آخر 10 مشاركات
محاكاة بيت من الشعر (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 12 - المشاهدات : 195 - الوقت: 11:31 AM - التاريخ: 10-20-2019)           »          هذا أنا (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 - الوقت: 11:08 AM - التاريخ: 10-20-2019)           »          هل ..؟ (الكاتـب : - مشاركات : 8 - المشاهدات : 77 - الوقت: 11:05 AM - التاريخ: 10-20-2019)           »          لحظة (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 - الوقت: 11:04 AM - التاريخ: 10-20-2019)           »          رثء الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي :: شعر :: صبري الصبري (الكاتـب : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 16 - الوقت: 08:45 AM - التاريخ: 10-20-2019)           »          هوى هواء (الكاتـب : - مشاركات : 33 - المشاهدات : 1057 - الوقت: 10:16 PM - التاريخ: 10-19-2019)           »          خربشات على الماء (الكاتـب : - مشاركات : 678 - المشاهدات : 45673 - الوقت: 10:15 PM - التاريخ: 10-19-2019)           »          ماسِحُ الأحْذِيَه (الكاتـب : - مشاركات : 21 - المشاهدات : 486 - الوقت: 07:16 PM - التاريخ: 10-19-2019)           »          رسائل مني إلى زهراء (الكاتـب : - مشاركات : 13 - المشاهدات : 87 - الوقت: 05:58 PM - التاريخ: 10-19-2019)           »          انتقام (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 97 - الوقت: 04:21 PM - التاريخ: 10-19-2019)




،،ألف ليلة و ليلة،،

قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول


إضافة رد
قديم 12-07-2014, 10:49 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

عبد الفتاح كيليطو
نحن والسندباد​

حكايات السندباد تتكون من سبع حكايات يرويها السندباد البحري بنفسه ويصف فيها ما جرى له في أسفاره السبعة. وبالإضافة، هناك حكاية أخرى لها وضعية خاصة لأنها تؤطر الحكايات السبع، وتقوم شهرزاد بروايتها لشهريار : حكاية لقاء السندباد البري بالسندباد البحري، التي تبدأ هكذا:
’’ قالت بلغني أنه في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد رجل يقال له السندباد الحمال وكان رجلا فقير الحال يحمل بأجرته على رأسه فاتفق له أنه حمل في يوم من الأيام حملة ثقيلة وكان ذلك اليوم شديد الحر فتعب من تلك الحملة وعرق واشتد عليه الحر فمر على باب مصطبة عريضة فحط الحمال حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء ‘‘ .

الحمال هذا، الذي يدعى كذلك السندباد البري، يجلس على قصر السندباد البحري. لقد أنهكه المشي على البر تحت شمس محرقة وهاهو الآن يجلس في الظل ليستريح، قبل أن يستأنف حمل أثقاله. المكان الذي اختاره للجلوس ’’ مصطبة‘‘ تفصل بين عالمين، عالم البر وعالم البحر. أو عالم الفقر وعالم الغنى. إن ما يتوق إليه الحمال هو البحر، وهو الآن على الشاطئ ، في مكان مرشوش بالماء يهب عليه ’’ هواء معتدل‘‘. فوق المصطبة تم اللقاء بين البر والبحر. بين عنصرين مختلفين. البر هنا له صفات مكروهة بينما البحر له صفات محبوبة. الحمال يترك وراءه البر الملتهب ويستقبل بوجهه البحر الذي يرحب به برذاذه ونسيمه العليل، من جهة البر والحر (أو النار). ومن جهة الماء والهواء. العناصر الأربعة الأولية (1) تتواجد وتتواجه بإزاء المصطبة .

المواجهة تتجلى عندما ينشد الحمال أبيات شعر يبدي فيها استغرابه من كون ’’ كل الخلائق نطفة‘‘ ومع ذلك فهو ’’ في تعب زائد‘‘ بينما صاحب المنزل الذي يوجد قبالته له ما شاء من ’’ بسط وعز وشرب وأكل‘‘، وحين يسمع السندباد البحري كلام الحمال، يرسل في طلبه ويقدم له’’ شيئا من أنواع الطعام المفتخر الطيب النفيس‘‘ ثم يقول له: ’’ اعلم أن لي قصة عجيبة وسوف أخبرك بجميع ما صار لي وما جرى لي من قبل أن أصير إلى هذه السعادة وأجلس في هذا المكان الذي تراني فيه فإنني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة .

