آخر 10 مشاركات
جزيرة النخيل صفية أكطاي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 20 - الوقت: 10:23 AM - التاريخ: 09-18-2019)           »          البرنس (ق ق) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 6 - المشاهدات : 79 - الوقت: 10:12 AM - التاريخ: 09-18-2019)           »          ماجد وشاحي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 6 - المشاهدات : 64 - الوقت: 11:14 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          ** من الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم** (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 19 - الوقت: 05:00 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          وقفة عرفة محو للذنوب صفية أكطاي الشرقاوي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 27 - الوقت: 02:07 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          أسامح ليس حبًا للأعادي (الكاتـب : - مشاركات : 7 - المشاهدات : 67 - الوقت: 01:57 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          زَمَنُ البُرشمان1 محمد محضار (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 12 - الوقت: 01:51 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          أعصبُ عينايَ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 24 - الوقت: 12:25 AM - التاريخ: 09-17-2019)           »          الدم يغتال الطريق (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 8 - الوقت: 11:59 PM - التاريخ: 09-16-2019)           »          زمن الـروح (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 39 - الوقت: 08:52 PM - التاريخ: 09-16-2019)




الأحاديث الواردة في فضل الجيش المصري

الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي


إضافة رد
قديم 03-11-2018, 08:50 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
شاعر

الصورة الرمزية صبري الصبري
إحصائية العضو






صبري الصبري is on a distinguished road

صبري الصبري غير متواجد حالياً

 


المنتدى : الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي
افتراضي الأحاديث الواردة في فضل الجيش المصري

