آخر 10 مشاركات
همس الضحى (الكاتـب : - مشاركات : 167 - المشاهدات : 5799 - الوقت: 11:26 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          كابتن المنتخب أ,م. الـزياد : رغـم غياب كثير من نجومنا جاهزون : (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 17 - الوقت: 11:02 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          رواية: عشاق لا يلعبون الشطرنج/ وفاء حمزة (الكاتـب : - مشاركات : 51 - المشاهدات : 2490 - الوقت: 08:16 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          لاجئ.. (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 59 - الوقت: 06:10 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          مســـأبقة من هدي النبوة 1440هجرية (الكاتـب : - مشاركات : 12 - المشاهدات : 200 - الوقت: 06:01 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          ...مُـغـلـق (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 6 - المشاهدات : 135 - الوقت: 05:49 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          { نبدأ صباحنا أو مساءَنا بآية كريمة أو حديث مع ضوء وتفسير} (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 145 - المشاهدات : 5148 - الوقت: 04:57 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          خربشات على الماء (الكاتـب : - مشاركات : 475 - المشاهدات : 24156 - الوقت: 01:06 PM - التاريخ: 11-17-2018)           »          مخربشات/graffiti (الكاتـب : - مشاركات : 27 - المشاهدات : 811 - الوقت: 09:10 AM - التاريخ: 11-17-2018)           »          كَامِلْبُوْيْ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 45 - الوقت: 05:50 AM - التاريخ: 11-17-2018)




،،ألف ليلة و ليلة،،

قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول


إضافة رد
قديم 12-07-2014, 10:55 PM رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

فاطمة المرنيسي
توظيف الفكر، كسلاح شهواني​

شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميون قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات «ألف ليلة وليلة»، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.

«شهرزاد» لفظ عربي لكلمتين فارسيتين : شيهرا، ثم زاد، بمعنى «مولود نبيل». زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي «صاحب المملكة». مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه : الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
بالفعل، تنفتح «ألف ليلة وليلة» على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées، نتيجة المهارة الثاقبة ل شهرزاد وتمكنها من فن التواصل.

تبدأ التراجيديا، بتاريخ ل شاهزمان أخ شهريار وملك «بلد سمرقند». حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقان، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة : «كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرين خادمة، عشرة ذوي بشرة بيضاء وعشرة سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشرة نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة: « مسعود مسعود». ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية».

تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة : «كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)» تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته : إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل «ألف ليلة وليلة» سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي : الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق : يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.

ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته ؟.. لقد عاقب المجرمين : قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد : سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام : «هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات...».

نعاين إذن، منذ بداية «ألف ليلة وليلة» التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدء قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.

لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا سنوات بعد حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك : « أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت...».

تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها.

تقويم اندفاعات المجرم المتهيء لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد، يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.

الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية : تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب : «قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة لها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا». لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل : انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب : لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي... من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها.

الامتياز الثاني لبطلتنا، يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك العدو صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل ؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة ؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة لشهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فابسط خطأ يعتبر مميتا.

أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل، الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقد شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse. تدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.

لا يفتقر هذا الرجل للجنس بل يعاني من تحقير حاد للذات نتيجة تعرضه للخيانة. ما يحتاجه الملك، علاجا نفسيا يساعده على أن يعيش ثانية المأساة التي تنخره ثم يتحرر منها، وهو بالضبط ما شرعت شهرزاد القيام به وذلك بجرأة نادرة. كانت تروي له مئات الحكايات التي تكرر بشكل لا نهائي نفس الحبكة، مثل هلوسة : رجال يتعرضون للخيانة من طرف نسائهم. ثم لكي تشجع شهريار على النظر بنسبية إلى مأساته، فإنها تورد حالة الجن، تلك الكائنات اللاأرضية التي من المفروض أنها لا تنهزم، فقد خدعتها النساء وهم يتسلون بحجزهن. جرأة الكلام مع رجل عنيف قصد مداواته من جرح يتآكله، يعتبر بالتأكيد تهورا ينبني على استراتيجية دفعت مجموعة من المفكرين، كي يكتشفوا في شهرزاد، امرأة محرضة على التمرد، محفزة المستضعفين على العصيان.

لاحظ جمال الدين بن الشيخ، أحد أفضل المختصين في الحكايات، بأن شهرزاد لم تنكر لحظة من اللحظات وجود القائد، رغبة النساء لتعطيل إرادة الرجل. هذا ما يفسر سبب رفض النخبة العربية تدوين الحكايات : ((الراوية التي تتوخى الحصول على رأفة الملك المخدوع من قبل زوجته، ستوظف كل خيالها المبدع، لتنسج وقائع تؤكد عدم ثقة هذا الأخير في النساء)). تنطوي الحكايات بالفعل على توضيحات لمزاج نساء الحريم، غير القابل للضبط. سيظهر مع الواحدة بعد الأخرى، إلى أي حد عدم واقعية، توقع رؤيتهن يخضعن لقواعد اللامساواة التي تفرض كقانون. بإمكان الرجال ، قراءة المصير التراجيدي الذي ينتظر كل واحد منهم. يكتب بن الشيخ : «نعرف بأن رعب الخيانة هذا، يغوص بجذوره إلى أكثر الثقافات قدما من ثقافتنا، معبرة عنه دائما بنفس الطريقة تقريبا... . لكننا في هذه الحالة، نشتغل على نص مكتوب بالعربية...». ولأن العربية، تمثل لغة الكتاب المقدس، أي اللغة التي نزل بها القرآن ! فإن تدوين الحكايات بالعربية، يعني منحها معقولية خطيرة، هذا ما يفسر عنده إدانة النخب العربية الذكورية للحكايات طيلة قرون والاقتصار على تداولها شفويا. إن رفض المثقفين العرب المتنفدين، الترخيص لتدوين الحكايات وضعها داخل سياق الدونية، أمام الأوربيين الذين أعطوها امتيازا بترجمتها ابتداء من سنة 1704 (الترجمة الفرنسية ل Galland). بينما، لم تظهر أول طبعة عربية إلا قرنا بعد ذلك، وبالضبط سنة 1814، كما أن لا أحد من الناشرين ل «ألف ليلة وليلة» كان عربيا.

صدرت الطبع العربية الأولى، ب كالكوتا Calcutta سنة 1814 من قبل هندي مسلم اسمه «الشيخ أحمد الشيراواني»، أستاذ العربية ب كوليج وليام الرابع. أما الثانية، فقد أنجزها «ماكسيميليان هابيش Maximilan Habicht ب بروسلو Breslau، ألمانيا سنة 1824. عشر سنوات، بعد ذلك، سيأخذ العرب المبادرة أخيرا، بالعمل على تسويق النسخة المصرية ل بولاق التي طبعت بالقاهرة سنة 1834. من المهم، الإشارة إلى أن الطبعة العربية الأولى ل «ألف ليلة وليلة» تبين الحاجة لتصحيح نسخة بولاق : « تحسين اللغة بطريقة تنتج عملا ذا قيمة أدبية أعلى من النسخة الأصلية».

بإمكاننا التساؤل عن السبب الذي استندت إليه النخب، كي ترفض تدوين الحكايات ؟ ما هي الجريمة الأساسية التي اتهمت بها شهرزاد ؟ هل الأسباب سياسية أو دينية كما يحدث حاليا في إيران أو العربية السعودية، بمنع الكتب ؟ يظهر بأن العامل الأول الذي تم استحضاره هنا، أدبي بالأساس دون أي مضمون سياسي : لقد كانت النصوص ذات قيمة ضعيفة.

لاحظ «بن الشيخ» مستوى الخرافة الذي وضعت في إطاره الحكايات (مما يعني تقريبا «هذيان فكر مختل») لكن وراء هذا البرهان الأدبي، يتحدد منتهى الجبل الجليدي السياسي : رفضت النخبة إخراج الحكايات لأنها تترجم مشاغل ورأي القوى الشعبية. هذه الجزئية الصغيرة، تجعلنا نستشف انفصاما ضخما : ألا يجسد الإرث الإسلامي المدون فكر النخبة ؟ ألا ترسم الشفاهية في جوف هذا الإرث فتحة واسعة وفراغا علينا الاهتمام به ؟ هذا التطابق بين الشفاهية والإقصاء، قاد بن الشيخ للتساؤل، إذا كان في الواقع رفض تدوين الحكايات كتابة يتأتى من كون النساء يظهرن فيها أكثر براعة من الرجال. بناء على منطق «ألف ليلة وليلة»، فإن القاضي «شهريار»كما لاحظ «بن الشيخ» كان مخطئا، بينما الصواب إلى جانب المتهمة (شهرزاد) : «لم يحاكم الملك فقط من قبل شهرزاد، لكنها أيضا تدينه حتى يغير طريقته في العيش وفق نزواته، إنه العالم معكوس. عالم، لا ينفلت فيه القاضي من عدالة ضحيته». عالم ، حيث القواعد هي قواعد الليل : شهرزاد صامتة طيلة اليوم، غير مرخص لها بالتكلم إلا بعد غروب الشمس، حينما يلتحق بها الملك للاستماع إليها وهو على فراشه. تتذكرون الجملة المقتضبة التي تنهي كل حكاية : «وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح».

هكذا، يقلب الأثر الحاسم للحكايات التي تتداعى في الظلام، قوانين محكمة الملك، الذي يبدو بأنه ليس شيئا آخر غير سراب، سريع الاندثار مثل ضوء النهار. بالفعل، يتخلى الملك عن اعتدائه المرعب، ويخضع لتأثير نافذ من قبل شهرزاد، مقرا بعدم صوابه حينما يسقط غضبه على النساء، «آه شهرزاد، جعلتني أزهد في ملكي، والتحسر على ماضي العنيف اتجاه النساء، وكذا أفعالي القاتلة ضد الفتيات الصغيرات».

بالتالي، سيقر المستبد بتغير مفهومه عن العالم، بعد حواره الطويل مع زوجته. اعتراف، قاد مجموعة من الكتاب العرب في القرن العشرين، لكي ينسبوا إلى شهرزاد خاصة والنساء عامة سلطة مدنية. المفكر المصري اللامع طه حسين، أطلق نداء إلى المستقبل : لكي تستعيد مواقف الرجال حب امرأة، فمن الضروري أن تستند على السلم والهدوء بدلا من العنف. في كتابه المعنون ب : أحلام شهرزاد، الصادر سنة 1943، جعل من الحاكية الناطق الرسمي باسم الأبرياء الذين زج بهم في عذاب الحرب العالمية. حرب أشعلتها أوروبا، ولم تكتو بنارها فقط الشعوب العربية بل شملت كل الكون. تجسد شهريار عند طه حسين، نزوة الموت عند الإنسان المبهمة، والمأساوية. لم يفهم، الملك بأن سجينته مؤتمنة على سر نفيس جدا، إلا بعد سماعه لها لسنوات طويلة. من الضروري أن يكتشف هذا السر، لكي يدرك أخيرا النضج العاطفي والرصانة :
«شهريار :
من أنت وماذا تريدين ؟
شهرزاد :
أنا شهرزاد، كنت مرعوبة طيلة سنوات، ثم منحتك لذة الاستماع إلى حكاياتي. حاليا، اقتحمت مرحلة جديدة، قد أمنحك حبي لأنني انهزمت جراء الرعب الذي ألهمتني إياه. ماذا أريد ؟ أسعى، لكي يتذوق أخيرا سيدي الملك السكينة، ويحس ببهجة الحياة في عالم يخلو من كل قلق».

حسب طه حسين، يتجلى الخلاص حينما يبدأ الحوار بين الطاغية والمظلوم، القوي والضعيف. لا يمكن للحضارة أن تزدهر حقا، إلا إذا تعود الرجال على إقامة حوار مع الكائنات الأكثر اقترابا منهم، النساء اللواتي يقتسمن معهم الفراش. بالتالي، هل بعث ثانية، طه حسين الضرير، المعاق والعاجز عن القيام بالحرب تماما مثل المرأة مضمون الرسالة كما تضمنته حكاية شهرزاد القروسطية : يوجد رباط بين الإنسانية وحرية المرأة. لذلك، فإن كل عمل يتأمل الحداثة داخل العالم الإسلامي المعاصر، يؤخذ كسلاح ضد العنف، الاستبداد. ويكتسي أيضا، صيغة دفاع عن النسوية.

بالنسبة لزعيم مسلم إصلاحي، كما هو الأمر مع الرئيس الإيراني خاتمي، المنتخب في الاقتراع المباشر لسنة 1997 ب 70 من الأصوات، نتيجة تصويت النساء. فمن البديهي لكي يصارع ضد المحافظين، أن يحث النساء على ولوج مواقع السلطة. ثم دعما لموقفه قصد هزم معارضيه في انتخابات يونيو 2001 ( %77 من الأصوات)، قام خاتمي بعملين عضد بواسطتهما مسار الديموقراطية. أولا، شجع النساء على المساهمة في انتخابات المجالس البلدية سواء في القرى الصغيرة أو المدن الكبرى، هكذا انتخبت 781 من بينهن. بعدها، دفع النساء لكي يشغلن وظائف مراكز القرار في دواليب الجامعة، بحيث أحرزن على %60 منها قبل ولايته الثانية. بشكل مفارق، فإن قرار ارتداء الحجاب الذي أعطاه آية الله الخميني إلى النساء سنة 1979 لإخفاء التعددية داخل الأمة الإسلامية، دفعهن للرجوع بقوة إلى المشهد السياسي بعد عقد من الزمان. مثلما في هاته الأحلام المتكررة بشكل لا نهائي، يعاد ثانية في كل مكان بالعالم الإسلامي، إنتاج السيناريو الإيراني المرتبط بالصلة الحتمية بين الديمقراطية وتأنيث السلطة. أن تذهبوا إلى الجزائر، تركيا، أفغانستان أو أندونيسيا، ستلاحظون وأنتم تنتقلون من قناة تلفزية إلى أخرى، بأن السجال حول الديموقراطية يقود حتما إلى سجال آخر يتعلق بالمرأة والعكس صحيح. هذا التداخل المثير، الذي يجمع بين التعددية والنسوية داخل العالم المضطرب للإسلام الحالي، تجسد قبل ذلك مع تاريخ شهرزاد وشهريار. لقد انتهى شهريار في ألف ليلة وليلة، بالتوصل إلى أن الرجل ملزم بتوظيف الكلام بدلا من القوة لتسوية نزاع ما. في صراع شهرزاد من أجل البقاء والحرية، فإنها لا تقود جيوشا ولكن مجموعة كلمات. بالتالي، يمكن اعتبار الحكايات مثل أسطورة متحضرة لازالت راهنية جدا. تتغنى «ألف ليلة وليلة»، بانتصار العقل على العنف. قادني هذا التأمل، لكي أعود إلى نقطة تتناقض كليا مع صورة شهرزاد في الغرب وكذا نسختها الهوليودية : في الشرق، المرأة التي لا تستعمل غير جسدها أي جسدها دون دماغها هي بالضرورة عاجزة عن تغيير وضعيتها. أخفقت إذن الزوجة الأولى للملك على نحو محزن، لأنها حينما سمحت لخادمها كي يمتطي فوقها، اختزلت ثورتها في الجسد. الخيانة الزوجية بالنسبة للمرأة، فخّ انتحاري. على العكس، نتعلم من نموذج شهرزاد إمكانية قيام المرأة بتمرد فعال، شريطة التفكير. ستساعد الرجل بقوة ذكائها، للتخلص من رغبته النرجسية إلى ارتباط بسيط. يبين التاريخ ضرورة، أن نقابل اختلافنا مع اختلاف الآخر، حتى يتأسس الحوار ثم نكتشف ونحترم الحدود التي تفصلنا. تثمين، حوار في كل جزئياته، يعني تقدير معركة تكون نتيجتها غير مضمونة، بحيث لا نعرف سابقا الغالب والمغلوب، لكن الانخراط في معركة كتلك تمثل موقفا يضع رجلا داخل وضعية تتميز بعدم الاستقرار، بعد أن اعتاد على أخرى مريحة حينما كان مستبدا.

عبد السلام الشدادي، مؤرخ مغربي وأحد أدق الباحثين في الإسلام المعاصر، يختزل رسالة «ألف ليلة وليلة» بقوله: «اجتهد شهريار حتى يكتشف فكرة استحالة إلزام المرأة، للامتثال للقاعدة الزوجية». ثم، يضيف بقدر ثورية هاته الفكرة، فإنها أقل من الرسالة الثانية للحكايات : إذا أقررنا بأن اللقاء بين شهريار وشهرزاد، صورة للصراع الكوني الذي يتعارض في إطاره النهار (تمثيل ذكوري لنظام موضوعي) مع الليل (تمثيل أنثوي لنظام ذاتي)، بقاء الزوجة، يخلق لدى الرجل المسلم ارتيابا غير قابل للتحمل تقريبا: ما هي إذن نتيجة المعركة؟ يكتب الشدادي: «حينما يحافظ الملك على حياة شهرزاد فهو ينتهك القاعدة التي وضعها. عمل شهريار بالفعل، وضد كل انتظار، على كبح ذاته مانحا شهرزاد الحق في الحياة والكلام ثم النجاح، «تتوازن القاعدة والرغبة ، حيث يلامسان نوعا من السكون المتقلب، دون التمكن من القول بأن أحدهما سيستعيد أم لا حركته الأصلية». ما إن يغلق الرجل المسلم، الصفحة الأخيرة من الحكايات إلا ويحصل عنده اليقين بشيء واحد : الحرب بين الأجناس في نطاق تجسيدها للحرب بين العقل والعاطفة، تعتبر لا نهائية.

التعارض حسب «الشدادي» بين الملك والراوية له أهمية أخرى : إنه يعكس ويوسع النزاع الحاد الذي يفصل في الثقافة الإسلامية بين التقليد الشرعي والخيال. غلبة شهرزاد هو انتصار للخيال (الوهم)، على مشروعية حراس الحقيقة (الصدق).

يتحدث الشدادي عن مصير الحكواتيين المأساوي. رواة الشارع هؤلاء، حيث يشكل سلمان رشدي أحد ورثتهم في الزمان الحالي، اعتبروا عادة في بغداد القرن الوسيط، كمتمردين مفترضين ومثيرين للقلاقل. كما هو الأمر اليوم، مع صحافيي اليسار الخاضعين للمراقبة، فقد كان هناك سعي قصد منع هؤلاء الحكواتيين من مخاطبة الجمهور. أشار المؤرخ الطبري، في تاريخه عن الأوطان والملوك، أنه سنة 279 هجرية (القرن العاشر ميلادي): «أعطى السلطان أمره، لإخبار سكان مدينة السلم (أحد أسماء بغداد)، بعدم الترخيص لأي حكواتي كي يستقر في الشارع أو المسجد الكبير». إذا طرد الحكواتيين من المسجد يفسر الشدادي، فذلك لصعوبة القيام بتمييز واضح بين خيالهم والحقيقة. الطرد، وسيلة القصر الوحيدة لإسكات صوت هؤلاء المبدعون الخطيرون : «مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الأول (القرن السابع الميلادي). قام علي (الخليفة الرابع العقائدي) بمنع رواة الشارع من دخول مسجد البصرة. بالتأكيد، لن تتوقف مضايقة الحكواتيين، إلا بإنهاء الرابطة المهنية... وتعويضهم بالوعاظ. لقد كانت الوسيلة الوحيدة، من أجل تأسيس واضح للحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره حقيقيا وصادقا ثم ما ينتمي إلى عالم الخيال والخطأ وكذا الزيف».

لكي تخلخل أكثر العقول المتزمتة القديمة منها والمعاصرة، فإن شهرزاد تتوفر على سمة الإزعاج إلى أبعد حد. يعيد الشدادي التذكير بها : «مع أول ظهور لها في الكتاب، تكشف عن مواهب سلطة دينية إسلامية، «فقيه» بالمعنى المتكامل وصاحبة موقع حصين». لا تتضمن معارفها اللانهائية ضبطا فقط للتاريخ، لكن أيضا الأدب المقدس من قرآن وشريعة وكذا مختلف التأويلات الدينية للمدارس الفكرية. تداخل عجيب بين ثقافة علمية جدا وخطاب ينحصر ظاهريا في عالم الخيال والليل. تمازج، جعل شهرزاد متهمة كثيرا، مما يفسر رفض النخب العربية تصنيفها ضمن الإرث المكتوب. تشير «ألف ليلة وليلة» إلى الخطر المحدق بطبقة الخاصة حينما تستمع للعامة. هذا الشعب الصارخ والقوى الأمية، تكرر لمن يريد الاستماع إليها بأن الطبقية، اللامساواة، والتفضيلات، تشكل أعداء لها.

أليس من الغريب، أن راوية متخيلة في القرن IX، تحتل من جديد مكانا مركزيا. بين ثنايا المشهد الفكري الإسلامي المعاصر، باعتبارها رمزا للصراع الديموقراطي ؟ هذا، لأنها عرفت قبل ذلك في بغداد العباسيين، كيفية التشكيل الواضح للأسئلة الفلسفية والسياسية الجوهرية، عجز حتى الآن زعمائنا السياسيين المعاصرين عن الإجابة عنها : هل يجب الخضوع لقاعدة جائرة فقط لأنها كتبت من قبل الرجال ؟ إذا كانت الحقيقة بهاته البداهة، فلماذا لا نترك الوهم والخيال المبدع كي ينموان ؟ معجزة المشرق، أن ذكاء شهرزاد الثاقب واهتمامها بالقضايا السياسية والفلسفية، جعل منها مغرية ومدمرة بشكل مريع.