كلا السندبادين وصل إلى ’’ هذا المكان‘‘ بعد تعب ونصب، ولكن شتان بين ما قاساه السندباد البري وما قاساه السندباد البحري. ’’ السعادة‘‘ تقاس بالمشاق التي كوبدت من أجلها. من هذا المنظور، كل واحد ينال من النعيم بحسب الأهوال والأخطار التي لقيها. الحمال لم يركب البحر ولم يتجشم مشاقه فلم ينل من كنوزه شيئا ولم يشاهد غرائبه وعجائبه. لهذا السبب ليس له، على عكس السندباد البحري، حكاية يرويها. لقد بقي فوق البر لم يبرحه ولم يتوغل في البحر الذي يوفر الغنى ورصيدا من الأخبار الشيقة التي تحلو روايتها. كل ما يستطيع فعله الآن هو الإصغاء إلى السندباد البحري ومعاينة العجائب في مرآة خطابه والتقاط الأشياء التي يقذفها أحيانا على الشاطئ .

إلا أننا إذا تأملنا ما حدث للحمال، نلاحظ أنه عاش بصفة مصغرة تجربة عجيبة تجعله جديرا باقتسام اسم ’’ سندباد‘‘ مع صاحبه، وجديرا بأن تروي شهرزاد ما وقع له. فعندما أرسل السندباد البحري في طلبه اجتاز الباب الذي كان جالسا قبالته، يعني أنه انتقل من فضائه المألوف إلى فضاء غريب: ’’ فعند ذلك بهت السندباد الحمال وقال في نفسه والله إن هذا المكان من بقع الجنان‘‘. لو بقي في الفضاء الأول لما كانت هناك حكاية إذ الشرط الأساسي للحكاية هو الانتقال أي اجتياز العتبة الفاصلة بين فضائين (2). عندما يدخل الحمال إلى الفضاء الغريب يتغير وجوده وتعريفه. لقد ’’ حط حملته عند البواب : لم يعد بحاجة إلى حمل ’’ أسباب الناس‘‘. الدور المنوط به الآن هو الاستماع إلى ما يرويه السندباد البحري. في صباح كل يوم يقصد الفضاء الغريب وفي المساء يعود إلى فضائه المألوف. في الصباح يذهب إلى البحر وفي المساء يرجع إلى البر .

هذه الحركة الدورية نلاحظها بعينها في مسيرة السندباد البحري. لقد سافر سبع مرات من بغداد إلى بلدان بعيدة وغريبة وكل سفر ينتهي بالإياب إلى بغداد. الطواف شمسي، يبعد السندباد من نقطة في العالم ثم يعيده إليها. لكن حدث بعد السفرة السابعة أن الشمس لم تعد تنشط إلى الدوران. تجمدت عند نقطة انطلاقها ولم ترغب في مبارحته مرة أخرى. وبفقدان الحركة ينتهي السرد ولا يبقى إلا وضع نقطة الختام. الجمود الذي أصاب السندباد هو في نفس الوقت جمود السرد الذي يعيش بالحركة ويموت بالاستقرار .

حج السندباد سبع مرات ثم جلس في منزله يحكي مغامراته. وبعد سبعة أيام لم يبق له ما يحكيه ولم يبق لشهرزاد ما تحكيه عنه، فيتوقف كل شيء ويتحجر الأشخاص في انتظار الموت. هل معنى هذا أن عنصر البر قد انتصرعلى عنصر البحر وأن هذا الأخير تحول إلى ذكرى تتردد كتردد الأمواج على الساحل ؟

الإيهام والإبهام

رغم تعرف السندباد البري على الفضاء الغريب ورغم صحبته للسندباد البحري فإنه يبقى موسوما بـ ’’ البري‘‘ و’’ الحمال‘‘. ماذا يحمل ؟ قبل ولوجه الفضاء الغريب كان يحمل ’’ أسباب الناس‘‘ بالأجرة. وبعد هذا الولوج تحسنت حاله إلا أنه ظل يحمل ثقل الأرض، عنصره الأساسي الذي لا يملك إزاحته عن كاهله. خطواته كلها تتم فوق البر ولا مناص له من الخضوع للعنصر الذي ينتمي إليه والذي يجذبه ويشده إليه .

