدو المحكي أكثر غنى وفاعلية عندما يقدم من خلال وجهة نظر غائبة تسرد وتستبطن تتأمل وتعلق على ما يتصل برؤى الشاعر- الناظم الذاتي ورهاناته الجمالية ومرجعياته الثقافية. إنه جزء من الاستراتيجية الجمالية التي يطورها درويش في هذه القصيدة الغرض منها تنسيب الحقائق وتكسير رتابة الصوت الواحد.

إن صوت السارد حاضرا في نص الجدارية أوغائبا ليس عند ترجيع النظر سوى امتداد وتنويع على صوت الشاعر؛ أي إن السارد بأقنعته المختلفة تجسيد لقناعات المؤلف الحقيقي الذي يوجد خارج النص؛ فدرويش لا ينفصل عن نصه الشعري إلا ليلتحم به من أجل تحقيق مزيد من الظهور والحضور. فالمسافة الهشة بين الصوتين السرديين لا تلبث أن تنمحي وتتلاشى لينكشف القول الشعري عن ذات مركبة يتعايش فيها الحضور والغياب بلا انفصال. وهو ما يتيح لنا القول إن تأرجح السرد في نص الجدارية ما بين ضميري المتكلم والغائب ليس تأشيرا على صوتين منفصلين أو شخصيتين متمايزتين ولكنه تقنية يوظفها الشاعر من أجل إغناء نصه إبداعيا وجماليا فقد مكنته هذه الاستراتيجية من تنويع زوايا التقاط المشاهد والمواقف كما عاشها الشاعر أو تخيلها، كما استضمرها أو استعادها في مسعى للإفصاح عن أشواقه ورغائبه، عن أحلامه وأهوائه، عن نزقه وحكمته. إن توزع السرد الشعري في الجدارية بين ضميري المتكلم والغائب ترميز مكثف لمحكي الذات وهي تبني خطاب موتها على نحو متخيل فريد وأخاذ. ومن هنا التحم الضميران في القصيدة بطريقة كاشفة وملغزة في نفس الآن من أجل التعبير عن الحالة الوجدانية التي تلبست الشاعر على نحو مضاعف عميق وشفاف.

إن تعدد الأصوات السردية في نص الجدارية استراتيجية جمالية توسل بها الشاعر من أجل تنويع صوره وأقنعته وهو ما أتاح له تنويع الطرائق التعبيرية التي أسعفته في مضاعفة معادلاته الرمزية التي وظفها من اجل الإحالة إلى ذاتيته ومرجعيته وفق مبدأ الصوغ الذاتي الذي يسمح بإعادة بناء الذات لا كما هي في الواقع ولكن كما تحلم أن تكون وهو ما أفصح عنه درويش بهذه العبارة الشعرية الكثيفة (سأصير يوما ما أريد) التي ترددت في مواضع متعددة من الجدارية مما يدل على مدى الإلحاح التي مارسته على نفسية الشاعر وذاكرته المبدعة. فهي اختزال للحلم الإنساني المستحيل والعصي على التحقق في الحياة التي جربها الشاعر. وتبقى صحوة ما بعد الموت لحظة مفتوحة على الممكن والمحتمل. قد يحقق للذات وجودا أكثر بهاء وامتلاء.

الترجيع الغنائي:
تنبعث من المقاطع المكونة لنسيج نص الجدارية غنائية أسيانة عذبة ناجمة عن إحساس موسيقي رفيع وجرس إيقاعي شفيف يعكس شجون ذات حزينة ومنكسرة تجابه مصيرها الأليم في صمت فاجع. ويرجع مصدر الغنائية في هذه القصيدة إلى التشكيلات الإيقاعية التي يبرع درويش عادة في التوليف بين عناصرها ليخلق تجانسا موسيقيا هارمونيا يساعد من غير شك في توصيل المضمون الدلالي والانفعالي لذات تواجه موتها بالغناء: (الجدارية ص: 41)

خضراء، أرض قصيدتي خضراء
يحملها الغنائيون من زمن إلى زمن كما هي في خصوبتها.

تكتسب النبرة الذاتية في المقاطع الغنائية نبرة خاصة إذ تكون بمثابة «دعوة لتواصل نصي ينشأ بين القارئ والذات المتكلمة في لحظة شعورية كثيفة تتقطر فيها كينونة الشاعر وتنسل إلى وجدان قارئه لحظة القراءة أي لحظة أن يعيد إنتاج دلالة القصيدة».12 يبرز المكون الإيقاعي بصورة واضحة في ترديد بنيات لسانية بعينها ينتج عنها مماثلة صوتية وإيقاعية تتحول في كثير من المقاطع إلى معزوفات موسيقية وتنويعات نغمية تتداخل وتتقاطع في فضاء القصيدة مشكلة نشيدا حزينا وحائرا يقترب من النواح الذي يصحب الطقوس الشعائرية للموت.

لعل أبرز مظهر للترجيع الإيقاعي في الجدارية التكرار بأنواعه مثل تكرار لازمة بنائية محددة ونمثل لذلك بهذه العبارة الشعرية الكثيفة التي تخترق جسد هذه القصيدة الطويلة:
سأصير يوما ما أريد (الجدارية صص: 12– 13– 14- 15)
التي تكررت في مواضع عديدة من الجدارية. ونظرا لمركزية هذه العبارة فقد كررها درويش في مواضع اخرى بتحوير خفيف: (الجدارية ص: 16)

سنكون يوما ما نريد.

ما من شك أن تكرار عبارة شعرية في صورة لازمة بنائية مؤشر على مدى الأهمية التي يوليها الشاعر للمضمون الذي تنطوي عليه. حيث تقوم بالإضافة إلى وظيفتها الصوتية الإيقاعية بوظيفة أخرى تتمثل في صيانة وحدة النص من التصدع والتفكك. إذ تعمل على إعادة مختلف مكونات النص مهما تشعبت إلى بؤرة دلالية وانفعالية واحدة هي اللازمة نفسها. وبذلك تحقق للنص ولاسيما الطويل وحدة الإحساس والانفعال. كما أن اللازمة تدعم المحتوى الانفعالي الذي يريد الشاعر توصيله لقارئه. إذ «تستدعي الطقوسية، حيث تتكرر عبارات معينة كما في الصلوات والشعائر الدينية»13. وقد يلجأ الشاعر إلى تكرار نسق لغوي بعينه يتوخى منه رفد القصيدة بطاقة صوتية وإيقاعية تكسب النص سمة الغنائية الشجية: (الجدارية ص: 25).

أنا لست مني إن مشيت ولم أصل.
أنا لست مني ان نطقت ولم أقل.
تنبثق شعرية الإيقاع الغنائي في هذا المقطع من تكرار نسق لغوي يقوم على التقابل والتضاد.
أتيت ‡ لم أصل
نطقت ‡ لم أقل

لقد تعاضدت الأنساق اللغوية المتقابلة تركيبيا ودلاليا من أجل توصيل الشحنة الانفعالية إلى القارئ ودفعه إلى التفاعل مع الإيحاءات العاطفية والوجدانية التي تفرزها. حيث يفيد الشاعر من خطاب التصوف بغية خلق تقابلات دلالية تتوخى التكثيف والإيجاز. لأن الذات لا تحقق كينونتها الوجودية وهويتها الإبداعية إلا عن طريق الوصول والكتابة فهي عندما تتوحد مع أشياء الوجود لا تتغيا سوى تحرير الذات من أعطابها وتناقضاتها، فالكتابة وهي طريق الوصول بالنسبة إلى الشاعر لا تطلب من الأشياء المادية المحسوسة إلا ما يخدم الباطن. إنها أداة لترميم شقوق الذات وتخليصها من آثار الجفاف العاطفي الذي أصابها بسبب العلل والأمراض التي أنهكت الجسد الهش: (الجدارية ص:78)

سأَحلُمُ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي.
بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر
الجفاف العاطفيِّ. حفظتُ قلبي كُلَّهُ
عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً
ومُدَلّلاً. تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي
يلينَ ويستكينَ. كأنَّهُ جاري الغريبُ
ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ. فالقلب
يَصْدَأُ كالحديدِ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ
ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ،
ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ.
كأنَّ قلبي زاهدٌ، أَو زائدٌ
عني كحرف «الكاف» في التشبيهِ
حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ
تجريداً، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ،

ومن التنويعات التي يتخذها النسق التكراري الإيقاعي في نص الجدارية أن يعمد الشاعر إلى تكرير أسئلة كثيفة متلاحقة لا ينتظر جوابا عليها:. (الجدارية ص:48)

مـاذا بعد؟ ماذا
يفعلُ الناجون بالأرض العتيقة؟
هل يعيدون الحكايةَ؟ ما البدايةُ؟
ما النهايـةُ؟ لم يعد أحَدٌ من
الموتى ليخبرنا الحقيقة.. /

يكشف هذا المقطع عن حيرة باهظة تملكت الذات الشاعرة نتيجة إحساسها بالهول وهي تواجه مصيرها الفاجع، لكنها تحاول تبديد المشاعر والأحاسيس المتضاربة بسيل كثيف من الأسئلة المتلاحقة التي تعكس حيرة حقيقية استبدت بالذات فأفقدتها كثيرا من توازنها وصلابتها. الأمر الذي جعلها تعيش حالة من الالتباس وعدم اليقين ترجمته أسئلة حائرة مفتوحة: (الجدارية ص: 16)

يا اسمي: أين نحن الآن؟
قل : ما الآن، ما الغد؟
ما الزمان وما المكان
وما القديم وما الجديد؟

يفضي التأمل في البنيات اللسانية المتكررة بمختلف أشكالها ومواضعها في نص الجدارية إلى نتيجة مهمة مؤداها أنها تقوم بوظيفتين اثنتين؛ وظيفة صوتية إيقاعية ترفد النص بملمح غنائي ظاهر وبارز يكاد يرى بالعين ويلمس باليد وتتفرع عن هذه الوظيفة الجمالية وظيفة أخرى تتمثل في تعضيد المضمون الدلالي والإنفعالي الذي يطمح الشاعر إلى توصيله لقارئه وتثبيه في ذهنه ووجدانه. فما من شك أن تكرير جمل شعرية بعينها على امتداد جسد القصيدة الطويلة يجعلها تقترب من النواح العشتاري في أساطير الموت والانبعاث، حيث الذات تؤبن نفسها وتبكي مصيرها الفاجع الأليم: (الجدارية ص: 47)

أَنا الطريدةُ والسهامُ،
أَنا الكلامُ. أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ
والشهيدُ

وما من شك أن الترجيع الإيقاعي الناتج عن تكرار وحدات معجمية وتركيبية يسهم في خلق جو جنائزي يدفع بالقارئ إلى التفاعل مع الطقس المأثمي والفجائعي الذي يستدعيه نص الجدارية.

ومما يجدر التنبيه إليه في هذا السياق أن الغنائية في جدارية درويش ليست غنائية خالصة ولكنها تنبعث مشبوبة من ثنايا الأسطر والمقاطع الشعرية ملتبسة ببعد درامي واضح يقوم بتوتير المواقف والوقائع المسرودة أو الموصوفة. فدرويش يميل في هذه القصيدة الطويلة إلى تكييف استراتيجيته الجمالية لصالح نص مركب يبتعد عن الإنشاد المباشر ليشيد فضاء شعريا يمتح لغته وصوره من تفاصيل اليومي والمألوف. مما يؤدي إلى تداخل الشعري بالسردي والغنائي بالدرامي. وبذلك تمكن درويش من اجتراح «خط غنائي لا يتابع الخطاب الشعري السائد وميوعة الغنائية وصوتها العالي وذاتيتها النمطية بل بإحكام الصلة بين الشاعر وموضوعه ووقوفه بعيدا منه بمسافة كافية تسمح بتشكيله فنيا فنكون بإزاء شعر غنائي ذاتي لا ينزلق للانغلاق في الذات»14.

يشغل درويش سمة الغنائية في قصيدة الجدارية بطريقة إبداعية جعلتها تنطوي على توترات درامية نجمت عن تعدد الأنا وتنوع زوايا النظر التي تنطلق منها الذات في تشييد فضائها التخييلي: (الجدارية ص: 71)

كأني لا كأني
كلما أصغيت للقلب امتلأت
بما يقول الغيْب، وارتفعتْ بِي
الأشجار. من حلْم إلي حلْمي
أطير وليس لي هدف أخير.
كنْت أولد منذ آلاف السنين
الشاعريٌةِ في ظلامي أبيض الكتٌان
لم أعرف تماما منْ أنا فينا ومن
حلْمي. أنا حلْمي

تبرز الأنا في قصيدة الجدارية متعددة ومنقسمة على ذاتها. وقد تجسد ذلك نصيا في تعدد «الأنوات» المنشقة عن الذات؛ فهي تحب وتكره، تفرح وتحزن، تقترب وتبتعد، تقبل وترفض، تنكفئ على نفسها تارة وتنفتح على الجماعة تارات. كل هذه الإنفعالات المتعارضة والمتناقضة يقدمها درويش في إطار تخييلي درامي أخاذ وفاتن يستثمر فيه الشاعر شذرات من سيرته الشخصية التي تحضر في شكل تفاصيل متسللة من ذاكرته. وغير خاف أن تشغيل المعطيات السيرية بهذ الشكل الإبداعي يرفد القصيدة بطاقة درامية نظرا لقدرتها الفائقة على جعل الشحنة الانفعالية تتحرك في فضاء النص أفقيا وعموديا مازجة بين الماضي والحاضر والمستقبل التي تمثل أزمنة متقابلة لكنها متقاطعة على مستوى الذات المتحكمة في عملية الصوغ الشعري على نحو ذاتي تخييلي. ولا شك أن هذا المزج بين الماضي المنقضي والحاضر الواقعي والمستقبل الاحتمالي ينجم عنه تشكيل جمالي يتداخل فيه الغنائي الفجائعي والسيري الدرامي: (الجدارية ص: 55)

وأنا أريد أن أحيا
فلي عمل على جغرافيا البركان
من أيام لوط إلى قيامة هيروشيما
واليباب هو اليباب كأنني أحيا
هنا أبدا وبي شبق إلى ما لست
أعرف قد يكون الآن أبعد
قد يكون الأمس أقرب والغد الماضي
ولكني أشد الآن من يدِهِ ليعبر قربي التاريخ

ومما يسترعي النظر في الجدارية ميل درويش لأن يجعل من سيرة حياته أساطير وحكايات سحرية، حيث يندمج الخاص والعام عن طريق الربط بين الواقعي التاريخي والممكن المتخيل: (الجدارية ص: 24)

رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة، لم أَجد لَيْلاً
خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب، وقلتِ لي :
ما حاجتي لاسمي بدونكَ؟ نادني، فأنا خلقتُكَ
عندما سَمَّيْتَني، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …
كيف قتلتَني؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل، أَدْخِلْني
إلي غابات شهوتك، احتضنِّي واعْتَصِرْني،
واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل.
بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني.
فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ، ولن تراني نجمةٌ
إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ،
فهاتِني ليكونَ لي وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ ـ
حاضِريَ السعيدُ

يعمد الشاعر في هذا المقطع إلى أسطرة ذاته عن طريق نقل جملة من الأحداث والوقائع نقلا متزامنا يوظف التعبير التمثيلي الإيحائي بعيدا عن التعبير التقريري المباشر. حيث تتوالى الصيغ المجازية والمعادلات الرمزية في صورة فيض جمالي يقوم على التداعي الحر لمشاعر وانفعالات ينتقيها الشاعر بعناية من ذاكرته من أجل تشكيل فضاء جمالي يمتح مكوناته الفنية والجمالية من السيرذاتي معدلا حسب مقتضيات التعبير الشعري الذي ينشد التأثير والتفعيل. وهي استراتيجية جمالية تعمدها درويش من أجل التخفيف من عبء الصياغة النثرية التي يفرضها سرد تفاصيل ووقائح حياتية مهربة شعرا من حدود السرد وبوساطة الأنا التي تطمح إلى التحرر من ضغط الواقع ووثوقية مرجعيته وقوانينه الصارمة

. لقد حاول الشاعر أن يهجر العام إلى الخاص وأن يستبطن الغد لكي يطل على المستقبل في محاولة لسبر كنهه والقبض على حقيقة وهوية المصير الذي ستؤول إليه الذات بعد فنائها الجسدي. ومن هنا جنحت القصيدة إلى الامتداد الإيقاعي عبر التكرار والترجيع وفتح أفق التوقع على مناطق داخل الذات عصية على الرصد بتوظيف لغة شعرية تميزت بثراء جمالي ودلالي مكنها من نقل التجربة الفاجعة التي كابدتها الذات في صورة فاتنة أخاذة. وهو ملمح من ملامح الشعرية في خطاب الموت عند درويش، حيث تقوم الاستراتيجية الجمالية في بناء خطاب الموت على اعتماد في لغة صافية «تشف عن حركة النفس وشفافية الروح دون تفجع أو مأساوية. لقد ألف الشاعر الموت وقدمه جماليا بطريقة نفذت إلى صميمنا»15.

لقد أراد درويش أن يسجل في هذه القصيدة سيرة شعرية يستعيد من خلالها الماضي في قالب تخييلي يمتزج فيه السردي والدرامي، التاريخي والأسطوري، الممكن والمتخيل، الواقع والحلم. وإذا كان درويش قد حاول شيئا من هذا في قصيدته – السيرة «لماذا تركت الحصان وحيدا» فقد توخى منها تسجيل سيرة الجماعة باعتبارها «سيرة المكان حين تحتويه الجغرافيا لكي ينبسط فيه التاريخ»16. أما في الجدارية فقصد درويش متوجه إلى تدوين سيرة شخصية تتساند فيها الممكنات الإبداعية من أجل تشييد نص إبداعي ينغرس عميقا في الحياة ليواجه فجيعة التواري والغياب: (الجدارية ص: 53)

«من معنى إلى معنى أَجيءُ.
هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ، وأَنا أكثِّفُها، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني»

وهو بذلك يجسد محنة الإنسان عموما والمبدع خصوصا الذي يعيش «صراعا مستمرا بين زمن تاريخي واقعي وزمن لانهائي يسمى الخلود أو على الأقل الانبعاث المتجدد»17. وقد شكلت الجدارية بما هي عمل فني فذ اختزالا لسؤال الوجود والمصير. إنها الجدار الذي يبنيه الشاعر بصبر وأناة من أجل مقاومة الموت وتأبيد كينوته في ذاكرة الزمن.

قصيدة الجدارية ملحمة الذات في مواجهة سلطة الموت. في هذه القصيدة تعلو نبرة الغناء التراجيدة ممزوجة بأبعاد أسطورية تستعيد مجازا رحلة جلجامش في معاناته الوجودية بحثا عن خلود الذات وتأبيد الكينونة. لقد أسس درويش في هذا النص الذي أراده نشيدا طويلا للحياة جماليات جديدة تعبر عن تجربة ذاتية بلغة مجازية واستعارية مكثفة تختزل آلام نفس منكسرة وقلب ملتاع. ومن هنا جاءت القصيدة محملة بدلالات رمزية وإيحائية تكشف عن شاعر متمكن من أدواته الإبداعية ووسائله التعبيرية التي يسخرها من أجل القبض على متخيل الموت كما ينعكس على وعي الذات. فهذه القصيدة نشيد وأغنية شحذ لها الشاعر كل إمكاناته الفنية والإبداعية حتى تنهض بجلال الوظيفة التي رصدت لها باعتبارها رثاء استباقيا للذات: (الجدارية ص: 11)

وكأنني قد متُّ قبل الآن …
أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني
أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما
ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
ما







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 12:57 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة

خطاب الموت فـي جدارية محمود درويش
رثاء استباقي لذات حدقت فـي الموت طويلاً (3)
__________________________________________
التخييل السردي:
...
يطور درويش في قصيدته الجدارية بناء سرديا ودراميا من خصائصه البارزة حضور مكثف لمكونات الخطاب السردي من جهة الأقوال والأفعال يقودها ناظم خارجي هو الشاعر الذي يعمل على ترتيب الاحداث والوقائع في بناء شذري تتنظم فيه العناصر السردية وفق نظام يخضع لإيقاع وانفعالات الذات الشاعرة بما يؤدي إلى إكساب النص الشعري سمة الدرامية من حيث هو سرد فاجع لأشواق ذات تحدق في موتها وتعاتق غيابها. فالقصيدة سرد شعري لتجربة شخصية مع الموت مما يجعلها تقترب من قصيدة السيرة الذاتية التي تتناول وقائع قولية وفعلية يتداخل فيها الواقعي بالخيالي والممكن بالمتخيل. ومن هنا شكل السرد بآلياته المختلفة ووظائفه المتنوعة مكونا مركزيا من مكونات الخطاب الشعري في قصيدة «الجدارية». إنه أداة من أدوات التشكيل الجمالي التي توسل بها درويش من أجل تشييد جماليات خطاب الموت وتوليد مساراته الدلالية واستراتيجياته النصية.

يمثل السارد في الجدارية وعيا جماليا وإبداعيا ينبثق من خلال الوحدات الحكائية التي تتخذ شكل إسقاط تخييلي للمؤلف الواقعي المتحكم في بناء النص وتشكيل جمالياته. يتعلق الامر إذن بشخصية مركزية تمثل الناظم الذاتي لنسيج النص إذ يتكفل بسرد وقائع وتفصيلات سيرية عديدة ومتنوعة ضمن سياق شعري يقترب في كثير من المواضع من الصوغ السيرذاتي حيث يستعيد السرد الشعري في الجدارية تجربة الموت كما عاشها وانفعل بها الشاعر- المؤلف الواقعي الموجود خارج النص.