تعود أصلا قوتها الإقناعية إلى ثقتها في الذات، بسبب هذا المعطى الذي يمثل فن جوهر التواصل، فإن شهرزاد مدهشة. لا تصرخ حينما ينتابها الخوف، فهي لا تبدد طاقتها. توظف الصمت لمعرفة نوايا خصمها وتحديد نقطة ضعفه، وعلى ضوء ذلك توطد استراتيجيتها المضادة. إنها، متيقنة بكونها شخصية رائعة، تتوفر على ذكاء مذهل. لو ظنت نفسها حمقاء، سيقطع الملك رأسها. تؤمن كثيرا بقدرة الكائن الإنساني على تغيير مصيره. السحر فينا، تلك هي دعوة شهرزاد. نأتي إلى العالم، ونحن مسلحين جدا للدفاع عن أنفسنا : دماغنا سلاح لا يقهر. احترام الذات سر النجاح، ذاك هو مصدر افتتان المسلمين ب شهرزاد، الأمس مثل اليوم وسواء كانوا رجالا أو نساء. من هنا، قيمة تأويل ما يحدث لها حينما تعبر الحدود اتجاه الغرب.
هل ستمر تلك الملكة بسلاح الفصاحة أم ستفقد لسانها عند الحدود ؟ شيء يقيني : نعرف بالتأكيد رحيلها إلى الغرب، ووصولها باريس سنة 1704.

هامش:
1 Fatéma Mernissi : le Harem européen. Editions le Fennec, 2003, PP : 59-76.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:55 PM رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

فاطمة المرنيسي
توظيف الفكر، كسلاح شهواني​

شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميون قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات «ألف ليلة وليلة»، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.

«شهرزاد» لفظ عربي لكلمتين فارسيتين : شيهرا، ثم زاد، بمعنى «مولود نبيل». زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي «صاحب المملكة». مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه : الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
بالفعل، تنفتح «ألف ليلة وليلة» على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées، نتيجة المهارة الثاقبة ل شهرزاد وتمكنها من فن التواصل.

تبدأ التراجيديا، بتاريخ ل شاهزمان أخ شهريار وملك «بلد سمرقند». حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقان، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة : «كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرين خادمة، عشرة ذوي بشرة بيضاء وعشرة سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشرة نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة: « مسعود مسعود». ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية».

تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة : «كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)» تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته : إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل «ألف ليلة وليلة» سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي : الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق : يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.

ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته ؟.. لقد عاقب المجرمين : قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد : سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام : «هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات...».

نعاين إذن، منذ بداية «ألف ليلة وليلة» التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدء قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.

لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا سنوات بعد حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك : « أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت...».

تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها.

تقويم اندفاعات المجرم المتهيء لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد، يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.

الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية : تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب : «قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة لها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا». لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل : انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب : لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي... من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها.

الامتياز الثاني لبطلتنا، يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك العدو صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل ؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة ؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة لشهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فابسط خطأ يعتبر مميتا.

أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل، الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقد شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse. تدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.

لا يفتقر هذا الرجل للجنس بل يعاني من تحقير حاد للذات نتيجة تعرضه للخيانة. ما يحتاجه الملك، علاجا نفسيا يساعده على أن يعيش ثانية المأساة التي تنخره ثم يتحرر منها، وهو بالضبط ما شرعت شهرزاد القيام به وذلك بجرأة نادرة. كانت تروي له مئات الحكايات التي تكرر بشكل لا نهائي نفس الحبكة، مثل هلوسة : رجال يتعرضون للخيانة من طرف نسائهم. ثم لكي تشجع شهريار على النظر بنسبية إلى مأساته، فإنها تورد حالة الجن، تلك الكائنات اللاأرضية التي من المفروض أنها لا تنهزم، فقد خدعتها النساء وهم يتسلون بحجزهن. جرأة الكلام مع رجل عنيف قصد مداواته من جرح يتآكله، يعتبر بالتأكيد تهورا ينبني على استراتيجية دفعت مجموعة من المفكرين، كي يكتشفوا في شهرزاد، امرأة محرضة على التمرد، محفزة المستضعفين على العصيان.

لاحظ جمال الدين بن الشيخ، أحد أفضل المختصين في الحكايات، بأن شهرزاد لم تنكر لحظة من اللحظات وجود القائد، رغبة النساء لتعطيل إرادة الرجل. هذا ما يفسر سبب رفض النخبة العربية تدوين الحكايات : ((الراوية التي تتوخى الحصول على رأفة الملك المخدوع من قبل زوجته، ستوظف كل خيالها المبدع، لتنسج وقائع تؤكد عدم ثقة هذا الأخير في النساء)). تنطوي الحكايات بالفعل على توضيحات لمزاج نساء الحريم، غير القابل للضبط. سيظهر مع الواحدة بعد الأخرى، إلى أي حد عدم واقعية، توقع رؤيتهن يخضعن لقواعد اللامساواة التي تفرض كقانون. بإمكان الرجال ، قراءة المصير التراجيدي الذي ينتظر كل واحد منهم. يكتب بن الشيخ : «نعرف بأن رعب الخيانة هذا، يغوص بجذوره إلى أكثر الثقافات قدما من ثقافتنا، معبرة عنه دائما بنفس الطريقة تقريبا... . لكننا في هذه الحالة، نشتغل على نص مكتوب بالعربية...». ولأن العربية، تمثل لغة الكتاب المقدس، أي اللغة التي نزل بها القرآن ! فإن تدوين الحكايات بالعربية، يعني منحها معقولية خطيرة، هذا ما يفسر عنده إدانة النخب العربية الذكورية للحكايات طيلة قرون والاقتصار على تداولها شفويا. إن رفض المثقفين العرب المتنفدين، الترخيص لتدوين الحكايات وضعها داخل سياق الدونية، أمام الأوربيين الذين أعطوها امتيازا بترجمتها ابتداء من سنة 1704 (الترجمة الفرنسية ل Galland). بينما، لم تظهر أول طبعة عربية إلا قرنا بعد ذلك، وبالضبط سنة 1814، كما أن لا أحد من الناشرين ل «ألف ليلة وليلة» كان عربيا.

صدرت الطبع العربية الأولى، ب كالكوتا Calcutta سنة 1814 من قبل هندي مسلم اسمه «الشيخ أحمد الشيراواني»، أستاذ العربية ب كوليج وليام الرابع. أما الثانية، فقد أنجزها «ماكسيميليان هابيش Maximilan Habicht ب بروسلو Breslau، ألمانيا سنة 1824. عشر سنوات، بعد ذلك، سيأخذ العرب المبادرة أخيرا، بالعمل على تسويق النسخة المصرية ل بولاق التي طبعت بالقاهرة سنة 1834. من المهم، الإشارة إلى أن الطبعة العربية الأولى ل «ألف ليلة وليلة» تبين الحاجة لتصحيح نسخة بولاق : « تحسين اللغة بطريقة تنتج عملا ذا قيمة أدبية أعلى من النسخة الأصلية».

بإمكاننا التساؤل عن السبب الذي استندت إليه النخب، كي ترفض تدوين الحكايات ؟ ما هي الجريمة الأساسية التي اتهمت بها شهرزاد ؟ هل الأسباب سياسية أو دينية كما يحدث حاليا في إيران أو العربية السعودية، بمنع الكتب ؟ يظهر بأن العامل الأول الذي تم استحضاره هنا، أدبي بالأساس دون أي مضمون سياسي : لقد كانت النصوص ذات قيمة ضعيفة.

لاحظ «بن الشيخ» مستوى الخرافة الذي وضعت في إطاره الحكايات (مما يعني تقريبا «هذيان فكر مختل») لكن وراء هذا البرهان الأدبي، يتحدد منتهى الجبل الجليدي السياسي : رفضت النخبة إخراج الحكايات لأنها تترجم مشاغل ورأي القوى الشعبية. هذه الجزئية الصغيرة، تجعلنا نستشف انفصاما ضخما : ألا يجسد الإرث الإسلامي المدون فكر النخبة ؟ ألا ترسم الشفاهية في جوف هذا الإرث فتحة واسعة وفراغا علينا الاهتمام به ؟ هذا التطابق بين الشفاهية والإقصاء، قاد بن الشيخ للتساؤل، إذا كان في الواقع رفض تدوين الحكايات كتابة يتأتى من كون النساء يظهرن فيها أكثر براعة من الرجال. بناء على منطق «ألف ليلة وليلة»، فإن القاضي «شهريار»كما لاحظ «بن الشيخ» كان مخطئا، بينما الصواب إلى جانب المتهمة (شهرزاد) : «لم يحاكم الملك فقط من قبل شهرزاد، لكنها أيضا تدينه حتى يغير طريقته في العيش وفق نزواته، إنه العالم معكوس. عالم، لا ينفلت فيه القاضي من عدالة ضحيته». عالم ، حيث القواعد هي قواعد الليل : شهرزاد صامتة طيلة اليوم، غير مرخص لها بالتكلم إلا بعد غروب الشمس، حينما يلتحق بها الملك للاستماع إليها وهو على فراشه. تتذكرون الجملة المقتضبة التي تنهي كل حكاية : «وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح».

هكذا، يقلب الأثر الحاسم للحكايات التي تتداعى في الظلام، قوانين محكمة الملك، الذي يبدو بأنه ليس شيئا آخر غير سراب، سريع الاندثار مثل ضوء النهار. بالفعل، يتخلى الملك عن اعتدائه المرعب، ويخضع لتأثير نافذ من قبل شهرزاد، مقرا بعدم صوابه حينما يسقط غضبه على النساء، «آه شهرزاد، جعلتني أزهد في ملكي، والتحسر على ماضي العنيف اتجاه النساء، وكذا أفعالي القاتلة ضد الفتيات الصغيرات».

بالتالي، سيقر المستبد بتغير مفهومه عن العالم، بعد حواره الطويل مع زوجته. اعتراف، قاد مجموعة من الكتاب العرب في القرن العشرين، لكي ينسبوا إلى شهرزاد خاصة والنساء عامة سلطة مدنية. المفكر المصري اللامع طه حسين، أطلق نداء إلى المستقبل : لكي تستعيد مواقف الرجال حب امرأة، فمن الضروري أن تستند على السلم والهدوء بدلا من العنف. في كتابه المعنون ب : أحلام شهرزاد، الصادر سنة 1943، جعل من الحاكية الناطق الرسمي باسم الأبرياء الذين زج بهم في عذاب الحرب العالمية. حرب أشعلتها أوروبا، ولم تكتو بنارها فقط الشعوب العربية بل شملت كل الكون. تجسد شهريار عند طه حسين، نزوة الموت عند الإنسان المبهمة، والمأساوية. لم يفهم، الملك بأن سجينته مؤتمنة على سر نفيس جدا، إلا بعد سماعه لها لسنوات طويلة. من الضروري أن يكتشف هذا السر، لكي يدرك أخيرا النضج العاطفي والرصانة :
«شهريار :
من أنت وماذا تريدين ؟
شهرزاد :
أنا شهرزاد، كنت مرعوبة طيلة سنوات، ثم منحتك لذة الاستماع إلى حكاياتي. حاليا، اقتحمت مرحلة جديدة، قد أمنحك حبي لأنني انهزمت جراء الرعب الذي ألهمتني إياه. ماذا أريد ؟ أسعى، لكي يتذوق أخيرا سيدي الملك السكينة، ويحس ببهجة الحياة في عالم يخلو من كل قلق».

حسب طه حسين، يتجلى الخلاص حينما يبدأ الحوار بين الطاغية والمظلوم، القوي والضعيف. لا يمكن للحضارة أن تزدهر حقا، إلا إذا تعود الرجال على إقامة حوار مع الكائنات الأكثر اقترابا منهم، النساء اللواتي يقتسمن معهم الفراش. بالتالي، هل بعث ثانية، طه حسين الضرير، المعاق والعاجز عن القيام بالحرب تماما مثل المرأة مضمون الرسالة كما تضمنته حكاية شهرزاد القروسطية : يوجد رباط بين الإنسانية وحرية المرأة. لذلك، فإن كل عمل يتأمل الحداثة داخل العالم الإسلامي المعاصر، يؤخذ كسلاح ضد العنف، الاستبداد. ويكتسي أيضا، صيغة دفاع عن النسوية.

بالنسبة لزعيم مسلم إصلاحي، كما هو الأمر مع الرئيس الإيراني خاتمي، المنتخب في الاقتراع المباشر لسنة 1997 ب 70 من الأصوات، نتيجة تصويت النساء. فمن البديهي لكي يصارع ضد المحافظين، أن يحث النساء على ولوج مواقع السلطة. ثم دعما لموقفه قصد هزم معارضيه في انتخابات يونيو 2001 ( %77 من الأصوات)، قام خاتمي بعملين عضد بواسطتهما مسار الديموقراطية. أولا، شجع النساء على المساهمة في انتخابات المجالس البلدية سواء في القرى الصغيرة أو المدن الكبرى، هكذا انتخبت 781 من بينهن. بعدها، دفع النساء لكي يشغلن وظائف مراكز القرار في دواليب الجامعة، بحيث أحرزن على %60 منها قبل ولايته الثانية. بشكل مفارق، فإن قرار ارتداء الحجاب الذي أعطاه آية الله الخميني إلى النساء سنة 1979 لإخفاء التعددية داخل الأمة الإسلامية، دفعهن للرجوع بقوة إلى المشهد السياسي بعد عقد من الزمان. مثلما في هاته الأحلام المتكررة بشكل لا نهائي، يعاد ثانية في كل مكان بالعالم الإسلامي، إنتاج السيناريو الإيراني المرتبط بالصلة الحتمية بين الديمقراطية وتأنيث السلطة. أن تذهبوا إلى الجزائر، تركيا، أفغانستان أو أندونيسيا، ستلاحظون وأنتم تنتقلون من قناة تلفزية إلى أخرى، بأن السجال حول الديموقراطية يقود حتما إلى سجال آخر يتعلق بالمرأة والعكس صحيح. هذا التداخل المثير، الذي يجمع بين التعددية والنسوية داخل العالم المضطرب للإسلام الحالي، تجسد قبل ذلك مع تاريخ شهرزاد وشهريار. لقد انتهى شهريار في ألف ليلة وليلة، بالتوصل إلى أن الرجل ملزم بتوظيف الكلام بدلا من القوة لتسوية نزاع ما. في صراع شهرزاد من أجل البقاء والحرية، فإنها لا تقود جيوشا ولكن مجموعة كلمات. بالتالي، يمكن اعتبار الحكايات مثل أسطورة متحضرة لازالت راهنية جدا. تتغنى «ألف ليلة وليلة»، بانتصار العقل على العنف. قادني هذا التأمل، لكي أعود إلى نقطة تتناقض كليا مع صورة شهرزاد في الغرب وكذا نسختها الهوليودية : في الشرق، المرأة التي لا تستعمل غير جسدها أي جسدها دون دماغها هي بالضرورة عاجزة عن تغيير وضعيتها. أخفقت إذن الزوجة الأولى للملك على نحو محزن، لأنها حينما سمحت لخادمها كي يمتطي فوقها، اختزلت ثورتها في الجسد. الخيانة الزوجية بالنسبة للمرأة، فخّ انتحاري. على العكس، نتعلم من نموذج شهرزاد إمكانية قيام المرأة بتمرد فعال، شريطة التفكير. ستساعد الرجل بقوة ذكائها، للتخلص من رغبته النرجسية إلى ارتباط بسيط. يبين التاريخ ضرورة، أن نقابل اختلافنا مع اختلاف الآخر، حتى يتأسس الحوار ثم نكتشف ونحترم الحدود التي تفصلنا. تثمين، حوار في كل جزئياته، يعني تقدير معركة تكون نتيجتها غير مضمونة، بحيث لا نعرف سابقا الغالب والمغلوب، لكن الانخراط في معركة كتلك تمثل موقفا يضع رجلا داخل وضعية تتميز بعدم الاستقرار، بعد أن اعتاد على أخرى مريحة حينما كان مستبدا.

عبد السلام الشدادي، مؤرخ مغربي وأحد أدق الباحثين في الإسلام المعاصر، يختزل رسالة «ألف ليلة وليلة» بقوله: «اجتهد شهريار حتى يكتشف فكرة استحالة إلزام المرأة، للامتثال للقاعدة الزوجية». ثم، يضيف بقدر ثورية هاته الفكرة، فإنها أقل من الرسالة الثانية للحكايات : إذا أقررنا بأن اللقاء بين شهريار وشهرزاد، صورة للصراع الكوني الذي يتعارض في إطاره النهار (تمثيل ذكوري لنظام موضوعي) مع الليل (تمثيل أنثوي لنظام ذاتي)، بقاء الزوجة، يخلق لدى الرجل المسلم ارتيابا غير قابل للتحمل تقريبا: ما هي إذن نتيجة المعركة؟ يكتب الشدادي: «حينما يحافظ الملك على حياة شهرزاد فهو ينتهك القاعدة التي وضعها. عمل شهريار بالفعل، وضد كل انتظار، على كبح ذاته مانحا شهرزاد الحق في الحياة والكلام ثم النجاح، «تتوازن القاعدة والرغبة ، حيث يلامسان نوعا من السكون المتقلب، دون التمكن من القول بأن أحدهما سيستعيد أم لا حركته الأصلية». ما إن يغلق الرجل المسلم، الصفحة الأخيرة من الحكايات إلا ويحصل عنده اليقين بشيء واحد : الحرب بين الأجناس في نطاق تجسيدها للحرب بين العقل والعاطفة، تعتبر لا نهائية.

التعارض حسب «الشدادي» بين الملك والراوية له أهمية أخرى : إنه يعكس ويوسع النزاع الحاد الذي يفصل في الثقافة الإسلامية بين التقليد الشرعي والخيال. غلبة شهرزاد هو انتصار للخيال (الوهم)، على مشروعية حراس الحقيقة (الصدق).

يتحدث الشدادي عن مصير الحكواتيين المأساوي. رواة الشارع هؤلاء، حيث يشكل سلمان رشدي أحد ورثتهم في الزمان الحالي، اعتبروا عادة في بغداد القرن الوسيط، كمتمردين مفترضين ومثيرين للقلاقل. كما هو الأمر اليوم، مع صحافيي اليسار الخاضعين للمراقبة، فقد كان هناك سعي قصد منع هؤلاء الحكواتيين من مخاطبة الجمهور. أشار المؤرخ الطبري، في تاريخه عن الأوطان والملوك، أنه سنة 279 هجرية (القرن العاشر ميلادي): «أعطى السلطان أمره، لإخبار سكان مدينة السلم (أحد أسماء بغداد)، بعدم الترخيص لأي حكواتي كي يستقر في الشارع أو المسجد الكبير». إذا طرد الحكواتيين من المسجد يفسر الشدادي، فذلك لصعوبة القيام بتمييز واضح بين خيالهم والحقيقة. الطرد، وسيلة القصر الوحيدة لإسكات صوت هؤلاء المبدعون الخطيرون : «مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الأول (القرن السابع الميلادي). قام علي (الخليفة الرابع العقائدي) بمنع رواة الشارع من دخول مسجد البصرة. بالتأكيد، لن تتوقف مضايقة الحكواتيين، إلا بإنهاء الرابطة المهنية... وتعويضهم بالوعاظ. لقد كانت الوسيلة الوحيدة، من أجل تأسيس واضح للحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره حقيقيا وصادقا ثم ما ينتمي إلى عالم الخيال والخطأ وكذا الزيف».

لكي تخلخل أكثر العقول المتزمتة القديمة منها والمعاصرة، فإن شهرزاد تتوفر على سمة الإزعاج إلى أبعد حد. يعيد الشدادي التذكير بها : «مع أول ظهور لها في الكتاب، تكشف عن مواهب سلطة دينية إسلامية، «فقيه» بالمعنى المتكامل وصاحبة موقع حصين». لا تتضمن معارفها اللانهائية ضبطا فقط للتاريخ، لكن أيضا الأدب المقدس من قرآن وشريعة وكذا مختلف التأويلات الدينية للمدارس الفكرية. تداخل عجيب بين ثقافة علمية جدا وخطاب ينحصر ظاهريا في عالم الخيال والليل. تمازج، جعل شهرزاد متهمة كثيرا، مما يفسر رفض النخب العربية تصنيفها ضمن الإرث المكتوب. تشير «ألف ليلة وليلة» إلى الخطر المحدق بطبقة الخاصة حينما تستمع للعامة. هذا الشعب الصارخ والقوى الأمية، تكرر لمن يريد الاستماع إليها بأن الطبقية، اللامساواة، والتفضيلات، تشكل أعداء لها.

أليس من الغريب، أن راوية متخيلة في القرن IX، تحتل من جديد مكانا مركزيا. بين ثنايا المشهد الفكري الإسلامي المعاصر، باعتبارها رمزا للصراع الديموقراطي ؟ هذا، لأنها عرفت قبل ذلك في بغداد العباسيين، كيفية التشكيل الواضح للأسئلة الفلسفية والسياسية الجوهرية، عجز حتى الآن زعمائنا السياسيين المعاصرين عن الإجابة عنها : هل يجب الخضوع لقاعدة جائرة فقط لأنها كتبت من قبل الرجال ؟ إذا كانت الحقيقة بهاته البداهة، فلماذا لا نترك الوهم والخيال المبدع كي ينموان ؟ معجزة المشرق، أن ذكاء شهرزاد الثاقب واهتمامها بالقضايا السياسية والفلسفية، جعل منها مغرية ومدمرة بشكل مريع.