الصفحة الرسمية لدار الإفتاء المصرية
***
الأحاديث الواردة في فضل الجيش المصري
———
السؤال:
برجاء التكرم بإفادتنا رسميًّا وكتابيًّا عن مدى صحة هذه الأحاديث الشريفة:
1. عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: حدثني عمر رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».
2. «إذا فتح الله عليكم مصر استوصوا بأهلها خيرًا فإنه فيها خير جند الله».
3. «إن جند مصر من خير أجناد الأرض لأنهم وأهلهم في رباط إلى يوم القيامة».
المطلوب: حكم صحة الأحاديث معتمدة من حضرتكم، ومرفق طيه الطلب المقدم منا.. ولكم جزيل الشكر.
———
الـجـــواب المختصر :
الأحاديث المذكورة في السؤال صحيحة المعاني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا مطعن على مضامينها بوجه من الوجوه، وقد وردت بأكثر ألفاظها خطبةُ عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهي خطبة ثابتة مقبولة صحيحة بشواهدها، رواها أهل مصر وقبلوها، ولم يتسلط عليها بالإنكار أو التضعيف أحد يُنسَب إلى العلم في قديم الدهر أو حديثه، ولا عبرة بمن يردُّها أو يطعن فيها في هذه الأزمان هوًى أو جهلًا.
———
الجواب بالتفصيل :
مدار هذه الأحاديث المذكورة على أن جند مصر هم خير أجناد الأرض؛ لأنهم في رباط إلى يوم القيامة، وعلى الوصية النبوية بأهلها؛ لأن لهم ذمة ورحمًا وصهرًا، وكلُّها معانٍ صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ تتابع على ذكرها وإثباتها أئمة المسلمين ومحدثوهم ومؤرخوهم عبر القرون سلفًا وخلفًا، ولا يقدح في صحتها وثبوتها ضعفُ بعض أسانيدها؛ فإن في أحاديثها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر الذي احتج به العلماء، وقد اتفق المؤرخون على إيراد هذه الأحاديث والاحتجاج بها في فضائل مصر من غير نكير.
ويجمع هذه المعانيَ: ما رواه سيدُنا عمرو بن العاص رضي الله عنه من أحاديث مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خُطبته الشهيرة التي خطب بها أهلَ مصر المحروسة على أعواد منبر مسجده العتيق بفسطاط مصر القديمة، وكان ذلك في نهاية فصل الشتاء وأول فصل الربيع حين يحتفل المصريون بما يُسَمَّى "شَمَّ النسيم" الموافق لأيام (حميم النصارى) أو "خميس العهد" عند المسيحيين؛ حيث كان يحض الناس في أواخر شهر مارس أو أوائل إبريل على الخروج للربيع، وكان يخطب بذلك في كل سنة. وقد سمعها منه المصريون وحفظوها، وتداولوها جيلًا بعد جيلٍ، ودونوها في كتبهم ومصنفاتهم، وصدَّروا بها فضائل بلدهم، وذكروا رواتَها في تواريخِ المصريين ورجالِهم كابرًا عن كابرٍ، وأطبقوا على قبولها والاحتجاج بها في فضائل أهل مصر وجندها عبر القرون؛ لا ينكر ذلك منهم مُنكِرٌ، ولا يتسلط على القدح فيها أحدٌ يُنسَبُ إلى علمٍ بحديثٍ أو فقهٍ؛ بل عدُّوها من مآثر خُطَب سيدنا عمرو رضي الله عنه ونفيس حديثه، ولم يطعن فيها طاعن في قديم الدهر أو حديثه.
وقد أسند عمرو بن العاص رضي الله عنه في هذه الخطبة الحديثَ المرفوع في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مصر خيرًا، عن عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِقِبْطِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً».
وأسند أيضًا الحديثَ المرفوع في فضل جند مصر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا فَتَحَ عَلَيْكُمْ مِصْرَ؛ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ»، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ وأبناءَهم فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
- وقد روى هذه الخطبةَ قاضي مصر الإمامُ الحافظ عبد الله بن لهيعة، ورواها عنه الإمامان الحافظان: أبو نُعيم إسحاق بن الفرات التُّجِيبيُّ، وأبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي.
فأخرجها مستوفاةً من طريق إسحاقَ بن الفرات عن ابن لهيعة:
الإمامُ الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين [ت257هـ] في "فتوح مصر والمغرب" (ص: 166-167، ط. مكتبة الثقافة الدينية) فقال: حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافري، قال:
"رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرًا، وذلك آخر الشتاء، أظنّه بعد حميم النّصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع إذْ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بنيّ هؤلاء الشُّرَطُ. فأقام المؤذّنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص رضي الله عنه على المنبر، فرأيت رجلًا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب مَوْشِيَّةٌ كأنّ به العِقْيَان تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة، فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا وصلّى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحضّ على الزكاة، وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول، وكثرة العيال.
وقال فى ذلك: يا معشر الناس، إيّاي وخلالًا أربعًا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلّة بعد العزّة؛ إيّايَ وكثرةَ العيال، وإخفاضَ الحال، وتضييعَ المال، والقيلَ بعد القال، في غير درك ولا نوال، ثم إنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء فى توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقلّ، ولا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلًا، وعن حلال الله وحرامه غافلًا.
يا معشر الناس، إنه قد تدلّت الجوزاء، وذَكَت الشِّعْرَى، وأقلعت السّماء، وارتفع الوباء، وقلّ الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرّجت السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيّته حسن النظر. فحيَّ لكم على بركة الله إلى ريفكم؛ فنالوا من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنّها جُنّتكم من عدوّكم، وبها مغانمكم وأثقالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرًا، وإيّاي والمشمومات والمعسولات، فإنهنّ يفسدن الدّين ويقصّرن الهمم.