يكشف النظر الدقيق في نص الجدارية من منظور السرد الشعري عن وجود صوتين سرديين يتعاقبان على تنضيد المحكيات وتقديم المشاهد؛ سارد مشارك في أحداث الحكاية ويعرف بالسارد «جواني الحكي» على نحو ما تجسده هذه الفقرة الشعرية: (الجدارية ص:10)

أنا وحيدُ...

لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ.

لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا

أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ

الهواجس. لم أَجد أَحداً لأسأل :

أَين (أَيْني) الآن؟ أَين مدينةُ

الموتى، وأَين أَنا؟ فلا عَدَمٌ

هنا في اللا هنا... في اللازمان،

ولا وُجُودُ

يتميز السرد في هذا المقطع الشعري بأنه سرد ذاتي مباشر على نحو ما نجد في السيرة الذاتية التي يتقاطع فيها السرد الذاتي والسرد التخييلي. وإن كان السرد الشعري في هذا المقطع يتسم بالإغراق في عوالم غرائبية متخيلة تتجاوز الواقع الحسي بوساطة الصيغ المجازية والسرد الحلمي والتكثيف الدلالي. وهو ما يسهم في إغناء الكون التخييلي والجمالي الذي يشيده النص؛ فالأحداث التي تجري في فضاء غرائبي يتم سردها باعتماد ضمير المتكلم الذي يكشف عن سارد متماه بمرويه وملتحم بطبقات محكيه من دون مواربة أو تحفظ.

إلى جانب السرد بضمير المتكلم يتحقق السرد الشعري في بعض المقاطع من الجدارية بواسطة سارد خارجي غريب عن الحكاية. يتعلق الأمر بسارد غائب غير مشارك في الأحداث أو «براني الحكي»: (الجدارية ص:20)

في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ

الساحل السوريّ من طول المسافةِ،

واحترقْنَ بشمس آبَ.

يطغى على هذه الفقرة الشعرية سرد موضوعي يتحقق من منظور سارد غائب يتموقع خارج الحكاية. ويمثل هذا الصنف من السرد الشعري بعدا من أبعاد الصوغ الجمالي في نص الجدارية، حيث يغدو المحكي أكثر غنى وفاعلية عندما يقدم من خلال وجهة نظر غائبة تسرد وتستبطن تتأمل وتعلق على ما يتصل برؤى الشاعر- الناظم الذاتي ورهاناته الجمالية ومرجعياته الثقافية. إنه جزء من الاستراتيجية الجمالية التي يطورها درويش في هذه القصيدة الغرض منها تنسيب الحقائق وتكسير رتابة الصوت الواحد.

إن صوت السارد حاضرا في نص الجدارية أوغائبا ليس عند ترجيع النظر سوى امتداد وتنويع على صوت الشاعر؛ أي إن السارد بأقنعته المختلفة تجسيد لقناعات المؤلف الحقيقي الذي يوجد خارج النص؛ فدرويش لا ينفصل عن نصه الشعري إلا ليلتحم به من أجل تحقيق مزيد من الظهور والحضور. فالمسافة الهشة بين الصوتين السرديين لا تلبث أن تنمحي وتتلاشى لينكشف القول الشعري عن ذات مركبة يتعايش فيها الحضور والغياب بلا انفصال. وهو ما يتيح لنا القول إن تأرجح السرد في نص الجدارية ما بين ضميري المتكلم والغائب ليس تأشيرا على صوتين منفصلين أو شخصيتين متمايزتين ولكنه تقنية يوظفها الشاعر من أجل إغناء نصه إبداعيا وجماليا فقد مكنته هذه الاستراتيجية من تنويع زوايا التقاط المشاهد والمواقف كما عاشها الشاعر أو تخيلها، كما استضمرها أو استعادها في مسعى للإفصاح عن أشواقه ورغائبه، عن أحلامه وأهوائه، عن نزقه وحكمته. إن توزع السرد الشعري في الجدارية بين ضميري المتكلم والغائب ترميز مكثف لمحكي الذات وهي تبني خطاب موتها على نحو متخيل فريد وأخاذ. ومن هنا التحم الضميران في القصيدة بطريقة كاشفة وملغزة في نفس الآن من أجل التعبير عن الحالة الوجدانية التي تلبست الشاعر على نحو مضاعف عميق وشفاف.

إن تعدد الأصوات السردية في نص الجدارية استراتيجية جمالية توسل بها الشاعر من أجل تنويع صوره وأقنعته وهو ما أتاح له تنويع الطرائق التعبيرية التي أسعفته في مضاعفة معادلاته الرمزية التي وظفها من اجل الإحالة إلى ذاتيته ومرجعيته وفق مبدأ الصوغ الذاتي الذي يسمح بإعادة بناء الذات لا كما هي في الواقع ولكن كما تحلم أن تكون وهو ما أفصح عنه درويش بهذه العبارة الشعرية الكثيفة (سأصير يوما ما أريد) التي ترددت في مواضع متعددة من الجدارية مما يدل على مدى الإلحاح التي مارسته على نفسية الشاعر وذاكرته المبدعة. فهي اختزال للحلم الإنساني المستحيل والعصي على التحقق في الحياة التي جربها الشاعر. وتبقى صحوة ما بعد الموت لحظة مفتوحة على الممكن والمحتمل. قد يحقق للذات وجودا أكثر بهاء وامتلاء.

الترجيع الغنائي:

تنبعث من المقاطع المكونة لنسيج نص الجدارية غنائية أسيانة عذبة ناجمة عن إحساس موسيقي رفيع وجرس إيقاعي شفيف يعكس شجون ذات حزينة ومنكسرة تجابه مصيرها الأليم في صمت فاجع. ويرجع مصدر الغنائية في هذه القصيدة إلى التشكيلات الإيقاعية التي يبرع درويش عادة في التوليف بين عناصرها ليخلق تجانسا موسيقيا هارمونيا يساعد من غير شك في توصيل المضمون الدلالي والانفعالي لذات تواجه موتها بالغناء: (الجدارية ص: 41)

خضراء، أرض قصيدتي خضراء

يحملها الغنائيون من زمن إلى زمن كما هي في خصوبتها.

تكتسب النبرة الذاتية في المقاطع الغنائية نبرة خاصة إذ تكون بمثابة «دعوة لتواصل نصي ينشأ بين القارئ والذات المتكلمة في لحظة شعورية كثيفة تتقطر فيها كينونة الشاعر وتنسل إلى وجدان قارئه لحظة القراءة أي لحظة أن يعيد إنتاج دلالة القصيدة».12 يبرز المكون الإيقاعي بصورة واضحة في ترديد بنيات لسانية بعينها ينتج عنها مماثلة صوتية وإيقاعية تتحول في كثير من المقاطع إلى معزوفات موسيقية وتنويعات نغمية تتداخل وتتقاطع في فضاء القصيدة مشكلة نشيدا حزينا وحائرا يقترب من النواح الذي يصحب الطقوس الشعائرية للموت.

لعل أبرز مظهر للترجيع الإيقاعي في الجدارية التكرار بأنواعه مثل تكرار لازمة بنائية محددة ونمثل لذلك بهذه العبارة الشعرية الكثيفة التي تخترق جسد هذه القصيدة الطويلة:

سأصير يوما ما أريد (الجدارية صص: 12– 13– 14- 15)

التي تكررت في مواضع عديدة من الجدارية. ونظرا لمركزية هذه العبارة فقد كررها درويش في مواضع اخرى بتحوير خفيف: (الجدارية ص: 16)

سنكون يوما ما نريد.

ما من شك أن تكرار عبارة شعرية في صورة لازمة بنائية مؤشر على مدى الأهمية التي يوليها الشاعر للمضمون الذي تنطوي عليه. حيث تقوم بالإضافة إلى وظيفتها الصوتية الإيقاعية بوظيفة أخرى تتمثل في صيانة وحدة النص من التصدع والتفكك. إذ تعمل على إعادة مختلف مكونات النص مهما تشعبت إلى بؤرة دلالية وانفعالية واحدة هي اللازمة نفسها. وبذلك تحقق للنص ولاسيما الطويل وحدة الإحساس والانفعال. كما أن اللازمة تدعم المحتوى الانفعالي الذي يريد الشاعر توصيله لقارئه. إذ «تستدعي الطقوسية، حيث تتكرر عبارات معينة كما في الصلوات والشعائر الدينية»13. وقد يلجأ الشاعر إلى تكرار نسق لغوي بعينه يتوخى منه رفد القصيدة بطاقة صوتية وإيقاعية تكسب النص سمة الغنائية الشجية: (الجدارية ص: 25).

أنا لست مني إن مشيت ولم أصل.

أنا لست مني ان نطقت ولم أقل.

تنبثق شعرية الإيقاع الغنائي في هذا المقطع من تكرار نسق لغوي يقوم على التقابل والتضاد.

أتيت ‡ لم أصل

نطقت ‡ لم أقل

لقد تعاضدت الأنساق اللغوية المتقابلة تركيبيا ودلاليا من أجل توصيل الشحنة الانفعالية إلى القارئ ودفعه إلى التفاعل مع الإيحاءات العاطفية والوجدانية التي تفرزها. حيث يفيد الشاعر من خطاب التصوف بغية خلق تقابلات دلالية تتوخى التكثيف والإيجاز. لأن الذات لا تحقق كينونتها الوجودية وهويتها الإبداعية إلا عن طريق الوصول والكتابة فهي عندما تتوحد مع أشياء الوجود لا تتغيا سوى تحرير الذات من أعطابها وتناقضاتها، فالكتابة وهي طريق الوصول بالنسبة إلى الشاعر لا تطلب من الأشياء المادية المحسوسة إلا ما يخدم الباطن. إنها أداة لترميم شقوق الذات وتخليصها من آثار الجفاف العاطفي الذي أصابها بسبب العلل والأمراض التي أنهكت الجسد الهش: (الجدارية ص:78)

سأَحلُمُ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي.

بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر

الجفاف العاطفيِّ. حفظتُ قلبي كُلَّهُ

عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً

ومُدَلّلاً. تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي

يلينَ ويستكينَ. كأنَّهُ جاري الغريبُ

ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ. فالقلب

يَصْدَأُ كالحديدِ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ

ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ،

ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ.

كأنَّ قلبي زاهدٌ، أَو زائدٌ

عني كحرف «الكاف» في التشبيهِ

حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ

تجريداً، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ،

ومن التنويعات التي يتخذها النسق التكراري الإيقاعي في نص الجدارية أن يعمد الشاعر إلى تكرير أسئلة كثيفة متلاحقة لا ينتظر جوابا عليها:. (الجدارية ص:48)

مـاذا بعد؟ ماذا

يفعلُ الناجون بالأرض العتيقة؟

هل يعيدون الحكايةَ؟ ما البدايةُ؟

ما النهايـةُ؟ لم يعد أحَدٌ من

الموتى ليخبرنا الحقيقة.. /

يكشف هذا المقطع عن حيرة باهظة تملكت الذات الشاعرة نتيجة إحساسها بالهول وهي تواجه مصيرها الفاجع، لكنها تحاول تبديد المشاعر والأحاسيس المتضاربة بسيل كثيف من الأسئلة المتلاحقة التي تعكس حيرة حقيقية استبدت بالذات فأفقدتها كثيرا من توازنها وصلابتها. الأمر الذي جعلها تعيش حالة من الالتباس وعدم اليقين ترجمته أسئلة حائرة مفتوحة: (الجدارية ص: 16)

يا اسمي: أين نحن الآن؟

قل : ما الآن، ما الغد؟

ما الزمان وما المكان

وما القديم وما الجديد؟

يفضي التأمل في البنيات اللسانية المتكررة بمختلف أشكالها ومواضعها في نص الجدارية إلى نتيجة مهمة مؤداها أنها تقوم بوظيفتين اثنتين؛ وظيفة صوتية إيقاعية ترفد النص بملمح غنائي ظاهر وبارز يكاد يرى بالعين ويلمس باليد وتتفرع عن هذه الوظيفة الجمالية وظيفة أخرى تتمثل في تعضيد المضمون الدلالي والإنفعالي الذي يطمح الشاعر إلى توصيله لقارئه وتثبيه في ذهنه ووجدانه. فما من شك أن تكرير جمل شعرية بعينها على امتداد جسد القصيدة الطويلة يجعلها تقترب من النواح العشتاري في أساطير الموت والانبعاث، حيث الذات تؤبن نفسها وتبكي مصيرها الفاجع الأليم: (الجدارية ص: 47)

أَنا الطريدةُ والسهامُ،

أَنا الكلامُ. أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ

والشهيدُ

وما من شك أن الترجيع الإيقاعي الناتج عن تكرار وحدات معجمية وتركيبية يسهم في خلق جو جنائزي يدفع بالقارئ إلى التفاعل مع الطقس المأثمي والفجائعي الذي يستدعيه نص الجدارية.

ومما يجدر التنبيه إليه في هذا السياق أن الغنائية في جدارية درويش ليست غنائية خالصة ولكنها تنبعث مشبوبة من ثنايا الأسطر والمقاطع الشعرية ملتبسة ببعد درامي واضح يقوم بتوتير المواقف والوقائع المسرودة أو الموصوفة. فدرويش يميل في هذه القصيدة الطويلة إلى تكييف استراتيجيته الجمالية لصالح نص مركب يبتعد عن الإنشاد المباشر ليشيد فضاء شعريا يمتح لغته وصوره من تفاصيل اليومي والمألوف. مما يؤدي إلى تداخل الشعري بالسردي والغنائي بالدرامي. وبذلك تمكن درويش من اجتراح «خط غنائي لا يتابع الخطاب الشعري السائد وميوعة الغنائية وصوتها العالي وذاتيتها النمطية بل بإحكام الصلة بين الشاعر وموضوعه ووقوفه بعيدا منه بمسافة كافية تسمح بتشكيله فنيا فنكون بإزاء شعر غنائي ذاتي لا ينزلق للانغلاق في الذات»14.

يشغل درويش سمة الغنائية في قصيدة الجدارية بطريقة إبداعية جعلتها تنطوي على توترات درامية نجمت عن تعدد الأنا وتنوع زوايا النظر التي تنطلق منها الذات في تشييد فضائها التخييلي: (الجدارية ص: 71)

كأني لا كأني

كلما أصغيت للقلب امتلأت

بما يقول الغيْب، وارتفعتْ بِي

الأشجار. من حلْم إلي حلْمي

أطير وليس لي هدف أخير.

كنْت أولد منذ آلاف السنين

الشاعريٌةِ في ظلامي أبيض الكتٌان

لم أعرف تماما منْ أنا فينا ومن

حلْمي. أنا حلْمي

تبرز الأنا في قصيدة الجدارية متعددة ومنقسمة على ذاتها. وقد تجسد ذلك نصيا في تعدد «الأنوات» المنشقة عن الذات؛ فهي تحب وتكره، تفرح وتحزن، تقترب وتبتعد، تقبل وترفض، تنكفئ على نفسها تارة وتنفتح على الجماعة تارات. كل هذه الإنفعالات المتعارضة والمتناقضة يقدمها درويش في إطار تخييلي درامي أخاذ وفاتن يستثمر فيه الشاعر شذرات من سيرته الشخصية التي تحضر في شكل تفاصيل متسللة من ذاكرته. وغير خاف أن تشغيل المعطيات السيرية بهذ الشكل الإبداعي يرفد القصيدة بطاقة درامية نظرا لقدرتها الفائقة على جعل الشحنة الانفعالية تتحرك في فضاء النص أفقيا وعموديا مازجة بين الماضي والحاضر والمستقبل التي تمثل أزمنة متقابلة لكنها متقاطعة على مستوى الذات المتحكمة في عملية الصوغ الشعري على نحو ذاتي تخييلي. ولا شك أن هذا المزج بين الماضي المنقضي والحاضر الواقعي والمستقبل الاحتمالي ينجم عنه تشكيل جمالي يتداخل فيه الغنائي الفجائعي والسيري الدرامي: (الجدارية ص: 55)

وأنا أريد أن أحيا

فلي عمل على جغرافيا البركان

من أيام لوط إلى قيامة هيروشيما

واليباب هو اليباب كأنني أحيا

هنا أبدا وبي شبق إلى ما لست

أعرف قد يكون الآن أبعد

قد يكون الأمس أقرب والغد الماضي

ولكني أشد الآن من يدِهِ ليعبر قربي التاريخ

ومما يسترعي النظر في الجدارية ميل درويش لأن يجعل من سيرة حياته أساطير وحكايات سحرية، حيث يندمج الخاص والعام عن طريق الربط بين الواقعي التاريخي والممكن المتخيل: (الجدارية ص: 24)

رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة، لم أَجد لَيْلاً

خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب، وقلتِ لي :

ما حاجتي لاسمي بدونكَ؟ نادني، فأنا خلقتُكَ

عندما سَمَّيْتَني، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …

كيف قتلتَني؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل، أَدْخِلْني

إلي غابات شهوتك، احتضنِّي واعْتَصِرْني،

واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل.

بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني.

فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ، ولن تراني نجمةٌ

إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ،

فهاتِني ليكونَ لي وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ ـ

حاضِريَ السعيدُ

يعمد الشاعر في هذا المقطع إلى أسطرة ذاته عن طريق نقل جملة من الأحداث والوقائع نقلا متزامنا يوظف التعبير التمثيلي الإيحائي بعيدا عن التعبير التقريري المباشر. حيث تتوالى الصيغ المجازية والمعادلات الرمزية في صورة فيض جمالي يقوم على التداعي الحر لمشاعر وانفعالات ينتقيها الشاعر بعناية من ذاكرته من أجل تشكيل فضاء جمالي يمتح مكوناته الفنية والجمالية من السيرذاتي معدلا حسب مقتضيات التعبير الشعري الذي ينشد التأثير والتفعيل. وهي استراتيجية جمالية تعمدها درويش من أجل التخفيف من عبء الصياغة النثرية التي يفرضها سرد تفاصيل ووقائح حياتية مهربة شعرا من حدود السرد وبوساطة الأنا التي تطمح إلى التحرر من ضغط الواقع ووثوقية مرجعيته وقوانينه الصارمة. لقد حاول الشاعر أن يهجر العام إلى الخاص وأن يستبطن الغد لكي يطل على المستقبل في محاولة لسبر كنهه والقبض على حقيقة وهوية المصير الذي ستؤول إليه الذات بعد فنائها الجسدي. ومن هنا جنحت القصيدة إلى الامتداد الإيقاعي عبر التكرار والترجيع وفتح أفق التوقع على مناطق داخل الذات عصية على الرصد بتوظيف لغة شعرية تميزت بثراء جمالي ودلالي مكنها من نقل التجربة الفاجعة التي كابدتها الذات في صورة فاتنة أخاذة. وهو ملمح من ملامح الشعرية في خطاب الموت عند درويش، حيث تقوم الاستراتيجية الجمالية في بناء خطاب الموت على اعتماد في لغة صافية «تشف عن حركة النفس وشفافية الروح دون تفجع أو مأساوية. لقد ألف الشاعر الموت وقدمه جماليا بطريقة نفذت إلى صميمنا»15.

لقد أراد درويش أن يسجل في هذه القصيدة سيرة شعرية يستعيد من خلالها الماضي في قالب تخييلي يمتزج فيه السردي والدرامي، التاريخي والأسطوري، الممكن والمتخيل، الواقع والحلم. وإذا كان درويش قد حاول شيئا من هذا في قصيدته – السيرة «لماذا تركت الحصان وحيدا» فقد توخى منها تسجيل سيرة الجماعة باعتبارها «سيرة المكان حين تحتويه الجغرافيا لكي ينبسط فيه التاريخ»16. أما في الجدارية فقصد درويش متوجه إلى تدوين سيرة شخصية تتساند فيها الممكنات الإبداعية من أجل تشييد نص إبداعي ينغرس عميقا في الحياة ليواجه فجيعة التواري والغياب: (الجدارية ص: 53)

«من معنى إلى معنى أَجيءُ.

هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ، وأَنا أكثِّفُها، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني»

وهو بذلك يجسد محنة الإنسان عموما والمبدع خصوصا الذي يعيش «صراعا مستمرا بين زمن تاريخي واقعي وزمن لانهائي يسمى الخلود أو على الأقل الانبعاث المتجدد»17. وقد شكلت الجدارية بما هي عمل فني فذ اختزالا لسؤال الوجود والمصير. إنها الجدار الذي يبنيه الشاعر بصبر وأناة من أجل مقاومة الموت وتأبيد كينوته في ذاكرة الزمن.

قصيدة الجدارية ملحمة الذات في مواجهة سلطة الموت. في هذه القصيدة تعلو نبرة الغناء التراجيدة ممزوجة بأبعاد أسطورية تستعيد مجازا رحلة جلجامش في معاناته الوجودية بحثا عن خلود الذات وتأبيد الكينونة. لقد أسس درويش في هذا النص الذي أراده نشيدا طويلا للحياة جماليات جديدة تعبر عن تجربة ذاتية بلغة مجازية واستعارية مكثفة تختزل آلام نفس منكسرة وقلب ملتاع. ومن هنا جاءت القصيدة محملة بدلالات رمزية وإيحائية تكشف عن شاعر متمكن من أدواته الإبداعية ووسائله التعبيرية التي يسخرها من أجل القبض على متخيل الموت كما ينعكس على وعي الذات. فهذه القصيدة نشيد وأغنية شحذ لها الشاعر كل إمكاناته الفنية والإبداعية حتى تنهض بجلال الوظيفة التي رصدت لها باعتبارها رثاء استباقيا للذات: (الجدارية ص: 11)

وكأنني قد متُّ قبل الآن …

أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني

أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما

ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ

ما أُريدُ …

الإبداع قرين الحياة في عنفوانها وتجددها. إنه التجسيد الحقيقي للذات الشاعرة حين تمتلئ بالوجود والحضور اللذين ينفيان العدم والغياب. وهل الموت إلا موت اللغة كما عبر الشاعرالجدارية ص:67)

تقول ممرضتي:

كُنتَ تهذي طويلاً

وتسألني:

هل الموت ما تفعلين بي الآن

أم هو موت اللغة؟!