تعود أصلا قوتها الإقناعية إلى ثقتها في الذات، بسبب هذا المعطى الذي يمثل فن جوهر التواصل، فإن شهرزاد مدهشة. لا تصرخ حينما ينتابها الخوف، فهي لا تبدد طاقتها. توظف الصمت لمعرفة نوايا خصمها وتحديد نقطة ضعفه، وعلى ضوء ذلك توطد استراتيجيتها المضادة. إنها، متيقنة بكونها شخصية رائعة، تتوفر على ذكاء مذهل. لو ظنت نفسها حمقاء، سيقطع الملك رأسها. تؤمن كثيرا بقدرة الكائن الإنساني على تغيير مصيره. السحر فينا، تلك هي دعوة شهرزاد. نأتي إلى العالم، ونحن مسلحين جدا للدفاع عن أنفسنا : دماغنا سلاح لا يقهر. احترام الذات سر النجاح، ذاك هو مصدر افتتان المسلمين ب شهرزاد، الأمس مثل اليوم وسواء كانوا رجالا أو نساء. من هنا، قيمة تأويل ما يحدث لها حينما تعبر الحدود اتجاه الغرب.
هل ستمر تلك الملكة بسلاح الفصاحة أم ستفقد لسانها عند الحدود ؟ شيء يقيني : نعرف بالتأكيد رحيلها إلى الغرب، ووصولها باريس سنة 1704.

هامش:
1 Fatéma Mernissi : le Harem européen. Editions le Fennec, 2003, PP : 59-76.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:55 PM رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

فاطمة المرنيسي
شهرزاد المرأة التي تنيم شهريار بالحكايات

ترجمة: سعيد بوخليط​

شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميين، قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات «ألف ليلة وليلة»، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.
«شهرزاد» لفظ عربي لكلمتين فارسيتين: شيهرا، ثم زاد، بمعنى «مولود نبيل». زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي «صاحب المملكة». مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه: الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
بالفعل، تنفتح «ألف ليلة وليلة» على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées، نتيجة المهارة الثاقبة لشهرزاد وتمكنها من فن التواصل.
تبدأ التراجيديا، بتاريخ لشاهزمان أخ شهريار وملك «بلد سمرقند». حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقين، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة: «كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرون خادمة، عشرة ذوات بشرة بيضاء وعشر سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشر نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة: «مسعود مسعود». ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية».
تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة: «كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)» تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته: إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل «ألف ليلة وليلة» سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي: الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق: يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.
ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته؟ لقد عاقب المجرمين: قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد: سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام: «هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات...».
نعاين إذن، منذ بداية «ألف ليلة وليلة»، التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدأ قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.
لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا سنوات بعد حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك: «أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت...».
تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها. تقويم اندفاعات المجرم المتهيئ لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.
الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية: تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب: «قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة إليها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا». لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل: انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب: لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي... من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها. الامتياز الثاني لبطلتنا يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك العدو صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها، في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة إلى شهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فأبسط خطأ يعتبر مميتا. أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل، الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقذ شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse. تدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:56 PM رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

أبو بكر الشرايبي
السلطة والدين في (ألف ليلة و ليلة)
ترجمة: Mathias Hoorelbeke ماتياس هورلبيكا

من جملة المؤلفات التي صدرت مؤخرًا: "الدين والسلطة: مذهب جاك شيراك" أو "الدين والسلطة في العالم الروماني" أو "السلطة والدين في مصر القديمة" أو "السلطة والدين في المغرب" أو "جورج بوش بين السلطة والدين" أو "الدين والسلطة الشرعية" أو "الدين والسلطة والحرية" إلخ. موضوعنا مطروق بكثرة كما يظهر وصلته بحاضرنا وثيقة، فغالبًا ما يناقش من حيث متداول العلاقة بأحداث ملموسة ومحددة جدًّا من التاريخ قديمًا وحديثًا. فللدين والسلطة تأثير عميق، في الواقع، على حقوقنا وحرياتنا ونشاطاتنا. فما نصيب الحُلم والابتكار والتخييل من ذلك؟ كيف يعالج هذا الموضوع عندما يتمثل في المخيال القديم للمنطقة العربية في القرون الوسطى وهي منطقة – كما نعرف - فشا فيها الاستبداد والتزمّت المفرط؟ كيف يكون الأمر بدقّة أكثر في كتاب من قبيل (ألف ليلة وليلة) عندما يواجه هارون الرشيد مثلاً إمام مسجد؟ ما نوع العلاقة التي تقيمها تلك الحكايات بين الإسلام والسلطة؟

ليس كتاب (ألف ليلة وليلة) – في شكله الحالي – نصًّا متجانسًا. ويجدر أن نقسم مادته للغرض الذي يهمنا إلى ثلاث كتل: أولاها لا تتضمن إلا حكاية واحدة وهي القصة/ الإطار أي قصة شهرزاد بحد ذاتها. ثانيتها تضمّ أقدم القصص في (ألف ليلة وليلة) والحكايات المماثلة. أما الكتلة الثالثة فتحتوي على بقية المتن أي نوادر قصيرة وأمثال وروايات ملحمية. إن كانت السلطة موجودة بكثافة في الكتلة الأولى فنصيب الدين – على الأقل الدين كما نتصوره حاليًّا- ضئيل إذ ليس له وقع مباشر على مجرى الأحداث. فمن جهة، معظم العناصر التي تتألف منها حكاية شهرزاد غريبة عن العالم العربي، بل سابقة للإسلام. من جهة ثانية إذا اعتبرنا ، في تفاصيل السرد، خيارات البطلة وبشكل أخص خيارات الملكين الحاكمين فيتراءى أنها لا تنجم عن رد فعل إزاء إكراه ديني. بل المعتقد الواحد – والمتواري نسبيًّا – الذي نحسّ بوجوده من بين طيات النص، هو أن الملك الذي لا تعترف بسلطته امرأة (تخونه بالتالي) ليس أهلاً للحكم. وعلاقة ذلك بالإسلام طفيفة. علينا أن ننتظر حكاية شهرزاد الثانية أي القصص المنتمية إلى الكتلة الثانية وهي أحدث وأعمق تجذّرًا في الثقافة العربية ليبرز أمام أعيننا تفاعل واضح بين السلطة والدين.

الله والملك ضد الشياطين
تظهر مثل هذه الإشكالية أول ما تظهر في حكاية الصياد والعفريت إذ يطلق الصياد سراح عفريت حبسه سليمان في قمقم. لم حُبس وعوقب العفريت؟ لكفره. كيف تمكّن سليمان من ذلك؟ بفضل القدرة التي خوّله إياها الله لكونه ملكًا ونبيًّا. أول ما توحي به القصة فكرةٌ لا شك أنها قديمة جدا تشاركتها المسيحية واليهودية مفادها أن الله حينما يخضع له ملك الناس، قد يعطيه مقابلاً وعلامةً لشرعيته ما يحمي بها الناس من الشياطين. فالشياطين هي العدو ويجب أن يتعاون الدين والسلطة لحماية الناس منها. تتكرر نفس الفكرة في حكاية ابن الملك والغولة: يتوه أمير خرج للصيد، ويهيم على وجهه في مفازة. يلتقي بفتاة باكية تطلب منه أن يُركِبها مطيته وإلا ستموت عطشًا. يركبها الأمير غير أن الفتاة سرعان ما تستحيل إلى غول يريد أن ينهشه. يوجه الأمير دعوةً إلى الله ويختفي الغول.

والظهور الثاني لثنائية الدين/ السلطة وتماماً كالأول يهدف إلى إبعاد الشياطين. إلاّ أنه يكشف أحدَ المخاطر التي تشكّلها تلك المخلوقات الشريرة على الإنسان، وهو خطر معروف جيداً في الفولكلور، هو أن تفترسه. وإذا كان التخلص من الغيلان والسعالي يتمّ عادةً في التراث الشعبي عن طريق الدهاء والحيلة دون اللجوء إلى الدين، فإن التشديد هنا هو على ربّ الكون الحقيقي الله. وتجدر الإشارة إلى أن حكايةً مماثلةً موجودةٌ في ثقافة مفعمة بالظاهرة الدينية أيضًا، وهي الثقافة اليهودية. نجدها في حكايات شعبية يهودية من أوربا الشرقية: يسير شاب على مَزلَجه في ليلة قارسة البرد، وفي الطريق يلتقي بعجوز تتوسل إليه أن يأخذها معه كي لا تموت من البرد. يأخذها الشاب إلا أن العجوز لا تلبث أن تستحيل إلى شيطان، فيدعو الشاب الله ويختفي الشيطان. بعبارة أخرى ليست هذه النقطة الدينية خاصة بالإسلام والسلطة التي تعنينا يتم الحصول عليها بتفويض إلهي.

إن قدرة الملك وشرعيته إزاء الرعية والله يمكن قياسها بقدرته على مواجهة أعمال"القوى الشريرة الغيبية". وربما لا يزال صالحًا هذا المبدأ الموجود في (ألف ليلة وليلة) وبشكل عامّ في عالم القرون الوسطى. قد مرّ بنا أن سليمان وهو يعتبر في الأقطار العربية أحدَ أقوى ملوك الأرض وكل الأزمنة، كان يتمتع بهذه القدرة ويعاقب الجنّ ويحبسهم في قماقم عليها خاتمه. وكأنما يتعلق الأمر باستدامة هذا المبدأ، فنجد لشخصية تعدّ أيضًا من أعظم ملوك الأرض: إسكندر الأكبر الذي اكتسى تدريجياً هالة دينية ذات طابع توحيدي. وإذا كانت كتب قصص أنبياء الإسلام تتردّد في تنزيله منزلة الأنبياء بالمعنى التامّ إلا أنها تراه قد تلقى نوعًا من التفويض الإلهي. كما أنها تلحّ على دوره ضد قوم يأجوج ومأجوج الذين كان من الممكن أن يؤدي هياجهم إلى تخريب العالم كله. بيد أنه، على غرار سليمان الذي حبس الجن الكفار، فإن الإسكندر حبسهم داخل سدًّ من حديد منيع. إن ترابط الدين والسلطة سيدفع هذه الأخيرة، إذا أحست أنها قادرة على السيطرة على العالم، إلى إقصاء كل ما قد يمثل تلك القوى الشيطانية.

لنعد إلى (ألف ليلة وليلة) وإلى أقدم نواة فيها وإلى القصص المماثلة. كما نعلم، فإن الخليفة هارون الرشيد هو أحد الرموز الكبرى للسلطة في (ألف ليلة وليلة). ما علاقته بالديني؟ في (ألف ليلة وليلة) ثلاث حكايات حبكاتها خاضعة لنفس البنية: تتلقى ثلاث أخوات أو ثلاثة إخوة ميراثًا ويفلس اثنان منهم. فيرجعان إلى ثالثهم الذي أنمى بحكمته ماله، فيبدي كَرَمًا كبيرًا إذ يقبل أن يقاسمهما ثروته. وبعد ذلك بقليل يبحر ثلاثتهم للاتجار ويحرز أحكمهم أرباحًا حسنة ثم يتزوج مما يثير حسد الاثنين الآخرين فيلقيان الزوجين في البحر. ولكن تتدخل جنية تنقذ الخيّر وتحول الأخوين الشريرين إلى كلبتين عقابًا لهما. تلك الحكايات الثلاث هي الشيخ والكلبتان (حكاية الشيخ الثاني)، والصبية والكلبتان (حكاية الصبية الأولى صاحبة البيت) ، وعبد الله وإخوته. وكلها صيغ مختلفة- تطول أو تقصر- لهذا الموضوع الأساسي. إن نصيب الدين والسلطة في أوجزها وربما أقدمها (الشيخ والكلبتان) ضئيل وسطحي، مختصر في عبارات جاهزة مبتذلة. فمعظم عمل "الضبط" تتولاه جنية تلعب دورًا إيجابيًّا بصفتها مؤمنة (فهذا الدور الوحيد الذي يقرّه النص للدين) إذ تقيم العدل معاقبةً الأخوين الشريرين محوّلةً إياهما إلى كلبتين إلى أجل مسمى (عشر سنين).

في الروايتين الأخريين اللتين هما أحدث نشأة تظهر محافل رمزية للدين والسلطة لأن المقصود هنا ترسيخ الحكاية في عالم يحكمه الله ويسوسه خليفته. ذلك أن الجني وإن كان مؤمنًا لا يصلح لضبط أمور الناس والقضاء بينهم. يتدخل الله - في جزء أضيف لاحقًا - ليعاقب ملكًا عابدًا للنار ويحيله هو ورعيتَه (إلا واحدًا من أبنائه كان قد أسلم) إلى حجارة. أما الخليفة هارون الرشيد فيتدخل في آخر القصة لأن الجن في تينك الروايتين أصبح قضاؤهم بين الناس غير منصف ويتّصفون بالشطط (أصبح مسخهم إلى كلب حكماً مؤبداً) والقساوة (يُجلد الكلبان كل يوم) فيأمرهم هارون الرشيد الذي يعترف الجنّ بقدرته عليهم بصفته خليفةً أن يعيدوا الكلبين إلى شكلهما الأول. ويطيعه الجن. كما نرى ما يدينه النص بوضوح ليس هو هذا التفصيل أو ذاك في تطبيق الإسلام، بل مبادئ عامة، وخاصة عدم الإيمان بإله واحد. هذا الجزء من (ألف ليلة وليلة) مفتوح لكل الأديان التوحيدية. ومن حيث السلطة ليس همّ الخليفة أن يطبق نقطة خاصة بالدين الإسلامي، بل أن يفرض نفسه، على غرار سليمان وإسكندر، ومن خلال التفويض الإلهي، أنه حامي الناس الأخير من مخلوقات الظلام المحدقة بهم.

تقاس شرعية السلطة السياسية وقوتها من منظور ديني - كما أسلفنا ولا يزال صحيحًا في ما يتعلق بالرشيد – بمقياس قدرته على أن يوسع هيمنته باسم الله إلى ما يتعدى نطاق البشر وأن يدحر القوى الشيطانية.

مسألة الخمر
السؤال المطروح الآن بالنسبة إلى هذا الجزء من (ألف ليلة وليلة) – وهو أقدم الأجزاء وأكثرها خصوصية – هو التالي: ما هو ردّ فعل السلطة التي يجسّدها الخليفة هارون الرشيد على أسئلة خاصة بالإسلام ؟ لدينا قصتان تقدّمان شهادتين قيّمتين عن هذه المسألة. هما قصة «أنيس الجليس» وقصة «النايم اليقظان». إن بطل حكاية أنيس الجليس شابّ وسيم هو نور الدين الذي يتوفّر على الشباب واللامبالاة وجمال وكرم كبيرين وحرية التصرف في كل الأشياء الأخرى. إنه يغوي جارية كانت ستهدى لوالي البصرة. ثم بعد موت أبيه يبذر الميراث الجمّ الذي تلقاه في لذاته مغدقًا العطاء على كل سائل يأتيه. وبعد ذلك يشبع وزيرًا شريرًا ضربًا.

يضطر نور الدين، بعد إفلاسه، إلى الفرار ويلجأ مع أنيس الجليس الجميلة إلى بغداد وفي هذه المدينة يحدث الحدث الذي يهمنا. يستضيف شيخ معروف بتقواه الشابين الفارين في قصر للخليفة كان يحرسه. وتفتنه آداب نور الدين وأنيس الجليس وجمالهما وظرفهما فيطعمهما ويأتيهما بخمر رغم تحفظاته (المسكرات محرمة في الإسلام كما أوضح لهما) فتدور الكأس ويبدأ في الشرب هو أيضًا ولا يلبثون أن يسكروا. عند هبوط الليل يشعلون كل شموع الغرفة التي هم فيها ويستقطب الضوء انتباه الخليفة هارون الرشيد ويغضب لأن الدخول إلى قصره ممنوع دون إذنه. يدعو جعفر وزيره الذي يزعم أن الحارس الشيخ المتدين كان قد استأذنه في إقامة حفلة دينية. فيقرر الخليفة أن يذهب إلى هناك ويشهد عزف الفتاة على العود ويفتن ولا ينزعج من هذه الحفلة التي علاقتها بالخمر أوضح منها بالدين، وبالعكس ينضمّ إليهم متنكرًا في زيّ صياد. ويشترك في الحفلة بنشاط. تنتهي القصة بأن يعاقَب وزير البصرة الشرير ويضم الشابين إلى حاشيته.

كما نلاحظ فالخليفة الذي كان راضيًا عن إقامة حفلة دينية يقبل على السواء أن تقام حفلة سكر وغناء في قصره. بعبارة أخرى الأهم في العلاقة بين الدين والسلطة ليس احترام التفاصيل والطقوس، فالإسلام الذي تتبناه السلطة في (ألف ليلة وليلة) دين لا إكراه فيه. وبطبيعة الحال توجد أخلاق ومبادئ لا بد من مراعاتها. إلا أن أهم المبادئ كما أسلفنا مشتركة بين الأديان التوحيدية وتخص أولاً الإيمان بإله واحد. أما الأخلاق وقواعد السلوك المعروضة فتندرج في الإسلام لا بوصفه طقسًا فرديًا بل بوصفه مجموعةً اجتماعيةً وحضارة وثقافة: من يعاقَب في القصة؟ الشاب الذي تناول الخمر؟ الشيخ المتدين الذي قرر أن يشرب أيضًا؟ كلا. يأمر الخليفة بإعدام رجل بخيل حسود منافق كذاب. الخصلة التي يطالب بها هارون الرشيد ممثل السلطة والدين هي طيبة النفس، التي تتجلى في النصوص القديمة من خلال الجود بأوسع معنى للكلمة، أي القدرة على التخلي عن مِلْك أو حق لصالح الآخر. ما يدعو كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى تحريمه باسم الإسلام هو بالأحرى النفاق والبخل أكثر من غيرهما.

في حكاية «النايم اليقظان» نجد أن الهجوم على التشبث بالطقوس والتزمت أعنف. من غير أن نخوض في تفاصيل الحكاية لنكتفِ بالإشارة إلى أن الخليفة يرضى بأن يُجلد إمام مسجد وأربعة شيوخ لأنهم يضايقون شاباً ظريفاً يسكن بجوار المسجد يهوى الخمر والموسيقى. وخرج مناد برفقة الإمام والشيوخ الأربعة ليعلن في الناس أن هذا جزاء من يتحشرون في شؤون الجيران ويضايقونهم، ويمنعونهم من الشرب والأكل مثلما يشاؤون. "إمسك الأربعة مشايخ والإمام واضرب كل واحد منهم أربعمائة سوط وركّبْهم على الدوابّ مقلوب ودر بهم المدينة جميعها وأبعدهم إلى محل غير هذه المدينة وأَمَرَ المنادي ينادي عليهم هذا جزاء وأقل جزاء من يكثر كلامه ويشوّش جيرانه وينقص عليهم لذتهم وأكلهم وشربهم"(1) فرسالة القصة واضحة في منتهى الوضوح.

ضد احتكار السلطة للأموال
تتكون الكتلة الثالثة في ألف ليلة وليلة من قصص قصيرة (لنضع جانبًا الروايتين الملحميتين عمر النعمان وعجيب وغريب والمجموعتين المستقلتين سندباد الحكيم وجليعاد وشماس وخرافات الحيوانات). تلك القصص القصيرة التي تبدو على شكل أخبار (تكثر مقبوليتها أو تقلّ) مأخوذة في الغالب من الأدب العربي الكلاسيكي، فمعظم ما سندرسه هنا يَرِد أيضًا في عيون الحكايات لابن الجوزي (ت 1200م) وهي مجموعة من القصص الدينية ذات طبع صوفي في الغالب. المفيد أنها تقيم ضربًا جديدًا من العلاقة بين السلطة والدين بطريقة نقدية تمسّ حتى الخليفة هارون الرشيد. إن اللحظة الأهم التي تربط بين المؤقت والخالد، هي لحظة الموت وهي أيضاً اللحظة التي يُرَدّ فيها الإنسان إلى طبيعته الأولى وإلى ضعفه وإلى أنه سيموت، على خلاف الإله الذي لا يموت. في ألف ليلة وليلة عدة نوادر عن هذا الموضوع: مثلاً، عندما يأتي ملاك الموت ليقبض روح إنسان وبل روح ممثل للسلطة الدنيوية أي روح مَلِك. ما يحدث عندئذ؟

سنفحص هذ الحكايات من الأقل إلى الأكثر تعقيدًا. أولها قصة ملاك الموت والملك المستبد: "يَمْثُل رجل غريب فجأة بين يدي ملك يغضب من دخوله عليه من غير إذن، ويهم بطرده، إلا أنه يخبره أنه ملاك الموت فيستمهله الملِك حتى يستغفر ربه ويرد الثروات التي سلبها إلى أصحابها. غير أن الملاك يرفض ويقبض روحه (إلى جهنم حسب هامش النص). طرحتُ على نفسي سؤالاً: لماذا يعطي الله ملاك الموت شكلاً بشريًا عندما يبعث به، أَيْ شكل مخلوق كالملِك؟ هل يوجد من بين البشر في الحقيقة من يشبه الملك؟ لا. فالملك يرى نفسه أعلى رتبةً من باقي الناس (لا يُدْخَل عليه إلا بإذن منه) فبالتالي كل انسان يَمْثُلُ بين يدي الملك فهو أَدْنى منه: هذا بحد ذاته تجاوز وتزداد المأساة شدةً عندما لا يكون الشخص الماثل أمام الملك أدنى منه بل أعلى وأقوى. من هنا تتراءى طبيعة الملِك الحقيقية: إنما هو بشر كسائر البشر غير أنه قد يخطئ، ويَعُدّ نفسه فوق غيره بقليل، ويستأثر بالأموال.