أما السندباد البحري فإنه ينتمي إلى الماء الذي لا يستقر على حال إذ هو دائم الحركة والتغير. ليس هناك سكون على وجه البحر وإنما مد وجزر، أمواج ورياح هوجاء يتلوها هدوء لا يجوز الاغترار به لأنه ليس سوى حركة أقل سرعة وأقل قوة. ولكن سمة السندباد البحرية لا تطمس جانبه البري كما أن السمة البرية لصاحبه لا تمنعه كليا من الانجذاب إلى البحر. السندباد البحري ، على الرغم من النعت الذي يوصف به ، مرتبط بالبر الذي لا يعني، بالنسبة إليه ، التعب والضنى تحت الحر وإنما السلامة والراحة والأمن. البر هو فضاؤه المألوف الذي يجد فيه أحبابه ورفاقه والعادات التي تربى عليها والتي تبدو له بديهية ومتفوقة على عادات الأقوام الآخرين. ومع ذلك فإنه يلبي دائما نداء البحر: ’’ فاشتاقت نفسي إلى الفرجة في البلاد وإلى ركوب البحر وعشرة التجار وسماع الأخبار‘‘. إذا كان البر يضمن الاستقرار والاطمئنان فإن البحر يضمن الغنى ومشاهدة عجائب البلدان. لهذا فالتذبذب هو ما يميز السندباد الذي يضع رجلا هنا ورجلا هناك. عندما يكون في البر يشتاق إلى البحر ويتنكر لعنصره البري، وعندما يكون في البحر يندم على مفارقته لبغداد ويتنكر لعنصره البحري: ’’ وصرت ألوم نفسي على ما فعلته وقد تعبت نفسي بعد الراحة وقلت لروحي يا سندباد يا بحري أنت لم تتب وكل مرة تقاسي فيها الشدائد والتعب ولم تتب عن سفر البحر وإن تتب تكذب في التوبة فقاس كل ما تلقاه فإنك تستحق جميع ما يحصل لك ‘‘ .

البحر فتنة تسلب العقل وتؤدي إلى الهلاك وعلى قدر الفتنة يكون النفور. هذا ما يمكن استنتاجه من صفات العالم الغريب الذي يعرض أشياء تغري السندباد وأشياء يشمئز منها .

الصفة الأولى تتعلق بحجم المخلوقات الذي يختلف عما هو شائع في العالم المألوف. هناك مثلا ’’ القرود‘‘ أي الأقزام ’’ وهم أقبح من الوحوش وعليهم شعور مثل لبد الأسد ورؤيتهم تفزع ولا يفهم أحد لهم كلاما ولا خبرا وهم مستوحشون من الناس صفر العيون سود الوجوه صغار الخلقة طول كل واحد منهم أربعة أشبار‘‘. على ان الضخامة هي الميزة الغالبة. عندما يحلق الرخ في السماء فإنه يحجب الشمس كما تفعل الغمامة ويظلم الجو. والفيل الذي هو أكبر حيوان في عالم السندباد المألوف، لا يزن أكثر من ذبابة فوق قرن ’’ الوحش المسمى بالكركدن‘‘. الكركدن هذا ’’ يحمل الفيل الكبير على قرنه ويرعى به في الجزيرة والسواحل ولم يشعر به ويموت الفيل على قرنه ويسيح دهنه من حر الشمس على رأسه ويدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل فيجيئ له طير الرخ فيحمله في مخالبه ويروح به عند أولاده ويرزقهم به ‘‘ .