يمكن اعتبار الجدارية بوجه عام معلقة الشاعر ووصيته الأخيرة، كما وصفها هو نفسه، (الجدارية ص: 36) فهذه القصيدة تعلن انتصار الذات المبدعة التي تنوب عن الآخرين في قهر الموت والتغلب عليه. (الجدارية ص: 61)

عُدْ يا موت وحدَك سالماً،

فأنا طليق ههنا في لا هنا

أو لا هناك. عُدْ إلى منفاك

وحدك. عُدْ إلى أدوات صيدك

وانتظرني عند باب البحر.

لقد كان الشعر دائما صنو الخلود وتوحدا بالأبد. يستعيد الفناء ليمجد الحياة. وقصيدة الجدارية لمحمود درويش نشيد نفس ملتاعة وقلب كسير يواجه الغياب الكبير، حيث لا تملك الذات الشاعرة غير الجماليات في مواجهة سلطة الموت: (الجدارية ص:79)

حين يجف ماء القلب تزداد الجماليات

تجريداً، وتدَّثر العواطف بالمعاطف

والبكارة بالمهارة.

وكأن الموت يغدو ضرورة لازمة لتصل الذات إلى ذروة الانتباه وتكمل دورة الحياة بحيث يصبح الوجود في الغياب حضورا أكثر امتلاء: (الجدارية ص:23)

ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :

وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب.

إن هذا المعنى الذي يعطيه الشاعر للموت يقلب التصور السائد الذي يجعل الموت امحاء وغيابا أو دخولا في العدم، حيث تتحول تجربة الموت في رؤيا شعرية نبوئية إلى عين الحياة في الوقت الذي تتحول فيه الحياة هي السبات: (الجدارية ص:97)

...إن مت انتبهت.

لقد أصبح الموت بمثابة كشف للحجاب أمام الذات لتنفذ إلى جوهر الحياة وسر الوجود. إنه ولادة ثانية تصبح بعدها الذات أكثر انتباها بعد أن تتخلص من شرودها ويرفع عن عينيها الغلالة الرقيقة التي تحجب عنها الحقيقة؛ حقيقتها وحقيقة الوجود من حولها.

تكشف قصيدة الجدارية عن أكثر المشاغل حميمية وأشدها التصاقا بالوجود الإنساني، حيث ينشغل درويش في هذه القصيدة بتشييد واقع جمالي يروم التعبير عن حالة وجدانية انفعالية تتلبس الذات عندما تواجه سؤال المصير. ومن رحم المحنة والعذاب طلع علينا درويش بقصيدته النشيد الطويل الذي حاول من خلاله القبض على لحظة فريدة واستثنائية هي لحظة التحديق في الموت ومجابهة الغياب. ومن هنا جاءت القصيدة أغنية مضمخة بعبق الجماليات التي تتحصن بها الذات من التحطم والانهدام. ففي هذه القصيدة يستنفر درويش كل طاقاته الفنية وإمكاناته الجمالية من أجل تصوير دراما الغياب الفاجع بلغة شعرية كثيفة وشفافة أساسها الرمز والإيحاء. لقد امتلأ الشاعر بكل أسباب الغياب لكن شهوة الحياة التي تضطرب في عروقه جعلته يتفجر شلالا من الشعر يتدفق ممتطيا صهوة الأمل ليغني لمستقبل أبهى وأجمل.

هوامش البحث:

1 - «بحثا عن الخلاص الجمالي، حوار أجرته مجلة آفاق المغربية مع الشاعر محمود درويش ع 57 – 1995 ص: 153

2- أنجزنا تحليلا موسعا لهذه القصيدة- الديوان بعنوان «السمات المركبة في مديح الظل العالي لمحمود درويش» تناولنا فيه الاستراتيجية الجمالية التي اعتمدها درويش في هذا النص، حيث خلص البحث إلى أن درويش يطور في هذه القصيدة شكلا تعبيريا جديدا، أصبحت معه أيديولوجيا الخطاب تميل إلى المزج والتداخل والتلاحم، بتكسير القوالب الجاهزة في البناء الشعري، لخلق شكل بنائي جديد معقد، تتناغم فيه وسائل الأداء الجمالي من لغة وصور وإيقاع... وذلك بانتقاء سمات جمالية تنتمي لأشكال تعبيرية مختلفة، وصهرها في قصيدة مديح الظل العالي، كما عمد درويش إلى التركيب بين السمات الجمالية كأداة تعبيرية مخصوصة، تميز هذه القصيدة. ولذلك توزع البحث إلى ثلاثة فصول : الواقعي والجمالي- الغنائي والملحمي- السردي والدرامي. للتوسع راجع «»السمات المركبة في مديح الظل العالي لمحمود درويش»- بحث لنيل الإجازة بإشراف الدكتور محمد مشبال مرقون بكلية آداب تطوان – المغرب الموسم الجامعي 2003.

3 - محمود درويش، «هي أغنية... هي أغنية» ضمن ديوان محمود درويش، دار العودة- بيروت مج 2 ط21- 1994 ص: 243

-4 شاكر النابلسي، مجنون التراب- دراسة في شعر وفكر محمود درويش، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1- 1987 ص: 240

5 - نفسه ص: 240

6 - نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال- الدار الببضاء ط1- 2007 ص: 348

7 - عبد السلام المساوي، الموت من منظور الذات – قراءة في جدارية محمود درويش، مجلة عالم الفكر مج 35- 2007ص: 99

8 - كريم يروي نفسه في حياته.........ستعلم إن متنا غدا أيّنا

أرى قبر نحام بخيل بماله............ستعلم إن متنا غدا أيّنا

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى.........لَكَالطِّوَلِ المرخى وثنياه باليد- شرح المعلقات السبع للإمام الزوزني، دار مكتبة الحياة – بيروت ط1- 1983 ص: 114- 115

9 - كمال أبو ديب، الحداثة السلطة النص، فصول ع 3 – 1984 ص: 56

10- أحمد المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث، مكتبة المدارس للنشر والتوزيع- البيضاء ط 2 - 2007 ص: 11

11- أحمد المعداوي، أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث، منشورات دار الآفاق الجديدة- المغرب ط1- 1993 ص: 172

12 - اعتدال عثمان، إضاءة النص، دار الحداثة – بيروت ط1 – 1988ص: 149

13 - فريال جبوري غزول، فيض الدلالة وغموض المعنى في شعر محمد عفيفي مطر، فصول ع 3 – 1984 ص: 179

14 - حاتم الصكر، مرايا نرسيس، الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر- بيروت ط 1 – 1999 ص: 153

15 - صلاح فضل، محمود درويش حالة شعرية، كتاب دبي الثقافية ط1- 2009 ص: 131

16 - من كلمة صبحي حديدي على ظهر ديوان «لماذا تركت الحصان وحيدا» رياض الريس للكتب والنشر ط4-2009

17 - إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، داار الشروق للنشر والتوزيع- الأردن ط2 – 1992 ص: 68
____________________
مصطفى الغرافـي
شاعر وباحث من المغرب







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 12:59 PM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة





ترانيم الحياة الخالدة .. رابندرانات طاغور
ترجمة راما وهبه و أحمد حميدة
________________________________

كيف يتردد صوتك بالغناء يا مولاي ؟
أنا لا أعلم ذلك.....
. إلا أنني في ابتهال الدهشة الصموت ..
ألقي السمع أبداً إلى وقع غنائك ..
إن أنوار موسيقاك تضيء وجه العالم ..
وهي تعزف على أوتار السماوات ترانيم الحياة الخالدة ..
والتموج الأبدي لفيض ألحانك القدسية ..
يتدفق منهمراً من قلب الصخرة الصماء ..
إن قلبي يود لو يهب نفسه في سدير غنائك..
ولكنه عبثاً يسعى إلى ملامسة صوتك ..
ولسوف أتكلم !
.. إلا أن كلماتي لن تتساوق مؤتلفة كانثيال النغم الشجي الرخيم ..
فأتردى في مهاوي الحيرة وأنتحب بالبكاء..
آه يا مولاي!.. لقد وسمت قلبي بأبدية موسيقاك التي لانهاية لها .







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:00 PM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة





في خدر الدّوار أنسى نفسي .. رابندرانات طاغور
ترجمة راما وهبه و أحمد حميدة
______________________________________

عندما تأمرني بالغناء
أشعر بقلبي يتلاشى ولهاً في حميّا التّيه .....
وحين أتأمل خاشعاً وجهك ..
تغشى نقب الدّموع عينيّ الذّاهلتين إليك..
كل الظّلال الوحشيّة والأصداء المتنافرة في حياتي ..
تنصهر في تناغم عذب في ضوء موسيقاك اللّامتناهية..
ويطلق عشقي جناحيه السّماويين ..
كطائر ثمل بلازورد الرّحيل الشّفقي ..
في طوافه فوق البحار ..
إنّني أعلم بأنّك تطرب لغنائي..
و أعلم بأنّني بالغناء وحده ألج عتبات التّجلي ..
حيث ألامس بخفق أجنحة تسابيحي المتبتّلة ..
أطراف قدميك التي ما كنت آمل في الوصول إليهما ..
وإنّني في خدر الدّوار أنسى نفسي
.. فأناديك في نشوة السّكر : أيّها الرفيق!.. أنت يا مولاي !







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:01 PM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة




رحيق الحياة الأبديّة .. رابندرانات طاغور
ترجمة راما وهبه و أحمد حميدة
__________________________________

لقد خلقتني لانهائيّاً.. تلك كانت مشيئتك..
هذه الكأس القربانيّة الرّقيقة .....
إنّك لاتني ترتشف منها المرّة تلو الأخرى ..
كيما تمنحها على الدّوام رحيق الحياة الأبديّة ..
لقد عبرت بهذا المزمار الصّغير من القصب التّلال والوديان..
ونفخت فيه أناشيد متسرمدة بالبعث في دورة الأكوان..
وببركة لمسة من يديك..
ينفلت قلبي من قيود أسره في سماوات الفرح الأعظم
لينساب فيضاً قدسيّاً في طلسم الأسرار..
إنّ عطاياك إليّ لا تنقضي
.. إلّا أنني لا أمتلك سوى راحتيّ الضئيلتين للإمساك بها ..
والأزمنة في سديم الزّوال لا تلبث أن تمّحي
.. إلّا أنّك تهرق لي.. وفي قلبي ثمّة أبداً مكان ينتظر أن يمتلئ







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:02 PM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة



بُول فاليري والشعر الصافي .. بديع حقّي
__________________________________

كنت أتمنى حين مضيت إلى باريس في ربيع عام 1946، ملتحقاً بعملي ومتابعاً دراستي لو أن الشاعر الفرنسي العظيم (بول فاليري) كان حياً، فلعلي أن أحظى –أنا الذي فتنت بقصائده ...الرمزية وتأثرت به في بداية عهدي بالشعر- بلقاء أسعد فيه بسماع صوته، وأدخل خاشعاً، متبتلاً هيكل إلهامه، ولكن فاليري كان قد توفي منذ أكثر من تسعة أشهر، وجعلت، آنذاك، أحفظ كل يوم، أبياتاً من قصائد ديوانه (فتون) وأتنفس ألهث، أعيش، موسيقا كلماتها السحرية الندية.

وكنت أعلم أنه قد سجي جثمانه، في قصر (شايو)، ليشيع منه باحتفال رسمي، كأحد عظماء فرنسا، ثم يدفن في المقبرة البحرية، في مدينة (سيت) التي ولد فيها.
فلما زرت هذا القصر، صافحت نظراتي، كلمات لفاليري منقوشة، على طنف داخل القصر ما تزال حروفها، تهينم، حتى الآن، في ذاكرتي:

(كل إنسان يبدع، كما يتنفس دون أن يدري أنه يبدع، ولكن الفنان يشعر، وحده، بإبداعه، لأن أثره الفني الذي خلقه، يستبد بكيانه كله، وضناه الحبيب يمده بالقوة).

وجاذبتني حسرة إن لم أكن بين تلاميذه، الذين سهروا، في قصر (شايو) حول تابوته، حتى الصباح، أحمل مشعلاً صغيراً، يغيب بين مشاعلهم المضيئة، فلما عدت إلى وطني، وأصدرت ديواني (سحر) الذي نشرته مجلة الأديب اللبنانية عام 1953، لم أجد أحلى من عنوان (سحر) يتوج ديواني، ليتناغم معناه مع معنى ديوان فاليري: (فتون)، بعد أن ظل قلبي منوطاً بنبضات قلبه وكلماته، وأهدابي معلقة بظلال شعره وتهاويله. وما تزال قصائده تناسم ذاكرتي، حتى الآن، أفيء إليها، وأترنم بها، بين الحين والحين، وأتمثل فاليري، كما لو أنه حي، تهزج كلماته الطلية الشجية في مسمعي.

***
أرأيت إليه، يستيقظ، عند منبلج الفجر، وأفراد أسرته ما يزالون مستغرقين في النوم، وصبغة الليل ما تزال متشبثة بلونها الغميس بالصمت الأسود، فيعمد إلى قهوته، يعدها بنفسه، ثم ينحو إلى مكتبه، فيرشفها متمهلاً، فيما هو يحدق إلى الصفحة الناصعة البياض، المنفسحة أمام عينيه الحالمتين اللتين، متحتاً من السماء زرقتها الصافية، النقية، ماثلة له، مترائية كأنها غول بيضاء تتوعده وتتحداه.

ها هي ذي نظراته تنحدر، فوق الصفحة المنبسطة أمامه، وتحنو على خطى قلمه القلق المتململ بين أنامله، يملأ بياضها بجذى أفكاره المنثالة من ينبوع عقله المفكر، لترفد السيل الآتيَّ المتدفق من خواطره، يمتلئ ويفيض يوماً بعد يوم، ويشارف مائتين وسبعة وخمسين دفتراً، سوف تمد الأدب الفرنسي الحديث، حين يتاح لها أن تنشر، بغذاء فكري وأدبي، يمكن أن يوضع في قرن واحد مع أشهى عطاء جادت به قريحة إنسانية.

إنه الشاعر الفرنسي (بول فاليري) الذي هجر، ذات يوم، الشعر، يائساً، وفزع إلى عزلته، عازفاً عن جلبة المجد الأدبي العقيم، مؤثراً دفاتره بوساوس فكره وهمسات قلبه، يسجلها ويشفعها، أحياناً برسوم من ريشته العابثة البارعة. ترى أي حافز أغرى الشاعر الشاب بعزلته هذه الخصبة؟ أي يأس عتي حمله، وهو في ريعان صباه، على الصمت المتصل ليجفو الشعر، بعد أن كانت بداياته مبشرة بمولد شاعر كبير، ثم تسوق له المصادفة مناسبة عارضة، ليعود إلى الشعر، وهو كهل دون سعي منه أو رغبة فيه، ليجد اسمه، في بهرة الشهرة، متلألئاً، كأعظم شاعر فرنسي في القرن العشرين.

لا بد لي إذن من أن أنكفئ، لأجلو سيرته منذ إطلالته الأولى على الحياة، لعلها أن تريق فوقها النور، وتفسر بعض الجوانب الخفية من أدبه الفذ، وتجلو بعض ما استغلق على الفهم من شعره الرمزي المبهم.

ألف النقاد، أما تصدوا لدراسة شاعر ما، أن ينفضوا سيرته كلها، منذ ولاته حتى وفاته شرحاً وتحليلاً، ليربطوا بين حوادث حياته والآثار الأدبية التي ساوقتها، أو كانت نتيجة لها، ولعل سيرة بول فاليري المترائية للناقد الطلعة، مطمئنة رتيبة، تأبى، في الظاهر، أن ترتبط بآثاره الفكرية والشعرية وأن تعد بتفسير مناسب لها.

كان فاليري نفسه يشك في جدوى سيرة الشاعر أو الكاتب، لاستجلاء آثاره الأدبية وشرحها، كان يرى أن سيرة الإنسان تتسق على النحو التالي: اسم، حاجات، نزوات، سخافات، غياب، إنه شخص يتمخط، يسعل، يأكل، ينام، يشخر، إنه دمية نساء، ضحية حر أو برد، هدف لبغض وسخيمة وهزء.

فما فائدة كل هذا، في ربطه بأثر فني أو أدبي يبدعه هذا الإنسان؟

غير أنني أرى أن حياة المبدع في الأدب والفن، لا يمكن أن تنفصم عن إنتاجه الأدبي أو الفني، ولا يسوغ أن نستثني حياة فاليري من التأثير في أدبه، مهما تكن حياته رتيبة، بعيدة عن التعقيد، وقد كانت حياة فاليري، فيما يبدو، تترقرق، هادئة، دون أن يعرف الكثيرون أن ثمة تياراً خفياً، كان ينسرب في أعماق حياته ويسم أدبه بشياته المتميزة.

ولد فاليري في مدينة (سيت) في عام 1871 من أب فرنسي، يتحدر من أصل كورسيكي، وأم إيطالية، (كان والدها قنصلاً لإيطاليا في سيت). ها هو ذا تأتلف في دمه حرارة الدمين: الفرنسي والإيطالي ويتساوق مزاجهما متناغماً، في إيثار النغم الحلو المبتكر في الموسيقا والألفاظ المرنانة الصافية في اللغة، والصور الشفافة المعبرة في التصوير. وكانت أمه تؤثر أن تتحدث إليه بلغتها الإيطالية، وكذلك تأتى له أن يرتضخ هذه اللغة، بسهولة، وأن يتقن من ثم، اللاتينية وينقل، فيما بعد، بعض آثار فرجيل إلى اللغة الفرنسية. وليس من ريب، أن نشأته في الميناء البحري: سيت، قد تركت في خياله أثراً بالغاً، يقول فاليري:

(لقد ولدت في مكان من تلك الأمكنة التي أحب أن أولد فيها)، وفي الحق أن هذه المدينة القائمة على سيف البحر الأبيض المتوسط، قد فسحت أمام عينيه أفقاً وسيعاً، يلعب فيه النور الوضيء، لينساق هذا النور، فيما بعد، من عينيه الزرقاوين، اللتين تمتزج فيهما زرقة البحر بزرقة السماء، إلى كل حرف يسطره، شعراً كان أم نثراً، وإلى كل لمسة من ريشته اللبقة الصناع، حين يعمد، في ساعات فراغه، إلى الرسم، ليخلف ذلك كله، أثراً واشيا ببريقه وألقه. لا، لم ينس فاليري مدينته الصغيرة التي رعت طفولته الهنيئة، يقول:

(إنني مدين للمرفأ الذي ولدت فيه بنبضات فكري الأولى، بحبي للبحر وللحضارات الرائعة التي قامت على شواطئه، ويخيل إلي، أن إنتاجي الأدبي كله يشي بمصدره الأساسي، إنني أتهم نفسي بأنني جننت جنوناً حقيقياً بالنور مجبولاً بجنون وكلف بالماء).

"ها هو ذا، يعترف بأن لمدينته التي ولد فيها فضلاً كبيراً على أدبه، فقد انحفر منظر المقبرة البحرية في سيت، في ذاكرته، على نحو حمله، فيما بعد، على نظم قصيدة (المقبرة البحرية) التي تعد قمة باذخة في الشعر الفرنسي المعاصر".

(كنت طفلاً صغيراً، أتزايل في مشيتي، وكانت الخادم تسعى بي، إلى حديقة عامة، تتوسطها بركة تسبح فيها بجعات، وقد تركتني الخادم، ذات يوم، على الأرض، قريباً من حافة البركة، فأنشأت أتسلى بإلقاء الحصى، في الماء القاتم، فيما كانت الخادم متوارية، خلف وشيع من الشجر، حيث كان ينتظرها ضابط مدله بحبها، وكان الطفل ذا هامة ضخمة وأطراف دقيقة، فكيف لا يقع في الماء؟ ها هو ذا، يطوف على سطح الماء بثيابه المنشاة، وكانت الخادم والضابط المختفيان، يجهلان الخطر الكبير المحدق بمصيري الصغير، وقد عجبت البجعات، بلا ريب، أنها تشبهها ببياضها غير أنها كانت بجعة دخيلة، جعلت تغوص في الماء. ها هو ذا الطفل يفقد وعيه. ترى علام رآه أحدهم؟

هكذا تدخل القدر، فقد خوض ذلك الرجل فجأة، في الماء، وفرق البجعات وأفزعها وأعاد إلي الحياة إلى هذه (الأنا)، أنا الشاحب المغمى عليه، وعاد بي إلى بيته، وسقاني جرعة من شراب الروم، أما جدي فقد أراد أن يقتل الخادم، في ذلك اليوم).

ولم تكن مدينة سيت قد رفدت، وحدها ذهن الطفل، بذكرياتها المغزولة بالنور وزرقة البحر، فإن (جنوه) المدينة الإيطالية، حيث كان يمضي عطلته الصيفية لدى أسرة جده لأمه، قد أرضت عشق عينيه للنور والبحر.