حدثني عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِقِبْطِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً».
فعفّوا أيديكم وفروجكم، وغضّوا أبصاركم، ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علّة حططتُه من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حوالكم وتشوّق قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثني عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يقول: «إِذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ، فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ».
فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم، فتمتّعوا في ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود، وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوّح البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحيَّ على فسطاطكم، على بركة الله، ولا يقدَمَنَّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته، أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم.
قال: فحفظت ذلك عنه، فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكيتُ له خطبته: إنه يا بنيَّ يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط، كما حداهم على الريف والدّعة".
وأخرجها مستوفاةً أيضًا: حافظُ عصره وناقد دهره الإمامُ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني [ت385هـ] في "المؤتلف والمختلف" (2/1003-1004، ط. دار الغرب الإسلامي) فقال: حدَّثَنا أبو الحسن علي بن أحمد بن الأزرق المعدل, قال: حدثَنا محمد بن موسى بن عيسى الحضْرميّ, قال: حدثنا أبو محمد وفاء بن سُهَيْل بن عبد الرحمن الكندي سنة ثلاث وستين ومائتين, قال: حدثنا إِسحاق بن الفرات, قال: حدثنا ابن لَهِيعَة, عن الأَسْود بن مالك الحميري, عن بَحِير بن ذَاخِرٍ المَعَافِريّ، قال: ركبتُ أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة.. فساقها بتمامها، غير أنه قال في حديثها: «لِأَنَّهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ».
ومن طريق الإمام الدارقطني أخرجها الإمامان الحافظان: أبو عبد الله النميري [ت544هـ] في "الإعلام بفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام" (ص: 83، ط. دار الكتب العلمية) حيث ساق أولها، وأبو القاسم بن عساكر [ت571هـ] في "تاريخ دمشق" (46/162، ط. دار الفكر) حيث ساقها بتمامها.
وأخرجها مختصرةً: الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي الحنفي [ت321هـ] في "شرح مشكل الآثار" (8/228، ط. مؤسسة الرسالة)؛ فقال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثنا إسحاق بن الفرات قال: حدثنا ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري، أنه سمع عمرو بن العاص رضي الله عنه في خطبته يوم الجمعة يقول: "يا معشر الناس، إياي وخلالا أربعًا؛ فإنهن يدعون إلى النصب بعد الراحة, وإلى الضيق بعد السعة, وإلى المذلة بعد العزة: إياك وكثرة العيال، وإخفاض الحال، والتضييع للمال، والقيل بعد القال، في غير درك ولا نوال".
وأخرجها مستوفاةً من طريق يحيى بن بُكَير عن ابن لهيعة:
الإمامُ المؤرخ أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي الفقيه [ت387هـ] في "فضائل مصر وأخبارها" (ص: 83، ط. مكتبة الخانجي) فقال: حدثنا علي بن أحمد بن سلامة، قال: حدثني عبد الملك بن يحيى بن بكير قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري.. فساقها بتمامها، غير أنه قال فيها: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ».. وقال في آخرها: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"، قال: فحفظتُ ذلك عنه، قال: فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكَيْتُ له خطبته: يا بني! إنه يحدو الناس على الرباط كلما انصرفوا، كما حداهم على الريف والدعة. وكان يخطب بها في كل سنة.
وأخرجها الإمام الحافظ المؤرخ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي [ت347هـ] في "تاريخ مصر"؛ حيث عزا إليه العلامة المقريزي في "إمتاع الأسماع" (14/185، ط. دار الكتب العلمية) تخريج الحديث المرفوع في فضل جندها، وعزا إليه الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: 610، ط. دار الكتاب العربي) تخريج الحديث المرفوع في الوصية النبوية بأهلها.
وأخرجها مختصرةً: الإمام الحافظُ أبو القاسم هبة الله بن عساكر الدمشقي في "تاريخ دمشق" (46/161)؛ فقال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، قال: أخبرنا أبو الحسين بن النقور، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن نصر بن طالب، قال: حدثنا أبو الوليد عبد الملك بن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، قال: حدثنا أبي، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك، عن بحير بن ذاخر، قال: رحت مع أبي إلى الجمعة، فأقبل قوم معهم السياط ومعهم رجل قصير القامة عظيم الهامة عليه ثيابُ وَشْيٍ تأْتَلِق، وإذا هو عمرو بن العاص رضي الله عنه، فخطب؛ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووعظ موعظة بليغة موجزة، ثم قال: "أيها الناس! إيايَ وقيل وقال، في غير درك ولا نوال"، وذكر عبد الملك خطبة طويلةً، وذكر فيها قال: "وحدثني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ»، قال: فقال لي أبي: يا بُنَيَّ هذا الأمير عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: فأعدتُ الخطبةَ على أبي فعجب مِن حفظي لها، أو فأُعجِبَ بحفظي.