أما الخبر الثاني فأَصْرَحُ، وعنوانه ملاك الموت والملك الغني: يقيم ملك من الملوك في قصر فخم ابتناه لنفسه وكدّس فيه ثروات لا تحصى. ويجلس إلى مائدته ليتناول من المأكولات اللذيذة التي طُبِخَتْ له. حينئذ يدق بابه رجل رث الهيئة كالمتسول، يطلب الملك حالاً، فإذا هو ملاك الموت جاء ليقبض روحه. هنا يُنْحي الملكُ باللائمة على ثرواته التي صرفته عن التزود لآخرته، ولكن الذهب والفضة بمعجزة إلهية يتكلمان ويردان عليه ويتبرآنِ منه، إذ كانت يده فيهما مطلقة والمسؤول الوحيد هو الذي امتنع عن الصدقة ومقاسمة أمواله ودفع البؤس عن المعدمين. فيذهب ملاك الموت بالملك قبل أن يمد يده إلى طعامه. وجهة النظر هنا نفس وجهة القصة السابقة، ولكن على مستوى المسرحة، كل شيء مشدد كما أن فكرة أخرى تضاف وهي أن المال ليس إلا آلة، وأنه لا ينفع إلا في أيدي المحتاجين. ومن هنا الدعوة إلى عدم تكديس المال بل مقاسمته. هنا أيضًا يحسب الملك أن أمامه مخلوقًا أضعف منه بل أضعفَ البشر أي متسولاً، ثم يظهر أن المتسول ليس فقط نِدّاً للملك، بل أعظم منه. طبعًا الهدف أن يقيم التواضع وربما الفقر مقام فضيلة كبرى.

أما الحكاية الثالث تحت عنوان ملاك الموت والملك المتكبر والناسك فهي على نفس المنوال غير أنها تضيف إلى جانب الشخصية السلبية شخصية إيجابية: الناسك. ذلك أن ملكاً من الملوك يلبس أفخر ملابسه ويسرّج فرسه بطقم من ذهب مزين بجواهر وحجارة كريمة، ويخرج في موكب عظيم وجيش عرمرم. يخال نفسه من القوة بحيث أنه لا يلقي نظرة واحدة إلى من حوله ويسوّل له الشيطان أن "لا يوجد في العالم مثلي" فيتقدم إليه رجل يلبس أسمالاً ويسلم عليه ولا يرد الملك. فيمسك الرجل زمام الفرس ويوقفه قسرًا، وينبئه أنه ملاك الموت. وعبثًا يستمهله الملك. ثم يذهب ملاك الموت إلى ناسك ويسلم عليه، ويردّ له الناسك سلامه. وعندما يدرك أن الزائر ملاك الموت يقول له إنه مستعد للموت حالاً. ولكن الملاك يقول له إنه أُمِرَ بألا يأخذه إلا في الحال والوقت اللذين يريدهما. فيطلب الناسك من الملاك أن يقبض روحه وهو يسجد مصليًا، فيطيعه الملاك ويموت كما شاء.
يبرز الخبر شعور الملك بالفوقية وهو الذي يجمع الثروات ويذهب به العُجب إلى أن يرفض رد السلام على رجل فقير الهيئة. فإذا الرجل أعظم منه شأنًا. بالمقابل فالناسك الزاهد في متاع الدنيا والخالي من غناء ظاهر، يقبل الموت راضيًا، ويكسب بذلك سلطة على الملاك، ويملي عليه مشيئته.

يقدم خبر رابع تحت عنوان صاحب السحاب صورةً لما ينبغي أن يكون عليه ملك طيب (أي لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الدين والسلطة). باختصار يمتثل ملك لضرورات الحكم، ويرتدي من اللباس ما يقتضيه مقامه، ويستقبل زواره في قصره، ولكن حالما يفرغ من أمور الدولة يعود إلى الكوخ الذي يسكنه، ويلبس أبسط الملابس، ويعمل بيديه مع زوجته لكسب رزقه. فيتمتع إذن بقدرة عظيمة لأن له بصيرة فريدة وإذا دعا الله استجاب له. بعبارة أخرى يتحقق الوفاق التام بين الدين والسلطة (أي النموذج الطوباوي المعروض في هذا الجزء من ألف ليلة وليلة) عندما لا يعمل أصحاب الدولة لإثراء أنفسهم ويميلون إلى الزهد في متاع الدنيا. فالإسلام الذي تدعى السلطة إلى تبنيه (وما زال يتمثل في الإيمان بإله واحد) يتجسد أيضًا لا في أداء طقوس خاصة بالإسلامن بل في الامتثال لقواعد أخلاقية تتسم بحداثة ملحوظة، وتوجد بتواتر في أدب القرون الوسطى، والتي هي ذات راهنية إلى الآن، مثل الإدارة الدقيقة النزيهة للأموال العامة.

في النهاية، ما الذي صار مع الخليفة الرمزي لألف ليلة وليلة، هارون الرشيد؟ إن الرشيد على غرار الإسكندر في مواضع أخرى لا يتّصف بالصفات المطلوبة. بالعكس، فالقصة التي تصوره تحت عنوان هارون الرشيد وابنه المتعبد متشائمة. فالعلاقة فيها عاصفة بين الممثل الرسمي للسلطة الرشيد وأحد أبنائه الذي اختار أن يهجر الترف وأن يرتدي ملابس متواضعة وأن يكسب قوته بيديه (مثل الملك الطيب في القصة السابقة) وأن يكرس لله باقي وقته. فذات يوم ينحي الرشيد على ابنه باللائمة، قائلاً إنه يخجله بتصرفه هذا وهو أمير. فيغادر الابن أباه نهائيًا بعد أن أثبت أنه يحظى - بنعمة الله - بقدرة أعظم من قدرة أبيه ثم يموت بعد ذلك بقليل. وطبعًا لن يستطيع الابن - وهنا يكمن تشاؤم الحكاية - أن يمارس السلطة وهو، في الواقع، المستحق لها الوحيد.

الخاتمة
تتجلى العلاقة بين السلطة والإسلام من خلال ثلاثة مظاهر:
- اشتراك السلطة مع الدين بوصفهما حصناً ضدّ القوى الشيطانية
- اهتمام الإسلام الذي تتبناه السلطة بالفضائل الأخلاقية الكبرى للأفراد (مثل طيبة القلب أو الكرم) أكثر من اهتمامه بالمسائل الطقسية فيتحلى إذن بتسامح أكبر خصوصًا في ما يتعلق ببعض المحرمات مثل شرب الخمر.
- يقتضي الدين سلطة حقيقية مع احتمال أن يعاقبها بشدّة حتى توزّع بعدل وإنصاف الأموال العمومية ولا تستخدمها من اجل الإثراء الشخصي.
وفي الأخير، نردّد مرة أخرى، أنه منذ ظهور ألف ليلة وليلة وإلى اليوم، تظلّ المسائل المطروحة هنا هي دائماً ذات طابع راهن.


هامش:
(1) Habicht, IV, 154







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:57 PM رقم المشاركة : 25
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

أبو بكر الشرايبي
السلطة والدين في (ألف ليلة و ليلة)
ترجمة: Mathias Hoorelbeke ماتياس هورلبيكا

من جملة المؤلفات التي صدرت مؤخرًا: "الدين والسلطة: مذهب جاك شيراك" أو "الدين والسلطة في العالم الروماني" أو "السلطة والدين في مصر القديمة" أو "السلطة والدين في المغرب" أو "جورج بوش بين السلطة والدين" أو "الدين والسلطة الشرعية" أو "الدين والسلطة والحرية" إلخ. موضوعنا مطروق بكثرة كما يظهر وصلته بحاضرنا وثيقة، فغالبًا ما يناقش من حيث متداول العلاقة بأحداث ملموسة ومحددة جدًّا من التاريخ قديمًا وحديثًا. فللدين والسلطة تأثير عميق، في الواقع، على حقوقنا وحرياتنا ونشاطاتنا. فما نصيب الحُلم والابتكار والتخييل من ذلك؟ كيف يعالج هذا الموضوع عندما يتمثل في المخيال القديم للمنطقة العربية في القرون الوسطى وهي منطقة – كما نعرف - فشا فيها الاستبداد والتزمّت المفرط؟ كيف يكون الأمر بدقّة أكثر في كتاب من قبيل (ألف ليلة وليلة) عندما يواجه هارون الرشيد مثلاً إمام مسجد؟ ما نوع العلاقة التي تقيمها تلك الحكايات بين الإسلام والسلطة؟

ليس كتاب (ألف ليلة وليلة) – في شكله الحالي – نصًّا متجانسًا. ويجدر أن نقسم مادته للغرض الذي يهمنا إلى ثلاث كتل: أولاها لا تتضمن إلا حكاية واحدة وهي القصة/ الإطار أي قصة شهرزاد بحد ذاتها. ثانيتها تضمّ أقدم القصص في (ألف ليلة وليلة) والحكايات المماثلة. أما الكتلة الثالثة فتحتوي على بقية المتن أي نوادر قصيرة وأمثال وروايات ملحمية. إن كانت السلطة موجودة بكثافة في الكتلة الأولى فنصيب الدين – على الأقل الدين كما نتصوره حاليًّا- ضئيل إذ ليس له وقع مباشر على مجرى الأحداث. فمن جهة، معظم العناصر التي تتألف منها حكاية شهرزاد غريبة عن العالم العربي، بل سابقة للإسلام. من جهة ثانية إذا اعتبرنا ، في تفاصيل السرد، خيارات البطلة وبشكل أخص خيارات الملكين الحاكمين فيتراءى أنها لا تنجم عن رد فعل إزاء إكراه ديني. بل المعتقد الواحد – والمتواري نسبيًّا – الذي نحسّ بوجوده من بين طيات النص، هو أن الملك الذي لا تعترف بسلطته امرأة (تخونه بالتالي) ليس أهلاً للحكم. وعلاقة ذلك بالإسلام طفيفة. علينا أن ننتظر حكاية شهرزاد الثانية أي القصص المنتمية إلى الكتلة الثانية وهي أحدث وأعمق تجذّرًا في الثقافة العربية ليبرز أمام أعيننا تفاعل واضح بين السلطة والدين.

الله والملك ضد الشياطين
تظهر مثل هذه الإشكالية أول ما تظهر في حكاية الصياد والعفريت إذ يطلق الصياد سراح عفريت حبسه سليمان في قمقم. لم حُبس وعوقب العفريت؟ لكفره. كيف تمكّن سليمان من ذلك؟ بفضل القدرة التي خوّله إياها الله لكونه ملكًا ونبيًّا. أول ما توحي به القصة فكرةٌ لا شك أنها قديمة جدا تشاركتها المسيحية واليهودية مفادها أن الله حينما يخضع له ملك الناس، قد يعطيه مقابلاً وعلامةً لشرعيته ما يحمي بها الناس من الشياطين. فالشياطين هي العدو ويجب أن يتعاون الدين والسلطة لحماية الناس منها. تتكرر نفس الفكرة في حكاية ابن الملك والغولة: يتوه أمير خرج للصيد، ويهيم على وجهه في مفازة. يلتقي بفتاة باكية تطلب منه أن يُركِبها مطيته وإلا ستموت عطشًا. يركبها الأمير غير أن الفتاة سرعان ما تستحيل إلى غول يريد أن ينهشه. يوجه الأمير دعوةً إلى الله ويختفي الغول.

والظهور الثاني لثنائية الدين/ السلطة وتماماً كالأول يهدف إلى إبعاد الشياطين. إلاّ أنه يكشف أحدَ المخاطر التي تشكّلها تلك المخلوقات الشريرة على الإنسان، وهو خطر معروف جيداً في الفولكلور، هو أن تفترسه. وإذا كان التخلص من الغيلان والسعالي يتمّ عادةً في التراث الشعبي عن طريق الدهاء والحيلة دون اللجوء إلى الدين، فإن التشديد هنا هو على ربّ الكون الحقيقي الله. وتجدر الإشارة إلى أن حكايةً مماثلةً موجودةٌ في ثقافة مفعمة بالظاهرة الدينية أيضًا، وهي الثقافة اليهودية. نجدها في حكايات شعبية يهودية من أوربا الشرقية: يسير شاب على مَزلَجه في ليلة قارسة البرد، وفي الطريق يلتقي بعجوز تتوسل إليه أن يأخذها معه كي لا تموت من البرد. يأخذها الشاب إلا أن العجوز لا تلبث أن تستحيل إلى شيطان، فيدعو الشاب الله ويختفي الشيطان. بعبارة أخرى ليست هذه النقطة الدينية خاصة بالإسلام والسلطة التي تعنينا يتم الحصول عليها بتفويض إلهي.

إن قدرة الملك وشرعيته إزاء الرعية والله يمكن قياسها بقدرته على مواجهة أعمال"القوى الشريرة الغيبية". وربما لا يزال صالحًا هذا المبدأ الموجود في (ألف ليلة وليلة) وبشكل عامّ في عالم القرون الوسطى. قد مرّ بنا أن سليمان وهو يعتبر في الأقطار العربية أحدَ أقوى ملوك الأرض وكل الأزمنة، كان يتمتع بهذه القدرة ويعاقب الجنّ ويحبسهم في قماقم عليها خاتمه. وكأنما يتعلق الأمر باستدامة هذا المبدأ، فنجد لشخصية تعدّ أيضًا من أعظم ملوك الأرض: إسكندر الأكبر الذي اكتسى تدريجياً هالة دينية ذات طابع توحيدي. وإذا كانت كتب قصص أنبياء الإسلام تتردّد في تنزيله منزلة الأنبياء بالمعنى التامّ إلا أنها تراه قد تلقى نوعًا من التفويض الإلهي. كما أنها تلحّ على دوره ضد قوم يأجوج ومأجوج الذين كان من الممكن أن يؤدي هياجهم إلى تخريب العالم كله. بيد أنه، على غرار سليمان الذي حبس الجن الكفار، فإن الإسكندر حبسهم داخل سدًّ من حديد منيع. إن ترابط الدين والسلطة سيدفع هذه الأخيرة، إذا أحست أنها قادرة على السيطرة على العالم، إلى إقصاء كل ما قد يمثل تلك القوى الشيطانية.

لنعد إلى (ألف ليلة وليلة) وإلى أقدم نواة فيها وإلى القصص المماثلة. كما نعلم، فإن الخليفة هارون الرشيد هو أحد الرموز الكبرى للسلطة في (ألف ليلة وليلة). ما علاقته بالديني؟ في (ألف ليلة وليلة) ثلاث حكايات حبكاتها خاضعة لنفس البنية: تتلقى ثلاث أخوات أو ثلاثة إخوة ميراثًا ويفلس اثنان منهم. فيرجعان إلى ثالثهم الذي أنمى بحكمته ماله، فيبدي كَرَمًا كبيرًا إذ يقبل أن يقاسمهما ثروته. وبعد ذلك بقليل يبحر ثلاثتهم للاتجار ويحرز أحكمهم أرباحًا حسنة ثم يتزوج مما يثير حسد الاثنين الآخرين فيلقيان الزوجين في البحر. ولكن تتدخل جنية تنقذ الخيّر وتحول الأخوين الشريرين إلى كلبتين عقابًا لهما. تلك الحكايات الثلاث هي الشيخ والكلبتان (حكاية الشيخ الثاني)، والصبية والكلبتان (حكاية الصبية الأولى صاحبة البيت) ، وعبد الله وإخوته. وكلها صيغ مختلفة- تطول أو تقصر- لهذا الموضوع الأساسي. إن نصيب الدين والسلطة في أوجزها وربما أقدمها (الشيخ والكلبتان) ضئيل وسطحي، مختصر في عبارات جاهزة مبتذلة. فمعظم عمل "الضبط" تتولاه جنية تلعب دورًا إيجابيًّا بصفتها مؤمنة (فهذا الدور الوحيد الذي يقرّه النص للدين) إذ تقيم العدل معاقبةً الأخوين الشريرين محوّلةً إياهما إلى كلبتين إلى أجل مسمى (عشر سنين).

في الروايتين الأخريين اللتين هما أحدث نشأة تظهر محافل رمزية للدين والسلطة لأن المقصود هنا ترسيخ الحكاية في عالم يحكمه الله ويسوسه خليفته. ذلك أن الجني وإن كان مؤمنًا لا يصلح لضبط أمور الناس والقضاء بينهم. يتدخل الله - في جزء أضيف لاحقًا - ليعاقب ملكًا عابدًا للنار ويحيله هو ورعيتَه (إلا واحدًا من أبنائه كان قد أسلم) إلى حجارة. أما الخليفة هارون الرشيد فيتدخل في آخر القصة لأن الجن في تينك الروايتين أصبح قضاؤهم بين الناس غير منصف ويتّصفون بالشطط (أصبح مسخهم إلى كلب حكماً مؤبداً) والقساوة (يُجلد الكلبان كل يوم) فيأمرهم هارون الرشيد الذي يعترف الجنّ بقدرته عليهم بصفته خليفةً أن يعيدوا الكلبين إلى شكلهما الأول. ويطيعه الجن. كما نرى ما يدينه النص بوضوح ليس هو هذا التفصيل أو ذاك في تطبيق الإسلام، بل مبادئ عامة، وخاصة عدم الإيمان بإله واحد. هذا الجزء من (ألف ليلة وليلة) مفتوح لكل الأديان التوحيدية. ومن حيث السلطة ليس همّ الخليفة أن يطبق نقطة خاصة بالدين الإسلامي، بل أن يفرض نفسه، على غرار سليمان وإسكندر، ومن خلال التفويض الإلهي، أنه حامي الناس الأخير من مخلوقات الظلام المحدقة بهم.

تقاس شرعية السلطة السياسية وقوتها من منظور ديني - كما أسلفنا ولا يزال صحيحًا في ما يتعلق بالرشيد – بمقياس قدرته على أن يوسع هيمنته باسم الله إلى ما يتعدى نطاق البشر وأن يدحر القوى الشيطانية.

مسألة الخمر
السؤال المطروح الآن بالنسبة إلى هذا الجزء من (ألف ليلة وليلة) – وهو أقدم الأجزاء وأكثرها خصوصية – هو التالي: ما هو ردّ فعل السلطة التي يجسّدها الخليفة هارون الرشيد على أسئلة خاصة بالإسلام ؟ لدينا قصتان تقدّمان شهادتين قيّمتين عن هذه المسألة. هما قصة «أنيس الجليس» وقصة «النايم اليقظان». إن بطل حكاية أنيس الجليس شابّ وسيم هو نور الدين الذي يتوفّر على الشباب واللامبالاة وجمال وكرم كبيرين وحرية التصرف في كل الأشياء الأخرى. إنه يغوي جارية كانت ستهدى لوالي البصرة. ثم بعد موت أبيه يبذر الميراث الجمّ الذي تلقاه في لذاته مغدقًا العطاء على كل سائل يأتيه. وبعد ذلك يشبع وزيرًا شريرًا ضربًا.

يضطر نور الدين، بعد إفلاسه، إلى الفرار ويلجأ مع أنيس الجليس الجميلة إلى بغداد وفي هذه المدينة يحدث الحدث الذي يهمنا. يستضيف شيخ معروف بتقواه الشابين الفارين في قصر للخليفة كان يحرسه. وتفتنه آداب نور الدين وأنيس الجليس وجمالهما وظرفهما فيطعمهما ويأتيهما بخمر رغم تحفظاته (المسكرات محرمة في الإسلام كما أوضح لهما) فتدور الكأس ويبدأ في الشرب هو أيضًا ولا يلبثون أن يسكروا. عند هبوط الليل يشعلون كل شموع الغرفة التي هم فيها ويستقطب الضوء انتباه الخليفة هارون الرشيد ويغضب لأن الدخول إلى قصره ممنوع دون إذنه. يدعو جعفر وزيره الذي يزعم أن الحارس الشيخ المتدين كان قد استأذنه في إقامة حفلة دينية. فيقرر الخليفة أن يذهب إلى هناك ويشهد عزف الفتاة على العود ويفتن ولا ينزعج من هذه الحفلة التي علاقتها بالخمر أوضح منها بالدين، وبالعكس ينضمّ إليهم متنكرًا في زيّ صياد. ويشترك في الحفلة بنشاط. تنتهي القصة بأن يعاقَب وزير البصرة الشرير ويضم الشابين إلى حاشيته.