ها هو ذا البحر ينفسح أمامه، ويعطو موجاته، متعالية متطامنة، معانقة المدينة الساحرة، ترتفع مبانيها الأثرية، ومقبرتها التاريخية المشهورة، وتفضي إلى خيال الشاعر الشاب، ذي النظرة الصافية الزرقاء بسر الهندسة الرفيعة التي عرفت بها هذه المدينة البحرية، لتتسلل صورها الزاهية وخطوطها المتناسقة، إلى حنايا ذاكرته، يريقها، ذات يوم في حوار فكري فني في (أوبالينوس) وقصيدته (سميراميس).

(لقد وعي في جنوه، تناسق الجسم الإنساني، فحفلت آثاره الأدبية كلها بصور جمالية فاتنة، كما أن إتقانه للغة الإيطالية، أتاح له أن يتأثر شعره ونثره بموسيقاها اللفظية الآسرة وأن تكون ثقافته اللاتينية متميزة عن ثقافة معاصريه من الأدباء الذين غلبت على ثقافتهم الأجنبية، الثقافتان الألمانية والإنكليزية.

وفي عام (1884) انتقل بول فاليري مع أسرته، إلى مونبلييه. بسبب انتشار الكوليرا في سيت ولم ينس قط مدينته الحبيبة التي كان يحن إليها حنيناً متقداً، فلما عاد إليها، في ذروة مجده الأدبي، ليشهد حفلة توزيع الجوائز في المعهد الذي كان يدرس فيه، قال أمام الطلبة:
-(لئن صعدت من حادث إلى حادث: ومن فكرة إلى فكرة، وتتبعت سلسلة حياتي، لوجدت الحلقة الأولى منها منوطة بتلك الحلقات الحديدية الموصولة بصخرات مينائنا، أما الحلقة الأخيرة من السلسلة فهي منوطة بقلبي).

وفي مونبلييه التحق فاليري بمعهدها، لكنه لم يجد في دراسته، ثمة، ما ينقع ظمأه إلى المعرفة فقد كان معلموه يسودون بالطغيان والتسلط، وكانت مناهجهم قاسية صارمة، يقول عنها فاليري (كانت البلاهة وتبلد الشعور يبدوان مقررين ضمن برنامج الدراسة ومناهجها).
كان فاليري تلميذاً عادياً، رديئاً، في نظر معلميه، ولكن الفتى المخفق في دراسته كان يملأ عزلته بقراءة آثار أدبية محرمة على الطلبة، وقد عوقب من أجل هذه القراءة الممنوعة، أكثر من مرة، عقاباً، وجد فيه منفسحاً للتأمل، فقد كان عليه أن يقف، فترة طويلة، في ركن من الغرفة ووجهه إلى الجدار، ولكنه وجد متعة للتأمل لا تنضب، وهو يحدق إلى الجدار، متتبعاً، بنظره، خطوطه وشقوقه المتعرجة الصغيرة، فاحصاً، مدققاً. وقد انصرف في هذه الفترة من عمره إلى الرسم، فبرع في الرسم المائي براعة ملحوظة، وكان حذقه في مؤالفة الألوان يتجاوب مع إحساسه المرهف بالجمال، وأعانته موهبته بالرسم على أن يكتب، فيما بعد دراسات عن ليونارد دو فنشي، وديغا، تعد في رأي نقاد الفن، من أعمق ما كتب في النقد الفني في هذا العصر.

على أن ولع فاليري بالشعر، غلب على أي ميل آخر، وقد قرزمه، في سن مبكرة، وتأثر، في البدء، بالمدرسة البرناسية، ثم عدل عنها واستأثرت الرمزية بإعجابه فقرأ بودلير وفيرلين ومالا رميه.

ونال فاليري الشهادة الثانوية، وكان عليه أن يختار مهنة له، فأمل أن يلتحق بالمدرسة البحرية، ولعل شغف فاليري بالبحر هو الذي كان يغريه ويجذبه إليه، ولكن أباه حال دون تحقيق هذه الأمنية، التي انتسخت، ولكنها ظلت مهوى فؤاده عمره كله، فلم يكن معدى له من أن يلتحق بمعهد الحقوق، أخذا بمدرجة أخيه الأكبر جول- الذي أضحى، فيما بعد، عميداً لمعهد الحقوق بمونبلييه.

وفي عام 1889 ألزم بأن يؤدي الخدمة العسكرية –ولم يجد عزاء له في تزجية فراغه سوى قرض الشعر، كتب إلى صديق له (أننا نساق للتمرينات بقسوة، كل يوم، أما في يوم الأحد، فأنقذ روحي بنظم الشعر).

وفي أيار من عام 1890، أقيم احتفال كبير، بمناسبة مرور ستة قرون على إنشاء جامعة مونبلييه، ويشاء القدر أن يلتقي فاليري بين الجموع المحتشدة بشاب، قادم من باريس هو الشاعر بيير لويس، وأن تتوطد بين الشاعرين صداقة حميمة، وطأت له التعرف، فيما بعد إلى كاتب رأشاب عبقري هو أندره جيد.

من هؤلاء الأدباء الثلاثة: بول فاليري وأندره جيد وبيير لويس، ترعرعت صداقة نادرة المثال، في وشائجها وأثرها في أدب كل منهم، وأن يكن لكل واحد منهم، تجربته الشخصية في الحياة، وأسلوبه الخاص به في الأدب، وكلهم، تركوا دوياً في عصر يمكن أن يعد العصر الذهبي للأدب الفرنسي الحديث، وكلهم، كلهم، تأثروا بشاعر الرمزية الكبير:

مالارميه، ذلك الصائغ المتيم بالحرف، ليترسموا خطاه، في دروبه المحفوفة بالسحر والعطر والشعر.

وقد حرص بيير لويس على أن يتعرف صديقه بول فاليري، إلى استيفان مالارميه، حين يقدم إلى باريس، وكان فاليري قد بعث إليه، قبل أن يلتقي به، برسالة شفعها بإحدى قصائده، وقد أجاب مالارميه عنها برسالة يثني عليه ويقول له فيها: (احرص على هذا النغم النادر في شعرك).
كان بيت مالارميه الصغير المتواضع، في شارع روما، بباريس، ملتقى أصحاب الأقلام الغضة المتشوفة إلى التجديد، ومنبع الرمزية في الشعر، يقدمون إليه في يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وانضاف إليهم، ذات يوم شاب قصير القامة، هضيم الوجه، عذب الصوت، تسكن في عينيه زرقة البحر، هو بول فاليري، وعرف مالارميه أن هذا الشاعر الوديع الخجول، الذي يعرف كيف يحسر عن أسرار النغم وكيف يستل اللفظة الموحية، ليجعلها تعيش في القصيد، هو التلميذ الذي سيقدر له أن يتمم رسالته الشعرية.

وكانت آراؤهما في صياغة القصيدة متماثلة كان كلاهما يريد منها أن تكون تلخيصاً واستصفاء لما يمور في النفس، وأن على الشاعر، إمَّا غاص في الأعماق، أن يجتزئ بلآلئ صغيرة تلخص أمواج النفس كلها، ليقود هذا التلخيص والاستصفاء، إلى ما يسمى بالشعر الصافي، وكان مالارميه يرى أن الحقيقة تكمن في حياة الإنسان الداخلية، وأن مهمة الشاعر هي أن يتسمتها من الأعماق، إن صور الأشياء تترادف أمام منسرح نظره، مختلفة انطباعها عنه، كالنسيم يمر فوق صقال الماء، مخلفاً انطباعه ينداح دوائر، تغيب وتذوي ويأكل بعضها بعضاً إن وظيفة اللفظ هي مطاوعة هذه الصور في حركتها حتى تنفسح للشاعر آفاق الحلم الرحيبة.
كان مالارميه يتصور القصيدة كالسيجارة يتلوى دخانها، حلقة، حلقة، ويتهاوى رمادها بعد أن يحظى بقبلة النار النقية. إن الرماد هنا، يمثل الشيء المادي الذي تتسامى منه فكرة الشاعر، كما تتسامى حلقة الدخان، وما دام هذا الشيء المادي –هذا الرماد- زائلاً، فعليه أن يختفي في الأثر الفني، ويبقى رمزه، يبقى هذا الدخان المتلألئ الصاعد.

وكان فاليري يرى في تشبيه معبر آخر، أن المعنى الذي يتسق في اللفظ، كالعطر الذي يكمن في البرعم، قد يكون الشوق إليه، قبل أن ينور البرعم، في قرن واحد من النشوة مع طيب شميمه، وأن على المعنى أن يختفي في القصيدة، كما يختفي قوام الغذاء في الفاكهة، فالفاكهة وهي غذاء، لا تتراءى لنا سوى متعة، ولا نستجلي منها سوى لذة، غير أننا نتلقى منها في الواقع، مادة مغذية، فيواري التشهي والاستطابة ذلك الغذاء الخفي الذي تقصد إليه الفاكهة.

بيد أن القلق المبدع الذي كان يحمل فاليري على أن يكون مجلياً بارعاً في صياغة القصيدة وتحكيكها وبمعنى آخر، ليكون من عبيد الشعر الذين يحدوهم حرص دائب على صقل القصيدة لينفوا منها كل ما يعكرها من شوائب النثر، تراخى به إلى اليأس من الشعر، ذات ليلة مؤرقة في 5 تشرين الأول من عام 1892 في جنوه- وكان قد مضى إليها في زيارة لأسرة أمه –كانت ليلة عاصفة، تهزَّم فيها الرعد، وانشب البرق مخالبه في إهاب السماء، ممزقاً غيومها، ولعل ألق البرق الخاطف جلا له، إشراقة ملهمة، إن طريق الكمال التي يضرب فيها سوف تتراخى إلى عبث لا جدوى منه. كانت ليلة رهيبة مذهلة، أوشك فيها أن يجن –كما ذكر في أحد دفاتره- فلما طلع الفجر، كان قد اعتزم أمراً، لا معدى له من الالتزام به، هو أن يعزف عن نظم الشعر وأني ئد ولعه بالأدب. وبدا له أن الشعر كله، هو عبث وسراب وقبض الريح، فعلام المضي في هذه السبيل التي تفضي إلى الخيبة المريرة، وخيل إليه، أن العلوم والرياضيات هي و حدها، قادرة على أن تحسر له عن الحقيقة، فلا أمام لديه –كما يقول شاعرنا المعري- سوى العقل، يفزع إليه بأسئلته المضنية، ليجد الجواب المرضي المقنع لديه.

وقد سألته السيدة إيميلي نوله، ذات مرة،: لماذا ترك نظم الشعر؟ فأجابها: تركت الشعر، لأنني استنفدت مفرداتي الشعرية جميعها، وكان ينبغي لي، منذئذ، أن أسعى لخلق مفردات جديدة.

واستأجر فاليري غرفة ضيقة في شارع (غي لوساك) لم تكن تضم سوى طاولة وكرسي ولوح، تمرح فوقه معادلاته الرياضية ووساوسه العلمية، وعلق على جدار فيها، صورة هيكل عظمي إنساني للرسام (ليجييه ريشييه)، كان يتبدى له صورة مجردة مؤسية لمصير الإنسان.

وألف فاليري منذئذ، أن يستيقظ، عند منبلج الفجر، فيعد قهوته بنفسه، ويبسط أمامه دفتراً أبيض، لعله أن يجد في منفسحه، ما يرضي أسئلة فكره القلق الحائر المتطلع. يقول فاليري: (إن اللحظة الأولى من الصباح، تؤثر في أعصابي وتستبد بها على نحو فريد: في هذه اللحظة يأتلف شيء من الحزن والنشوة والعاطفة المستوفزة، وشيء من الصفاء المضني المؤلم).
وجعل يسجل في دفاتره، يوماً بعد يوم، آراءه وهواجسه وسوانح أفكاره، كأنه راهب متبتل يتلو في محراب العقل سبحاته الفكرية التي جلاها بقوله: (إنها ألوف القضايا التي تمر في قوقعة العقل، إنها بذور السأم، بعوض الخيال، ذرات الإرادة، الوانية والشك والوسواس التي تعذب كل دقيقة من اليوم).

وانتظمت هذه الدفاتر، في مائتين وسبعة وخمسين دفتراً، ثم نشرها كلها، بعد وفاته، في تسعة وعشرين مجلداً، يقول عنها أندره جيد الذي اطلع على بعض منها: لا يسعني إلا أن أتصور أنها أهم أثر فكري في عصرنا هذا.

وكانت تتخلل عزلته الفكرية التي قسرها على نفسه إطلالات ضئيلة على الأدب، ساقته إليها المناسبة، فقد طلبت إليه مديرة المجلة الجديدة عام 1894، أن يكتب لها دراسة عن المصور الإيطالي ليوناردو فنشي بعد أن سمعته يتحدث عنه حديث الخبير العارف، فكتب دراسته (مدخل إلى منهج ليوناردو فنشي) حلل فيها عبقرية الفنان الإيطالي تحليلاً دقيقاً، رائعاً وفي الواقع أن ثمة مشابه تجمع ما بينهما، فقد كان دوفنشي شاعراً ومخترعاً وعالماً ومهندساً ومصوراً عبقرياً، فلعل تعدد جوانب نبوغه هي التي اجتذبت فاليري للكتابة عنه فإن إبداع فاليري لم يكن مقصوراً على الشعر وحده، بل كان يضرب في جل العلوم والفنون والآداب على عرق.

وكتب فاليري، (أمسية مع السيد تيست) فجلا في هذا الكتيب، شخصية غريبة الأطوار، في تزمته وعزوفه عن مباهج الحياة، والعكوف على التأمل والتفكير والرجوع إلى العقل. إنه الإنسان المجرد من الأهواء والنزوات والبدوات، الذي يفزع إلى قمة الفكر الباردة، مسترفداً منها سلوكه في الحياة. وقد بدت شخصية تيست في هذا المؤلف كما لو أنها تحمل قسمات فاليري وملامحه، فكأنه المثل الأعلى الذي كان يتشوف إلى تقليده والوصول إليه.
وانكفأ فاليري بعد هذا الكتاب، إلى صمته المتصل، قرابة عشرين عاماً، لم ينشر خلالها أي شيء، بيد أنه ظل وفياً لدفتره، حين يسفر الفجر، ناثراً فوق صفحاته، بذور سأمه وهواجس فكره وغبار وساوسه. غير أن صلاته بمالارميه لم تنقطع، وقد يسرت له صداقته بالكاتب هويسمان، أن يلتحق موظفاً بسيطاً في ديوان وزارة الحربية، ثم استقال منها بعد أن ضاق بالعمل الرتيب فيها، ليعمل سكرتيراً خاصاً للسيد إدوار لوبي مدير شركة هافاس الإخبارية، وفي عام 1898 غال الموت مالارميه وهو في أوج عطائه، فحزن عليه فاليري حزناً عميقاً، وقد أفضى فاليري لصديقه تيوديه ذات مرة: (لقد عرفت مالارميه، بعد أن تأثرت به تأثراً بالغاً، في الوقت الذي قضيت فيه على الأدب، بمقصلة، في أعماقي).

وفي عام 1900 تزوج فاليري (جاني جيوبارد) وكان قد التقى بها في بيت مالارميه، ورزق منها بثلاثة أولاد، وأتاحت له الحياة الزوجية المستقرة، أن يسيغ عزلته الفكرية، بعيداً عن نور الشهرة، غير أن قصائده الرقيقة التي نشرها في بعض المجلات الأدبية، ثم أسلمها إلى النسيان، ظلت –كما يقول صديقه لاربو- مشغلة للكثيرين من المعجبين، في أنحاء مختلفة من فرنسا، كانوا يستنسخونها حريصين عليها كجواهر ما تزال تحتفظ بمائها ورونقها، وفي عام 1912 رجا أندره جيد صديقه فاليري، بعد أن لملم له قصائده المتفرقة المنشورة، قديماً، بأن تنشر مجموعة في ديوان لدى دار غاليمار، وعاد فاليري، على مضض إلى قصائده، إلى أشباحه –كما يقول عنها- وبدا له بعد أن غير فيها تغييراً يسيراً، أن يتوجها بقصيدة صغيرة جديدة لا تتجاوز أربعين بيتاً، يودع بها الشعر، ولكن شيطان الشعر جذبه، لحسن حظ الأدب، وأغراه بالترسل، والضرب في آفاق جديدة، لم يطمح بصره إليها من قبل، فانبجست، قصيدته كينبوع تفجر، في البدء جدولاً صغيراً لم يلبث أن تسلسل فياضاً زاخراً، كالنهر اللجي، وإذا بالقصيدة ترحب، ترحب، خلال أربع سنوات من النظم، حتى شارفت أربعمائة بيت. وتترقرق القصيدة، على طولها، كسمفونية حزينة، شجية النغم، تتأبى معانيها على الفهم، ولكن ألفاظها المنتقاة، تتسرب إلى الأذن، في رقة وليان، مسربلة بالصور الأخاذة الغائمة.
كانت هذه القصيدة ملاذاً لفاليري من الواقع المؤلم القاسي الذي كان يعيش فيه، فقد كان ينظم قصيدته، فيما كان العالم يضطرم في أتون الحرب العالمية الأولى، كتب فاليري في عام 1915 في أحد دفاتره: (إنه ليشق علي، أن أنظم أبياتاً رديئة، في هذا الوقت، بدلاً من صنع القنابل أو قذفها).

ولما انتهت القصيدة، سماها: الحورية الفتية La Jume Pargue وأهداها إلى أندره جيد، ونشرت القصيدة، مستهلة عهداً مجيداً في حياة الشاعر الأدبية، واستقبلت الأوساط الأدبية القصيدة بحماسة لم تظفر بها أي قصيدة لشاعر من قبل، وأضحى فاليري غداة نشرها، شاعر فرنسا الأول، حتى قال عنها:

لقد وضعني غموض هذه القصيدة في نور الشهرة.

تستهل القصيدة بمطلع يكاد يذوب رقة وطلاوة:

من هي التي تبكي، إن لم تكن الريح الرهوة في هذه الساعة المنفردة، مع الجواهر القصية، ولكن ترى من تبكي؟
قريباً من ذاتي، حين يأزف وقت البكاء.

ولعله من العبث أن نشرح هذه القصيدة التي تعتمد، في الأساس، على مؤالفة الكلمات وتناغم الحروف، وترادف الألفاظ، يعانق بعضها بعضاً، في جرس ناعم عذب. ففي مثل هذا الشرح، نفقد العنصر الأساسي فيها، نفقد قوامها الموسيقي الذي هو سر سحرها. على أنه في ميسورنا أن نسوق شرحاً قد يعين، على بعض ما عناه الشاعر، أو بعض ما فهمته، ومن يدري فقد يكون ما أراده الشاعر، مخالفاً للتفسير الذي خلصت إليه، للتفسير الموقت الذي لا يني يجذبني إلى القصيدة لأقراها، مرة بعد مرة، وتظل قراءتي المتصلة لها مجلبة لتطلع مستمر ومطلاً لنشوة لا تنتهي.

ها هي ذي الحورية الفتية، تستيقظ، في حلك الليل، لترنو إلى البحر المنفسح أمام بصرها وترامق السماء، تزدحم في مضطربها النجوم المتلامحة كاللآلئ البعيدة، وتمتد يدها تتقرى ملامح وجه، متطلعة إلى ملامسته، منتظرة دمعة منهملة، ثم تنكفئ، إلى أغوار نفسها، إلى غاباتها المتواشجة، فإذا هي تلمح ثعباناً ساعياً متلوياً، -لعل فاليري عنى به الشهوة الهلوك- مقبلاً إليها، ليلدغها، وتشعر أن كيانها كله قد تغير، أنها تتوقع شيئاً، إنها تنتظر:
كل شيء يمكن أن يلد، هنا من الانتظار اللا نهائي.

بيد أنها تطرد الثعبان:

أمض لست بحاجة، بعد الآن، إلى نجارك الساذج، امض وابحث عن عيون مغتمضه من أجل رقصاتك المتصلة،
وجرر، نحو سرر أخرى أذيال ثيابك المتتابعة.
بيد أن الحورية العذراء لم تلبث بعد أن نجت من لدغة الثعبان، إن ارتعشت لفقدانه:
إنني أرتجف، خشية أن أضيع الألم الآلهي
كنت ألثم في ساعدي اللدغة الموجعة الدقيقة
وتترفق القصيدة، لتجلو مأساة الجسد المغتلم الشبق، ويستدر الدمع من مآقيها متناغماً مع النحيب، الذي كان يتردد في مستهل القصيدة، ها هي ذي تخاطب دموعها المنهمرة:
لن أطلب إلا أنوارك الوانية،
المترقرقة، أمداً طويلاً، على وجنتي المتشوفة،
إلى دمعة منهمرة، من كهف الخوف المحفور في أعماقي،
والملح الغامض ينتضح الماء الصامت.
من أين ولدت؟ أي جهد حزين متجدد دوماً،
يشدك، أيتها الدمعة، المنساحة، من الظل المرير.

وتنساب القصيدة، صوراً متلاحقة، بعضها يلد من بعض، سمفونية رحبة شجية، نهراً ملتوياً، متكسر الموج، تحبو فوق صقاله إيماءات ظليلة وشيات متداخلة ورموز متعانقة، في كلمات عذبة موسيقية.