ومدار إسناد هذه الخطبة على الإمام الكبير؛ قاضي مصر وعالمها، ومحدثها وفقيهها، العلّامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن لَهِيعة بن عقبة الحضرمي [ت174هـ]، وكان من أوعية العلم وبحوره، وهو مقدَّمُ أهل مصر في الحديث والفقه والفتوى مع الإمام الليث بن سعد [ت175هـ] رحمهما الله تعالى، وكانا في الحديث كفرسَيْ رِهانٍ، بل إن ابن لهيعة فاق الليث في كثرة من أدركهم من التابعين؛ فقد كان طلّابًا للحديث جمّاعةً له، وهو صاحبُ حديث المصريين وأعلمُ الناس به، وقد وثَّقه أهل مصر وهم أدرى الناس به، وكان كبار المحدِّثين يتمنَّوْنَ الأخذَ عنه، وروَى عنه جماعةٌ من كبار الأئمة؛ كالإمام الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج، وإمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه، وإمام مصر الليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وعمرو بن الحارث، وراوي "الموطأ" يحيى بن يحيى النيسابوري وغيرهم، ومنهم من لم يكن يروي إلا عن ثقة؛ كشعبة ومالك رحمهما الله تعالى، وروى عنه إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل بواسطةٍ، وروى له الشيخان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" مقرونًا بغيره، ووثَّقه كثير من المحدِّثين، وضعّفه بعضهم. والذي عليه التحقيق: أن رواياته مقبولة وأن حديثه حسنٌ أو صحيحٌ، وأن الضعف في بعض رواياته إنما أتى مِن جهة مَن روى عنه لا مِن قِبَله هو، ولو ادُّعِيَ أن بعض المحدثين أطلق القول بتضعيفه فهذا معارَضٌ بتوثيق كبار الأئمة له وروايتهم عنه:
فكان ابن لهيعة مشتغلًا بحديث المصريين وكل من ورد على مصر؛ حتى كان يقول: "كانت لي خريطة أضع فيها القراطيس والدواة والحبر، وأدور على القبائل والمساجد؛ أسأل رجلًا رجلًا: ممن سمعتَ؟ ومَن لَقِيتَ؟" اهـ أسنده المنتجالي في "تاريخه" عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، ونقله الحافظ مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال" (8/148، ط. الفاروق الحديثة).
وقال رَوْحُ بن صلاح: "لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًّا، ولقي الليث بن سعد اثني عشر تابعيًّا" خرّجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/141).
وقيل لأحمد بن صالح: أيما أحب إليك: حديث ابن لهيعة الذي رواه الثقات، أو حديث يحيى بن أيوب؟ فقال: كان يحيى حافظًا وفي بعض أحاديثه شيء، وحديث ابن لهيعة أصح. فقيل له: فحديث الليث وابن لهيعة؟ فقال: "ابن لهيعة رَاوِيةُ المصريين، وأي شيء عند الليث من حديث مصر؟ كان ابن لهيعة من الثقات، إذا لقن شيئا يحدثه" اهـ نقلا عن "إكمال تهذيب الكمال" (8/144).
وعن قتيبة بن سعيد قال: حضرتُ موتَ ابنِ لهيعة فسمعت الليثَ يقول: "ما خلَّف مثلَه"، خرَّجه ابن حبان في "المجروحين" (2/12، ط. دار الوعي).
وعن إمام أهل العلل والجرح والتعديل الإمام الحافظ علي بن المديني أنه قال: "رجلان هما صاحبا حديث أهل بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة"، خرّجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (7/186، ط. دار الغرب الإسلامي).
وروى الإمام النسائيُّ، عن الإمام أبي داود، عن الإمام أحمد بن حنبل قال: "مَن كان بمصر يشبه ابنَ لهيعة في ضبط الحديث وكثرته وإتقانه! ما كان محدثُ مصرَ إلا ابنَ لَهِيعة". خرَّجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/145)، وروى نحوَه أبو عُبيد الآجريُّ في "سؤالاته" عن الإمام أبو داود (2/175، ط. مؤسسة الريان)، وزاد: "وحدَّث عنه أحمد بحديث كثير" اهـ، وقد روى عنه الإمام أحمد في "المسند" أكثر من سبعمائة حديث.
وخرَّج ابن حبان في "المجروحين" (2/12) عن إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر قال: "أنا حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، فجعل مالك يسألني عن ابن لهيعة وأُخبِرُه بحاله، فجعل يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحج؟ فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماع منه" اهـ.
وقال الحافظُ البيهقي -كما في "النفح الشذي" للحافظ العراقي (2/853، ط. دار العاصمة)-: [كان مالكٌ يُحَسِّنُ القولَ في ابن لهيعة] اهـ. وكذا قال الإمامُ السهيلي في "الروض الأنف" (2/286، ط. دار إحياء التراث العربي).
وقد روى الإمام مالك عن ابن لهيعة ووثقه؛ فإنه روى في "الموطأ" حديثين عن (الثقة)، وصرح باسمه فيهما خارج "الموطأ"؛ فهو ثقةٌ عنده قولًا وفعلًا:
فأما الحديث الأول: فأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ».
قال الحافظ ابن عدي في "الكامل" بعد أن أخرجه من طريق أبي مصعب الزهري عن مالك (5/252): [هكذا ذكره أبو مصعب عن مالك عن الثقة عن عَمْرو بن شُعَيب، وبعض أصحاب الموطأ يذكرون عن مالك قال: بلغني عن عَمْرو بن شُعَيب، ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لَهِيعَة عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب، ولم يُسمِّه لضعفه، والحديثُ عن ابن لَهِيعَة عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب مشهورٌ] اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر في "الاستذكار" (6/263، ط. دار الكتب العلمية): [هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب، وقال ذلك جماعة من رواة "الموطأ" معه. وأما القعنبي والتنيسي وابن بكير وغيرهم فقالوا فيه: عن مالك أنه بلغه أن عمرو بن شعيب، والمعنى فيه عندي سواء؛ لأنه كان لا يروي إلا عن ثقة.
وقد تكلم الناس في الثقة عند مالك في هذا الموضع، وأشبه ما قيل فيه: أنه ابن لهيعة والله أعلم؛ لأن هذا الحديث أكثر ما يعرف عند ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب] اهـ.