كما نلاحظ فالخليفة الذي كان راضيًا عن إقامة حفلة دينية يقبل على السواء أن تقام حفلة سكر وغناء في قصره. بعبارة أخرى الأهم في العلاقة بين الدين والسلطة ليس احترام التفاصيل والطقوس، فالإسلام الذي تتبناه السلطة في (ألف ليلة وليلة) دين لا إكراه فيه. وبطبيعة الحال توجد أخلاق ومبادئ لا بد من مراعاتها. إلا أن أهم المبادئ كما أسلفنا مشتركة بين الأديان التوحيدية وتخص أولاً الإيمان بإله واحد. أما الأخلاق وقواعد السلوك المعروضة فتندرج في الإسلام لا بوصفه طقسًا فرديًا بل بوصفه مجموعةً اجتماعيةً وحضارة وثقافة: من يعاقَب في القصة؟ الشاب الذي تناول الخمر؟ الشيخ المتدين الذي قرر أن يشرب أيضًا؟ كلا. يأمر الخليفة بإعدام رجل بخيل حسود منافق كذاب. الخصلة التي يطالب بها هارون الرشيد ممثل السلطة والدين هي طيبة النفس، التي تتجلى في النصوص القديمة من خلال الجود بأوسع معنى للكلمة، أي القدرة على التخلي عن مِلْك أو حق لصالح الآخر. ما يدعو كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى تحريمه باسم الإسلام هو بالأحرى النفاق والبخل أكثر من غيرهما.

في حكاية «النايم اليقظان» نجد أن الهجوم على التشبث بالطقوس والتزمت أعنف. من غير أن نخوض في تفاصيل الحكاية لنكتفِ بالإشارة إلى أن الخليفة يرضى بأن يُجلد إمام مسجد وأربعة شيوخ لأنهم يضايقون شاباً ظريفاً يسكن بجوار المسجد يهوى الخمر والموسيقى. وخرج مناد برفقة الإمام والشيوخ الأربعة ليعلن في الناس أن هذا جزاء من يتحشرون في شؤون الجيران ويضايقونهم، ويمنعونهم من الشرب والأكل مثلما يشاؤون. "إمسك الأربعة مشايخ والإمام واضرب كل واحد منهم أربعمائة سوط وركّبْهم على الدوابّ مقلوب ودر بهم المدينة جميعها وأبعدهم إلى محل غير هذه المدينة وأَمَرَ المنادي ينادي عليهم هذا جزاء وأقل جزاء من يكثر كلامه ويشوّش جيرانه وينقص عليهم لذتهم وأكلهم وشربهم"(1) فرسالة القصة واضحة في منتهى الوضوح.

ضد احتكار السلطة للأموال
تتكون الكتلة الثالثة في ألف ليلة وليلة من قصص قصيرة (لنضع جانبًا الروايتين الملحميتين عمر النعمان وعجيب وغريب والمجموعتين المستقلتين سندباد الحكيم وجليعاد وشماس وخرافات الحيوانات). تلك القصص القصيرة التي تبدو على شكل أخبار (تكثر مقبوليتها أو تقلّ) مأخوذة في الغالب من الأدب العربي الكلاسيكي، فمعظم ما سندرسه هنا يَرِد أيضًا في عيون الحكايات لابن الجوزي (ت 1200م) وهي مجموعة من القصص الدينية ذات طبع صوفي في الغالب. المفيد أنها تقيم ضربًا جديدًا من العلاقة بين السلطة والدين بطريقة نقدية تمسّ حتى الخليفة هارون الرشيد. إن اللحظة الأهم التي تربط بين المؤقت والخالد، هي لحظة الموت وهي أيضاً اللحظة التي يُرَدّ فيها الإنسان إلى طبيعته الأولى وإلى ضعفه وإلى أنه سيموت، على خلاف الإله الذي لا يموت. في ألف ليلة وليلة عدة نوادر عن هذا الموضوع: مثلاً، عندما يأتي ملاك الموت ليقبض روح إنسان وبل روح ممثل للسلطة الدنيوية أي روح مَلِك. ما يحدث عندئذ؟

سنفحص هذ الحكايات من الأقل إلى الأكثر تعقيدًا. أولها قصة ملاك الموت والملك المستبد: "يَمْثُل رجل غريب فجأة بين يدي ملك يغضب من دخوله عليه من غير إذن، ويهم بطرده، إلا أنه يخبره أنه ملاك الموت فيستمهله الملِك حتى يستغفر ربه ويرد الثروات التي سلبها إلى أصحابها. غير أن الملاك يرفض ويقبض روحه (إلى جهنم حسب هامش النص). طرحتُ على نفسي سؤالاً: لماذا يعطي الله ملاك الموت شكلاً بشريًا عندما يبعث به، أَيْ شكل مخلوق كالملِك؟ هل يوجد من بين البشر في الحقيقة من يشبه الملك؟ لا. فالملك يرى نفسه أعلى رتبةً من باقي الناس (لا يُدْخَل عليه إلا بإذن منه) فبالتالي كل انسان يَمْثُلُ بين يدي الملك فهو أَدْنى منه: هذا بحد ذاته تجاوز وتزداد المأساة شدةً عندما لا يكون الشخص الماثل أمام الملك أدنى منه بل أعلى وأقوى. من هنا تتراءى طبيعة الملِك الحقيقية: إنما هو بشر كسائر البشر غير أنه قد يخطئ، ويَعُدّ نفسه فوق غيره بقليل، ويستأثر بالأموال.

أما الخبر الثاني فأَصْرَحُ، وعنوانه ملاك الموت والملك الغني: يقيم ملك من الملوك في قصر فخم ابتناه لنفسه وكدّس فيه ثروات لا تحصى. ويجلس إلى مائدته ليتناول من المأكولات اللذيذة التي طُبِخَتْ له. حينئذ يدق بابه رجل رث الهيئة كالمتسول، يطلب الملك حالاً، فإذا هو ملاك الموت جاء ليقبض روحه. هنا يُنْحي الملكُ باللائمة على ثرواته التي صرفته عن التزود لآخرته، ولكن الذهب والفضة بمعجزة إلهية يتكلمان ويردان عليه ويتبرآنِ منه، إذ كانت يده فيهما مطلقة والمسؤول الوحيد هو الذي امتنع عن الصدقة ومقاسمة أمواله ودفع البؤس عن المعدمين. فيذهب ملاك الموت بالملك قبل أن يمد يده إلى طعامه. وجهة النظر هنا نفس وجهة القصة السابقة، ولكن على مستوى المسرحة، كل شيء مشدد كما أن فكرة أخرى تضاف وهي أن المال ليس إلا آلة، وأنه لا ينفع إلا في أيدي المحتاجين. ومن هنا الدعوة إلى عدم تكديس المال بل مقاسمته. هنا أيضًا يحسب الملك أن أمامه مخلوقًا أضعف منه بل أضعفَ البشر أي متسولاً، ثم يظهر أن المتسول ليس فقط نِدّاً للملك، بل أعظم منه. طبعًا الهدف أن يقيم التواضع وربما الفقر مقام فضيلة كبرى.

أما الحكاية الثالث تحت عنوان ملاك الموت والملك المتكبر والناسك فهي على نفس المنوال غير أنها تضيف إلى جانب الشخصية السلبية شخصية إيجابية: الناسك. ذلك أن ملكاً من الملوك يلبس أفخر ملابسه ويسرّج فرسه بطقم من ذهب مزين بجواهر وحجارة كريمة، ويخرج في موكب عظيم وجيش عرمرم. يخال نفسه من القوة بحيث أنه لا يلقي نظرة واحدة إلى من حوله ويسوّل له الشيطان أن "لا يوجد في العالم مثلي" فيتقدم إليه رجل يلبس أسمالاً ويسلم عليه ولا يرد الملك. فيمسك الرجل زمام الفرس ويوقفه قسرًا، وينبئه أنه ملاك الموت. وعبثًا يستمهله الملك. ثم يذهب ملاك الموت إلى ناسك ويسلم عليه، ويردّ له الناسك سلامه. وعندما يدرك أن الزائر ملاك الموت يقول له إنه مستعد للموت حالاً. ولكن الملاك يقول له إنه أُمِرَ بألا يأخذه إلا في الحال والوقت اللذين يريدهما. فيطلب الناسك من الملاك أن يقبض روحه وهو يسجد مصليًا، فيطيعه الملاك ويموت كما شاء.
يبرز الخبر شعور الملك بالفوقية وهو الذي يجمع الثروات ويذهب به العُجب إلى أن يرفض رد السلام على رجل فقير الهيئة. فإذا الرجل أعظم منه شأنًا. بالمقابل فالناسك الزاهد في متاع الدنيا والخالي من غناء ظاهر، يقبل الموت راضيًا، ويكسب بذلك سلطة على الملاك، ويملي عليه مشيئته.

يقدم خبر رابع تحت عنوان صاحب السحاب صورةً لما ينبغي أن يكون عليه ملك طيب (أي لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الدين والسلطة). باختصار يمتثل ملك لضرورات الحكم، ويرتدي من اللباس ما يقتضيه مقامه، ويستقبل زواره في قصره، ولكن حالما يفرغ من أمور الدولة يعود إلى الكوخ الذي يسكنه، ويلبس أبسط الملابس، ويعمل بيديه مع زوجته لكسب رزقه. فيتمتع إذن بقدرة عظيمة لأن له بصيرة فريدة وإذا دعا الله استجاب له. بعبارة أخرى يتحقق الوفاق التام بين الدين والسلطة (أي النموذج الطوباوي المعروض في هذا الجزء من ألف ليلة وليلة) عندما لا يعمل أصحاب الدولة لإثراء أنفسهم ويميلون إلى الزهد في متاع الدنيا. فالإسلام الذي تدعى السلطة إلى تبنيه (وما زال يتمثل في الإيمان بإله واحد) يتجسد أيضًا لا في أداء طقوس خاصة بالإسلامن بل في الامتثال لقواعد أخلاقية تتسم بحداثة ملحوظة، وتوجد بتواتر في أدب القرون الوسطى، والتي هي ذات راهنية إلى الآن، مثل الإدارة الدقيقة النزيهة للأموال العامة.

في النهاية، ما الذي صار مع الخليفة الرمزي لألف ليلة وليلة، هارون الرشيد؟ إن الرشيد على غرار الإسكندر في مواضع أخرى لا يتّصف بالصفات المطلوبة. بالعكس، فالقصة التي تصوره تحت عنوان هارون الرشيد وابنه المتعبد متشائمة. فالعلاقة فيها عاصفة بين الممثل الرسمي للسلطة الرشيد وأحد أبنائه الذي اختار أن يهجر الترف وأن يرتدي ملابس متواضعة وأن يكسب قوته بيديه (مثل الملك الطيب في القصة السابقة) وأن يكرس لله باقي وقته. فذات يوم ينحي الرشيد على ابنه باللائمة، قائلاً إنه يخجله بتصرفه هذا وهو أمير. فيغادر الابن أباه نهائيًا بعد أن أثبت أنه يحظى - بنعمة الله - بقدرة أعظم من قدرة أبيه ثم يموت بعد ذلك بقليل. وطبعًا لن يستطيع الابن - وهنا يكمن تشاؤم الحكاية - أن يمارس السلطة وهو، في الواقع، المستحق لها الوحيد.

الخاتمة
تتجلى العلاقة بين السلطة والإسلام من خلال ثلاثة مظاهر:
- اشتراك السلطة مع الدين بوصفهما حصناً ضدّ القوى الشيطانية
- اهتمام الإسلام الذي تتبناه السلطة بالفضائل الأخلاقية الكبرى للأفراد (مثل طيبة القلب أو الكرم) أكثر من اهتمامه بالمسائل الطقسية فيتحلى إذن بتسامح أكبر خصوصًا في ما يتعلق ببعض المحرمات مثل شرب الخمر.
- يقتضي الدين سلطة حقيقية مع احتمال أن يعاقبها بشدّة حتى توزّع بعدل وإنصاف الأموال العمومية ولا تستخدمها من اجل الإثراء الشخصي.
وفي الأخير، نردّد مرة أخرى، أنه منذ ظهور ألف ليلة وليلة وإلى اليوم، تظلّ المسائل المطروحة هنا هي دائماً ذات طابع راهن.


هامش:
(1) Habicht, IV, 154







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:57 PM رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

د. الطيب بوعزة
«ألف ليلة وليلة».. كتاب سحر الشرق!​

ما أصل هذا الكتاب السردي المتفرد بين كتب السرد والحكايات؟ ومن هو مؤلفه؟
إذا كان عالم ألف ليلة وليلية عالما خرافيا مثقلا بالأساطير والألغاز؛ فإن الكتاب ذاته أعجوبة ترقى إلى مرقى الأساطير! وإذا كانت الأسطورة تتمنع بطبيعتها عن الجنيالوجيا بما تعنيه من ضبط للأصل والمصدر؛ فإن متن «ألف ليلة» أبى إلا أن يكون هو أيضا أسطورة غير قابلة لتعيين مبتدئها!
فلا نعرف من هو مؤلفها، ويصعب حتى الفصل في فرضيات انتمائها: هل هي هندية أم فارسية أم عربية.
فقد قيل إن أصلها فارسي، وعنوانها الأصلي «الهزار أفسان» (أي «ألف خرافة»)، لكن عجزت الأبحاث عن إيجاد هذا الكتاب الأصلي المزعوم.
وقيل إن أصلها هندي، لكن في المتن مقاطع ونصوصا تجري في الشام ومصر وبغداد.. فهل كان الكاتب الهندي حريصا على تضمين هذه الحكايات الجارية في الشرق العربي، واستحضار أهم مدنه السياسية، كبغداد والبصرة والكوفة، والقاهرة، ودمشق، وصنعاء، والقاهرة والإسكندريّة، بل حتى فاس ومكناس؟ أم أنها حكايات مضافة إلى المتن الهندي الأصلي المزعوم؟
من أهم الدراسات في ضبط المصادر الأصلية لهذا الكتاب الفريد ما قام به المستشرق الهولندي دي خويه استنادا على أبحاث المستشرقين دي ساسي والألماني نولدكه وغيرهما، حيث ميز ما بين الحكايات ذات الأصل الفارسي والهندي عن تلك ذات الأصل العربي.. ويبدو أن هذا المسلك المنهجي هو الأصوب، وهو ما نجد العديد من الباحثين ينزعون نحوه اليوم، حيث يجزؤون أصول حكايات «ألف ليلة...»، فينسبون بعضها إلى أصل عربي، وبعضا آخر إلى أصل فارسي وهندي؛ بل يرون أن بعض الحكايات، كقصة السندباد، ترجع إلى أصل يوناني.
والحقيقة أن «ألف ليلة وليلة» موسوعة تشاركت في صياغتها المخيلة الشرقية وتاريخها الثقافي الشفهي، لذا حق أن نسميها بكتاب سحر الشرق.
أما تحديد اسم المؤلف فصعب عسير! فقد قيل إن المترجم هو الوزير الجهشياري الذي بدأ بتسجيل ما سمعه من ألسن الرواة والمسامرين، أو ترجمة ما وقع تحت يده عن الفارسية، إلا أنه كما يذكر ابن النديم لم يتم سوى أربع مئة وثمانين ليلة فقط. وقيل بأن المترجم هو عبدالله بن المقفع، غير أن أسلوب ألف ليلة وليلية لا يشبه بحال أساليب النثر العباسي المسبوك بلغة عربية راقية كلغة بن المقفع، فعبارة الكتاب تنحو أحيانا كثيرة نحو توسل الأسلوب العامي البغدادي.
وإذا كان النقاد كثيرا ما يذهبون إلى القول بأن كتاب «ألف ليلة وليلة» من أجمل النصوص العربية؛ فإنني أرى أنه من أسوأ هذه النصوص من حيث الأسلوب؛ لهذا إذا ما نصحنا الشباب والصغار على قراءتها فليس ذاك من باب ترقية ذوقهم اللغوي والشعري (في «ألف ليلة وليلة» أزيد من ألف وأربع مائة نص شعري)، بل ذاك من باب إثراء الخيال.
لكن كيف نفسر طبيعة العبارة في هذا الكتاب؟ هل كان المترجم حريصا على نقل الحكايات بلغة تكون أقرب إلى لغة العامة من الناس؟ أم أن المترجم ليس هو بن المقفع، بل مجرد أديب مغمور ضعيف المقدرة الأدبية على التعبير باللسان العربي؟ أم أن الكاتب لم يفعل سوى نقل المحفوظ الشفهي المتناقل؟
هذا أيضا سؤال يصعب إيجاد الجواب عليه!
وإذا صرفنا النظر عن المترجم وسبب قصديته اللغوية، فإن القول بمؤلف واحد قول مهزوز غير مسنود بدليل مطمئن، فأكبر الظن أن المؤلف ليس فردا واحدا، أو قد يكون فردا، لكنه لم يفعل سوى جمع قصص ونوادر متداولة صاغها أكثر من كاتب ومتخيل.

متن الكتاب
تتكون حكايات الليالي الألف، مما نسميه بحكاية/ الإطار المحتوية لكل الحكايات الأخرى، وهي قصة شهرزاد. أما الحكايات المتضمنة فتصل إلى مئتين، غير أن ثمة مجموعة من الحكايات كانت الأشهر والأكثر ذيوعا كقصة السندباد، وعلي بابا، وعلاء الدين والمصباح السحري...
وعالم «ألف ليلة وليلة» يفتن كل من قرأه، فغرابته وعجائبيته تفوق الخيال، إنه عالم من السحر مثقل بالأساطير! عالم يقاوم الموت بحياة صاخبة متناقضة تتجاذبها كل نقائض الوجود الإنساني، فتبدو أحيانا مأخوذة باللذة والعربدة، وحينا منصتة إلى صوت العفة والتقى، عالم المغامرة بكل ما فيها من جدل الشجاعة والجبن، والإقدام والإحجام، عالم السلاطين والفقراء، قصور فارهة ترفل في النعيم، وأكواخ بالية تكاد جدرها أن تنقض من الضنك!
يبدأ السرد بـ: «حكي والله أعلم أنه كان فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر والأوان»، وفي ذاك إلقاء للمخيلة في غابر الزمن دون تحديد، ثم يبسط لنا السارد حكاية الملك شهريار الذي سيكتشف خيانة زوجته، وانتقاما من جنسها ينذر، بعد قتلها، أن يتزوج كل ليلة فتاة من مدينته، ثم يقطع رأسها في الصباح!
وبدأ في تنفيذ نذره، وتتالت الأيام، وعلى نذره المشؤوم كانت العذارى تنحر كل صباح! حتى أخذ جنس البنات ينقرض في مدينته!

لنقرأ
«ثم إن الملك أمر الوزير أن يأتيه ببنت على جري عادته، فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتاً فتوجه إلى منزله وهو غضبان مقهور خايف على نفسه من الملك، وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن وجمال وبهاء وقد واعتدال، الكبيرة اسمها شهرزاد، والصغيرة اسمها دنيازاد، وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء فقالت لأبيها: مالي أراك متغيراً..
حكى لها ما جرى له.. مع الملك فقالت له: بالله يا أبت زوجني هذا الملك فإما أن أعيش وإما أن أكون فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من بين يديه فقال لها: بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبداً فقالت له: لا بد من ذلك».
لكنها قبيل ليلة زفافها طلبت من أختها دنيازاد مطلبا غريبا! حيث أمرتها بأن تأتيها قبيل صباح ليلة الزفاف وتطالبها بأن تحكي لها حكاية!
وقبل طلوع صباح تنفيذ الحكم فيها، طلبت دنيازاد من شهرزاد أن تحكي لها قصة قبل موتها.. فتبدأ الحكي، وتنصت دنيازاد، وينصت الملك أيضا مشدوها بلذة السرد... ثم تتوقف شهرزاد، وتحسن بذكائها الوقوع على لحظة وقف مشوقة... وتطلب من الملك أن يبقيها حية إلى الغد لتكمل الحكاية!!
لكنها في الليلة التالية تنهي الحكاية الأولى، وتدلف بذكاء إلى أخرى، ويستيقظ الصباح، فتسكت عن الكلام المباح! وتُبقي حكايتها الجديدة معلقة، فيتشوق الملك إلى معرفة خاتمتها، فيبقيها من جديد إلى الغد! وتتوالى الليالي والأيام، وكلما أنهت شهرزاد حكاية إلا وطرقت أخرى، حتى بلغت الليالي ألف ليلة وليلة!
وينتصر السرد على الموت!
حيث أحب الملك شهرزاد وتعلق بها، فأبقاها زوجة له، وأقلع عن نذره المشؤوم!
فاحتفلت المدينة مدة ثلاثين يوما!