وقد لمح فاليري إلى بعض مرامي هذه القصيدة الغامضة فذكر أنها تجلو الإنسان الذي يتجاذبه العقل والجسد، وقد حشد فيها طيوف الحور والملائكة والثعابين، تكتسي كلها رموزاً غائمة، وتخلص منها همسات ناعمة حتى ليخيل إلى قارئها أنه يضرب في غابة غامضة، لا لتستمتع بها حواسه، بل لتثير فكره وتحمله على غوارب اللفظة الموحية، إلى آفاق لا محدودة من التساؤل والتطلع والتفسير.

وقد تصدى لشرح هذه القصيدة كثير من النقاد والمفكرين، لعل أعظمهم الفيلسوف (آلان) فكتب عنها دراسة مطولة، ضمها كتاب مستقل، وكتب عنها (أميل نوده) محللاً ملتمساً فيها تفسيراً مقنعاً، مرضياً، فقال: (إن شعر هذه القصيدة هو من الجمال، بحيث يبدو من الجحود، أن نشرح معناه، شعر هو من الغنى بالمعاني، بحيث يبدو من الكفر، أن نجتزئ، بجماله، شعر هو من الصعوبة، بحيث يبدو من الجرأة، أن نزعم فهمه).

لقد هجر الشاعر الصامت محرابه ونضا عنه مسوح الراهب الفكري الذي انتبذ ركناً منه، زاهداً، معتزلاً، وحرم الأدب، عطاءه الشعري السخي، أمداً طويلاً ليهب له، فيما بعد، عطاءاً جديداً لا أحلى ولا أشهى، عطاءً أشبه، في مذاقه بالخمر المعتقة النائمة في دنها عشرين عاماً، أو تزيد، ليشعشع سلسالها في الكأس المترعة، شهياً طيباً، وينفض لشاربها أحلاماً وسمادير، لا تنفد ولا تنقضي.

لئن عد فاليري شاعراً مجدداً بث في أعطاف الشعر الفرنسي الحديث رعشة جديدة، -لعلها مهدت الطريق، فيما بعد إلى السريالية كما يؤكد أندره بروتون نفسه- فإنه يظل شاعراً كلاسيكياً، فيما يتعلق ببناء القصيدة وصياغتها غير أنه يكمن خلف الشاعر ناقد أشبه بتوءم له خفي، يخلص له النصح، في انتقاء اللفظة المناسبة التي يحسن أن تسربل شتى المعاني حين تتحلقه وتغازله وتومئ إليه. بيد أن الناقد الذي يجثم في ظل فاليري، هو ناقد قلق عسير، متسدد، ومن هنا يمكن أن نفسر كثرة مسودات أي قصيدة نظمها فاليري، -وتتجاوز أحياناً المائة- وكان من الممكن أن يستمرئ التمهل، محككاً، باحثاً، عن صيغة أكمل وأجمل وأوفى، لتتجاوز سوى النشر الذي لولاه لاستمر الناقد القلق المطل عليه، في إرشاده ونصحه، ليستبدل بلفظ ما، لفظاً أكثر إيحاء، وأحلى جرساً، وأوسع أفقاً. وألصق بالمعاني التي يفرشها أمام الخيال، والتي يختار منها القارئ أو السامع، التفسير الذي يرتضيه ويحلو له.

هذا هو إذن الجهد المضني المبدع الذي يبذله الشاعر، ليصل إلى ما سبق أن أشرنا إليه، ليصل إلى الشعر النقي الصافي.

وكذلك بدأت قصائد فاليري، منذ أن عاد إلى فردوسه الشعري، تترادف، لينتشي بها الناس ويختصموا في شرحها وتحليلها، وفاليري ينام ملء جفونه عن شواردها كشاعرنا المتنبي حين قال:

أنام ملء جفوني عن شواردها * * * * * ويسهر الخلق جراها ويختصم

ولعل أروع قصيدة نظمها فاليري بعد (الحورية الفتية) هي قصيدة (المقبرة البحرية) التي استوحاها من المقبرة البحرية في (سيت) وكان أجمل تفسير لها تفسير قام به أستاذ في السوربون، بمحاضرة مستفيضة، ألقاها أمام طلابه، وجلس بينهم فاليري مصغياً، متأملاً، كتلميذ يتلقى درساً من أستاذ، معترفاً بأنه كان لا يجد في شعوره كتلميذ، التقدير الذي يستأهله ذلك الشاعر القابع في مقعده، ولما سئل عن رأيه في شرح القصيدة، أجاب: إنه جيد بالنسبة لشارحه فحسب، وقد يكون هذا الشرح أجمل مما قصد إليه هو نفسه.
ومن المفارقات اللطيفة، أن عقيداً في الجيش الفرنسي نظم القصيدة، بشعر واضح، كما تسنى له أن يفهمها، وبعث إليه فاليري برسالة مستظرفاً محاولته الطريفة.

وقد كتب طه حسين عن هذه القصيدة فقال:

(لعلك تسألني، أن أترجم لك القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين، أولهما أنني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول إنني أفهمها على وجهها، وليس علي، من ذلك بأس، ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون –وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم- يختلفون في فهمها، إلى هذا الحد، وثانيهما أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر، قتلٌ لهذا الشعر وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم).

وإذا كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رحمه الله، المعروف بإطلاعه المستفيض وفهمه الحاذق وتمكنه العميق من اللغتين العربية والفرنسية قد أحجم عن تقحم غمرات بحر فاليري، وأبى عاجزاً عن نقل بعض كنوزه، فإنني معذور إن صدرت عن نبع هذه القصيدة عاجزاً عن نقل قطرات منه. كان فاليري يرى على النحو الذي جلاه أديبنا العظيم طه حسين، إنه من العبث أن ننقل قصيدة شعرية إلى لغة أخرى، لأنك في هذا النقل تتحيف من قوام القصيدة الذي تعيش فيه، كما أنك تعطيها بالترجمة، معنى واحداً محدداً في حين أن القصيدة، لدى فاليري هي منفسح لا نهاية له لشتى التفسيرات التي تعيش بها، ففي الترجمة ينطفئ الوزن وتنتسخ القوافي وتبقى الصورة الشعرية، منفردة عارية من كسائها اللفظي الذي كانت تتلفع به وكان يمنحها أفقاً وسيعاً رحباً مترامي الجنبات. لهذا كله تهيبت أن أنقل أي قصيدة لفاليري إلى اللغة العربية، ولم ألف مثل هذا التهيب حين نقلت معظم مؤلفات الشاعر الهندي رابندرانات طاغور إلى اللغة العربية لأن طاغور نفسه نقلها من البنغالية إلى اللغة الإنكليزية، نثراً، واجتزأت في ترجمتي، على النحو الذي قام به أندره جيد نفسه حين نقل ديوان جينتجالي لطاغور من الإنكليزية إلى الفرنسية، اجتزأت بصوره الشعرية منتقياً أقرب الألفاظ إلى المعاني التي جلاها، مع حرصي على أن تكون ألفاظاً مماثلة لألفاظه الحلوة الناعمة.

أجل لقد وقفت أمام قصائد فاليري- ومن قبل أمام قصائد مالارميه، موقف العاجز عن نقلها إلى اللغة العربية، لأنني أظلمها وأنال من كيانها وقوامها، في هذا النقل. بيد أنني عمدت مؤخراً، إلى محاولة –شجعني على القيام بها أن الشاعر الإنكليزي إيليوت، والشاعر النمسوي ريلكه، نقل كلاهما إلى لغته، شعراً، بعض قصائد فاليري، فنقلت قصيدة (الخطا) لفاليري شعراً، لئلا أتجنى على الوزن والقافية، في هذه القصيدة الرائعة، معترفاً، إلى هذا كله بأنني عجزت عن ترجمة بيت واحد من الرباعية الأخيرة في هذه القصيدة، فنقلته على نحو مقارب للمعنى الذي بدا لي، لا لأن اللغة العربية عاجزة عن أداء هذا المعنى، بل لأنني أنا العاجز عن الأداء.

وإنه ليطيب لي أن أورد هذه القصيدة، منوهاً بأنني عمدت، عن قصد إلى جعل كل شطر من الرباعيات الأربع في القصيدة مؤلفاً من خمس تفعيلات، بدلاً من أربع تفعيلات، غير ناس، إلى هذا، أن القدم تنتظم في خمس أصابع حين تمتد بخطوتها، رجاة أن تكون هذه الترجمة الشعرية وفية، بمعانيها وألفاظها وصورها وجرسها ووزنها وإيقاعها وعدد رباعياتها وحتى عدد تفعيلاتها، للأصل الفرنسي.

خُطاك، وليدة صمتي، تجيء وتغدو
رويداً، رويداً، مقدسةً، حالمهْ
وتهفو إلى مهد يقظتي الناعمهْ
وتنساق خرساءَ، باردةً، ساهمه
خيال نقي، سني، وطيف آلهي
فبالعذوبة خطوتك السمحة الساعيه
ويا رب، كل العطايا، التي رمتها
تعود إليَّ، بأقدامها العاريه
وإن شئتِ، أن تهبي لشفاهك شيا
ليرضى المقيم بفكري، دوماً فهيا
تعالي وأزجي إليه، غذاءً شهياً
يذوب بقبلة ثغرً، سخياً طليا
فمهلاً، ولا تعجلي الخطو، ينساب رهواً
يؤوبُ، يطيب، يغيب، رقيقاً، صداكِ
فما عشتُ، إلا انتظاراً لطيفك، أنتِ
ولم يك قلبي، مدى العمر، إلا خطاك

ومن النقاد من يرى، أنه عنى بقصيدة (الخطى) خطى الإلهام والوحي الشعري اللذين يسبقان القصيدة، وإن يكن فاليري لا يحب تعبير الإلهام، لأن الشعر الحقيقي، بنظيره، هو، قبل كل شيء، صناعة وبحث دائب، متصل عن الأجمل والأكمل والأدق من الألفاظ التي تكسو المعاني الخبيئة المتوازية.

كل هذا يقودنا أيضاً، إلى التساؤل عن صناعة الشعر لدى فاليري، الذي يؤثر، كما قدمنا تعبير الشعر الصافي، أي الشعر المحنك المنتخل المصفى، البعيد عن النثر، الشعر الذي يمكن أن يكون لغة خاصة في اللغة نفسها، وقد جلا فاليري جهده المبذول، في صياغة كلمة واحدة من أي قصيدة ينظمها هو بقوله:

إنني أبحث عن كلمة، ينبغي أن تكون كلمة مؤنثة، مؤلفة من مقطعين، يتضمنان حرفي الباء والفاء، ومنتهية بحرف ساكت.
ومرادفة لمعنى الكسر والتفتت،
كلمة غير علمية ولا نادرة.

هكذا تجتمع ستة شروط، على أقل تقدير لتلد كلمة واحدة في قصيدة ما، فلا ينبغي للشاعر إذن أن يعتمد على الإلهام، بل على الصناعة اللفظية، فالشاعر، في رأيه، كيميائي لفظي، يأخذ حرفاً من هنا، يستنشيه، يتذوقه يسمعه، يناغيه، يغازله، حتى إذا رضي عنه، أذاب فيه حرفاً مناسباً آخر، ومن هذا المزيج المصفق المنتخل، المصفى. في راووق حواسه وعقله وقلبه، يجد الشاعر اللفظة المناسبة لتنساق إلى لفظة سبقتها، وتلد لفظة تليها، وتترقرق القصيدة المنشودة، من ثم، يزجيها الشاعر لنا شراباً معتقاً صافياً، لا أشهى ولا أحلى.

إن الشهرة التي وضعت فاليري في النور، جعلته هدفاً لأصحاب المجلات والأندية الأدبية، تتخطف قصائده ومقالاته ومحاضراته، وسطع اسم فاليري لا كشاعر فحسب، بل كمفكر وكاتب يملك أسلوباً مستحصداً، هو في القمة بين أساليب كبار الكتاب في فرنسا. ولما مات السيد لوبي مدير شركة هافاس- وكان فاليري سكرتيره الخاص- انقطع فاليري إلى التكسب من قلمه، وانساق إليه المجد الأدبي، فقد انتخب عام 1926 عضواً في الأكاديمية الفرنسية خلفاً لأناتول فرانس، وعين أستاذاً لفن الشعر في الكوليج دو فرانس، وانثالت عليه الألقاب الفخرية من أكبر جامعات أوربا، وأضحى اسمه أشرق اسم في الأدب الفرنسي المعاصر، وكانت جائزة نوبل لعام 1945 تنتظره ليشرفها هو، بعد أن اختارته لجنتها مرشحاً للفوز بها في نهاية ذلك العام، لولا أن الموت استأثر ببول فاليري في ذروة مجده في صباح 20 تموز 1945 وأمر الجنرال دوغول، رئيس الحكومة، أن يتم تشييع جنازته باحتفال رسمي، كأحد عظماء فرنسا، ونقل جثمانه إلى قصر شايو ليودعه الشعب الفرنسي، وأصدقاؤه- وكان من بينهم أندSee More











التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:04 PM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة




بودلير وأزهار الشر .. بديع حقّي
_________________________

إنه يشرئب قمة شامخة، باذخة، بين قمم الشعر الفرنسي، ويمتد تأثيره إلى الشعر العالمي برمته، وتنساق صورة الشعرية، الأخاذة، الموحية، إلى مختلف المدارس الشعرية المستحدثة، من رمزية وسريالي...ة ودادائية وغيرها، لتتأثر به وتمتح من ينبوعه الثر، حتى "فيكتور هوغو" نفسه مبتدع الرومانسية رائدها الأكبر، اعترف بأن بودلير أحدث في الشعر الفرنسي رعشة جديدة، واعتبره الشاعر الفرنسي "بول فاليري" سيداً من أسياد الكلمة التي تمتلك سيرورتها وتضمن بقاءها الدائم الخالد.

وعلى الرغم من أن له ديواناً واحداً، فريداً، هو "أزهار الشر" فقد تأتي له بالعطر الساطع المكثف، المترقرق في أفواف أزاهيره الاسيانة أن يضمخ عصراً بأسره.

وقد أصدر بودلير هذا الديوان عام 1857، والرومانسية "الإبداعية" في أوج عزها وازدهارها، في كل أنماط التعبير من شعر ومسرح ورواية، وكان على هذا النهج الرومانسي أن يتقهقر، وأن تتضاءل سيطرته وهيمنته، بعد أن استشرف حد الكمال والنضج، كما القمر الذي يتضاءل ويتناقص شيئاً، فشيئاً، أما اكتمل بدراً. وتجلت ردة الفعل المباشرة في نهج "البرناسية" التي اتخذت من مبدأ "الفن من أجل الفن" شعاراً لها، ضد الأسلوب العفوي، المهلهل "الغالب على أدب الرومانسيين" داعية إلى التخلي عن العاطفة الجياشة والأنات الشجية، التي هيمنت في جل الآثار الرومانسية، ولئن ظهر هذا الديوان، مترجحاً، على هامش التيارين الرومانسي والبرناسي، فبدا رومانسياً في الاستسلام للأسى الملوع، الغلاب، وبرناسياً في أسلوبه المستحصد وكلفه بانتقاء الكلمات والحروف وصقلها، إلا أنه جاء بنكهته الشائقة، الغربية وصوره الجارحة اللماحة، متجاوزاً كلا التيارين المتناجزين، ليضحي بودلير، بحق، أبا الشعر الحديث، ورائده الملهم في العالم كله.

ولقد كان لسيرة حياته المضطربة، الملعونة- كما كان يؤثر أن يصفها- أثر كبير في شعره، كما كان اطلاعه على أدب "إدغار ألان بو" الشاعر الأميركي، ونقله بعض آثاره- لا سيما قصصه الخارقة- إلى اللغة الفرنسية، متيحاً لقلمه الرهيف، بأن يهفو إلى آفاق جديدة من التعبير "على النحو الذي جلته دراسة وافية لبول فاليري" ولهذا كله، فإنه يحسن أن نسوق، سيرة حياته، بإيجاز، وأن نستجلي معجزة شعره، بعد أن وصفه الشاعر العبقري "رامبو" بحق، إنه الشاعر الأعظم والمتنبي الملهم.

سيرة حياته المضطربة:
ولد شارل بودلير في باريس عام 1821، وكان يبلغ السادسة من العمر حين توفي والده جوزيف فرانسوا، وتزوجت أمه كارولين، العقيد "جاك أوبيك"- الذي أضحى، فيما بعد لواء في الجيش ثم سفيراً، وقد خلف هذا الزواج في نفس الطفل المتعلق بأمه الحنون، شرخاً عميقاً لم يبرأ منه قط، وظل يعتبر أوبيك دخيلاً، حرمه حنان أمه وكدر صفو حياته كلها، ولعل الطفل المرهف الحساسية، قد استعاض من حدب أمه، بعد أن وضع في مدرسة داخلية، تمرداً وعناداً طبعاً عصياً، وانصرافاً إلى المطالعة، فلما أضحى شاباً، مال إلى الشعر فقرزمه، وبرز فيه بين أقرانه، غير أنه كان متلافاً، مسرفاً في عبثه وتبذيره، وحاولت أسرته أن تثنيه عن مغريات باريس، فحملته على الرحيل، من دون رغبة منه، في باخرة أبحرت به إلى جزيرة "موريس" فجزيرة "بوربون" فالهند، وادخرت ذاكرته الرهيفة من هذه الرحلة الطويلة، الشائقة صوراً رفافة عن مفاتن المرأة السمراء وعطرها وسحرها ورياها، معطرة بأفاويه الشرق وتوابله الشهية، ولكن الحنين لج بالشاعر إلى باريس، فآب إليها ليستأنف مجونه ولهوه، مما حمل أسرته، بتوجيه من زوج أمه، على أن تحد من استهتاره، وتجعل أمر الإنفاق عليه من ثروة أبيه الطائلة التي آلت إليه، بعد وفاة أبيه، منوطاً بموافقة وصي شرعي- وكان هذا كزاً بخيلاً- حرص على التضييق عليه، من دون أن يولي أي اهتمام، الشاب المولع بالأناقة، المتوفز المشاعر، المتفتح للحياة، مما دفع الشاعر على التمادي في غواياته، سادراً بين الخمرة والحشيش معلق القلب بغانية لعوب تدعى "جان دوفان"، خلبت لبه وأرهقته بنزواتها ومزاجها الطرف المتقلب، الملول، وقد سام الشاعر، إلى جانبها حياة مترعة بالأسى واللوعة، وابتلى بمرض (الزهري) فلم يبرأ منه، عمره كله.

من هذه الحياة المضطربة بين الحب المشبوب، الخائب، والمرض العتي، وسمادير الحشيش، ونشوة الكأس الروية، استوحى بودلير قصائده كلها، تنتظم في ديوان وحيد، سماه "أزهار الشر" لم يلبث أن أحدث، عند نشره، جدلاً عنيفاً، لدى بعض أوساط المجتمع الفرنسي المحافظة، المتزمتة، فأقيمت على الشاعر وناشره دعوى، بحجة أن بعض قصائد الديوان تنافي الخلق القويم وتصدمه، بما تضمنت من جرأة فاضحة، وفي وصف الشهوة والغلمة، ومفاتن الجسد، وحكمت على الشاعر بدفع ثلاثمائة فرنك ودانت ست قصائد من الديوان، محرمة نشرها في الطبعات المقبلة، ولئن خلف هذا الحكم في نفس الشاعر خيبة ومرارة من نحو، لقد عمل، من نحو آخر، على أن يرفد الديوان بشهرة لم يظفر بها أي ديوان شعري، في فرنسا، وظل بودلير يتابع نشاطه الأدبي، فنشر مؤلفات في النقد الفني لفتت الأنظار إليه كناقد من طراز رفيع، متميز، وفاجأه مرض الفالج وهو بعد كهل، لم يكمل العقد الرابع من عمره، في بروكسل، ومنها نقل إلى باريس، عاجزاً عن الحركة والكلام، حتى قضى نحبه في 31 آب، عام 1867.

صراعه بين الخير والشر:
إن أبرز ما كان يبلوه بودلير، في أدبه وحياته معاً، هو ذلك الصراع المحتدم بين الخير والشر، اللذين كانا يتجاذبانه دوماً، وقد عبر هو نفسه عن طبيعة هذا الصراع بقوله: "إنني أشعر مذ كنت طفلاً، بأن هناك نزعتين تستبدان بنفسي، لأترجح حائراً، ما بين كراهية الحياة، وبين الشغف بها إلى حد الوجد والنشوة، وحين كانت كراهية الحياة تطغى على وجدها، فقد كان يشعر أنه فريسة السأم المقيت الذي وصفه "جان بول سارتر"- في دراسته المستفيضة عن بودلير- بأنه لم يكن سأماً فكرياً، بل سأماً حسياً، عصبياً، وكان بودلير يدعو هذا السأم spleen ويعني به السويداء الكئيبة، القاتمة. وكان يفزع، أما رغب في الانعتاق منها إلى محاولات شتى- لمح إليها في بعض ما كتب أو نظم- وكان الحشيش الذي استطابه والخمرة التي كان مولعاً باحتسائها أيسر هذه المحاولات. وقد عبر عن قلقه المترجح ما بين الخير والشر، بصيغة أخرى، في قوله: "إن في قلب الإنسان، نزعتين متضادتين، تنحو به أولاهما إلى الله، وتهوي به ثانيتهما إلى الشيطان، فالتوجه إلى الله هو الرغبة في السمو درجة نحو المراقي الإنسانية-، أما الهبوط إلى الشيطان، فهو الانحدار درجة، نحو قاع الحيوانية."
ولعل بودلير، بنفسيته المترددة، الجامحة، كان يجنح إلى الشيطان أكثر مما كان يهفو إلى الله، يقول: "إن خطايانا المترددة، الجامحة كثيرة فكيف تبنى لنا أن تتحرر منها، حين تسوقنا قوى جارفة تكتسحنا ولا قبل لنا بمقاومتها، إن الشيطان هو الذي يمسك بالخيوط التي توجهنا وتحركنا، أنى مضينا".