وقال الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى" (5/559، ط. دار الكتب العلمية): [ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة, عن عمرو بن شعيب. والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور] اهـ.
وقد صرَّح الإمام مالك في هذا الحديث بالرواية عن ابن لهيعة؛ وذلك من طريقين عنه:
- من طريق عبد الله بن وهب، عن مالك؛ فيما أخرجه الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (24/177، ط. وزارة الأوقاف المغربية).
- ومن طريق محمد بن معاوية النيسابوري؛ فيما أخرجه الحافظ أبو أحمد الحاكم [ت378هـ] في "عوالي مالك" (1/189، ط. دار الغرب الإسلامي)، والإمام أبو موسى المديني [ت581هـ] في "اللطائف من علوم المعارف" (ص: 282، ط. مخطوط).
وأما الحديث الثاني: فأخرجه الإمام مالك في "الموطأ": عن الثقة عنده، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبد الرحمن بن الحُبَاب الأنصاري، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُشرَب التمرُ والزبيبُ جميعًا، والزهوُ والرُّطَبُ جميعًا.
قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (24/205): [هكذا روى هذا الحديثَ عامةُ رُواةِ الموطأ كما رواه يحيى، وممن رواه هكذا: ابنُ عبد الحكم، والقعنبيُّ، وعبد الله بن يوسف، وابن بكير، وأبو المصعب، وجماعتهم.
ورواه الوليد بن مسلم عن مالك عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج.. ثم ساقه من طريقه] اهـ.
وكذا أسنده الحافظ أبو القاسم المهرواني [ت468هـ] -فيما خرجه الحافظ الخطيب البغدادي في "المهروانيات" (2/553-554، ط. الجامعة الإسلامية)- من طريق الوليد بن مسلم عن الإمام مالك مصرحًا فيه بالرواية عن ابن لهيعة.
وتوثيق ابن لهيعة هو الذي اعتمده المالكية عن الإمام مالك رضي الله عنه؛ قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/195، ط. دار الفكر): [ابن حارث عن ابن وهب: رجع مالك عن إنكاره لوجوبه لما أخبرته بحديث ابن لهيعة «كان صلى الله عليه وآله وسلم يخللهما في وضوئه» انتهى -يعني: الأصابع-.. وفيما ذكره ابن وهب دليل على الاحتجاج بحديث ابن لهيعة] اهـ.
بل هذا هو الذي اعتمده أرباب المذاهب الفقهية المتبوعة؛ حتى قال الحافظ أبو محمد بن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (4/220، ط. دار الآفاق الجديدة): [ولا أحصي كم وجدتُ للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيحَ روايةِ ابن لهيعة] اهـ.
وقال الحافظ ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/251، ط. الكتب العلمية)؛ مؤكِّدًا سماع الإمام مالك، وغيره من الأئمة؛ كشعبة، والثوري، والليث، من ابن لهيعة: [حديثه أحاديث حسان، وما قد ضعفه السلف هو حسن الحديث يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد] اهـ، ومن المقرر أن الإمام مالكًا لم يكن يروي إلا عن ثقة، وكذا شعبة بن الحجاج؛ قال الإمام علي بن المديني: قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: "ما كان أشدَّ انتقادَ مالك للرجال وأعلمَه بشأنهم"، خرَّجه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/23، ط. دائرة المعارف العثمانية)، وخرّجه أبو نعيم في "الحلية" (6/322، ط. دار الفكر) عن علي بن المديني قال: حدثنا سفيان قال: "كان مالك ينتقي الرجال ولا يحدث عن كل أحد"، قال علي: "ومالكٌ أمانٌ فيمن حدَّث عنه من الرجال؛ كان مالكٌ يقول: لا يُؤخَذ العلم إلا عن من يَعرِف ما يقول"، وقال الإمام أحمد بن حنبل: "كان شعبةُ أمةً وحدَه في هذا الشأن"؛ يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتَثَبُّتِه، وتَنْقِيَتِه للرجال، رواه عنه ابنه عبد الله في "العلل" (2/539، ط. دار الخاني)، وقال الإمام الزركشي في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (3/370-371، ط. أضواء السلف): [الذي عادته لا يروي إلا عن ثقة ثلاثة: يحيى بن سعيد، وشعبة، ومالك. قاله ابن عبد البر وغيره، وقال النسائي: ليس أحدٌ بعدَ التابعين آمَنَ على الحديث مِن هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم] اهـ.
وأخرج الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/143، ط. دار الفكر) عن الإمام سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث أنه قال: [عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع] اهـ، وقال: [حججتُ حِجَجًا؛ لِأَلْقى ابنَ لهيعة] اهـ.
وأخرج ابن عساكر أيضًا في "تاريخ دمشق" (32/143) عن الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: [ودِدت أني سمعتُ من ابن لهيعة خمسمائة حديث، وأني غرمتُ مؤدًّى] اهـ؛ أيْ: قدرَ دِية.
والإمام ابن لهيعة قد وثَّقه المصريون وحمِدوا روايته، ودفعوا دعوى اختلاطه، وصرَّحوا بأن الضعف إنما هو ممن روى عنه لا منه؛ كابن وهب، ويحيى بن حسان، والنضر بن عبد الجبار، وعثمان بن صالح، وسعيد بن أبي مريم، وأحمد بن صالح، وهم من كبار محدِّثي مصر وثقاتهم. وهؤلاء هم أهل بلده، وقد تقرر عند المحدثين والمؤرخين أن أهل بلد الراوي أعلمُ الناس به، قال حماد بن زيد: "بلَدِيُّ الرجل أعرف بالرجل"، أخرجه الخطيب في "الكفاية" (1/275، ط. دار ابن الجوزي):
فأخرج ابن عدي في "الكامل" (5/239) عن أبي الطاهر أحمد بن السَّرح قال: سَمعتُ ابن وهب (وهو الإمام عبد الله بن وهب [ت197هـ] تلميذ الإمام مالك) يقول، وسأله رجل عن حديث فحدثه به، فقال له الرجل: من حدثك بهذا يا أبا محمد؟ قال: "حدثني به والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة"، زاد المزي في "تهذيب الكمال" (15/495، ط. مؤسسة الرسالة): قال أبو الطاهر: "وما سمعتُه يحلف بمثل هذا قط" اهـ.