الصفة الثانية للفضاء الأجنبي هي مزجه للمتناقضات والمتنافرات إذ تتجاور فيه أشياء نفسية مع كائنات مخيفة: ’’ ومشيت في ذلك الوادي فرأيت أرضه من حجر الألماس... وكل ذلك الوادي حيات وأفاع‘‘.. ليس للوادي منفذ ولا مخرج ويبقى السندباد يهيم في جنباته متأملا الأحجار الكريمة ومتحسرا على إحراز ثروة هائلة لن يستفيد منها إذ ينتظر بين لحظة وأخرى أن يصير في جوف حية. أسباب الغنى والسعادة تتجاور مع أسباب الذعر والموت.

الصفة الثالثة هي وجود شعائر وعادات لم تكن تدور بخلد السندباد فيقشعر منها جلده ويشعر بالدوار تجاهها. فهناك قوم يتلذذون بأكل لحم الآدميين ثم هناك قوم لهم عادة رديئة جدا إذ كلما ’’ ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة حتى لا يتلذذ أحد منهم بالحياة بعد رفيقه ‘‘ .

العالم الغريب ميدان فسيح للوصف المفصل، بينما في العالم المألوف تكفي الإشارة والتلميح. ليس هناك أي داع لوصف بغداد أو الفيل أو النسر: التسمية وحدها كافية لإبراز خصائص الكائنات المألوفة. وليس هناك كذلك أي داع للتحدث بإسهاب عن عادات العالم الذي ينتمي إليه الراوي. فعندما يعلن هذا الأخير أنه إثر عودته إلى بغداد ’’ تصدق ووهب وأعطى ‘‘ فإنه لا يشعر بأدنى حاجة إلى أن يضيف أنه فعل ذلك شكرا لله لأنه شيء معلوم. علة الأحداث معروفة في عالمه ولا تحتاج إلى تفسير أو تعليق. العالم المألوف يقتصد فيه في القول بينما لا بد من الإطالة في وصف العالم الغريب لأنه مجهول .

الصفة الرابعة تتعلق بالتسمية. لا يخفى ما للتسمية من أهمية قصوى إذ بفضلها يتم ضبط الأشياء والتجول بثقة خلالها. السندباد كثيرا ما يعجز عن تسمية الأماكن التي تلقيه فيها العواصف. إذ ذاك يكون الضلال والضياع لأنه لا يستطيع وضع اسم على الجزيرة التي يوجد فيها فلا يدري الجهة التي يجب عليه أن يقصدها ليتم له الخلاص والنجاة. سئل مرة بعد عودته إلى بغداد عن مدينة عاش فيها مدة من الزمن فأجاب ’’ والله لا أعرف للمدينة... اسما ولا طريقا‘‘ العالم الغريب له خريطته الخاصة التي تختلف عن خريطة العالم المألوف .

وقد يحدث أحيانا أن التسمية العامة المجردة ( جزيرة، إنسان.. ) تصدر عن الوهم والالتباس. فمثلا يبصر السندباد ’’ قبة كبيرة بيضاء شاهقة العلو كبيرة الدائرة‘‘ ولكن يتبين له فيما بعد أنها ’’ بيضة من بيض الرخ‘‘. ومرة أخرى ينزل هو والبحارة إلى ’’ جزيرة كأنها روضة من رياض الجنة‘‘ ثم يعلمون بعد فوات الأوان أن ما ظنوه جزيرة ’’ إنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر فبنى عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة وقد نبتت عليها الأشجار‘‘. وعلاوة على ذلك ما هو الاسم الجدير بالقوم الذين يأكلون لحم البشر ’’ بلا شي ولا طبخ‘‘؟ وأي اسم يليق بأهل مدينة ’’ تنقلب حالتهم في كل شهر فتظهر لهم أجنحة يطيرون بها إلى عنان السماء‘‘ .