هكذا يتضح لنا تشاؤم بودلير، ملفعاً بالسويداء المضنية التي سربلت حياته وشعره معاً.
رأيه في الصراع بين النور والظلام:

إن هذه الثنائية المتجلية بوضوح، في نفسية بودلير القلقة، الحائرة ما بين الخير والشر، تجد لها صدى وتجاوباً في العقيدة المتكئة على مذهب "ماني الفارسي" فالمانوية تفترض قيام قطبين متناقضين، أولهما الخير ويمثله النور، وثانيهما الشر ويمثله الظلام "الرديف للمادة برأي هذا المذهب" وسيظل هذا الصراع بين الخير والشر، بينا لنور والظلام، متصلاً، محتدماً في قلب الإنسان، لا يتاح له أن يتحرر منه، إلا بالعلم المتكئ على فكرة الفداء الذي جلاه "كما يرى بودلير" المسيح فوق صليبه، ولعل بودلير إذ يستجلي الخير والشر، الكامنين في أعماق ذاته هو- كما يقول "سارتر"- يماثل "نارسيس" في الأسطورة اليونانية، الذي كان يرامق محياه، منعكساً فوق صقال سطح النهر، وهو بقسمات محياه معجب، مفتون، بيد أن بودلير كان يرغب، فيما هو يتكئ إلى جوانية نفسه، في العثور على المثالب، أكثر مما يرغب في استجلاء المزايا كان يحاول أن يكون جلاداً لنفسه، مولعاً بتعذيبها ففي هذا التعذيب تتضح شخصيتان مندمجتان معاً، يندغم فيهما الجلاد والضحية في آن.

لقد شاء بودلير أن يرامق دخيلة نفسه، كما لو أنها منفصلة عنه، وكانت حياته كلها سلسلة من الإخفاق المستمر، في أن يبصر ذاته على حقيقتها، وكان يكتفي، فيما كان يتأمل فيها، بأن يسبر بمبضعه الخفي، الحاد، مواضع الجراح التي لأمت على تغل، ليفتحها ويحركها وينفضها، بشعره ونثره كما ولا أروع.

اتجاهه السياسي والاجتماعي:
لقد تأتّى لأحداث عام 1848 التي ألهبت نار الثورة في أوربا كلها بعامة وفرنسا بخاصة، أن تهب لبودلير الفرصة السانحة ليطلق نفسه المكظومة من عقالها، ويفصح عن حماستها لمظاهر التمرد الشعبي الصارم ضد الهيمنة والحواجز الاجتماعية المصطنعة التي كان يكرهها. هكذا مضى ليشارك المتمردين في انتفاضتهم المفاجئة، مكتسباً بندقيته، خلف المتاريس المقامة، ولقد فكر فيما كان ينساق في لجج الثورة أن يمضي إلى أوبيك، زوج أمه القاسي، البغيض، ليغتاله ويتخلص منه- كما اعترف بذلك فيما بعد- بيد أن مشاعره المتجاوبة مع أوار الثورة لم تلبث أن خمدت مع انطفاء شرارة تلك الانتفاضة.

إن هذا الموقف السياسي الذي جنح إليه بودلير في تلك الفترة العصيبة، يفسر طرفاً من النقمة التي كانت تمور في عطفيه ضد مجتمعه بعد أن حرمه هذا المجتمع ما كان يتوق إليه ويتمناه: الثروة والمجد والحب والوفاء، والحنان الصادق، غير أنه لم يعرف عن بودلير أي نشاط سياسي أو أي عمل اجتماعي ظاهر، فقد كان يعتقد مخلصاً، أن العمل السياسي والعمل الاجتماعي ينطويان على النفاق والكذب والوهم، أما الدين فلا يتأتى له أن يزجي الحل المرجو لأن الله- برأيه وعلى الرغم من إيمانه- لا يقدم للخاطئ التوبة المجدية، بل يضيف إلى عذابه توقاً إلى الطهر هو أشبه بالممرات.

بودلير والنقد الفني:
كانت الخيبة، إذن، تنتظر بودلير، فيما هو يراعي مجتمعه الجائر يسود فيه النفاق والمداهنة، ولقد وجد في التأنق المسرف مفزعاً يفترق به عن الآخرين، ليشعرهم بتفرده وسمو شخصه، كما ألفى فيما هو يكشف عن خبيئة نفسه ويصمها بكل غميزة ونقيصة تنالان من خلقه، ما يرضي نزعة التمرد والتحدي، ضد مواضعات مجتمعه الظالم.

كان الفن، وحده، يتجلى ويترفق من قلمه- شعراً كان أم نثراً- المجلى الوحيد الذي يفثأ فيه سورة غضبه ونقمته، كما يتألق فيه ويسمو على الآخرين، وقد أعانه الجو البوهيمي الذي كان يستعذبه على أن تتسق لديه رؤية خاصة للإنسانية كلها، فكان يطيب له أن يصف المنحرفين والمسحوقين والشاذين والشحاذين والبغايا، مؤكداً أن مصور الحياة الحقيقي هو الذي يستطيع أن ينتزع من الواقع جانبه الملحمي والأسطوري، وكانت الحياة الباريسية خصبة، متنوعة، بكل ما تحفل به من مشاهد، فاستوحى منها وسبر خفاياها وجلا بهرجها المزوق، ونفض ذلك كله في مختلف آثاره النقدية عن الفن: "الصالونات" و"الفراديس المصطنعة" و"طرائف جمالية" وغيرها، وقد برز فيها بودلير ناقداً فنياً تشكيلياً، ذا نظرة واعية، تعرف كيف تتذوق وتقوم وتجلو مكامن الجمال الحقيقي في الفن، وقد عرف عنه أنه كان يحب أن يختلف إلى مراسم الفنانين، ليتحدث إليهم ويواسيهم ويصغي إلى شكاتهم وكان قلمه يعرف كيف يحسر في نقده عن جمالية اللوحة وأسرار ألوانها وموسيقا أصباغها "كما كان يحلو له بهذا التعبير أن يضفي الموسيقا على اللون".

هكذا تيسر له أن يقوم آثار "أنغر" و"كورو" و"دولاكروا" الذي كان يصفه بأنه أسمى قمة بين قمم التصوير في جميع العصور، مستشفاً في لوحات هؤلاء الفنانين نواحي متميزة لم يقدر لأي ناقد أن يستجليها مثله، ولم يقتصر نقده على الفنانين المصورين فحسب بل تجاوزه إلى عمالقة النغم، فكتب عن "تانهاوزر" ومؤلفها الموسيقي الألماني العظيم "فاغنر" فكان أول من نبه إلى عبقريته الموسيقية.

ديوان أزهار الشر:
أفضى ديوان أزهار الشر، وما أثار من ضجة وصدى، أثر الدعوى التي أقيمت على بودلير وناشره إلى جدل وتطلع وإعجاب، ظل يتسع، يوماً بعد يوم، حتى عصرنا الحاضر.
وينتظم معظم قصائد الديوان عنوان عام هو "سويداء ومثل أعلى" ويعني به سأم الشاعر وسويداءه، من نحو، وظفره بمتع الحياة ولذاتها التي تأتى له أن يتذوقها، من نحو آخر، فهناك أشياء شتى، في ميسورها أن تخلق لدينا فكرة المثل الأعلى المنشود، على تناقض قيمات هذا المثل، كالدين والخطيئة والرذيلة وسراب الفراديس المصطنعة، إنها الأزهار المنثورة، المنهمرة في بيداء الحياة، تلك هي أزهار المثل الأعلى التي هي في الوقت نفسه أزهار الشر، كما يقول الناقد "غي ميشو"، ويستطيع العطر الساطع، الفاغم منها أن ينسخ تلك السويداء وأن يبددها. وقد جاء كتابه "قصائد من نثر" كما لو أنه تتمة لديوان أزهار الشر، متناغماً معه في النسق نفسه الذي أملته روح بودلير القلقة، المعذبة، ضمن رؤية مستجدة، تهمس فيها الأصوات وتتكلم الألوان وتتحدث الروائح، لتخلق الرعشة العجيبة الحلوة، فاسحة آفاقاً رحيبة من الأفكار والخواطر الشفافة، على نحو تلمح فيه وتوحي أكثر مما توضح وتفسير، إنها تلك الرعشة التي عناها "هوغو" في كلمته المشهورة عن الديوان، وقد عرف بودلير جيداً كيف يريقها في شرايين كلماته.

وقد تأثر بودلير، إلى حد كبير، بالشاعر الأميركي "إدغار ألان بو"- كما قدمنا- وكان من أوائل الشعراء الذين عرفوا أن العالم الذي ينفسح أمام أبصارنا هو غامض، مبهم، وأن مهمة الشاعر الرئيسة هي أن يستل من جميع المشاهد التي تصافح بصره، على ما في بعضها من قبح، كل الشبهات والألوان الكامنة، المستسرة فيها.

وكان موقف بودلير من الرومانسية السائدة في عصره يماثل موقف رائد "البرناسية": "تيوفيل غوتيبه"، حتى لقد أهدى إليه ديوانه، معتبراً إياه معلمه الأول، وذلك برفضه العاطفة النواحة، المتدفقة في الرومانسية، وقد مال بودلير، في البدء، إلى شعار "الفن من أجل الفن" الذي رفعه البرناسيون لأنه كان يؤثر الأسلوب الناصح، المستحصد المصفى، مؤمناً بأن الشعر الحقيقي يتجلى بصياغته وموسيقاه اللفظية، وأن الجملة الشعرية تستطيع أن تنفض الإحساس بالرأفة أو المرارة أو الرهبة، وغيرها بإيرادها الألفاظ والمترادفات والحروف الملائمة، في النسق المناسب، مما يخلق جو الإيحاء المبتغى المطلوب، وعلى نحو قد يتجاوز في دلالته، المعاني التي تتضمنها الألفاظ وتحتويها، بيد أن بودلير ألفى، فيما بعد، أن شعار "الفن من أجل الفن" عقيم، جاف، خال من الحياة، لأن شعره نفسه يشي، في الواقع، بنبض الحياة وما تزخر به من بدوات ونزوات، وكان يشعر بأن فنه ينبغي أن يتسم بإثارة شيطانية، يقول في صفحة من مذكراته: "إن أكمل نموذج للجمال الفحل هو إبليس".

نظرية التطابق وتراسل الحواس، في شعره:
كان بودلير يرى أن على الشاعر، فيما هو يريق صوره الشعرية، مضفياً عليها جمالها الساحر الآسر، أن ينفذ إلى جميع العلاقات القائمة ما بين الإنسان والطبيعة، وأن عليه أن يضرب في غابات من الرموز الطيعة، المنسجمة، التي تفسح له آفاقاً من المعرفة لأسرار الكون، حيث يضحي شعره المماثل للموسيقا الهامسة، قادراً على الإيحاء والإيماء، كما يتاح له أن يستجلي كل ما يتسق بين حواسه من تطابق وتراسل، فيما هو يرى إلى الألوان والأنغام والعطور تترقرق، متناغمة متجاوبة، متآلفة، وقد لخص هذه النظرية في قصيدته الرائعة "العلاقات"، نذكر فيما يلي بعض أبياتها:

الطبيعة معبد، تنبعث فيه أعمدة حية
تتناهى منها، أحياناً همسات مبهمة،
ويجوزها الإنسان، عبر غابات من الرموز
التي تلامحه، بنظراتها الحادية،
وكالأصداء الطويلة، الممتزجة، المتلائمة، بعيداً
في وحدة غائمة، عميقة،
فسيحة، كالليل، كالنور،
فإن العطور والألوان والأصوات تتجاوب.

وقد عد كثير من النقاد هذه القصيدة مدخلاً إلى فهم شعر بودلير وتذوق جماله الآسر، هذا الجمال المتجلي في إرضاء حواس الشاعر وتراسلها وإفضاء بعضها إلى بعض، بما فيها حاسة الشم المرهقة، المتوفزة لدى بودلير أكثر من حواسه الأخرى، على نحو حمله على القول: "إن روحي ترفرف فوق العطور مثلما ترفرف روح الآخرين على جناح النغم". وقد أكد بودلير نظرية التطابق بين الحواس، فيما هو يجلو مشاعر مدخن الحشيش- الذي جربه الشاعر- فقال: "إن الأشياء الخارجية تتجلى في نظر المدخن ملفعة بسماتها الخاصة، فالأصوات ترتدي ألواناً، والألوان تتضمن أنغاماً، وتتواصل هذه العلاقات موقرة الذهن بطبيعتها المتسلطة، المهيمنة."

مكانة بودلير في الشعر والنقد الفني:
كان ديوان "أزهار الشر" مجلى لأهم ثورة في الشعر الفرنسي، بله الشعر الأوربي كله، بعد أن ترجم إلى معظم اللغات، وقد أضحى عام 1857 الذي نشر فيه الديوان استهلالاً لعصر في الشعر جديد، ينسحب إلى عصرنا هذا، فقد تآثر به معلم الرمزية "مالارميه" في قصائده الأولى، كما تآثر به "رامبو"، وذكر "مورياس" في بيانه المشهور عن الرمزية، أنه الرائد الأول للرمزية، وأشار "فيرلين" إلى بودلير، فذكر أنه أول من استنزل لعنة الشعر، وبلا حلوه ومره معاً واعترف "بروتون" بأن السريالية إنما تمتح من منهله الثر السخي. هكذا تسنى لديوان أزهار الشر أن يفرع الحدود ويتأثر بصوره الرائعة الشائقة، جميع الشعراء الذين لمسوا ما فيه من جدة وماء وطلاوة وسحر، ولا تزال الدراسات النقدية تترادف حتى الآن، حاسرة عما في شعر بودلير من رونق وابتكار وأسر، ولا تزال آثاره في النقد الفني، منفسحاً لكثير من الآراء والخواطر التي تفصح عن ذائقته الفنية الناضجة الواعية، في استجلاء روائع اللوحات وأطايب اللحن والنغم.
________________________
*المصدر: مجلة الموقف الأدبي
- مجلة أدبية شهرية تصدر عن
اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 279 تموز 1994







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:08 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة



احمد حميدة

Yesterday





لوركا عندليب الأندلس .. بديع حقّي
________________________________________

"لم تنظم بعدُ القصيدةُ التي تنغرز في القلب كما ينغرز
السيف"....
"على الشاعر في عصرنا هذا، أن يفتح عروق دمه، من
أجل الآخرين".
"لست برجلٍ، ولا بشاعرٍ أو ورقة، بل نبضة مجروحة
تسبر الطرف الآخر من الأشياء".
فدريكو غارسيا لوركا

لقد رأوه يسعى،
انحتوا، يا رفاقي، للشاعر،
لحداً مقدوداً من حجر وحلم،
في الحمراء،
فوق نبعٍ، ينتحب فيه الماء،
ويلغوا دوماً:
ههنا اقترفت جريمة في غرناطة،
في غرناطته.

أنطونيو ماشادو

لوركا.
وتخفِق هذه الكلمة في سمعي، حرةً، هازجةً، مبريةً بالنور، ويخيلُ إليَّ، وأنا أترنّم بها، أن الدم القاني قد أحال حروفها إلى أوردة نابضة ينسرب فيها هادراً، متلظياً يحرق اللحم.

ويقفز طيف لوركا من متاهات خاطري، مسربلاً بسمفونية شعره الحزينة الشجية، وأرى إليه بين طيوفٍ شقيةٍ أخرى، مهوِّماً في ضاحية (فيزنار)، مرتعشاً شاحباً، عند منبلج الفجر، ويعدو لاهثاً، متعثراً متزايل الخُطا، وتثقب وشاحَ الصمت طلقاتٌ متتابعةٌ نابحةٌ من الرصاص خلفه، ويظل صداها هنيهةً معلقاً بالفضاء مشدوداً إليه، وتتساقط طيوف الضحايا، ويترنح من بينها طيف لوركا وتتشبث راحتاه لحظاتٍ، بدفَّةٍ موهومةٍ عائمةٍ في بحر السماء، ثم تنبسط قبضتاه المتشنجتان، وتنسلُّ منهما الحياة، خفقةً خفقةً. وينفِض جفناه المختلجان المكدودان المؤرَّقان مرابعَ مدينة غرناطة، غرناطة التي أحبها وتغنى بها، غرناطة التي تلد فوق رباها شلالاتٌ من الألوان المغنية. هناك يشهر من يسعى في كلّ مُضطرب منها أنه يمشي فوق بركان، هناك تجثُمُ في أيّ درب، أيِّ ركن من بيت، أشلاءُ أصداءٍ عربية.
وتهاوى الطيف الجريح ، فوق بِرْكةٍ حمراء من رحيق القلب، تُراه كان يريد أن يخلُدَ إلى الغفوة الكبرى؟ تُراه كان يغمغمُ كلماتٍ من قصيدته (الموت الغامض)؟:

أريد أن أنامَ لحظة.
لحظةً واحدةً، دقيقةً، دهراً.
ولكن ليعلم الجميع، أن فوق شفتي،
- وإن لم أمت – مَنجماً للذهب،
وإنني الظلُّ الكبير لدموعي.
ويغتمض الجفنان المنتضِحان بالعرق والدمع والدم، وتمّحي منهما غرناطة.
ولكن صدى سمفونيته الشعرية الحزينة، ما يزال يناسم سمعي، وينقلني على غوارب الخيال، إلى عالم مترع بالألق واللون والنغم.

***

في ضاحية من ضواحي غرناطة في (فونتي فاكويروس) في الخامس من حزيران عام 1898، ولد (فدريكو غارسيا لوركا).

ويرفرف خاطري، كفراشةٍ غريرةٍ، حائمةٍ فوق الدارة التي ولد فيها، واستلت صيحته الباكية الأولى إنها دارة أندلسية ريفية هادئة، ترتشف جدرانها البيض المليسة المشيدة بالجِصّ الأشعةَ الدافئةَ، ويمزُجُ سقفُها المسطحُ القرميدي حمرته القانية بلُعاب الشمس، وتتسلق عَذَباتُ أغصان الياسمين النوافذَ والشرفات، وتهرقُ في الحنايا الرطيبة أغنيةَ الأريج الأبيض.

هذا هو أبوه (الدون فدريكو رودريغيز) بطلعته المهيبة الواشية بالطيبة وبالاستقامة. إنه – كما يقول عنه ابنه (فدريكو) – رجلُ الحقولِ النقي، وكان مزارعاً يتحدّر من أسرة ريفية كريمة النّجار غنية.

وهذه هي أمه (الدونا فيسنتا لوركا) الزوجة الوفية والأم الرؤوم، تُطلُّ بوجهها العذب الوديع الملائكي، وكانت من اسرة أندلسية عريقة، ولئن كانت أقلّ ثراء ويسراً من زوجها، لقد عرفت كيف تستصفي وِدّ القلوب إليها، وتكسبُ التقدير والاحترام لشخصها، وكانت قبل أن يبني بها (الدون فدريكو) معلمة رزاناً مثقفة كلفةً بالشعر والموسيقا.

في ظل هذين الإنسانين الدمثين، نشأ فدريكو وأخوته فرانسيسكو وكونشا وايزابيل الذين تعاقبوا بعده.

وقد انتهى إلى فدريكو من طبائع أمه، ذكاؤها وشعورها المرهف الرقيق وشغفها بالشعر والغناء، وورث عن أبيه سخاءَه ونزقَه وطيبته ووفاءه ودأبَه، وائتلفت هذه السجايا في نفسه، لتجعل منه إنساناً ذا شخصية آسرةٍ مشحونةٍ – كما يقول عنه (رفائيل البيرتو) – بجاذبية ساحرة شبه كهربائية.

وكان على هذه المزايا أن تلتقي – كحُزمة أشعةٍ منثالة - في بؤرة قلبه، ليتأجج ، محترقاً وهاجاً، وينفِضَ نورَه على وجهه. وكان وجهه – كما تقول الموسيقية (مارسيل شفايتزر)- يتألق بألف شعاع داخلي.

وكان على لوركا أن يشرئبّ في عصره ذاك، لأن الضرورة كانت تفرض وجوده، فقد كان مصيره الدموي، معلقاً بمأساة وطنه، مندغماً بها، في فترة عصيبة من تاريخ اسبانيا المعاصر.

ويغازل فكري سؤال شهي: تُراه خَلَصَ إليه من أبيه أو من أمه أو من كليهما قطرات من دم عربي كان يجري في أعراق أجداده؟.

يقول الناقد بارو: لدى لوركا كلُّ مزايا عرقه ومآخذه، وليس من المستحيل أن تسريَ في أوردته قطراتٌ من ذاك الدم العربي الذي صنع عظمة غرناطة.

وأرجّحُ أن الدم العربي رفد قلب الشاعر النبيل، ولعلك تلمح، إن أنعمت النظرَ في قسماتِ وجهه ملامحَ تشي بأصله العربي.

على أن روحه ظلت ، على أي حال، عربيةً، يورد الناقد (دومينيكيز) حين التقى به: "إن لهجته الجنوبيةَ القويةَ العذبةَ معاً،ـ تخلُبُك بسحرها، إن لوركا يؤمن بالعرب، بل إنه أقرب إلى أن يكون عربياً من أن يكون أندلسياً".