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:58 PM رقم المشاركة : 27
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

سلطاني برنوصي
ألف ليلة و ليلة: ما وراء العنوان
ترجمة : إسماعيل أزيات​

اختيار مسألة العنوان كموضوع للدراسة حول ألف ليلة و ليلة ،مسألة بهذا القدر من الإستطراد و من الإفاضة تمّ بحثها قديما ، ولا يمكن أن يجد مسوّغه إلاّ في الفتنة التي ما زال يمارسها على الشرق وعلى الغرب و في كلّ مكان . مع ذلك ، لم يرتق هذا العنصر النصي الموازي ، في اعتبار الباحثين ، إلى درجة القيام بأبحاث ذات نفَس طويل كما تحظى بذلك المظاهر الأخرى لهذا الأثر : تنقيح المخطوطات المختلفة ، النشر المتكرّر و الترجمات ، التّتابع المسوّغ للحكايات ، الآلة السردية لليالي أو أيضا دراسة هذه الحكاية أو تلك . كذلك و على النقيض من التقدّم الملاحظ في كلّ الوجهات السابقة ، بقيت المقاربة العلمية للعنوان مجمّدة إنْ لم تكن خاضعة لمدارات البحث الأخرى .
هدفنا هو قلب تسلّط النص على العنوان ، لأنّ العنوان ، كلّ عنوان ، سواء وُضع سابقا أو لاحقا ، هو نواة يتناسل النص وتأويله انطلاقا منها ، و ليس مجرّد مُعيّن أو مُسمّ ، يبقى علمنا به ، رغم ذلك ، دون الكفاية .
كلّ الباحثين يجمعون على القول بأنّ ألف هي الترجمة للكلمة الفارسية هزار Hazar التي تعني ألفا و بالتعميم « عددا كبيرا « . لكن ، بخلاف هذه البديهية ، يمضي الإثبات التالي ل» ليتمان « * : « في الأصل ، تدلّ « ألف حكاية « فقط على عدد كبير من الحكايات ... لكن ، فيما بعد ، تمّ تناول العدد في معناه الحرفي « (1) . ملاحظة ليتمان هي بالتأكيد حصيفة ، مع ذلك ، كانت ستكون ذات فائدة ثمينة لو أنّ الباحث أوضح من قبل مستنتجا من المصادر المكتوبة المأذونة أنّ الكلمات ، عند العرب و الفرس ، تُولد أوّلا مُصابة بالمعاني المجازية ثمّ ، بعد ذلك ، تلتحق بالمعاني الحقيقية . استدلال ليتمان هو إذن جدّ مثير ، بقدر ما هو عبثي لاسيّما أنّ المعنى الحقيقي ، بداهة ، لا يُشتق أبدا من المعنى المجازي إلاّ إذا اعتبرنا اللغة ، مع ملارمي ، كمقبرة من المجازات .
الليلة المضافة إلى عدد ألف ، حسب Gildmeister *، تجد تبريرا لها في الحاجة إلى توقيع العنوان ( جعل العنوان له إيقاع ) ، و حسب ليتمان تبرز في سطوة و سحر الاستعمال الاصطلاحي التركي bin bir) 2) . مهما كانت هذه الإشارات ملائمة ، فهي تبقى دون مستوى القيمة المرجعية و الرمزية لليلة « الفائضة « لأنّه ، إذا كان الأمر لا يتعلّق سوى بمسألة الإيقاع و التناغم ، فإنّ عنوان « ألف « ( أو ألف خرافة أو أيضا ألف خرافة و خرافة ) يمكنه أن يكفي لاسيّما و أنّه لا يمثل أيّة صعوبة في التلفظ . على العكس ، فإنّ الفونيمات التي تؤلّف العنوان و المجانسة الصوتية في حرف ( ل ) هي مستحبّة للأذن أكثر من بيت رامبو الشهير :
A noir , E blanc , I rouge , U vert , O bleu : voyelles ...
إذا كان الأمر يتعلق باقتباس قياسي أو تماثلي من اللغة التركية ، فإنّ المنطق لن يقبل كون ابن النّديم(3) ، في القرن العاشر ، يتحدّث عن ألف ليلة و ليلة ، في حين أنّ الأتراك لم يبسطوا نفوذهم على العالم العربي و الإسلامي إلاّ انطلاقا من القرن الحادي عشر للميلاد . يبقى إذن أن نتفق حول هذه الليلة . دلالتها لا تكمن في الانسجام النغمي الصوتي و لا حتى في التداخل اللغوي ، و لكن بالأحرى في الإطار الزمني للنص « المحكي « ذاته . بعبارة أخرى ، عوض أن نستفهم ما هو خارج النص ، نسائل أوّلا الألف ليلة و ليلة عن هذه « الليلة « الزائدة ، عن موضعها و وظيفتها في تكوّن / أو في اختتام المحكي أو المحكيات .
لا أحد فعلا سيعترض على أنّ محكي شهرزاد دام ألف ليلة و ليلة . حالتان تبدوان موافقتين لهذه الليلة : إمّا الليلة الاستهلالية ، إمّا الليلة الاختتامية . كلّ واحدة من هاتين الليلتين اللتين سندعوهما ، بعد الآن ، الليلة ـ الاستهلال و الليلة ـ الاختتام لها أهميّتها و تميّزها . غير أنّه من الواضح أنّ قيمة واحدة منها تضمحلّ لفائدة الأخرى حسبما يتمّ الإلحاح
على الاستهلال أو الاختتام .(4)
أقلّ ما يُقال عن الليلة ـ الاستهلال أنّها كاملة و تامّة . لها أبعاد ثلاثية :
1 ـ ... بداية الليلة الدنيوية الجسدية مرصودة ل « المحاورات و ألعاب الحبّ « .
2 ـ ... وسط الليلة التي تبتدئ من توقف اللّهو المعلن من قبل الصّوت ـ المنبّه لدنيازاد حتى وقت معيّن قبل الفجر : إنّه زمن الحكي .
لنراوحْ مكاننا قليلا حتى نقدّم تصحيحا لهذه اللحظة التي تفرض الصّمت و النّوم على الزوج الملكي : لحظة قدوم الصّباح . إذا كان الزّمن التخيّلي غير الزّمن الحقيقي ، سنقول إنّ صباح شهرزاد ليس طلوع النهار ، لأنّ قرّاء ألف ليلة و ليلة يعلمون أنّ الزوج الملكي ، بعد تعليق الحكي ، ينام في تحاضن و تضام بقية الليل ، قبل أن يستيقظ شهريار ل « يسهر على شؤون الحكم « . أيضا إذا كان الملك يحكم كلّ صباح و خلال ألف يوم و يوم ، سيكون من الطبيعي أن نستنتج من هذه الوضعية أنّ شهرزاد توقف حكيها في وقت مبكّر بما يكفي حتى يتمكّن الملك من أخذ قسط من النّوم .
و بالنتيجة ، فإنّ صباح ألف ليلة و ليلة سيكون سابقا لا شك لصباح عامّة النّاس .
3 ... نهاية الليلة تبدأ من توقف الحكي ، متبوعا بنوم الزوج الملكي حتى استيقاظ شهريار .
لننتقلْ من التقطيع المورفولوجي لهذه الليلة ـ الاستهلال إلى تحليل قيمتها الرّمزية بقصد إبراز مسوّغات وضعيتها . يمكننا ، فعلا ، اعتبار هذه الليلة الأولى كأنّها ليلة أعلى ( على هامش ) الرقم الدّائري ألف . مع العلم أنّ الليلة الأولى ( المرّة الأولى ) تُدرك كزمن منفصل ، بدئي و أصلي ، و هي من هذا القبيل تمثل من زاوية المسارّة ، صيغة نادرة « وحدها ( ... ) قادرة على تجديد الكون ، الحياة و المجتمع « (5) . أليس بهذه الصفة اجترأت شهرزاد و اقتحمت الموت عن طريق القران الذي يفصل الكلام عن الصّمت ، المودّة عن البغض ، و أخيرا المعلوم عن المجهول ؟ مخاطرة ؟ شهرزاد تتصرّف لردّ الاعتبار للنظام و للحياة .
إنّ الليلة ـ الاستهلال هي إذن ليلة الاكتشاف و التمييز : تكتشف شهرزاد جسدها الأنثوي ـ إعدام الفتاة الشبيه بإعدام أخريات قبلها ـ و تتميّز بخطاب له أثر حاسم على سلوك شهريار في نطاق قبوله خوض تجربة مع الكلام : « خوض تجربة مع الكلام ، يقول هيدجر ، يعني : ندع أنفسنا من تلقاء أنفسنا يقتحمنا الكلام الذي يبعث به إلينا الكلام ، حتى إذا ما قبلنا الذهاب و الولوج إلى هذا الموطن ، فإنّنا نتصالح معه « (6).
إنّ الخطاب المحرّض لدنيازاد ، المسموح به من قبل شهريار ، المضطلع به من طرف شهرزاد ، يخلق وضعية خاصة ، مزعجة بالتأكيد ، تسمح لمؤلفه أن يختبئ في الكلام و أن يرجئ التنفيذ . إنّ آلة الخديعة أو الحيلة قد وُضعت ، لم يبق لشهرزاد سوى أن تطلقها كلّ ليلة و على امتداد ألف ليلة و ليلة . الليلة ـ الاستهلال هي صيغة ستؤطّر ألف تأجيل .
لكن لنعكسْ الفرضية و لنشترطْ أنّ المكان المناسب لليلة « الفائضة « هو أسفل المحكي . هذا النقل يمكن أن يستند إلى حجج هي كالآتي : لا شيء أكثر غريزية عند الرجل من استسلامه لأحابيل كلام امرأة مغوية ؛ الغاية تبرّر الوسائل . من هذا الجانب ، فإنّ الليالي الألف الأولى ستكون رقما دائريا ، مجموعة متصلة ، ستكون قيمتها أقلّ من الليلة ـ الاختتام ، أليس لأنها قدر و مصير شهرزاد ؟ ( 7 )
لنأْت إلى تقطيع هذه الليلة الأخيرة قبل الذهاب بعيدا . كما الليلة ـ الاستهلال ، الليلة ـ الاختتام منقسمة إلى ثلاثة أطوار :
1 ـ ... بداية الليلة مخصّصة للحبّ .
2 ـ ... وسط الليلة التي تبتدئ من استئئاف الحكاية الأخيرة حتى إنهائها . بالرّغم من أنّ هذه اللحظة الأخيرة لا تتوافق مع طلوع النهار ـ النص العربي لا يقول ذلك على الأقل ـ يمكن أن نخمّن أنّ شهرزاد العليمة بالعدّ و التّعداد لم تخفق في إتمام حكايتها الأخيرة مع الفجر .
3 ـ ... الجزء الأخير من الليلة ليس محجوزا كما في الليالي الأخرى للنّوم و لكن بالأحرى لمحاكمة شهرزاد التي ، بعد أن أعلنت أنه لم يبق لديها حكاية تحكيها ، تترقب الأسوأ . لكنّ سحر كلمتها
و الأولاد الثلاثة الذين أنجبتهم من الملك من دون علمه ، تشفعت لها و لباقي الفتيات الأخريات . لنذكّرْ بصدد هذه المحاكمة ، أنّه في الصّباحات الأخرى ، لمّا يستيقظ الملك كان يذهب « ليسهر على شؤون حكمه « . إن صباح هذه الليلة بعد الألف شبيه بكلّ الصباحات الأخرى ، فقط في هذه المرّة ، يسهر الملك على شؤون الحكم داخل أسرته الخاصّة .
إنّه لفي هذا الطور الأخير ، تكتسي الليلة ـ الاختتام أهمية حاسمة لأنّ الخطر ، بالنسبة للحاكية ، هو استنفاد الكلام ، بمعنى اللحظة التي تصل فيها الحكاية المتشفعة نهايتها .
الليلة الفريدة هي بالتأكيد هذه الليلة ـ الاختتام حيث شهرزاد تتغلّب على الموت بواسطة الأمومة .عشيقة ليلة ، الموعودة بالقتل المرجأ خلال ألف ليلة ، تتكشف في الليلة بعد الألف ، و دون أن يعلم الملك أو القارئ ، أمّا لثلاثة أولاد ذكور ضامنين و صائنين ضدّ كلّ إغواء الزّنا .
لنقلْ على سبيل الختام إنّ هذه الليلة الفائضة ، سواء وضعناها أعلى أو أسفل الألف هي ، على التوالي ، زمن توليد الحسّ و زمن إيقاظ العقل . و الحال أنّ الحسّ و العقل لهما كخصوصية مشتركة أنّهما يشيعان في النص و ليس خارج النص .
* سلطاني برنوصي أستاذ جامعي بكلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله ، فاس .

هوامش :

1 ـ المستشرق الألماني « ليتمان « ( 1875 ـ 1958 ) و بحثه حول « ألف ليلة و ليلة « المنشور في موسوعة الإسلام ، الجزء الثاني .
* Gildmeister مسشرق ألماني ( 1812 ـ 1890 ) .
2 ـ هذا التعبير ليس خاصّا باللغة التركية . بورخيس كتب بهذا الخصوص :» أن تقول ألف ليلة و ليلة هو أن تضيف ليلة إلى لانهائية الليالي . لنفكّرْ في هذا التعبير الانجليزي المثير: أحيانا ، عوض أن نقول for ever ، نقول for ever and a day ... « . Conférences, Gallimard, 1986 , p : 58
3 ـ الأرجح ، ليس ابن النديم في الفهرست هو الذي أشار إلى « ألف ليلة و ليلة « و إنّما المسعودي في مروج الذهب :
* «... و استعمل لذلك بعده الملوك هزار أفسان و يحتوي على ألف ليلة ... « الفهرست ، ص 363 ، تحقيق رضا تجدد المازندراني ، طهران ، 1971
* « ... و سبيل تأليفها ممّا ذكرنا مثل كتاب هزار أفسانه و تفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خرافة و الناس يسمّون هذا الكتاب ألف ليلة و ليلة ... « مروج الذّهب و معادن الجوهر ، تحقيق محد محيي الدين عبد الحميد ، 1 / 476 ، القاهرة ، 1966 . ( المترجم )
4 ـ الباحثون ألحّوا كثيرا على الليلة الأولى و قليلا جدّا على الليلة الأخيرة .
5 ـ M . Eliade , Aspects du mythe , Gallimard , Folio _ essais , 1988 , p : 54
6 _ Heidegger , Acheminement vers la parole , Tel _ Gallimard , 1988 , p : 143
7 ـ لنذكرْ على وجه التمثيل هذه الآيات القرآنية : « و ما أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر « . سورة القدر .
المرجع :
مجلة التواصل اللساني ، المجلد الثالث ، العدد الأول ، مارس 1991 ، ص : 69 ـ 71 .( بتصرّف ) .







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:58 PM رقم المشاركة : 28
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

عبد المجيد العابد
الميتامتخيل في ألف ليلة وليلة​

يعد البحث في الصورة الأدبية مجالا خصبا في الدراسات السيميائية، يغني النقد العربي ابتداء، ويتجاوز قصور بعض المناهج التي أصبحت من الماضي. إن معظم الدراسات التي جعلت من ألف ليلة وليلة موضوعا لها، ظلت تنظر إليها من وجهة برانية، ولم تسبر أغوارها، وبات حديثها معلقا بين كتاب ألف ليلة وليلة، والزمان والمكان اللذين كتبت فيهما، وغيرها من الأسئلة التي لم تعد بتلك الأهمية في الدراسات الأدبية الحديثة والمعاصرة.
حاولت، استنادا إلى هذه الملاحظة، أن أقارب الموضوع من زاوية مخصوصة، يتعلق الأمر بـ"صورة المتخيل"، انطلاقا من بعض النماذج "التخيلية"، توخيا لطرح أسئلة جوهرية أساس مثل: ما صورة المتخيل انطلاقا من البنيات اللغوية السردية ؟ وما طبيعته ؟ وما طبيعة الصورة المتحكمة فيه؟

I- تحديدات البعد النظري

1- التجنيس
ترى بعض الدراسات أن تجنيس "ألف ليلة وليلة" ضرب من المستحيل(1) حيث لا يمكن الحسم في كونها: خرافة أم أسطورة، أم حكاية شعبية، أم أدب عجائبي بصفة عامة؛ لكن رغم كل ذلك يمكن اعتبار ألف ليلة وليلة خرافة(2) بدليل أن الخرافة هي التي "تقوم على عنصر الإدهاش، وتمتلئ بالمبالغات والتهويلات، وتجري أحداثها بعيدا عن الواقع، حيث تتحرك الشخصيات بسهولة بين المستوى الطبيعاتي والمستوى فوق الطبيعاتي، وتتشابك علاقتها مع كائنات ما ورائية متنوعة، مثل: الجن والعفاريت"(3). كل هذه العناصر المتبثة في التعريف تتساوق مع"ألف ليلة وليلة" فهي متخيلة غير واقعية، أي أكذوبة بالمعنى المنطقي للكذب، وتحكى في الليل لا في النهار، والقصد منها الاعتبار.

2- طبيعة المتخيل
جاء في المعجم الوسيط: تخيل الشيء تصوره وتمثله، والخيال: الشخص والطيف، وما تشبه لك في اليقظة أوفي المنام من صورة(4). من هنا نجد ارتباط المتخيل بالمتصور"الصورة" فالمتخيل متصور والمتصور متخيل، لكن ما تجب الإشارة إليه هو أن المتخيل في "ألف ليلة وليلة" ليس ذا سند واقعي، فالعوالم التي يمكن تصورها هي من الدرجة الثانية من المتخيل، وهذا سينعكس على بناء صورته.

-3 - طبيعة الصورة
جاء في المعجم الوسيط: تصور الشيء استحضره في ذهنه، وصورة الشيء ماهيته المجردة، وخياله في الذهن أو العقل(5)، فالصورة بهذا المعنى هي بناء لما نراه في الواقع عبر المعطى الذهني. غير أن مبحث الصورة في الدراسات النقدية الحديثة هو مبحث فتي ومن تم غدا مفهومه قلقا لا يثبت على حال، حتى عند المختصين في هذا المجال.
لكنا عندما نفكر في الصورة السردية يجب أن نراعي خصوصية الجنس الذي نشتغل عليه، سواء كان خرافة أو أسطورة أو رواية، أو قصة قصيرة، أو شعرا...
ومنه، يمكن الحديث عن صورة شعرية، وصورة روائية، وصورة خرافية...، غير أن هذا لا يعفي من إيراد تعريف، نظنه، جامعا لهذه المباحث مفاده أن الصورة الأدبية"بناء ذهني لمجموع السمات المميزة لكيان ما بالنظر إلى المعطى اللغوي في علاقته بمقام مخصوص، ويمكن لهذا البناء أن يمتلك نزوعا بصريا".
فالصورة ليست إذا معطى جاهزا، وإنما بناء، والسمات المميزة نقصد معناها الجاكوبسوني (Jacobson)، حينما عبر عن الفونيم (Phoneme) بأنه"حزمة من السمات المميزة"، وهي بطبيعتها الخلافية تحد كينونة الشيء في علاقته بمجموع العوالم الأخرى، بالنظر إلى السياق اللغوي، أي المعطيات التركيبية والدلالية وفقا للمقام، أي علاقة المتكلم والسامع والظروف العامة والعادات والمعتقدات...

4- بنية الخرافة
تتكون بنية ألف ليلة وليلة من نسق محدد، راوي/شهرزاد، ومروي/الحكايات، ومروي له/شهريار، وهذا المثلث المنطقي تحكمه علاقة ثنائية: الحياة/ الموت. فشهرزاد تطمع إلى الحياة متوسلة بالحكي، وشهريار يتراجع عن القتل/الموت بسبب الحكي، أما الحكايات فهي عنصر التوسط الإلزامي بين المتضادين، كما يتضح انطلاقا من المربع السيميائي:
إن الانتقال من علاقة الانفصال "الموت" إلى علاقة الاتصال"اللاموت/الحياة" يجعل شهرزاد تستخدم الحكايات بوصفها وسيطا بين الحياة والموت، إن الحكايات هي المانحة للحياة، يجعل تحريك هذه البنية المجردة الحكايات بمجملها واردة، ومنه سيكون هذا التحريك وفق المسار الآتي:
سوف نعتمد في بناء هذه الصورة على حكاية"حاسب كريم الدين" مادامت حكاية متداخلة، وتساوق مع عدد هام من الحكايات الأخرى، ويمكن نمذجتها وفق هذا التصور:
وتمتد هذه الحكاية من الليلة 462 إلى الليلة 526 أي ما يربو 64 ليلة.

II- اختبار البعد النظري
يتضح انطلاقا من البعد النظري أن مبحث الصورة محور في كل دراسة نقدية جادة حديثة، غير أن هذا المبحث في علاقته بالخرافة عويص مادامت الخرافة تجسد عوالم ميتا واقعية، لا تجعل من الواقع سندا لها، وهذا ما ينعكس على صورة المتخيل فيها، فهي"تقترن بالمؤشرات البلاغية المرتبطة بنماذجها المتنوعة، إن الخارق للعادة في المتخيل هو المهيمن، فهو يتعلق بالشخصيات والأمكنة والأزمنة"(6).