هذه الأسئلة تؤدي بنا إلى السؤال التالي: ما هو التعريف الذي يليق بالسندباد ؟ هل سعيه في العالم الغريب يجعله، ولو إلى حد ما ، غريبا عن نفسه ؟ بعبارة أخرى، هل هو متمسك كل التمسك بمنطق العالم المألوف بحيث يسلم من عدوى الغرابة ؟

3 - السندباد الهوائي والسندباد التحت أرضي

البحر ماء والماء يتبخر ويصير ماء، لم يكتف السندباد بركوب البحر بل جرب كذلك، ثلاث مرات، صعود الجو، مرة على متن طير الرخ، ومرة على متن نسر، ومرة متشبثا بأحد الرجال الذين تنبت لهم أجنحة كل شهر. وحسب ما يظهر من الحكاية السابعة فان التحليق في الفضاء من عمل الشيطان ولا ينبغي للإنسان أن يحاوله لان فيه تجاوزا للطبيعة البشرية. من طبيعة الطيور ان تصعد في الجو ولكن على الآدميين ان يحجموا عن ذلك لان فيه تطاولا وشططا وتحديا للحدود المرسومة لهم. وبالفعل فقد كادت التحليقة الثالثة أن تنتهي بكارثة أي أن السندباد كاد أن يهوي إلى الأرض ويتكسر عقابا له على غروره: " ولم يزل طائرا بي ذلك الرجل وانا على أكتافه حتى علا بي في الجو فسمعت تسبيح الأملاك في قبة الأفلاك فتعجبت من ذلك وقلت سبحان الله والحمد لله فلم استتم التسبيح حتى خرجت نار من السماء فكادت تحرقهم فنزلوا جميعا والقوني على جبل عال وقد صاروا في غاية الغيظ مني" (34)

النار كما رأينا في البداية حليفة البر بينما الجو حليف البحر. النار عدوة الهواء كما ان البر عدو البحر. إذا كان ركوب البحر مكروها لأن فيه مجازفة واستسلاما لعنصر التغير فان ركوب الجو محرم لأن فيه تشبها بالعفاريت والشياطين وخرقا لنواميس الطبيعة. على كل حال لم يعد السندباد الى مثلها وعمل بنصيحة زوجته: " قالت لي احترس من خروجك بعد ذلك مع هؤلاء الأقوام ولا تعاشرهم فإنهم إخوان الشياطين ولا يعلمون ذكر الله تعالى" (35).

العلاقة بين البر والبحر أفقية بينما العلاقة بيم البر (او النار) والجو عمودية. وقد تتطور العلاقة العمودية الى علاقة بين سطح البر وجوفه أي بين عالم الأحياء وعالم الأموات. فكما ان لسندباد ارتفع ثلاث مرات إلى عنان السماء فلقد نزل ثلاث مرات الى عمق الأرض. الى منطقة تخيم عليها " ظلمة شديدة" (29) ولا بعرف فيها " الليل من النهار"(21). فلقد دفن حيا مع زوجته الميتة في السفرة الرابعة. أما في السفرة السادسة والسابعة فانه لم يجد طريقة تخلصه من الوحدة والضياع سوى ركوب فلك صغير يسير مع التيار في نفق طويل تحت الجبل. الفلك بمثابة تابوت متجول، والسندباد، الذي تأخذه، من شدة التعب، " سنة نوم" (29)، كالميت فيه. في عالم الظلام والموت يتحكم زمان خارج الزمان العادي الذي يتحدد بطلوع الشمس وغروبها.

مما سبق يمكن أن نستنتج أن السندباد، بانتمائه إلى عالمين مختلفين، قد صار وسيطا بينهما ( الوسيط هو الذي يكون في الوسط بين شخصين ويكون ملما بكل حاجاتهما وميولهما ومشاكلهما). بفضل أسفاره التي تنقله من أفق إلى أفق، تأهل لأن يكون سفيرا بين بغداد ( رمز الفضاء المألوف) وأقطار الغرابة. لقد اهتدى مرة إلى تلقين قوم غرباء صناعة السروج، وبالمقابل عاد يوما بهدية من احد ملوك البلاد البعيدة إلى هارون الرشيد. " فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب وأمر المؤرخين ان يكتبوا حكايتي ويجعلوها في خزانته ليعتبر بها كل من رآها"(31). السرد في هذا المضمار أحسن وسيلة للتبادل بين العالمين .