وحين سأله الرسام باغاريا: "أتعتقد يا فدريكو أنها لحظةٌ سعيدةٌ تلك التي سلّم فيها الملوك العرب مفاتيح غرناطة إلى المنتصرين؟.
أجاب لوركا: "لا، لقد كانت كارثةً لنا، على الرغم من كل ما يرددونه في المدارس. إن مدينةً رائعةً وشعراً وفلكاً وهندسةً ورهافةَ ذوق، لا مثيل لها في الدنيا، قد امّحت وتوارت، وانزاحت عن مدينة فقيرة ضئيلة: مدينة غرناطة التي تعجّ بأحقر بورجوازية في اسبانيا كلها".

أرأيتم إليه في طفولته السعيدة، يثب كنحلة مرحة دؤوب من حقل إلى حقل، ليدَّخِرَ في ذاكرته صوراً معسولةً شهيةً ويذيبها في شعره ومسرحياته.

" كانت طفولتي ريفيةً: رعاةٌ، حقولٌ، سماءٌ، عزلةٌ، بساطةٌ، وإنني لأعجب حين يظن أن في أدبي افتعالاً وجرأةً، لا، إن كل ما وصفت كان حقيقياً.

وقد هيَّأت له أمه جواً شاعرياً، وكان أبوه على دأبه واشرافه المتصل على أراضيه يروِّح عن نفسه بعد انتهاء العمل، بالغناء والطرب، فتنعقد السهرة في دارته ، يعربد فيها الغيتار وتهزج أنغام الفلامنكو.

ونهلت أذنا الطفل الواعيتان الأغاني الأندلسية الطلية. كان في ميسوره في السنة الأولى من عمره أن يتابع اللحن، وفي السنة الثانية أن يلهج بالغناء، وفي الثامنة، أن يحفظ أكثر من مائة أغنية.

بيد أن جسمه كان نحيلاً عليلاً، ونأى سُقْمُه عن مشاركة لداته واخوته في لعبهم الصاخب، وفزع إلى الحديقة، يتحدث إلى الذَّر ويخاطب الطير، ويراعي الشجرَ ويرى إلى الأغصان تنسج الريح وإلى الورد يلون النسيم بالشذا.

وكان يطيب له أن يصطحب أمّه إلى الكنيسة، وقد تأثرت نفسه المتوفّزة الحساسة بالجو الديني العميق فإذا هو يعمد إلى ارتداء ثوبٍ سابغٍ كمسح الراهب ويلوذ مع إخوته بجدار الحديقة ويصنع تمثالاً للعذراء ويرتّل القداس، شريطة أن تنشج بالبكاء فعلاً، رعيته الصغيرة: إخوته ولداته وخادمته الوفية (دولوريس).

وقدمت ذات يوم، إلى الضاحية ، فرقة غجرية مثلت مسرحيات تلعب فيها الدمى والعرائس، وفي المساء لم يرضَ الطفل أن يطعم شيئاً تعجلاً لمشاهدتها، وقد حضرها مفتوناً مأخوذ اللب، وفي اليوم التالي، عدل عن ترتيل القدّاس المألوف واستبدل به مسرحاً صغيراً للعرائس، وظل هذا المسرح مشغلته طوال حياته.

وقد علمته أمه مبادئ القراءة والكتابة، ثم تعهد تدريسه معلمٌ صديق للأسرة هو (أنطونيو اسبينوزا)، وكان له فضل في إغرائه بالمطالعة وإنماء مواهبه الفنية المبكرة.

***

وانتقلت الأسرة من الضاحية إلى دارة جميلة في أطراف غرناطة، ليتسنى لفدريكو وأخوته متابعةُ دراستهم في مدرسة ثانوية.

ها هو ذا أضحى فتى ربةً قسيماً منظراني الوجه، تمرح فوق خديه شامات، كأنها شراراتٌ سودٌ قدحتها عيناه السوداوان القلقتان المتألقتان، وتحبو فوق جبينه الناهض خُصْلةٌ ثائرةٌ نافرة من شعر رأسه الوحف.

ونال لوركا شهادته الثانوية والتحق بكلية الآداب والحقوق- ليرضي رغبة أبيه- ولكن الموسيقا كانت سلوته ومهوى قلبه في ميعة شبابه، وكانت أمه علمته مباجئ العزف على البيانو وأخذ عن عمته الضرب على الغيتار ثم تابع دراسته الموسيقية، بإشراف موسيقي نابه قدير هو الدون أنطونيو سيغور حتى أتقن ألحان شوبير وشومان ومندلسون وشوبان.

وفي التاسعة عشرة من عمره قام برحلتين مدرسيتين، ذرع فيهما أرض اسبانيا وطوف في معالمها ومغانيها وأطلالها، وكان لرحلتيه أثرٌ بليغٌ في نفسه واضحى يشعر – كما أفضى إلى صديقه رفائيل نادال – بكيانه كإسباني، وتجلّى لعينيه سحر بلاده الحقيقي، فقال: "ينبغي لنا أن نعترفَ بأن جمال اسبانيا ليس هادئاً متّزناً، بل هو جمال مُتّقِدٌ محرقٌ مندفع".

وتنقل لوركا من مدينة إلى مدينة، يجيل بصرَه الطُّلَعةَ في معالم الحضارة العربية، فيرى مدناً ملأى بالآثار، بمعالم الجياد المطهمة، بمسوح الرهبان، بظلال المشانق، بأرواح تنساب من الأجراس، ويمثل في وهمه أنه يسمع قعقعة السلاح وصيحات الملوك وأصوات رهبان محاكم التفتيش مُلفّعةً بدخان المحارق، بيد أن غرناطة تظل نغمةً نادرةً متميزة في سمفونية المدن الاسبانية، يفيء إليها قلمه الغضُّ، ليجلوها لنا أول كتاب يصدر له بعنوان (انطباعات ومناظر) ولا عجب فقد كانت غرناطة مهد طفولته ومتربع شبابه: "إذا نلتُ بمشيئة الله المجد، فإن الفضلَ يعود إلى غرناطة التي أنشأت كياني وجلعت مني شاعراً بالفطرة".

وأتمثّلُه يضرِبُ في طرقها الضيقة، وتلثِمُ نظراته الظامئة، بيوتها البيض، تزحف على جدرانها أنامل الياسمين ناسجةً ضافرةً أغنيتها البيضاء. وتنتصب في فِنائها أشجار السرو، متأوِّدةً مشيقة، متلعة الأعناق ثم تتطامن نظراته إلى حدائقها الغُلب، إلى جنة العريف وتنسرح إلى (تلة الدموع) التي ودعها العرب باكين ملكاً ضائعاً، ثم تحبو على قصر الحمراء، تغفو في حناياه ذكرياتٌ عربية، ويكتب "إن هذا القصر جذعُ الفن الجمالي في غرناطة، هذا الفن العربي المترفُ الذي ما يزال فؤاد كل فنان أندلسي يهفو إليه".

وفي غرناطة حي عربي قديم، لا يزال يحمل، حتى اليوم اسمَه العربي، إنه حي البائسين، لعله كان آخر معقل لأولئك العرب البائسين الذين دافعوا عن غرناطة ثم استسلموا وغادروا الفردوس المفقود.

ها هو ذا يسعى في منعطفات حي البائسين، متمهلاً، منسرقَ الخُطا، خشيةَ أن يوقظ الأرواح الحبيسة الغافية في زواياه، ويتراءى لعينيه مغلفاً بوشاح عذب من النور، ثم يفضي إلى شاطئ نهر (دارو) ويرى إليه متلوياً موسداً كالسيف مرجاً أخضر، ممتداً كالناي، يلهج الفضاء بنغماته، مخترقاً حي البائسين، صاخباً، قارعاً طبله الفضي المتدفق، مواكباً أنغاماً حزينةً ولهى.

***

وألفت موهبته الفنية في الشعر مجالاً رحيباً وسيعاً، ولعل الظروف قد ائتمرت مع الشعر على جذبه إلى جنته بعد أن كانت صفة الموسيقي في فجر صباه ألصق به وأدل عليه، فقد حاول أن يسافر إلى باريس لينهي فيها دراسته الموسيقية، فاعترضت أسرته وحالت دون تحقيق هذه الأمنية، فانصرف إلى الشعر. وأغرته صلته بالموسيقي العظيم (دوفايا) بإحياء التراث الغنائي الاسباني، فبعث أكثر من ثلثمائة أغنية أندلسية عفّاها النسيان فدوّنها ولوّنها بروحه ومنحها حياة جديدة.

على أن سمة الشاعر لم تتضح وتستمسكْ إلا بعد سفره، بنصيحة صديقه (لوس ريوس) إلى مدريد عام 1919 وإقامته إقامةً متصلة في بيت الطلبة، وكان هذا مركز الاشعاع الفكري والفني في اسبانيا، فههنا تعرف على ساليناس وسلفادور دالي وغيلين، وغيليرمو دو تورى وماشادوا، وغيرهم.

وخلصت إليه تيارات الفكر والفن السائدة في عصره ، فأخذ منها ما يلائم روحه ومزاجه.
ونشر لوركا بواكير شعره، أجل أن في هذا الشعر نكهةً أندلسيةً جديدة، لم يألفها الشعر الاسباني من قبل، إنه مترعٌ بصور أخاذة نابضة بنسغ خفي، بدم حار، وتترادف دواوينه كسمفونية دافئة يسودها الألق والإشراق، ويغريه المسرح، ليتخذ منه ملعباً تمرح فيه عبقريته المبكرة الخصبة، ويبسط فيه عالماً متميزاً خاصاً به، يقبِسُ ألوانه من الواقع الاسباني، ولكن خطوط المأساة فيه مكثفةٌ موشاةٌ بالصور الشعرية الخلابة.

وكذلك تألق نجم لوركا في سماء اسبانيا، وهو ما يزال في مقتبل العمر، وصفه بابلو نيرودا فقال: كان برقاً طبيعياً، طاقةً دائبة الحركة، كان فرحةً، ألقة حية، حناناً دافقاً خارقاً، كان شخصاً سحرياً يهب الهناء".

وتحلّقته نجوم فنية ساطعة، تلامحه وترفده وتأخذ عنه. كان هناك عملاق الموسيقا الاسبانية (مانويل دو فايا) الذي أعان لوركا على تلحين مقاطع من مسرحياته، وأوثق صلته بمعالم الغناء، وعملاقُ التصوير السريالي (سيلفادور دالي) الذي زوّق ديكور بعض مسرحياته، وأمدّه صديقه هذا بصور سريالية، بثّها في قصائده الأخيرة، وكانت هناك مرغريتا خيركو نجم المسرح الاسباني التي مثلت أروع مسرحياته، والمغنية العظيمة أرجانتينيتا التي تغنت بألحانه الأندلسية الشجية.

وأسلست ريشة لوركا لإغراء الرسم والتصوير، فخطّت رسوماً تبشّر بموهبة نابهة في عالم الألوان، وأقام معرضاً ناجحاً في برشلونة.

كانت عبقريته إذن فياضة مشاركة في الشعر والموسيقا والتصوير، بيد أن هذا النجم المتلألئ لم يعد يكتفي بآفاق اسبانيا، يوسّد فيها سناه، بل مضى إلى آفاق العالم الرحيبة، ففي عام 1929 لملم الشاعر حقائبه وسافر إلى نيويورك، لعله أن يجد في العالم الجديد، ما ينقع ظمأ روحه القلقة، وتسجل طالباً في جامعة كولومبيا.

وفي نيويورك مدينة الحمأ والحديد – كما كان يسميها – المدينة الغائمة بالدخان تشق سماءها ناطحات السحاب بقرونها الاسمنتية ، ويغتال صمتها زمجرة الفولاذ وهديره، المدينة التي تزن قيم الإنسان بميزان النقود، حيث تخرق وتلتهم- كما يقول في قصيدة له – قطع النقود، في أسراب هائجة، أطفالاً مضيعين. أجل في هذه المدينة، في نيويورك الحمأ، نيويورك الأسلاك الحديدية والموت، كان لوركا يهيم في شوارعها وأحيائها، حائراً قلقاً، مأخوذاً ، ولكنه اكتشف في حي واحد، في حي هارلم حي الزنج المحرومين المنبوذين، حرارةً إنسانية تشده إليهم وتغري قلمه الشاعر الملهم بتصوير آلامهم وتعلاتهم وضحكاتهم الصافية.

لا، لم يستطع الشاعر أن يسبغ إقامته في أمريكا، حيث تسود الجريمة وكلَب المال وسيطرة الآلة وطغيان العرق الأبيض، وألحّت عليه فكرة الموت وانغرست في أعماقه ، كمدية حادة، مرهفة، واستبقت معانيها الوحشية إلى شعره، ونظم لوركا في ظل يأسه ومرارته قصائده اللاهبة: شاعر في نيويورك.

وشخص لوركا إلى كوبا عام 1930 بدعوة من جمعية الصداقة الكوبية الاسبانية، فألقى محاضرات عديدة ومنتخبات من شعره، وغمر قلبه شعور بالهناءة وهو يستروح في جنبات هذا البلد فيءَ لغته الاسبانية الندية ويشعر بدفء العاطفة الانسانية المتدفقة المخلصة، وفي تموز من هذا العام قفل الشاعر راجعاً إلى بلاده، لقد آن للطائر الغريب أن يبسط جناحيه وأن يعود إلى عشه الدافئ الحبيب.

ها هو ذا من جديد في وطنه حركة دائبة متصلة، بنقّل خُطا الشعر، ليمرع القصيد أنّى حل، لقد سماه رفاقه بحق، عندليب الأندلس، وكان إما وقف على المنبر، يتلو قصائده، بصوته العذب ينقل سامعيه إلى جوّ نشوة مترعة بالحنان. كان إلقاؤه يمنح كلمات قصيدته زغباً راعشاً بالحياة.

واستبدّت بلوركا فكرة جريئة هي تيسير المسرح للشعب، لأنه أجدى وسيلة وأيسرها لتثقيفه والارتفاع بمستواه الفكري.

وألفّ فرقة الباراكا التمثيلية – كان نيرودا يسميها عاصفة الشعر السحرية – لتقدِّم إلى الشعب البسيط في المدن والريف أروع الآثار المسرحية الاسبانية والعالمية وتنقل في شرايين الوطن الاسباني كله نبضات قلبه الفتي، وكان لوركا جذع هذه الفرقة وروحها وشاعرها وملقنها ومخرجها، وقد انضاف إلى التقدير الشعبي الذي كان يتمتع به التقدير الرسمي، فقد شهد رئيس الجمهورية الاسبانية نفسه مسرحية (الحياة حلم) لكالدرون تمثلها فرقة الباراكا.

ولكن نهر عبقريته اللُّجي الهادر جعل يتدفق في مسارب أخرى، فها هو ذا في أمريكا اللاتينية، يتنقل في مدنها ويبذل لها بقصائده ومحاضراته ومسرحياته خفقات من قلبه الشاعر، وتنظر إليه شعوبُها، كما يقول بابلو نيرودا، على أنه أعظم شاعر أنجبته اسبانيا.

ولم يثمله هذا المجد الذي افترعته عبقريته، فقد كان يفرق من الشهرة ويكتب: "إن الرجل المشهور ينوء بمرارة حمله قلباً بارداً، طعيناً بأضواء المصابيح المعشية التي تسلطها الجماهير عليه".

وعاد لوركا إلى اسبانيا، ليستأنف نشاطه الفني في همةٍ عجيبة موصولة.

نحن في عام 1936 ، في الأفق السياسي، تتجمع سحب الأحداث، جهمةً كالحةً تتناذر بمصير اسبانيا لترنّقَ صفاءَ سمائها وتعصفَ بأمنها.
فلندع لوركا لاهثاً، مترنحاً في قمة مجده، ولنعدْ إلى صوره وألحانه وتهاويله، لنعد إلى الينابيع نرتشف منها قطرات، قبل أن يفترس الرصاص الغادر الضاري، سمفونية لوركا الشعرية الحنون.

***

أجل في قلب غرناطة، تفجرت هذه السمفونية، وتسلسلت في البدء في (كتاب الشعر) خفيضةً، ناعمةَ الجرس. صورُها براعمُ من الألوان غضةٌ ، تترقرق من أحلام الشباب ولذاته وقلقه وتنزلق فجةً، طريةَ الحروف، متسائلةً وأسئلتها تتمةٌ لأسئلة الطفل الملحاح الذي كان منذ أمد قريب، يتحدث إلى الذّر والطير، فها هو ذا يجلو مغامرات حلزون مخاطر ويسرد ثرثرة صرصار ثملٍ بالنور، ويصف حرذوناً هرماً وقوراً يدبّ بمسحه الأخضر وياقته المنشاة كجامعي عتيق، وها هو ذا يرامق السنابل الشبيهة بعصافير هرمة، بنحلاتٍ تمتص شعاع النور، ويصعّد بصره في شجرات السرو المماثلة لرؤوس ضخمة ترنو إلى الأفق من وقب عيونها الفارغة وتحت غدائرها المخضوضرة.

وترتفع ألحان السمفونية في ديوانه الثاني (الأغاني الأولى) وتتفتح براعم النور ريَّا مشرقةً، لقد بدأت تستعير شياتٍ وظلالاً رقيقة. والأنامل التي كانت تمزُجُ القصيد مترددة أضحت هنا لبقةً تعرف أي صبغ ينبغي أن تستقدمه وتحاوره وتداوره لتوسده في مكانه من اللوحة الشعرية. ففي أغنية (الفتيات السبع) التي يرمز بها إلى قوس قزح، تمتد ريشته الصناع إلى الألوان السبعة التي تنتظم في قوس قزح فتؤالف بينها وتسفحها لوناً ، لوناً، على نسيجة لوحته المبدعة.

وتنصهر ستائر السمفونية في ديوان (كانتو خوندو) عن منظرٍ رائعٍ، تتسلسل فيه أنهر الأندلس الثلاثة مصطخبةً عارمة، ويكمن الموت في ثنايا بعض الأبيات، متربصاً منتظراً لحظةً مواتية، ليغمِسَ المِديةَ المتوامضةَ في اللحم الطري الغريض.

أجل لقد شرع بصره يتسلق سلماً من الألوان جديداً عنيفاً.

ويُهِلُّ (أغان عجرية) وتستحصد فيه تجربة الشاعر وتنصقل موهبته، وتجنح سمفونيته الشعرية إلى ألوانٍ أكثر جِدَّةً وعنفاً، وتنساق إلى عالم خِصب ملتهب، تتألق فيه الخناجر وتهدر الشهوة ويتلوّى الجسد مغتلماً، حُرّاً ، ريّان.

وتستهوي الشاعر حرية الغجر وحياتهم البوهيمية. يتجاذبها النغمُ والرقص والخناجر والخيام.

في هذا الديوان العابق بالعاطفة المستوفزة والإحساس المشبوب والألوان الصارخة، ترقى سمفونية لوركا الشعرية إلى ذرى المجد. إن أغانيه الغجرية هي – كما يقول أحد النقاد – تتمةٌ للأغاني العربية التي كانت تتجاوب في غرناطة، في العهد الذي جعل العرب من الأندلس أروع مملكة.

***

ولما استبدّت الغربةُ بالشاعر في نيويورك، أخذت سمفونيته الشعرية التي كانت ترشف من منابع النور الأندلسية – أخذت تغصّ بالحرقة والأسى، يغلّفها دخان المعامل، وتعلِكُها ضجة الآلة. وتتكسر ألوانها ملتاثة ممزّقة، يزحمُ بعضها بعضاً، وتسمو بها الصور السريالية الوحشية الغامضة إلى قمةٍ سامقةٍ، يلهث فيها الخيال.

ها هي ذي أشباخ الزّنج تطوف في حي هارلم ، ترشح بالعرق والدم، لا، لم تعد سمفونيته الشعرية تقِسُ من أغانيه الأندلسية المقطّرة بالحنين، إنها تواكب درادب الطبول وصرخات جاز الزنج، كأنها سيقت ، الآن، من قلب إفريقية.

أوه، هارلم، هارلم، هارلم،
ليس ثمة هلعٌ يعدِلُ حُمرَك المضطهدين،
أو يعدل اختلاجَ دمك في ظلمة الكسوف.
زنج، زنج، زنج، زنج.
ليس للدم أبواب في ليلكم المنقلب،
ولا حمرة، والدم يتنزىَّ غضباً تحت الجلد،
وتمور حياةٌ تحت شفرة الخنجر.
ومن بين هذه الألوان، تتناثر شظاياها، وترفضُ منها الجروحُ ناغرةً هادرةً، يُطلّ طيف الشاعر الأمريكي (والت وايتمان)، كديمةٍ رطيبة في صحراء.
ايه أيها الشيخ الجميل وايت وايتمان
ما ونيت من تأمل لحيتك الملأى بالفراشات،
وكتفيك الموقرتين بالقمر،
وصوتِك يرتفع عموداً من رماد.
وكان على الشاعر أن يرفو ألوانه الممزّقة في سمفونيته المرهقة الجريح بعد أن آب إلى وطنه الحبيب.

ها هو ذا ينقل نظراته في غرناطة، تزحف على جدران قصورها الممرّدة القصائد العربية كجدائل الياسمين منسّقةً، مشعشعةً، مخضلّة بالنور.