1- صورة المتخيل/الشخصيات
انطلاقا من النمذجة السابقة يتضح أن الشخصيات المراد تصويرها هي: شهرزاد ويمليخا وحاسب كريم الدين وبلوقيا وجانشاه وشهريار مع بعض الشخصيات الأخرى.
تعد الشخصية المحور الرئيس في كل فعل سردي فهي المحددة للتفضيء (Spatialisation) والتزمين(Temporalisation)، ومقترنة بهما لإنجاز فعل التشخيص (Anthropomorphism)، غير أن"كل تصوير للشخصية إنما ينبع من وظيفتها ضمن السياق النصي، وتصبح الشخصية إنسانية، بالقدر الذي تستطيع وظيفتها أن تساهم في إقناع المتلقي بصدق العوالم المتخيلة"(7).
شهرزاد: تشكل المحور في الحكاية، إن الصورة المسبقة التي يمكن أن نرسمها في أذهاننا عن شهرزاد في مقاومتها لعنف شهريار، هي تلك الصورة التي رسمها عبد الفتاح كليطو بقوله:"الصورة التي تفرض نفسها في هذا السياق(...) الصورة التي تتبادر إلى الذهن هي صورة بطل شاب يشهر سيفه مجهزا على تنين"(8)، لكنا في ألف ليلة وليلة، نلمسها امرأة جميلة قوية أكثر اطلاعا على الكتب، ولها القدرة العالية على الحكي والاستمالة، استطاعت أن تغير في شهريار المتعة الجنسية، بمتعة الحكي، إنها بتعبير مالك شبال المرأة المضادة (Anti-home) بمعناها الرمزي، تملك مجموعة من السمات الرجولية: قوة الطبع والذكاء والزعامة(9).
شهريار: يعد البطل المضاد (Anti-hero) سماته المميزة مناقضة تماما لشهرزاد، إنه ملك الوقت، أي الواهب لها/للحياة، يعد المحفز الأساس للحكي، جنوني، خاضع لنزواته، ناقص في قدراته العقلية، حيث يستدرج بالأكاذيب/ الحكايات.
دانيازاد: الأخت الصغيرة لشهرزاد، تعتبر عنصر التوسط الإلزامي الضامنة لتسلسل الحكايات الليلية، وهي بذلك تحاول بدهائها أن تستدرج الملك للإصغاء.
حاسب كريم الدين: إن سماته المميزة منطبعة في اسمه، جاء على لسان أبيه فـ"سميه حاسب كريم الدين، وربيه أحسن تربية، فإذا كبر، فقال لك ما خلف لي أبي من الميراث فأعطه هذه الخمس ورقات، فإذا قرأها وعرفها سيصير أعرف زمانه، ص:33 الليلة463.
إن هذه الفقرة تختزل مسار حياة حاسب، ذلك الطفل الوسيم الذي دخل الطب 30 يوما ولم يتعلم شيئا، والغبي الذي تعرض لغبن الحاطبين، والمحاسبي الذي ندم على دخول الحمام عندما قسم يمينا أمام يمليخا بأن لا يدخله، والمتوسل به في الشفاء الذي استطاع أن يستشفي الملك من مرضه، والحكيم الذي أصبح الساعد الأيمن للملك.
يمليخا: ملكة الحيات تطالعنا سماتها في المقطع السردي الآتي:"فتح عينيه (حاسب(فرأى حيات عظيمة، طول كل حية منهن 100دراع (..) ورأى عين كل حية تتوقد مثل الجمر، وهي فوق الكراسي(...) وأقبلت عليه حية مثل البغل، وعلى ظهرها حية تضيء مثل البلور وجهها وجه إنسان، وهي تتكلم بلسان فصيح وسلمت على حاسب.
إن الصورة التي تقدمها الخرافة عن الحيات صورة مختلة، يعجز البناء الذهني عن تمثلها، وذلك راجع إلى كونها حيات جهنمية، تقول الحيات لبلوقيا "نحن من سكان جهنم وقد خلقنا نقمة على الكافرين".ص:37 الليلة465.
نجمل سماتها المميزة في :
بلوقيا: إنه ابن ملك مصر في عهد بني إسرائيل، ولما مات أبوه" جعلوا ولده بلوقيا سلطانا عليهم، وكان عادلا في الرعية، واستراح الناس في زمانه.ص:40 الليلة 468.
إن شخصيته الصوفية ابتدأت منذ أن قرأ كتاب أبيه"فلما قرأ بلوقيا هذا الكتاب وعرف صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعلق قلبه بحبه.ص:38 الليلة 466.
تشبه رحلته في طلب محمد صلى الله عليه وسلم السياحة الصوفية بمعية عفان، الذي ألم بجميع العلوم، إن نزعته الصوفية ازدادت أهمية عندما التقى الخضر رمز الصوفية، سماته المميزة هي مجموع سمات المتصوف، يطوي الزمان، ويمشي على البحر، ويسخر الحيوان...
جانشاه: ابن الملك طيغموس، نلامس بعض سماته عندما رآه بلوقيا" طلع بلوقيا إلى الجزيرة، وتمشى فيها ساعة، فرأى شابا مليحا، والنور يلوح من وجهه، فلما قرب منه بلوقيا رآه جالسا وهو ينوح ويبكي. ص:38 الليلة 466.
إن جانشاه شاب مليح، يهوى الصيد والمغامرة، لكن السمة المميزة المستخلصة من رحلته الميتافيزيقية، هي إخلاصه في حب الجنية" شمسه" التي رآها عند "الشيخ نصر" يصفها بقوله:
بدت لي فــي البستان بالحلل الخضر = مفككة الأزرار محلولة الشــــعر
فقـــلت لها ما الاسم قالت أنا التي = كويت قلوب العاشقين على الجـمر
شكوت إليها ما ألاقي من الهـــوى = فقالت إلى صخر شكوت ولم تـدر
فبدت كبدر التم في ليلة الســــعد = منعمة الأطراف ممشوقة القـــد
لها مقلة تسبي العـــقول بسحرها = وثغر حكى الياقوت في حمرة الـورد
وترسل سهم اللحظ من قوس حاجب = يصيب ولم يخطئ ولو كان من بـعد
فيا حسنها قد فاق كل ملاحــــة = وليس لها بين البرية من نـــد
ص:63 الليلة 484.
تقدم صورة شمسه باعتبارها طائرا يتحول إلى فتاة جميلة كما تصوره هذه الأبيات، إنها تشكل المحفز الأساس لمجموع المغامرات التي قام بها جانشاه: ويمكن إجمال سماتها المميزة كالآتي:

تقويم جزئي
تحدد وظيفة الشخصية داخل المسار السردي للحكاية سماتها المميزة، غير أن إدراك هذه السمات المميزة انطلاقا من المعطى اللغوي، يبنى بوصفه صورة مختلفة عن المستوى الذي لا يمكن أن يمثل بصريا، وهذه الميتافيزيقية التي تميز الشخصيات ستنعكس على العوالم الفضائية والزمانية التي تتحرك فيها.

2-صورة المتخيل/ الفضاء
إن التفضيء يعني التحديد، فلاشيء يمكن أن نتخيله خارج الحدود، لاشيء ينفلت من ربقة الفضاء من سلطة المحدد والمسيج، إن الفضاء يشكل الطبوغرافية التي تتحرك داخلها الشخصيات.فالصورة التي تقدمها الخرافة عن الفضاء صورة ميتا واقعية، وتختلف طبيعة الفضاء في ألف ليلة وليلة تباعا لاختلاف الشخصيات.
ففضاء الشخصيات المحور شهرزاد/شهريار، فضاء قار وثابت لأن الشخصيات ثابتة سكونية إننا أمام قصر ملكي عال عامر بالجواري والعبيد، خلف القصر حدائق، إنه فضاء ليلي بالخصوص.
أما فضاء الشخصيتين الثانويتين: حاسب كريم الدين/ الحيات فإننا نتحقق من سماته في المقطع الآتي"رأى (حاسب) دهليزا عظيما فمشى فيه، فرآه بابا عظيما من الحديد الأسود، وعليه قفل من الفضة، وعلى ذلك القفل مفتاح من الذهب.ص:86 الليلة499 -500.
ووراء هذا الباب بحيرات وكراس تجلس عليها الحيات، إنه فضاء ثابت أيضا لثبات حركة الشخصيات فيه(روتيني).
ويمكن أن نقسم فضاء حاسب إلى فضاء استهلال، هو فضاء الحيات ثم فضاء الوصول، أي فضاء القصر، قصر الملك المريض كرزدان ملك العجم، الذي ملك الأقاليم السبعة، وكان في خدمته 100سلطان يجلسون على كراس من الذهب الأصفر، وعشرة آلاف بهلوان ووزيره يسمى شمهور، هذا الفضاء الواسع المذهب هو الفضاء الذي سيعمره حاسب كريم الدين بوصفه حكيما وساعدا أيمن للملك.
أما فضاء بلوقيا /عفان فهو فضاء صوفي بامتياز يجسد السياحة الروحية في طلب محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قطع فضاءات ميتا واقعية"رأى في تلك الجزيرة حيات مثل الجمال ومثل النخل، وهم يذكرون الله عز وجل ويصلون على محمد صلى الله عليه وسلم.ص:39 الليلة464.
ثم يضيف "وأثمار تلك الأشجار كرؤوس الآدميين، وهي معلقة من أرجلها، وفيها أشجار تتوقد مثل النار... ورأى فواكه تبكي، وفواكه تضحك..ورأى في الليل بنات البحر خرجن يلعبن ويرقصن.ص:39 الليلة 467.
يختزل هذا الفضاء فوق الطبيعي في عبارات لغوية دقيقة، إنه فضاء رمزي تعتريه السمات الصوفية، حيث لا يمكن أن نتصوره إلا في هذا المعطى اللغوي وحسب.
بالنسبة لفضاء جانشاه/شمسه يمكن تقسيمه إلى فضاء استهلال وفضاء وسيط وفضاء الوصول، أما فضاء الاستهلال فيشير إلى قصر أبيه الملك طيغموس، فضاء شاسع يشبه فضاء بلوقيا، أما فضاء الرحلة فهو فضاء متخيل تطالعنا فيه جزيرة أناس ينقسمون نصفين، وفضاء القرود الذين يتكلمون بالإشارات وهم من عهد سليمان وكلابهم في صورة الخيل، ثم فضاء النمل "كل نملة قدر الكلب.ص:51 الليلة 473.
ثم فضاء الشيخ نصر حيث التقى السيدة شمسه وأخواتها، كل هذه الفضاءات تجتمع في الفضاء الوسيط وهو فضاء فوق طبيعاني عجيب، تتخلله كائنات غريبة كغرابة المكان.
أما الفضاء الأخير فهو فضاء الوصول/قلعة جوهر تكني، حيث تسكن شمسه، وهذه القلعة"مبنية من الياقوت الأحمر، وبيوتها من الذهب الأصفر، ولها ألف برج مبنية من المعادن النفيسة التي تخرج من بحر الظلمات، ولهذا سميت قلعة جوهر تكني لأنها مبنية من الجواهر، والمعادن.ص:73 الليلة493. ولا غرابة في ذلك لأنها قلعة الجن. إنه الفضاء الذي ساعد جانشاه في الانتصار على الملك كفيد بمساعدة عفاريت الملك شهلان.
3- صورة المتخيل/ الزمان
لا يمكن الحديث عن شخصيات خارج الفضاء وخارج الزمان كما لا يمكن الحديث عن الزمان بلا فضاء والعكس، إن هذه العناصر الثلاثة تشكل أقطاب مثلث منطقي لا يمكن أن ينفك إلا إجرائيا في أي خطاب سردي.
إن الحديث عن التزمين هو حديث عن التسييج الزماني للأحداث والشخصيات والأدوار، فلا شيء ينفلت من سلطة الزمن من سلطة المحدد. إن الزمن في ألف ليلة وليلة يخضع هو الآخر لوظيفة الشخصيات في المسار السردي، ومن تم فتحديده يتم تباعا لدور الشخصيات، غير أن الزمان في هذه الخرافة متشظي الأبعاد.
تختزل كلمة "بلغني" بالنسبة لشهرزاد/شهريار: صورة الزمن عندهما، فالمضي ليس له اعتبار مادام المستشرف هو المأمول، إن المستقبل يعني الحياة، أما المضي فيرتبط بالموت، بينما الحاضر فهو عنصر التوسط الإلزامي بين الزمنين، بين الانفصال والاتصال، ولهذا تحاول أن تستفيد منه شهرزاد بالحكي حتى تستمل شهريار، زمن متواصل وليس متصلا، فكل صباح هو بالنسبة لشهرزاد ولادة جديدة، إنه أيضا زمان رتيب كرتابة فضاء القصر، لا يتجدد إلا نفسيا عن طريق تجديد الحكي/ التخريف.
فبالنظر إلى شهريار: ملك الوقت، الواهب للزمان/للحياة، فالحاضر عنده انتقام من المضي/الفضيحة، إنه القادر على مد شهرزاد بالوقت/ بالحياة إن شاء، فهو الزمن الذي صنعته الحكايات، يعد بالليالي، مادامت هذه الأخيرة هي الموجه لسيرورة/ وصيرورة شهريار. وارتباطا بحاسب كريم الدين/الحيات فهو زمن الحكي"أريد منك أن تقعد عندي مدة من الزمن، حتى أحكي لك حكايتي". الليلة415. ويعد هذا الزمن بمثابة الزمن البدئي، وهو الزمن الرئيس في تطور الحكاية، ثم الزمن البيني، أي زمن الخطيئة، ثم زمن الخلاص، التحول الجذري في شخصية حاسب من البلادة إلى الحكمة.
أما بالنظر لبلوقيا/عفان فهو زمن المتصوف زمن خارج الأزمان، لا يتحدد بفضاء مخصوص، غير مسيج، زمن الحاضر والماضي والمستقبل في الآن والهنا وفوق حدود الإمكان. إنه زمن اللازمن، الزمن الإلهي.
في حين أنه بصدد جانشاه/شمسه، فهو زمن التقابل بين الزمن الإنساني البطيء والمفضى والزمن الجني المتواصل غير المفضى في غالبه، يصعب الأخذ بحدوده وسياجه. إنه زمن العجائبي الميتاواقعي.
خلاصة
يتضح بعد هذا الاستقراء لمجموع صور المتخيل في ألف ليلة من خلال نموذج "حكاية حاسب كريم الدين" أن المعطى اللغوي هو وحده القادر على الأخذ بتلابيب المتصور، أما البناء الذهني المتخيل لهذا المتصور يغدو من المحال مادام المتخيل من الدرجة الثانية لا يضع الواقع سندا له. من خلال هذا فكل حديث عن التخطيب(Discursivisation) حديث عن التجريد، وكل حديث عن التجريد هو بطبعه حديث عن المكذوب/التخريف.
يدفعنا هذا لطرح سؤال أساس هو: ما الذي يجعل من شهرزاد تخرف بدل أن تتمنطق، بعبارة أخرى، هل الإقناع المنطقي بالنسبة لجبار أسلوب مهترء؟ أي هل الخرافة تقنع اللاعقل؟ وإلى متى يظل الحجاج المنطقي عقلي والخرافة فعل يعتري اللاعقلي؟



هوامش:
المتن: مؤلف مجهول: ألف ليلة وليلة، المكتبة الثقافية، ط2، 1981.
1. شرف الدين ماجدولين: بيان شهرزاد، التشكلات النوعية لصور الليالي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2001، ص:132.
2. ويعضد هذا الطرح، عبد الله إبراهيم، السردية العربية، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1 يوليوز/تموز1992، ص71.
3. فواس السواح: الأسطورة والمعنى: دراسات في الميتولوجيا والديانات الشرقية منشورا ت علاء الدين(د.ت) ص:15.
4. إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج1/ج2، مادة خ ي ل، ص:528.
5. نفسه، مادة خ ي ل، ص:266.
6. شرف الدين ماجدولين: بيان شهرزاد، التشكلات النوعية لصور الليالي، م س، ص:132.
7. محمد أنقار: بناء الصورة في الرواية الاستعمارية، مكتبة الإدريسي للنشر والتوزيع تطوان، الطبعة الأولى،1994،ص:27
8. عبد الفتاح كليطو: مسألة القراءة، ضمن المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، دار تبقال، ط1، 1986، ص:24.
9. Malek (Chebel) ; La féminisation du monde, essais sur les milles et une nuit .Editions, Payot, Paris VI, 1996, pp. 156-157







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:59 PM رقم المشاركة : 29
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

علي الاسكندري
بـلـّورة الـسـرد أمْ كـسـّارة شـهـرزاد


قبل شهرزاد كان السرد بلا أنوثة , وكانت الأنوثة غير مسجلة في متحف السرود الرسمية .. فهل كان السرد قبل ذلك العبق الأنثوي الباذخ فعلا ذكوريا محظا ..؟ أم أن الأنوثة بعد انحسار المرحلة الامومية وذهاب سلطانها الآسر وسلطتها الغاربة بقيت متخفية تحت ظلال السرود وفي منعطفاتها تلبس قناع الرجل وتنتحل مخيلته وبراعته للنفاذ الى سحرية هذا العالم وأسراره المدهشة ومن الذي تحـقـّقَ وجوده أولا...؟ ألأنوثة التي حملت لوح الغواية والرغبة والتي اجترحها الروي الذكوري وخطط لها ببراعة والصقها بالذاكرة الجمعية لحوّاء وأرغمها على القبول بهذا الواجب البيتي فصدّقت هذه الحيلة الماكرة ...؟ أم السرد بوصفه الحرية الأولى لفن المعمار الأسطوري والقصصي وماتلاه من عوالم والمـتـمـثــّل بقول الكتاب المقدس (في البدء كانت الكلمة ) ..؟ أم أن الحقائق تركات مشاعة وعلينا أن نـُخـضع هذا الالتباس التاريخي للقراءة العميقة ونجرجر الجدل الدائر الى منطقة التأويل الساخنة ..؟ يقول المتخصـّصون في علم الأجنة أن الجنين يلتصق بأمـّه حتى ليكاد يسمع صوتها وهو في ظلمة الرحم ويبقى رنين ذلك الصوت عالقا في تلافيف ذاكرته العميقة منذ تـشـكـّل ملامح الأكتمال البيولوجي له وحتى مرحلة متقدمة من عمره والأم غالبا ما تـتحـدث معه وهو في بطنها مـتـودّدة له ومحاورة إياه في أوقات كثيرة من أيام حملها ، والأجنة وفق هذا الوصف هي أول من ذاق حلاوة السرد الأنثوي الأمومي قبل أن تدشّن أعينها تباشير الضياء الأول وتـتـقن ألسنتها ثأثأة الحرف ولثغته... فهل نبدأ من هذه الفرضية الرجراجة التي لم تسجل فيها الأنوثة أية براءة وبراعة اختراع أو شهادة اكتشاف واضحة ولم تطلب ذلك أو تدعيه على الأقل ..؟ نستفسر من السيدة التي هيمنت على ذاكرة السرد وذكورته ، السيدة المتفردة في تاريخ السرود والأنوثة والتي تـجـرّأت وكسرت بلورة العزلة السردية الذكورية ، نسأل شهرزاد التي مهرتْ ببراعتها فن القول والروي وتسلـّلتْ الى مخدع القص قبل أن تقتحم جحيم الذكورة الطاغية وتوقف عقدة الفصام الذكورية وتؤجل موتها المكرر لألف نص ونص ــ أكان لابد أن تـُنـْحر كل تلك القرابين والضحايا لكي تنفجر بلورة السرد على لسانك وهي مـُشـجــّرة بدم الأنوثة ..؟ وهل للموت علاقة بالسرد الأنثوي الضامر ..؟ ، نحن نعلم أن الموت كان السبب في تدفـق شلال الروي عند تلك السيدة وهو أمر ذكرناه سابقا وذلك لدرء غائلة الذبح اليومية عن ضحايا الملك المدلـّل وهو في ذات الوقت الذي أنقذ تلك ( الشهرزاد ) السردية من براثنه ، نحن إذن وهذا الحال نضع السرد الأنثوي بمواجهة الموت ، بمنى آخر إن السرد الأنثوي كاشفا لبذور الموت والفناء ولمكامن الشر لغرض تـجنـبها ودفعها بعيدا ريثما تتوفر البدائل والحلول وهو ما فعلته شهرزاد فعلا من خلال لياليها السردية الألف وهي بهذا قد نجحت بالانتصار للحياة ولذتها ، لكننا نبقى على مسافة سؤال ظامئ يدفعنا الى التعلق بالروايات والكتابات والبحوث الطافحة بالاحتمالات والأثريات التي تبحث في تدوين السرد الشهرزادي المثير ومن الذي أودعه في بحر الكتابة وأطلق في مساماته الخاملة شرارة الحبر المجنون ..؟ ومن أفلت تلك الأنثى المرهونة بماء السرد في وعورة الذكورة وإذا كانت تلك السيدة قد إرتبط تأريخها لأول مرة بذاكرة التدوين فان لها سبق الاكـتشاف في هذا المضمار الساحر وقد تحقق وجودها المعنوي من خلال عظمة التدوين ذلك الذي قضى على اخر ترهات الشفاهية وزمنها الضائع وصارت وفق هذا المنظور شخصية مبرّرة مبرّزة وإن كانت شخصية شبحية مصنوعة في الحدائق الخلفية لعقل الرجل ومن بنات أفكاره كما يظن الكثير .. ذلك لأنها أول تدوين مجير باسمها وقد شع على الأنوثة الساردة منذ ذلك التاريخ حتى لتحسبن كتاب الف ليلة وليلة كتابها ومذكراتها الشخصية وكأن حركتي الليل والنهار معقودتان على لسانها فلا يجن الليل حتى تأذن له من خلال سردها المخبوء في خيالها العبقري ولا يتنفس الصبح حتى تفتح له ثغرة مبكرة في جدار كلامها حتى اصبح السرد هو الأنوثة وصارت الأنوثة تتحكم بأبعاد الزمن اليومية وحتى لـَكـأن السرد قد طـهـّر روح شهريار المولع بالوساوس والدم من آفته المرضية وآلته الذابحة الغاشمة وتضامن معها في الخروج من مصيرها المحتوم وهي بهذا استخدمت سرودها المغرية ورحلاتها الخلابة في بطون التاريخ والاساطير كمعالج نفسي خبير للكشف عن عقدة الاختلال وبتر موطن الداء الذي اصاب الملك ونحن لا نتضامن مع شهرزاد بورقتنا هذه بوصفها انثى فحسب بل بوصفها عقلية ساردة من الطراز الرفيع طبقا لمعايير ذلك العصر الرمادي الذي كانت فيه الفنون تحبو ووسائل الابتكار خديجة ...نتساءل أيضا بفضول وإلحاح .. لماذا كل الذين سألناهم ونسألهم من فرسان السرود العالية وربما الثقافات المتقدمة , اولئك الافذاذ اللامعين , ضيوف الاعلام بقنواته المتعددة المتنوعة عن تجاربهم الابداعية الاولى وخطواتهم البكر تاتي اجاباتهم مشدودة نحو الماضي البعيد واضواء الفوانيس والشموع الخافتة والليالي المدنبسة على ورق الذاكرة ... نحو أيام أمهاتهم وجداتهم وعجائزهم ...؟ لماذا الجدات وليس الاجداد ..؟ الامهات وليس الاباء..؟ لماذا الليالي ..؟ الا تـنـطوي هذه الإجابات التي تحمل رائحة الانوثة في عصرنا الراهن على حنين جارف إلى الزمن السرد الشهرزادي ..؟ (السرد المؤنث السالم ) الرامي الى وضع اسس الروي والحوار والتداخل والتجادل والتعارك الفكري ثم الافضاء الى نواة الحكمة والتفلسف بكفاءة السرد وامتيازه المقصود وان كان بصورته الفطرية لكن ليس بصورته ( الصدفوية ) اذ للفطرة هندسة جينية معلومة وليس للصدفة غير التطفل على توفر الفرص .. فالفطرة تنتمي الى النظام رغم بدائيتها والصدفة مآلها إلى أوعية التصادم وشهرزاد جمعت بين الفطرة والصدفة والسرد بينهما لؤلؤة نفيسة .. فهل هشمت تلك الراوية الحاذقة قيامة السرد وقامت بنفسها انوثة متفجرة راقية وحاضنة كفوءة لدرس السرد الاول أم أنها محض أنثى لا تزيد ...؟