4 – المقايضة

متى يأخذ رواة ألف ليلة وليلة في سرد حكاياتهم؟ عندما لا يكون بد من ذلك ويصبح السرد الوسيلة الوحيدة للخروج من ورطة او موقف صعب. السرد وليد توتر بين قوي وضعيف. حين يشد القوي بخناق الضعيف لا يجد هذا الأخير خلاصه إلا بسرد حكايته أو حكاية أشخاص آخرين. الحكاية مرادفة للتوسل والرجاء، انها القربان الذي يذبح لتهدئة غضب الشخص المتسلط وتقريبه من الشخص الذي يوجد تحت رحمته. بحيث تصير العلاقة بينهما، ليس بالضبط علاقة مساواة، وإنما علاقة تفاهم وتبادل. بهذا المعنى تتحول عملية السرد إلى عملية تعاقد ( ضمني أو علني) بين راو ومستمع4. كلا الطرفين ينتظر من الأخر شيئا: المستمع ينتظر من الراوي حكاية شيقة، والراوي ينتظر من المستمع ان يعفو عنه أو بصفة عامة، ان ينقله من حالة سيئة إلى حالة محمودة. للسرد سلطة عجيبة لا تقاوم. كلما يتقدم السرد كلما يهدأ المستمع وتسترخي ملامح وجهه المكفهرة، أي انه يسقط في الفخ الذي نصبه له الراوي عندما أخد في السرد. الراوي لا مندوحة له من الكلام والمستمع لا مندوحة له من تنفيذ رغبة الراوي عندما يتم حكايته. السرد له وظيفة معينة إذ هو صلة وصل بين شخصين اتسعت الهوة بينهما إلى حد أن احدهما يكون على شفا حفرة من القتل. وظيفة السرد هي إعادة التوازن لعلاقة مختلة.

هدا النوع من التعاقد نجده بالطبع في حكايات السندباد ولكن علاقة القوة بين الراوي والمستمع معكوسة هنا. في جل حكايات ألف ليلة يكون المستمع (شهريار مثلا) هو القوي المسيطر, ويكون الراوي (شهرزاد) هو الضعيف الخاضع الذي يلتمس العطف والرحمة. لكن في حكايات السندباد نجد نقيض هذا: السندباد البحري. الرجل القوي (الغني) هو الذي يقوم بالسرد. بينما السندباد البري. الرجل الضعيف(الفقير) هو الذي يتلقى السرد .

ما هو ثمن الإصغاء؟ السندباد البري ينصت الى حكايات السندباد البحري وينال كل ليلة مكافأة سنية جزاء له على إنصاته. " ثم ان السندباد البحري عشى السندباد البرى عنده وأمر له بمائة مثقال ذهبا وقال له آنستنا في هذا النهار فشكره الحمال واخذ منه ما وهبه له وانصرف إلى حال سبيله"(8). الإصغاء يقدر بمائة مثقال ذهبا بالإضافة إلى عشاء فاخر. عندما دخل الحمال في علاقة تبادل مع السندباد انتقل من الفقر الى الغني . التبادل يؤدي الى التبدل .

نتذكر أن السندباد البحري شرع في رواية مغامراته ليبرهن للحمال ان " السعادة" التي صار اليها قد استحقها بما كابده من صعوبات ومشاق. ويمكن أن نضيف أنه تاب من الإسفار ولكن لم يتب من الرواية، فلا بد له من مستمع يغيره سمعه. لكن ماذا حدث بعد أن انهي السندباد حكاياته السبع؟ لم تنفصم علاقته مع الحمال لان السرد خلق بينهما أنسا ومودة استمرا إلى أن أتى " هازم اللذات ومفرق الجماعات "(35).