وقال الإمام يحيى بن حسّان [ت208هـ]: "ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هُشَيْم"، فقال له ابنُه: إن الناس يقولون: احترق كتبُ ابن لهيعة، فقال: "ما غاب له كتابٌ"، خرّجه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (5/148).
وقال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار [ت219هـ]: "كنا نرى أنه لم يَفُتْهُ من حديث مصرَ كبيرُ شيء"، أخرجه ابن عدي في "الكامل" (5/237).
وقال ابن معين في "تاريخه- رواية ابن محرز" (1/101، ط. مجمع اللغة العربية): [قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري وكان ثقة: ما اختلط ابن لهيعة قط حتى مات] اهـ.
وهذا عثمان بن صالح السهمي [ت219هـ] يسأله ابنه يحيى قائلًا له: متى احترقت دار ابن لهيعة؟ فقال: "في سنة سبعين ومائة"، قلت: واحترقت كتبه كما تزعم العامة؟ فقال: "معاذ الله، ما كتبتُ كتابَ عمارة بن غزية إلا مِن أصل كتاب ابن لهيعة بعد احتراق داره، غير أن بعض ما كان يقرأ منه احترق وبقيت أصول كتبه بحالها"، أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/293، ط. دار المكتبة العلمية).
وقال سعيد بن أبي مريم الجُمَحي [ت224هـ]: "لم تحترق كتب ابن لهيعة، ولا كتاب، إنما أرادوا أن يرققوا عليه أمير مصر، فأرسل إليه أمير مصر بخمس مئة دينار"، خرّجه الآجري في "سؤالاته للإمام أبي داود" (2/175).
وقال الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح المصري [ت248هـ]: "كان ابن لهيعة طلّابًا للعلم صحيحَ الكتاب، وكان أملى عليهم حديثه مِن كتابه قديمًا، فكتب عنه قوم يعقلون الحديث وآخرون لا يضبطون، وقوم حضروا فلم يكتبوا وكتبوا بعد سماعهم، فوقع علمه على هذا إلى الناس، ثم لم تخرج كتبه وكان يقرأ من كتب الناس، فوقع في حديثه إلى الناس على هذا، فمن كتب بأَخَرَةٍ من كتاب صحيح قرأ عليه على الصحة، ومَن كَتَبَ مِن كتابِ مَن كان لا يضبط ولا يصحح كتابه وقع عنده على فساد الأصل". خرّجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/184، ط. مؤسسة الرسالة).
ونقل الحافظ أبو حفص عمر بن شاهين [ت385هـ] في "المختلف فيهم" (ص: 47، ط. مكتبة الرشد): عن أحمد بن صالح أنه سئل عن ابن لهيعة، فقال: ثقة، قيل له: فيما روى الثقات عن ابن لهيعة، ووقع فيها تخليط، ترى أن نطرح ذلك التخليط؟ قال: ثقة، ورفع بابن لهيعة.
ثم قال الحافظ ابن شاهين: "والقولُ في ابن لهيعة عندي قولُ أحمد بن صالح؛ لأنه من بلده ومن أعرف الناس به وبأشكاله من المصريين، وقد حدَّث شعبة بن الحجاج عن ابن لهيعة".
وفي تاريخ يحيى بن معين (ص: 97، ط. دار المأمون) أنه سُئِل عن ابن لهيعة؛ فقيل له: فهذا الذي يحكي الناسُ أنه احترقت كتبه؟ قال: "ليس لهذا أصلٌ؛ سألت عنها بمصر".
وأخرج ابن عساكر (32/147) عن أبي أمية، عن أبيه، قال: قال أبو زكريا: "أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه واحد القديم والحديث" زاد الدورقي: "إلى آخره" اهـ.
وقال الإمام ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/516، ط. دار صادر): [وأما أهل مصر فيذكرون أنه لم يختلط، ولم يزل أول أمره وآخره واحدًا] اهـ.
وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (32/144) عن خالد بن خِداش قال: قال لي ابن وهب، ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة: "إني لست كغيري في ابن لهيعة فاكتبها" اهـ.
ومما يدل على صحة رواية ابن لهيعة وأن الضعف إنما هو من جهة الرواة عنه: ما أخرجه ابن عساكر (32/147) عن إبراهيم بن الجنيد قال: قال لي يحيى بن معين: "قال لي أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات" اهـ.
وهذا يدل على استواء أمره طيلة حياته وأن المعوَّل في قبول روايته على صحة الرواية عنه، ويَرُدُّ دعوى الإجماع على رد روايته بعد احتراق كتبه أو اختلاطه؛ فإنه لا نزاع بين المحدِّثين في قبول رواية عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة، وابن وهب لم يزل يكتب عن ابن لهيعة حتى مات، ولم يَرِدْ أنه ترك الرواية عنه في وقت من الأوقات، وهذا ما قرره الحافظ ابن عدي في "الكامل" (5/253)؛ حيث قال فيه: [حديثه حسن؛ كأنه يسْتَبان عمَّن روى عنه، وهو ممن يُكتب حديثُه] اهـ.
والتحقيق الذي عليه جماهير المحدِّثين ومحققوهم قديمًا وحديثًا: أن حديثه صحيح أو حسن إذا لم يكن الراوي عنه ضعيفًا.
ولقد صحح جماعات من كبار المحدِّثين قديمًا وحديثًا أحاديث ابن لهيعة، وحسَّنوها؛ منهم:
الإمام مالك رضي الله عنه، وتلميذه عبد الله بن وهب، وبَلَدِيُّوه المصريون، والإمام أحمد رضي الله عنه، والإمام الترمذي في "سننه"، والحافظ الدارقطني في "العلل"، و"السنن"، والحافظ أبو سعد الخركوشي في "شرف المصطفى"، وحسَّن له الحافظ الذهبي في "السير" من رواية غير العبادلة عنه، واحتج بحديثه في "التنقيح"، وقوّى له الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" أحاديث من غير طريق العبادلة عنه، وحسَّن حديثَه الحافظُ الهيثمي في "مجمع الزوائد" ونقل الاحتجاجَ به وتحسين حديثه عن جماعة من العلماء، والحافظ العيني في "عمدة القاري"، والحافظ السيوطي في "حسن المحاضرة"، والعلامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج"، وغيرهم كثير.
قال إمام أهل الحديث في عصره الحافظ أبو الحجاج المزي [ت742هـ]: [ابن لهيعة من الأئمة الحفاظ.. وإنما تكلم فيه من تكلم بسبب الرواة عنه؛ فمنهم من هو عدلٌ؛ كابن المبارك ونحوه، ومنهم من هو غير عدل، فإن كان الذي روى عنه عدل فهو جيدٌ، وإلا كان غير عدل فالبلاء ممن أخذه عنه] اهـ نقلا عن "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للإمام الزركشي (3/600).