وتهفو ألوان سمفونيته، تناسم القصائد الغافية على مقرنصات قصر الحمراء وحناياه وسقوفه وعمدانه، وتستل الآهات الحبيسة التي خلّفتها القلوب العميدة العربية في غرناطة، ويقبس الشاعر منها (ديوان التماريت) مسمياً كل قصيدة منها باسم Cacida لتنمّ هذه اللفظة العربية عن روحها العربية القديمة، وتتناغم ألوان السمفونية هادئة حزينة:

لا أريد سوى يدٍ، يدٍ مجروحة ، إن أمكن،
لا أريد سوى يدٍ ، ولو لم أظفر بسرير في مدى ألف ليلة،
لا أريد سوى هذه اليدِ،
من أجل زيتِ كل يوم،
من أجل كفنِ احتضاري الأبيض ،
لا أريد سوى هذه اليد ،
لتسنُدَ جناحاً من منيتي.

وتمتدُّ أنملة من السمفونية تشير إلى الساعة الخامسة عند الأصيل، الساعة التي خرّ فيها صديق الشاعر، مصارع الثيران الشهير (أغناثيو سانشيت ميخياس) طعيناً بضربة من قرن الثور، وتنهدُّ مرثية لوركا الرائعة، مكسوّة بإهاب سمفونية فاجعة في أربع حركات.

الحركة الأولى (المصرع والموت): تدق فيها الساعة خمس دقات، حين يدخل قرن الثور الهائج في اللحم الفتي، ويتهاوى البطل قتيلاً.

الحركة الثانية (الدم المسفوح): إنها لعبة البطل الخطرة مع الموت، وتتحدث عن جرأته وجماله، ثم تتراخى الحركة إلى الحقيقة المرة: البطل يخلد إلى الموت.

الحركة الثالثة (الجسد الماثل): الصخر جبهة تئن عليها الأحلام، إنه يحمل الجسم المسجّى، وينداح صمتٌ عفنٌ، لقد انتهى كل شيء، المطر يهمي إلى فمه، والزفرة تنطلق مجنونةً من صدره الأجوف.

الحركة الرابعة (الروح الغائبة): وتجد فيها النسيان يستبد باغناثيو، ويعفي كل شيء.

وتغيب السمفونية حزينة في العدم، كأنه كانت تتمة طبيعية فاجعة لقدر الشاعر نفسه.

***

ولكن سمفونية لوركا الشعرية تأبى أن تهزَجَ وحدها، إنها تريد رئةً إنسانيةً تلهث فيها ، تريد حواراً دافئاً، يضيف إليها قدراً مبدعاً جديداً، تكون فيه قريبة دانية من الشعب، تعطيه وتأخذ منه.

وكذلك وافى مسرح لوركا من النبع نفسه الذي انبجس منه شعره، واتبع – كما يقول (بيلاميش) – تطوراً جمالياً هو توأم للشعر، يتأثر به ويؤثر فيه، إنهما ينسابان كجدولين حالمين، يتعانقان تارة ويفترقان تارة أخرى، في كليهما يلعب النور لعبته الساحرة مع الظل، في كليهما تعربد الخناجر ويتأوّد السرو ويحلم الياسمين. في القصيدة يُطلّ القمر طلته المألوفة، ليكسب ريقه الفضي، وفي المسرحية يُطل ليحول إلى إنسانٍ يلغو ويتحدّث ويسوق أقدار الأبطال.

بيد أن لوركا جعل من المسرحية أداة فعالة في انتقاد أوضاع مجتمعه الاسباني وتجسيد معاني الحرية والثورة على الطغيان.
أنغام مسرحياته إذن تساوق أنغام سمفونيته الشعرية وتتممها، وكما ضمّ ديوانه الأول صوراً ساذجة عن بعض الحيوانات فقد جاءت مسرحيته الأولى (سحر الفراشة) مصورة في حوار ساذج عاطفة صرصار مسكين يتعشّقُ فراشةً ساحرةً لعوباً.

وتتعالى مسرحية (ماريانا بينيدا) صيحة جريئة، في فترة حرجة بغت فيها القوى السياسية الرجعية في اسبانيا.

المسرحية هي قصة المرأة المناضلة (ماريانا بينيدا) التي قتلها الملكيون عام 1913، لأنها أعدت عَلَمَ الثورة وطرّزت فوقه، بخيوط ذهبية الكلمات الثلاث: عدالة ، حرية ، مساواة.
بيد أن قلبها كان ينسِجُ حبّاً عميقاً جارفاً للمناضل (الدون بيدرو ) الذي كان يبادلها الحب ويكافح لتحرير بلاده من الاستبداد. إنه يخاطبها:

ماريانا، ما الإنسان دون حرية.
دون هذا النور يتألق منسجماً ثابتاً.
قولي، أأستطيع أن أحبك إن لم أكن حراً؟
ولكن ماريانا مشغوفة بالحرية، ولعلها أن تحبها أكثر مما تحب بدرو.

إنه يحب الحرية.
وأنا أحبها أكثر مما أحبه.
وتساق ماريانا إلى الموت، لأنها طرزت علم الثورة، وأبت أن تحسر عن سر المؤامرة المدبرة لتحرير اسبانيا.

***

إن لوركا نفسه يريد أن يطرز علمه الخفي، بحروفه الشعرية المضرمة، ويغمس قلمه في واقع بلاده. لقد كانت تجيش في مطاوي قلبه – كما يقول عن نفسه – ألف مأساة، وكان الأندلس، بماضيه ، بأوضاعه، بعواطفه المحتدمة، منبعاً ثراً، ينهل منه ألف مسرحية ومسرحية.

وجاءت مسرحيته الأندلسية (عرس الدم) لوحةً معبرةً خضيبة بالدم، إنها قصة الفتاة التي تهرب ليلة عرسها مع حبيبها القديم، وهي تتوقع القدر الفاجع الذي ينتظر خطيبها وحبيبها، بيد أنها لا تملك أن تقاوم الذراع العاشقة التي تختطفها..
ولم ينسَ أن يصف حرقةَ الأم وأساها، في هذه الكلمات المجروحة:

حين وصلت إلى قرب ابني، وكان مطروحاً في وسط الشارع،
غمست يدي في دمه، ولعقتها بملء لساني،
لقد كان هذا الدم دمي أيضاً.

أما مسرحية (يرما) فهي قصة المرأة العاقرة في بلاده، إنها لوحةٌ ناطقة بهواجسها وأحلامها وأحقادها، وفي كلمات قليلة يصف لوركا شعور العاقر التي تتحرق شوقاً إلى طفل:

إن في دم أي امرأة أربعة أطفال أو خمسة وحين لا يُقدّر لها
ذلك فإنهم يتحولون في دمها إلى سم.

فإذا حملت المرأة، فإن شيئاً خفياً ينسم في أحشائها، إنه
يماثل الشعور الذي تشد فيه راحة اليد على عصفور حي.
وتترفق مسرحية (دونا روزيتا)، أو لغة الزهور، سمفونية هادئة، تهينم فيها نفحات من مسرح تشيخوف الحزين الهادئ، إنها قصة الفتاة العانس التي تنتظر، عبثاً، حبيبها المسافر البعيد الذي وعدها بالزواج ونسيها في غربته القصية، إنها مأساة كل فتاة وفية يغرر بها حبيب غادر.

وقد لاءم لوركا بين (دونا روزيتا) وبين حياة زهرة تنمو حمراء صباحاً، قانية ظهراً، بيضاء مساءً، وحين يضرب الليل بجرانه وتنساب النجوم وتمّحي النسائم، تتهاوى أفوافها في الظلام.

تحدث لوركا إلى الكاتب (بيدرو ماسا) بصدد مسرحيته هذه فقال: هذه هي حياة (دونا روزيتا) تنساب تافهةً ساكنةً، لا ثمر فيها، إلامَ تصبر عوانس اسبانيا، متألمات على هذا النحو؟ يقول (ماسا):

وأغمض لوركا عينيه، فيما كان يتحدث إليّ، في تعبير ينم عن الألم والحنان.

وتنضح مسرحية (حين تنقضي أعوام خمسة) بالصور السريالية العنيفة، لعلها أن تقابل بألوانها الممزقة ديوان الشاعر (شاعر في نيويورك)، إنها أسطورة الزمن العتي الذي يطحن البشر ويعصف بأهوائهم ويوكل إلى الموت أن يعطو يده الجاسية لتفتلذ الروح المكلومة المعذبة.

أما مسرحية (بيت بيرناردا ألبا)، فقد حذف لوركا الزخرف الشعري الذي ألِفَ أن يزوّق به مسرحياته السابقة، إنها نقد لأخلاق أم مستبدة غريبة الأطوار، جعلت من بيتها سجناً لبناتها الخمس، تصطخب ضمن جدرانه غيرتُهن وأحلامهن وعواطفهن المكبوتة، فكبراهن القبيحة، خطيبةٌ للفتى الجميل رومانو، وينفَسُ عليها أخواتها بهذا الحظ المواتي، ولكن صغراهن اديلا تستميله، بظرفها ووضاءتها، وتستأثر به وتحمل منه، وهنا تتفجر المأساة وتنتهي إلى انتحار اديلا.

وقد كتب لوركا مسرحيات أخرى، أغدق عليها صوره الشعرية الرفاقة، بيد أنها تظل دون مسرحياته التي ذكرنا قوةً وأسراً ، ويبقى مسرح لوركا على أي حال، ذا طابع ونكهة وأسلوب متميز، ليس له مثيل في الآداب العالمية، يقول الناقد بول غوث:

"ليس لوركا بأكبر شاعر مسرحي اسباني منذ (لوبي دو فيغا) فحسب، بل هو ذو مزاجٍ مسرحي فريد، في النصف الأول من هذا القرن".

***

وكذلك تفرشُ سمفونيته الشعرية ذوائبها على مسرحياته، لتعانق حوارها وتضمَ غمغماتها، وتبسط لها امتداداً رحيباً حيّاً.

ومن هذه الزاوية يمكن أن ننظر نظرة شاملة إلى شعر لوركا ومسرحه وتصويره وأدبه، تتعاون وتنسجم كالأنامل من راحة بارعة ملهمة، لتنسق معاً ألوان هذه السمفونية الأندلسية الرائعة.

ولعله يحسن، فيما نحن ننفض هذه الألوان الدائرة المتحركة – كقرص نيوتن إذ يدور ويتحرك متسقاً في لون واحد أبيض – لعله يحسن أن ننسلها ، لوناً لوناً، لننفذ إلى فن لوركا الشعري ونتملاه ونحياه.

لا، لم يكن لوركا شاعراً فحسب، بل كان كما يقول لويس بارو فناناً مجنوناً متيماً بالألوان، وتمتزج ألوانه وتأتلف ويذوب بعضها في بعض، على نحوٍ لا تستطيع أن تسلك شعره في مدرسة معينة من مدارس الشعر الحديثة، فهو، في قصيدة، واقعي واضح الاصباغ، بارز الخطوط، وهو في قصيدة ثانية سريالي ملفّحٌ بالغموض، وهو في قصيدة أخرى رمزي لمّاحٌ يقتنص من النور شعاعاً ومن العتمة ظلاً ثم يدعهما يقتربان أو يتناءيان، ويترجح المعنى بينهما، كطفل معابث، يومئ تارة في الألق الباهر، ويتململ تارة أخرى في الحلك الداجي.

ويتراءى لي شعره أحياناً، كتلك اللعبة التي يُشغف بها كل طفل، وتتسق في أسطوانة ورقية، ثبتت في قعرها مرآة، تتحرك أمامها شظايا صغيرة ملونة من الزجاج، فتعكسها على صقالها في أشكال هندسية منتظمة، فإذا دارت الأسطوانة أو مالت، بعض الشيء، تحركت قطع الزجاج، وأخذت أشكالاً هندسية طريفةً أخرى هي متعة للعين المتطلعة.

وكذلك كان لوركا شاعراً طفلاً يحرك كلماته في القصيد فتكتسب في حركتها ، ألواناً زاهية، انظر إلى هذه الصورة:

الفضاء المزدحم بأقواس قزح،
يكسِّر مراياه فوق الأغصان.
وهو لا يجتزئ بألوان الطبيعة، يتلاعب بها ويلهو، بل يدخل عالم الصوت ويستعير له أصباغاً وألواناً، تأمل كيف يجلو، بكلمات قليلة نقيقَ الضفادع:

الصمتُ الذي عضته الضفادع،
يتراءى كثوبٍ شفيف،
منقّطٍ بشامات خضرٍ
وحتى الزمن فإن لوركا يجسّده بهذه الصورة المعبرة:

حين تنتظر،
فإن الثواني تتمطّى إلى اللانهاية.
وفي الحق ، إن للحواس الخمس – كما يقول لوركا – أبواباً متصلة، وعلى الشاعر، إما تصدى لجلاء صورة ما، أن يفتح ما بين هذه الأبواب، لتنوب حاسة عن الأخرى، وهو بهذا يأخذ بمدرجة بودلير في قصيدة العلاقات.

وكذلك تتحرك صورة لوركا، متجاوبة، لمّاحة، وتتكئ أحياناً على استعارات ثابتة، ولكنه بلقانةِ الرسام الصناع، يلوّنها بظلٍ متحركٍ شفاف.

قبلتي كانت رمانةً،
عميقةً مشقوقةً،
وثغركِ كان وردةً ورقيةً.
وفي القاع حقلٌ من الثلج.
والشاعر، هنا، لا يشبّه الثغر بالرمانة المشقوقة، بل يصف حركة الثغر ، إذ ينشقّ كالرمانة، عن أشهى عطاء، عن القبلة.

إن أروع ما يتسم به فن لوركا الشعري هو اعتماده على تسجيل الحركة في كلمات قليلة مقتصدة ولكنها جياشة شَرِقَةٌ بالحياة، وهو إذ يصور الحركة في ذروتها المعبرة يدعُ للخيال أن يتلقف امتدادها وأن يتممها ويحياها بكل ما تزخر به من عنف.

ولقد بدا للناقد ارثورو دل هويو أن فن لوركا الشعري أشبه بفن مصارعة الثيران، حيث يسوق الشاعر صوره – كمصارع الثيران البارع يؤدي لفتاته وحركاته الرشيقة أمام الخطر الكامن.

وهو تشبيه صحيح يمتح من واقع الحياة الاسبانية العنيفة التي وسمت لوركا بميسمها. إن مصارع الثيران، إذ يدنو من القرنين المتوثّبين، ينتقي بشاله الأحمر الحركة الصافية المناسبة التي تجعله يكاد يلامس الموت، ولكنه يمّلِس منه في مهارة ودقة، وكذلك أتمثل لوركا يضرب في غابة المعاني المصطخبة في نفسه، منتقياً من ألفاظه المطروحة المنثورة أمامه اللفظة الصافية المناسبة، ليكسو بها في دقة، المعنى الجاثم المتربص، اصغ إليه يقول في قصيدته المدية:

المدية تنغرس في القلب،
كما تنغرس سِكةُ المحراث،
لا، لا، لا تسمِّرْها في لحمي، لا ،
المدية، كحُزمةٍ من أشعة الشمس،
تحرق الأغوارَ الرهيبة،
لا، لا، لا تسمّرها في لحمي ، لا.
أرأيت إلى هذه الصور الوحشية التي اقتنصها في ذروة توترها، ورفدها بصيحة مدوية يائسة؟.
واصغِ إليه يوشي حتى الشيء البسيط بحركة خفية يجثم فيها تحفّز وترقّب وعنف:

رأيت وأنا أنحني،
ورأسي على النافذة،
كأن ساطور الريح،
يريد أن يجتزّه.
على هذه المقصلة الخفية،
وضعتُ الرؤوس العديمة النظرات للذاتي القديمة.
وانظر إليه يلخّص أسطورة آدم وحواء في الجنة، في بضع كلمات شعرية:

آدم وحواء،
والثعبان حطّم المرآة،
وأحالها إلى ألف شظية،
كانت التفاحة هي الحجر.
ولعل ولع لوركا بالنور والظل، يلهو بهما ويداعبهما ويحدرهما إلى عروق قصائده، قد تناهى به إلى شغفٍ متصلٍ بالقمر، ويبدو لي أن ليس بين شعراء العالم من قبس واستوحى من القمر صوراً رائعة مثلما قبس واستوحى وانتزع لوركا.

والقمر في شعره، مقرون، على الجملة بمأساة وجمال غريب، اصغِ إليه يقول:

جناحٌ من الفضة يُحتضرُ،
إن القمر وهو يتناقص،
يضع على ذروة الأبراج الصفر،
لُبدةً طويلةً وحشيةً.
وانظر إلى هذه الصورة الموحية التي يمازجها الوهم:

أرى قطرات من الندى على أجنحة العندليب،
وقطراتٍ صافية من القمر جمّدها الوهم.
إنه يسعى قمراً متئد الخُطا في ملعب السماء، كسلحفاةٍ بيضاء، كعجوزٍ حزينٍ ذي أسنان عاجية، كيراعة مضيئة في الظلام:

أيُّ طفلٍ أشعل مصباحه،
إن فراشةً واحدةً كافيةٌ لإطفائه،
تُرى أتكون اليراعةُ المضيئةُ قمراً؟.
وقد بلغ من ولعه بالقمر أنه جعله في مسرحية (عرس الدم) يرتدي إهابَ إنسان، يتحدّث ويهزجُ بأشعته المخملية ويمهّد لمأساة قادمة:

ويترك القمر مِديةً،
في فضاء الليل الذي يوشّحه
وتتربّص المديةُ، من علُ،
لتضحي الألمَ الذي ينطِفُ بالدم،
افتحوا صدوراً إنسانية،
لألجَ فيها وأنعمَ ثمة بالدفء.

ونلملم ألوان سمفونية لوركا المنثورة في منسرح أبصارنا، لنعود إليه في موعد قاتم عام 1936، وكانت سحب الحوادث تتجمع، آنذاك، مدلهمة، جهمة، تتناذر بمصير اسبانيا







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:13 PM رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة






الموسيقى ... شارل بودلير
ترجمة بتصرّف لراما وهبه و أحمد حميدة
_______________________________

تحملني الموسيقى كالتموّج الشّفقيّ في اصطخاب اللّجّة البحريّة...

صوب مدارات التّلاشي السدّيمي للألاء نجمي الشّاحب

وفي وشيع الضّباب الأثيريّ العائم على مشارف العبور الأبنوسيّة

أمخر عباب المحيطات السّحيقة في التّفتح الأوقيانوسيّالمغلّس

بصدر مهتزّ ورئتين منتفختين كأشرعة الأحلام المترحّلة

في جموح تلاطم عواصف اللّيل المدلهمّة عند مكاسر الأمواج

فتسري بداخلي ارتعاشات حمّى الغرق كمركب منكوب في مهاوي التّيه

فيما تهدهدني على تخوم الهّوة المترامية حتى أماليد الزّوال اللّامتناهي

مهود النّسائم الوثيرة وجنوح الرّياح المجلجلة في فيض الدّوار الشبقيّ

وفي صمت البحار السّاكنة أتأمل على صفحات الماء الموشّاة برذاذ قمريّ

أعماق روحي المعذبّة كمرآة سماويّة تجلو آلام يأسي الأبديّة











التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2014, 01:17 PM رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الإدارة

الصورة الرمزية عايده بدر
إحصائية العضو







عايده بدر will become famous soon enough

عايده بدر غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عايده بدر المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: شذرات من جمان الروح / أحمد حميدة




قلْ من أنا .. جلال الدّين الرّوميّ
_________________________
أنا ذرّات غبار في ضوء الشمس
أنا قرص الشمس.
لذرّات الغبار أقول: أمكثي!...
وللشمس أقول: واصلي الدّوران!
أنا طلّ الصباح وأنفاس المساء.
أنا الرياح في أعلى الأيكة
أنا الأمواج المتكسّرة عند الشاطئ.
أنا الصاري, والموجِّه, ومدير دفّة السفينة.
وأنا أيضا الصخر المرجاني الذي تنهار عليه .
أنا شجرة يجثم على أغصانها ببّغاء مدرّب.
أنا الصمتُ, الفكرُ, والصوت .
أنا النغم الذي يتخلّل قصبة النًاي.
أنا الجمر، الحجر، الوميض والمعدن.
أنا الاثنتان معاً: الشمعة والفراشة التي تدور حولها .
أنا الوردُ، والعندليبُ الثمِل بالشذا .
أنا كلّ أنظمةِ الوجود, المجرّةُ الدائرة، الذّكاء النامي, الارتفاع، السقوط بعيدا.
ما يكون وما لا يكون.
أنت يا من تعرف جلال الدين.
أنت الواحد في الكلّ.
قلْ من أنا.
قلْ: أنا أنتَ.







التوقيع

"روح تسكن عرش موتي تعيد لي جمال الوجود الذي هو بعيني خراب "


صـــ ،،،،، ــــمـــ ،،،،، ــــت

،،، فرااااااغ ،،،
http://aydy000badr.blogspot.com/
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء 0 والزوار 10)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 17
, , , , , , , , , , , , , ,
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دموعك حبات جمان ......محمد محضار محمد محضار قناديل قصيدة النثر 5 03-17-2017 12:51 AM
دموعك حبات جمان محمد محضار محمد محضار قناديل قصيدة النثر 3 11-18-2015 02:49 PM
خليدة مسعودي :: شعر :: صبري الصبري صبري الصبري قناديل الشعر العمودي و التفعيلي 17 04-28-2013 12:07 AM
المرأة في زقاق المدق حميدة نموذجا سمير الشريف النقد و الدراسات النقدية 3 01-02-2012 12:40 PM
شذرات من كنز الروح / بقلم د. جمال مرسي د. جمال مرسي قناديل بوح الخاطرة 25 06-13-2011 04:08 PM


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010