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:59 PM رقم المشاركة : 30
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

محسن جاسم الموسوي
محكي المال والتجارة في الليالي العربية​

بين المرأة والمال تتعدد الرغبات ومحمولات الأفعال، ويتدفق المحكي، فثمة شخوص وهموم وتطلعات ومخاطرات، وثمة نجاحات واخفاقات في داخل هذه المساحة المغرية التي تتشكل فيها حياة ألف ليلة وليلة: وعلى الرغم من كل تدخلات العجائب لاستعادة المال الى فلان الفلاني أو تمكينه في ظروف صعبة كتلك التي تحيط بأبي الحسن علي المصري أو بمحمد الكسلان، فإن القلق والترقب والخشية والطموح هي المواصفات التي تطبع الفعل في الحكايات، وتجعل منه مرادفا للتجارة وتبعاتها وآمال أصحابها. وفي كثير من الحالات تصبح التجارة فعلا تنتمي اليه المتواليات السردية الأساس في الحكاية المدينية: فهناك الرغبة في المال والرغبة في الجمال والمرأة، وهناك رغبة تقود الى أخرى وتتداخل معها، فيضيع المال من أجل الجمال، أو يضيع الجمال بضياع المال في حالات نادرة، وهناك تطلع الى المقام الأعلى لبلوغ الجمال البعيد المنال، وهناك خوف وقلق على المال، فيعود المرء يتخفى في السراديب، قناعه ما له في المطامير، أو عزونه عن المخالطة في لحظة الخوف من الخليفة:

وفي مجتمع الف ليلة وليلة يستحيل الانتقال من موقف اجتماعي عام الى ما هو خاص بدون مجموعة من الشروط: فعلي المصري ابن الجوهري الذي يمنى بالإفلاس يرحل نحو بغداد بعدما عرف من غيره بمنام يخبره بالمبيت في منزل موصوف في أرض واحدة من غرفة ورخامة ولولب يقود بعد فركه الى الكنز؛ فالحكاية تكرر (الموتيفات) المعروفة من منام ومصادفة ورخامة ولولب وكنز وعفاريت، لكنها تتموضع في الرحلة نحو بغداد بصفتها عاصمة الخلافة ومبتغى الباحثين عن الجاه والمال والشهرة والمخاطرة، ولهذا فإنها تتأسس في السياق الاجتماعي - السياسي شأن عشرات أو آلاف الرحلات التي جرت وتجري حينذاك بحثا وراء الرزق والمخاطرة. وبينما يبدو بيت الأموات الذي يصادف من ينام فيه الموت، ينجو علي المصري ما دام قد رحل في ضوء ما هو مكتوب ومقدر له حسب انساق القدر الفاعلة في ألف ليلة وليلة والتي تتجاوز (المصادفة ) الاعتيادية. والحكاية يمكن أن تنتهي عند الكنز واستدعاء العائلة من مصر ولقاء الأحباب لولا أن الراوية يريد تصعيد مكانة المال الى العرش والسلطة، ولهذا كانت فديته من أطباق الذهب تثير انتباه الحاكم، فيهم بمصاهرته. ومثله - شأن تجار ألف ليلة وليلة لا يستدرج بسهولة، إذ (لا يصح أن يكون صهر الملك تاجرا مثلي - الليلة 432، ص 610)؛ وما يبدو تعللا خلوقا وتواضعا هو استدراج آخر للسلطة، على خلاف مداخل الآخرين ممن عرضوا أنفسهم للبطش فيكون جواب الملك أو الحاكم أو الخليفة (أنعمت عليك بذلك وبالوزارة). أي أن المال الوفير يساعد على تجسير الهوة، شريطة أن يجري التعامل معه بحذر وحذق وإظهار للمعرفة والتعفف بقصد بلوغ السلطة والمشاركة فيها: ففي ألف ليلة وليلة لا يتوقف الطموح عند حد في مجتمع ملي ء بالمغريات. وليست حال علي المصري وحيدة في الف ليلة وليلة، فالمال الذي جاء به كنز الشمردل الى جوار يجعله بمصاف السلطان، بينما ينعم علاء الدين أبو الشامات بالمناصب، ويتنقل بعض التجار في الحظوة حسب ما يشتهيه الخلفاء: ومثل هذه المكافآت تتأسس في أنساق لم تكن غريبة على فضاءات الحياة التي تتأكد فيها مواصفات التكافل ورد الجميل: وعندما كان المستعصم سجينا في برج القصر حظى بعناية الحمال عبدالغني بن الدرنوس الذي أصبح براجا في أبراج الخليفة المستنصر، ومتقدم البراجين أيام المستعصم، ثم فضله على غيره حتى كان يتقدم على سواه في مجلسه ليحوز لاحقا على لقب (نجم الدين) وبينما اعتبر الطقطقي رد الجميل صحيحا، كان جمال الدين بن محمد الدستجرداني يستعيب (تسليط مثل ذلك الأحمق على اعراض الناس وأهوالهم ) (1) مضيفا ان رد الجميل يتم بـ (مكافأته.. بمال أو بمنزلة لا علاقة لها بأمور المملكة ). ويقول الطقطقي (كان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدق من نظري).

لكن العلاقة بين الخلافة وذوي العون تتأكد أكثر مع التجار والموسرين.

وكلما تعاظمت سلطة المال واتسعت تيسرت سبل العلاقة بينه وبين وسطاء الخلافة من الغلمان والجواري وأركان البلاد: وعندما كانت الف ليلة وليلة تعرض مثلا لمحمد بن علي الجوهري، أو لأبي الحسن الخراساني الجوهر، أو لعلي المصري ممن اتسعت استثماراتهم فانها تستكمل العلاقة باستحسان الخليفة لما يجري ورضاه عن الموسرين اذا اجتمع عندهم العشق والظرف وسعة اليد وكثرة المال. ولهذا لم يستكثر الخليفة على الجوهري تقليده أياه، كما أن الخليفة المعتضد في الحكاية ذات الأصل التاريخي لم يستغرب من الخراساني الصيرفي بذله وجاهه ووجاهته، فهؤلاء ليسوا مجرد تجار، ولهذا يمكن أن يصعد واحدهم الى المناصب المقربة للخلفاء. وما بدا كلاما مكرورا في الحكايات في تصعيد فلان التاجر الى مرتبة وزير لا يبدو هزلا في أجواء الحكايات، اذ أن فضاءاتها التاريخية والسياسية تتحرك في مثل هذه التقلبات: فابن الجصاص الحسين بن عبدالله الجوهري كان يقدر على انتشال الدوله من الافلاس، وينقل الصولي في الأوراق (2) إن الخليفة الراضي نعى على عصره غياب أمثال ابن الجصاص ممن يلجأ اليهم عند الأزمات كالتي عصفت به سنة 322هـ (933م). وفي حكاية عبدالله البري (الليلة 942، ص 519ج 2). يرى الملك وجاهة البري وما له ما يبرر له المصاهرة ؟ واذا كان البري يستكثر الاستيزار وهو لا شأن له بالسياسة، يقول له الملك ان المصاهرة واشغال الحكم من شأنهما دفع غائلة الآخرين (المال يحتاج الى الجاه فأنا أدفع عنك تسلط الناس عليك في هذه الأيام. ولكن لربما عزلت أو مت أو تولى غيري فإنه يقتلك من أجل حب الدنيا والطمع).

واذا كانت بعض الحكايات تعرض للخلفاء وهم يعلنون أمام الملأ اعترافهم بجميل التاجر الفلاني أو بظرفه (أي ليقاته لدخول مجتمع الخاصة ) فإن واقع الحياة في الدولة العباسية مثلا كان يؤكد وجود مثل هذا الهوى لدى الخلفاء الذين أقاموا على الدنيا بحب باد، وبعد أن أخذ التجار يشاركون في البيعة للخلافة كما حصل عندما أشرك الرشيد أهل السوق في البيعة للمأمون، فإن المسافة بين المشاركة الأوسع ومن ثم ممارسة السلطة ليست شاسعة. وكلما اختلطت السياسة بالمال، واتجه أصحابها الى الجاه والبذخ، بدا زواج المصلحة ضروريا ولازما بين السياسي والتاجر: وهكذا كان المعتصم يستوزر الفضل بن مروان، ومثله محمد عبدالملك الزيات وحامد بن العباس وعلي ابن عيسى وغيرهم، ويروي النتوخي في نشوار المحاضرة انه ما كان لحامد بن العباس أن يتقلد الوزارة عام 918م (306هـ) لولا أنه ذو يسار عظيم. ولكن الحكايات تستبقي التحفظ على محترفي التجارة، الذين يحسبون للدرهم ألف حساب، كما تقول الليالي: فهؤلاء غير ذوي اليسار والنعمة والظرف. ولمثل هذا التمييز يلجأ الجهشياري عندما يورد نصوصا تحذر من الخداع المقرون بالاتجار (انت رجل شريف وابن شريف وليست التجارة من شأنك ). (3)

ومن الخطأ النظر الى ما تورده الف ليلة وليلة من حكايات ذات أصول تاريخية على انها واحدة أو متشابهة:

فالخليفة المعتضد بالله في حكاية ابن حمدون التي تظهر في الف ليلة وليلة (ص 544، ج 2، الليلة 959) يسأل مضيفه بعدما رأى ما رأى عنده من جاه ووجاهة وثراء وحشم عما اذا كان من (الاشراف )، فيكون الجواب واضحا مليئا بالثقة، لا، أنا أبو الحسن الخراساني، الصيرفي، فالثقة التي يظهرها الجواب لها علاقة بمكانة الصيرفة في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، فكما يروي الصابي وغيره كانت أيام المعتضد تشهد مشاركة أهل الحرف كالصاغة والخياطين الاساكفة والوراقين والنجارين وغيرهم في حشم الخليفة. ولم يكن أبو الحسن بعيدا عن الحكاية عما آل اليه أمر التجار والصيارفة والصاغة من حظوة ومكانة، خاصة وان هؤلاء كانوا يبحثون عن العلوم والآداب، يتثقفون بها سبيلا إن لم تكن لهم بها حاجة أو لديهم الولع بها ولهذا كان التجار الذين لم يأتوا المهنة احترافا كليا كالمرابين منهم ينشغلون أيضا بالمنادمة وقراءة الشعر وتعلم الظرف ومشاركة الظرفاء وتوخي صداقة الجواري من المحظيات. ويقول المقدسي في لطائف الظرائف (ما من تاجر ليس بفقيه) والمستثنى منهم (أهل الربا)؛ وهو ما يتكرر عند الجاحظ في الرسائل عندما تجري الاشارة الى ميلهم للأخذ من كل معرفة بطرف. (4)

ومهما بدت بعض الحكايات تفيض في ذكر السلطان ووجاهته وعدله، الا أنها تحتفظ دائما بمواصفات مرتبية المجتمع البطريقي، أو ذلك الذي اكتسب هذه المرتبية بطرائق الاحتراف واضطر المجتمع الى الركون اليها والقبول بها: ولهذا كان غانم بن أيوب في حكايته مع قوت القلوب يطلع على ما هو مكتوب (على دكة لباسها) انها محظية الخليفة: فتخلى غانم عن عشقه ساعة، وأخذ ينام على فراش منفصل، (وكل شي ء للسيد حرام على العبد). أما علاء الدين أبو الشامات فلم يدخل على الجارية قوت القلوب المهداة له من الخليفة، (الذي يصلح للمولى لا يصلح للخدام): وقد يلجأ الرواة الى اسقاط رغباتهم على الروي، فيصنعون بعض اللمسات التي تحقق لهم انفراجا نفسيا ما، شأن ذلك الذي يضعه الراوي على لسان كريم الصياد بعدما ارتدى الخليفة جبته في مهمته التنكرية تاركا ثوبيه من الحرير للصياد، فـ «جال القمل على جلد الخليفة فصار يقبض بيده اليمين والشمال من على رقبته ويرمي ثم قال يا صياد ويلك ما هذا القمل الكثير في هذه الجبة، فقال يا سيدي انه في هذه الساعة يؤلمك فإذا مضت عليك جمعة فإنك لا تحس به ولا تفكر فيه فضحك، الخليفة..». أما الجوهري أو الحسن علي بن طاهر فإنه عندما يدرك أن ( علي بن بكار) يقيم علاقة مع واحدة من محظيات الخليفة المقربات يقرر الرحيل بماله وأهله سرا الى البصرة: فالتقاطع مع البلاط والحاشية يقود الى الهلاك، يقول أبو الحسن لصاحبه (اعلم اني رجل معروف بكثرة المعاملات بين الرجال والنساء وأخشي أن ينكشف أمرها - علي بن بكار والجارية شمس النهار- فيكون ذلك سببا لهلاكي وأخذ مالي وهتك عيالي. ولهذا أضاف صاحبه (أخبرتني بخبر خطير يخاف من مثله العاقل الخبير). (5)

ويجري التمييز بين البلاط والحاشية وبين التجار بوضوح كبير في الف ليلة وليلة ؛ ومهما كثرت أهوال هؤلاء الا أنهم يبقون بعيدين عن آداب الفئة المترفة أو عن مشاريعها: ولهذا فثمة فضاء في ألف ليلة يجري في تجسير العلاقة بين السوق والحاشية أو الخاصة، لكن هذا الفضاء لا يعني ضرورة التحاق التجار بالمقبولين في نطاق الخاصة فالجوهري في حكاية علي بن بكار مثلا سبيله في العلاقة مع شمس النهار. ومتى ما عرف انها محظية الخليفة تنحى عن جادتها. كما أن الجوهري يرق لدنيا ويتمادى في الاستجابة ما دامت هي الآمرة. أما المرجعية التي يجري الاستناد اليها في مثل هذا الأمر فهي مرتبية تنبني على أساس الآداب والانتماء لا المال، فثمة ارستقراطية وثمة فئة مترفهة، يتجاذبان على صعيد الأفراد لا على صعيد العلاقة المتأسسة. لهذا يكتب التوحيدي في الامتاع والمؤانسة ما يرضي الوزير قائلا:

"لا يوجد الأدب إلا عند الخاصة والسلطان ومدبريه، وأما أصحاب الأسواق فإنا لا نعدم من أحدهم خلقا دقيقا ودينا رقيقا، وحرصا مسرفا وأدبا مختلفا، ودناءة معلومة ومروءة معدومة وإلغاء اللفيف ومجاذبة على الطفيف، يبلغ أحدهم غاية المدح والذم في علق واحد في يوم واحد مع رجل واحد، إذا اشتراه منه أو باعه إياه، إن بايعك مرابحة وخبر بالأثمان، قوى الأيمان على البهتان" (6).

لكن التاجر هو (قناع) الخليفة المتنكر أيضا، فهو المغامر الموفور المال وكلما اجتمع الاثنان سهلت الحركة وطابت، ولهذا غالبا ما يقود القناع الى تجسير المسافة بين التجارة والخلافة.

وتتحقق صورة الخلافة في عقول الآخرين، وفي عقول الرواة لهذا المعنى أيضا، من خلال مجموعة من الاعتبار!ت منها:
* السلطة الصارمة والقمعية.
* الامتلاك الكامل للدنيا.
* مزاولة اللذة ومكوناتها.
* تقديم العطايا والهبات.

ويبدو من الصورة المتقاربة بين حكايات الف ليلة وليلة وكتب التواريخ ان بني العباس انهمكوا في السلطان والدنيا انهماكا كبيرا، فلهم شؤون ومباذل كثيرة، وهكذا كانت قصة محمد علي الجوهري "الليلة 286،ص 459 ج 1" تعيد تشكيل اعتبارات الخلافة، كما كانت مألوفة حتى أن الرشيد كما يعرض له الراوي يقول (والله إن هذا الجالس لم يترك شيئا من شكل الخلافة) بوزرائه وندمائه وموكبه. فهو في الزورق معه المنادي المحذر الآمر بلسان السلطة بانتفاء الملك العام واستئنافه خاصة بعدما ظهرت رغبة السلطان ودانت. ولهذا لم يعد الدجلة نهرا عاما عندما جال فيه الزورق. أما القارب نفسه ففيه حملة مشاعل من (الذهب الأحمر) يقول الراوي: رأوا في مقدم الزورق رجلا بيده مشعل من الذهب الأحمر وهو يشعل فيه بالعود القافلي وعلى ذلك قباء من الأطلس الأحمر وعلى كتفه مزركش أصفر وعلى رأسه شاش موصلي وعلى كتفه الآخري مخلاة من الحرير الأخضر ملآنة بالعود القافلي يوقد منها المشعل عوضا عن الحطب، ورأى رجلا آخر في مؤخر الزورق لابسا مثل لبسه وبيده مشعل مثل المشعل الذي معه ورأى في الزورق مئتي مملوك واقفين يمينا وشمالا ووجد كرسيا من الذهب الأحمر منصوبا وعليه شاب حسن جالس كالقمر وعليه خلعة سوداء بطرازات من الذهب الأصفر بين يديه انسان كأنه الوزير جعفر وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور وبيده سيف مشهور ورأى عشرين نديما.

أي أن مواصفات الثراء والحضور هي مكونات (الخلافة) عند العباسيين أيام ازدهار النعمه ورفاه المجتمع (7)، فأصبحت السلطة تترادف مع الذهب والندماء والوجاهة وطقوس الحضور الجلوس، فتعامل معها الروي بانسياب بالغ وكأنها أمر متعارف عليه، لكنها تظهر في السرد وكأنها بعض من (حلة الواقع) التي تسقط صفة التماثل والمشاكلة بين الواقع وبين الحكاية، وسواء كانت الحكايات تتطابق مع التاريخ أو تتباعد عنه، فإنها تحتمل المشاكلة معه كثيرا من خلال هذا الوصف.

وتعد (مرآة العرض) و(التمثيل ) من بين أبرز سبل التشاكل في الكتابة وأكثرها قدرة على مد الجسر مع الواقع والتاريخ: فالخليفة يرى نفسه في غيره يستعرض الأمر والنهي والانفاق والغطرسة والملك واللذة والعطايا والهبات والندماء، كما يزاول السلطة يوميا.

ولما يقوله جحظة البرمكي (معجم الأدباء م 1، ج 2) في تمييز وضعه الأدنى عن غيره ما يشير الى هذه المرتبية ومواصفاتها:
الحمد لله ليس لي كاتب = ولا على باب منزلي حاجب
ولا حمار إذا عزمت على = ركوبه قيل: جحطة راكب
ولا قميص يمون لي بدلا = مخافة من قميصي الذاهب

وعند نزول المراقبين (الرشيد وصحبه) من المركب، دخلوا من باب السر الى البستان، ومنه كان ما يلي:
"فلما وصلوا الى البساتين رأوا زربية فرسا عليها الزورق واذا بغلمان واقفين ومعهم بغلة مسرجة ملجمة فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة.. وسار بين الندماء".

ولا يسمح الخليفة بحضور مجلسه الا لمن يقدم المتعة والفرجة، كالنديم والقينة ويحق للغريب ذلك عندما يرى الخليفة فيه ما يسره، ولهذا كان الجوهري يسمح بذلك أيضا لكنه يغتاظ من التشاور، فصاح بهما (بالرشيد وجعفر وهما بلباس التجار): المشاورة عربدة. وبدأت بعد ذلك طقوس اللذة وكلما ضرب الجوهري بقضيب على مدورة، (واذا بباب فتح وخرج منه خادم يحمل كرسيا من العاج مصفحا بالذهب الوهاج وخلفه جارية بارعة في الحسن والجمال والبهاء والكمال فنصب الخادم الكرسي).







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 9
, , , , , , ,
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ليلة النصف من شعبان ليلة التوبة ابراهيم عثمان الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 1 05-30-2015 11:24 AM
ليلة بدر ابراهيم عثمان الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 07-17-2014 11:44 PM
يوم و ليلة فاطمة حسن البار قناديل قصيدة النثر 6 01-09-2012 05:55 AM
ليلة قدر علي عزوزي أبو أشرف قناديل الشعر العمودي و التفعيلي 11 05-21-2011 10:13 PM
ليلة شتا هشام مصطفى الفنان قناديل الشعر العمودي و التفعيلي 1 12-27-2009 08:16 AM


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010