وصحّح حديثَه العلامةُ المحدِّث أحمد شاكر؛ فقال في تعليقه على "سنن الترمذي" (1/15، ط. الحلبي): [وهو ثقة صحيح الحديث، وقد تكلم فيه كثيرون بغير حجة من جهة حفظه، وقد تتبعنا كثيرًا من حديثه، وتفهمْنا كلام العلماء فيه، فترجح لدينا أنه صحيح الحديث، وأن ما قد يكون في الرواية في الضعف إنما هو ممن فوقه، أو ممن دونه، وقد يخطئ هو كما يخطئ كل عالم وكل راوٍ] اهـ، وقال في تحقيقه لمسند الإمام أحمد (1/202، ط. دار الحديث): [وهو ثقة تكلموا فيه من قبل حفظه بعد احتراق كتبه، ونحن نرى تصحيح حديثه إذا رواه عنه ثقة حافظ من المعروفين] اهـ.
وهذه الخطبة يرويها عن ابن لهيعة إمامان جليلان ثقتان ثبتان، لا مطعن في روايتهما عنه:
أولهما: الإمامُ القاضي أبو نُعيم إسحاق بن الفرات التُّجِيبي [ت204هـ]، وكان فقيهًا حافظًا؛ قرأ الموطأ بمصر من حفظه فما أسقط منه حرفًا، وهو من كبار أصحاب الإمام مالك، ورشّحه الإمام الشافعي لولاية القضاء، وقال عنه: لم يكن بمصرَ أحدٌ أعلم باختلاف العلماء منه، وقال ابن عبد الحكم: ما رأيت فقيهًا أفضل منه. وهو من قدماء الرواة عن ابن لهيعة؛ فإنه وُلد سنة خمس وثلاثين ومائة، وذلك قبل ميلاد جماعة ممن وُصِفُوا بقدم الرواية عن ابن لهيعة؛ كأشهب بن عبد العزيز، ومروان الطاطري، وقتيبة بن سعيد، وكامل الجحدري، وسعيد بن عُفَير، وغيرهم، بل إنه شارك ابن لهيعة في الرواية عن بعض شيوخه؛ كأبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني المصري [ت142هـ]؛ كما ذكر ابن يونس في "تاريخه" (ص: 140، ط. دار الكتب العلمية)، وابن الجوزي في "المنتظم" (8/38، ط. دار الكتب العلمية).
وثانيهما: الإمام المحدِّث الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي [ت231هـ]، من رجال الصحيحين، وهو تلميذ الإمامين مالك والليث، سمع منهما فأكثر؛ حتى سمع الموطأ من الإمام مالك سبع عشرة مرة، وهو محدث مصر الإمام الحافظ الثقة، وكان غزير العلم عارفًا بالحديث وأيام الناس، بصيرًا بالفتوى، صادقًا ديِّنًا؛ كما يقول الحافظ الذهبي، وكان عالمًا بأحوال الإمام ابن لهيعة ومحدِّثي أهل عصره، وبلغ من إتقانه وضبطه للرواية أن قال فيه الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (10/614، ط. مؤسسة الرسالة): "قد احتج به الشيخان، وما علمتُ له حديثًا منكرًا حتى أُوردَه" اهـ، وهذا ظاهرٌ في انتفاء النكارة عن هذه الرواية وغيرها مما رواه.
وهذه الخطبة لعمرو بن العاص رضي الله عنه: يرويها الإمامُ عبد الله بن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحِمْيَرِي، عن بَحِير بن ذاخر المَعَافِري، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
فأمّا بَحِيرُ بنُ ذَاخِر: فهو التابعي الثقة الجليل أبو علي بَحِيرُ بنُ ذَاخِرِ بنِ عامِر المَعَافِرِيّ الناشِريّ المصريّ، وهو "من تابعي أهل مصر"؛ كما يقول الإمام أبو حاتم الرازي في "الجرح والتعديل" (2/411)، وهو صاحب عمرو بن العاص رضي الله عنه؛ كما يصفه الحافظ ابن حجر في "تبصير المنتبه" (1/60، ط. المكتبة العلمية)، ومجالستُه لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ثابتةٌ في "فتوح مصر والمغرب" لابن عبد الحكم (ص: 166)، وسماعه منه ثابتٌ في كتاب "الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: 300، ط. مكتبة الصحابة).
وهو يروي عن جماعة من الصحابة؛ منهم: عمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ومَسْلَمَةُ بنُ مُخَلَّدِ بنِ الصامتِ الأنصاريُّ الخزرجيُّ رضي الله عنه -وكان سيّافًا له-، وعُقبةُ بن نافع القرشي رضي الله عنه -وفي صحبته خلاف-، ويروي أيضًا عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم؛ كما في "تاريخ ابن يونس" (1/58، ط. دار الكتب العلمية)، وكان مِن حَرَسِ عبد العزيز بن مروان؛ كما في ترجمة بَحِيرٍ مِن "التاريخ الكبير" للإمام البخاري (2/138، ط. دائرة المعارف العثمانية).
وقد حدَّث عنه جماعة؛ منهم: ابنه عليُّ بن بَحِير، وعبد الله بن لهيعة، والأسود بن مالك؛ كما في "تاريخ ابن يونس" (1/58)، وروى عنه غيرُهم أيضًا؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" (3/211، ط. دار الغرب الإسلامي).
وهو ثقة جليل لم يطعن فيه طاعنٌ بجهالة أو جرح؛ فقد وثَّقه الحافظ ابن حبان؛ حيث ذكره في ثقات التابعين من كتابه "الثقات" (4/81، ط. دائرة المعارف العثمانية)، ووثَّقه الحافظ ابن قُطْلُوْبَغَا الحنفي [ت879هـ] في كتابه "الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة" (3/6، ط. مركز النعمان).
ومما يدل على ثقة بَحِيرٍ وضبطه وإتقانه: أنه سمع خطبةَ عمرو بن العاص رضي الله عنه مع أبيه ذَاخِرٍ، ثم أعادها عليه كما سمعاها، حتى عجب أبوه من حفظه لها وإتقانه لعباراتها، وهذا من دلائل ضبطه وجودة روايته.
ويرويها عن بَحِيرِ بن ذاخرٍ: الأسودُ بنُ مالك الحِمْيَرِيّ، وروايتُه عن بَحِير معروفة؛ فقد ذكره أهل التراجم وأصحاب التواريخ في الرواة عنه؛ كما في "تاريخ ابن يونس" (1/58)، وكما في "الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب" للأمير الحافظ ابن ماكولا (1/197، 3/374، ط. دار الكتب العلمية)، وكما في "تهذيب مستمر الأوهام" له أيضًا (ص: 96، ط. دار الكتب العلمية)، وكما في "تاريخ الإسلام" للحافظ الذهبي (3/211)، وكما في "الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة" للحافظ ابن قطلوبغا (3/6).
والأسود بن مالك وإن لم يُذكَرْ له راوٍ غيرُ ابن لهيعة إلا أنه معروفٌ عند أهل مصر بروايته خطبةَ عمرو بن العاص رضي الله عنه عن بَحِيرِ بن ذاخر المَعَافريّ، ولا يُعرَف لها راوٍ غيره، وقد أثبت المحدِّثون رواية بَحِيرٍ لهذه الخطبة عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهذا يدل على إثباتهم وقبولهم روايةَ الأسود لها عنه؛ فإنه لا يرويها عنه غيرُه، ولو كانت رواية الأسود مردودة لَمَا صحَّ جزمُ المُحدِّثين وأصحاب التواريخ والتراجم برواية بَحيرٍ لها:
قال الحافظ أبو سعيد بن يونس [ت347هـ] في "تاريخه" (1/58): [بَحِيرُ بنُ ذاخِر بن عام






التوقيع

مهندس مدني استشاري صبري أحمد الصبري
www.sabryalsabry.blogspot.com
http://www.facebook.com/#!/sabry.alsabry
https://twitter.com/SABRYALSABRY
رد مع اقتباس
قديم 03-11-2018, 09:13 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
مستشار أدبي

الصورة الرمزية عوض بديوي
إحصائية العضو







عوض بديوي is on a distinguished road

عوض بديوي متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : صبري الصبري المنتدى : الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي
افتراضي رد: الأحاديث الواردة في فضل الجيش المصري

سـلام مـن الله وود ،
وأميل لمـا جئتم به ؛ مما علمني ربي مـن فضله ؛
ويمكن مـراجعة كتاب الفتن و مسـتودع رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، مـن أسـرار حذيفة بن اليمان رضي الله ...
فشعب الكنانة وأرضها فيها نصـرة وخيرة آخـر الـزمان...
والله تعالى أعلم
غير أن جهودكـم طيبة ومباركة
شـكرا للـرفد والإثـراء
مـودتي و مـحبتي







التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 03-11-2018, 10:03 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
شاعر

الصورة الرمزية صبري الصبري
إحصائية العضو






صبري الصبري is on a distinguished road

صبري الصبري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : صبري الصبري المنتدى : الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي
افتراضي رد: الأحاديث الواردة في فضل الجيش المصري

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عوض بديوي [ مشاهدة المشاركة ]
سـلام مـن الله وود ،
وأميل لمـا جئتم به ؛ مما علمني ربي مـن فضله ؛
ويمكن مـراجعة كتاب الفتن و مسـتودع رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، مـن أسـرار حذيفة بن اليمان رضي الله ...
فشعب الكنانة وأرضها فيها نصـرة وخيرة آخـر الـزمان...
والله تعالى أعلم
غير أن جهودكـم طيبة ومباركة
شـكرا للـرفد والإثـراء
مـودتي و مـحبتي

شكرا جزيلا لكم
جزاكم الله خيرا
وبارك فيكم
وزادكم الله من فضله
أخي الفاضل
عوض بديوي
بكم سعدت وشرفت
تحياتي لكم
وتقديري
ومحبتي






التوقيع

مهندس مدني استشاري صبري أحمد الصبري
www.sabryalsabry.blogspot.com
http://www.facebook.com/#!/sabry.alsabry
https://twitter.com/SABRYALSABRY
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 7
, , , ,
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010