ينبغي ان نشير الى أن السندباد لم يرو للحمال فقط ما جرى له. لا ننس أنه تاجر وان التجارة, بجانب " الفرجة" هي الغرض من أسفاره: " وكل محل رسونا عليه نقابل التجار وأرباب الدولة والبائعين والمشترين ونبيع ونشتري ونقايض فيه "(8). عندما يسعفه الحظ (البحر) فانه يتاجر بالبضائع التي حملها معه من بغداد. ولكن ماذا يفعل عندما يغرق مركبه وتضيع أمتعته ولا ينجو إلا بأعجوبة من الغرق؟ هل يفقد صفة التاجر؟ لا, لأنه يستدر عطف الناس بسرد ما وقع له أي انه يتجر بالخطوب التي لقيها. عندما يتلف البحر جميع ما يملك فانه يرقع حاله بالسرد وبعد مدة يصير من جديد غنيا. السرد سلعة يجدها دائما رهن إشارته عندما يفقد سلعه الأخرى. قي وسعه دائما أن يروي كيف ضاعت منه سلعه وكيف صار معدما, ومقابل حكايته ينال الخير العميم: " ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى مدينة الملك المهرجان وقد دخلوا عليه واعلموه بقصتي فطلبني فأدخلوني عليه وأوقفوني بين يديه فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي وحياني بإكرام وسألني عن حالي, فأخبرته بجميع ما حصل لي وبكل ما رايته من المبتدأ إلى المنتهى فعند دلك تعجب مما وقع لي وما جري لي.. ثم انه أحسن إلي وأكرمني وقربني إليه وصار يؤنسني بالكلام والملاطفة وجعلني عنده عاملا على مينا البحر .."(6). بفضل ما تدره عليه حكايته من مال يشتري سلعا جديدة ويعود الى الاتجار والمقايضة.

على انه أحيانا لا ينفع السرد في إيجاد تعاقد يرضي الطريفين، يحدث هذا عندما يكون احد الطرفين مفتقرا إلى عنصر من عناصر الآدمية. إذ ذاك يصبح السرد عديم الفائدة لأنه قبل كل شئ، فعل بشري لا يتم إلا بين البشر. لا شئ يرجى من آكلي لحم الإنسان ولا من الاقزام الذين، بالإضافة إلى توحشهم، " لا يفهم احد لهم كلاما ولا خبرا" ولا شئ يرجى من العجماوات ولا من المخلوقات المتشبهة بها كالعملاق الذي يظهر في الحكاية الثالثة والذي هو " في صفة إنسان" ولكن " له أنياب مثل أنياب الخنازير وله فم عظيم الخلقة مثل فم البئر وله مشافر مثل الجمل"(13). هذا المخلوق الذي تغلب غليه الأوصاف الحيوانية لا يتكلم وليس بإمكان من يقع في قبضته ان يجري معه أي حوار .

ماذا يحدث عندما يكون احد الطرفين لا يستطيع احد الطرفين التعبير عن حاجاته إلا بالإشارة؟ لنقرأ ما وقع للسندباد مع شيخ البحر: " ثم دنوت منه وسلمت عليه فرد علي السلام بالإشارة ولم يتكلم فقلت له يا شيخ ما سبب جلوسك في هذا المكان فحرك رأسه وتأسف وأشار لي بيده يعني احملني... فتقدمت إليه وحملته على اكتافي5، وجئت إلى المكان الذي أشار لي إليه وقلت له انزل على مهلك فلم ينزل عن أكتافي وقد لف رجليه على رقبتي فنظرت إلى رجليه فرايتهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة"(24). هذا المخلوق يدخل في حوار مع السندباد ولكن بالإشارة فقط . إن رجليه الجاموسيتين، وعدم قدرته على النطق تقربانه من الحيوان. فهو، كالعملاق والأقزام، نصف إنسان ونصف حيوان. التواصل في هذه الحالة منعدم او لا يخدم إلا طرفا واحدا، وحين يصير التبادل مستحيلا لا يبقى إلا العنف ولغة القوة.

5- السندباد العربي

لنتساءل ألان عن التوبة الصادقة التي أعلنها السندباد في نهاية مطافه: " ثم أني تبت إلى الله تعالى عن السفر في البر والبحر بعد هذه السفرة السابعة التي هي غاية السفرات وقاطعة الشهوات"(35). هل السفر من المحظورات ؟ ما هو الذنب الذي يقترفه والذي يستلزم التوبة ؟

إن ما تاب منه السندباد هو فتنة العالم الغريب والنزعة إلى الذوبان فيه. الهلاك الذي يتهدده في البحر هو الاستسلام إلى إغراء " الآخر" والتنكر للمنبع والأصل. في كل سفرة تختلط عليه المسالك ويكاد أن لا يعود إلى ذويه. التوبة هي الأوبة إلى بغداد، إلى النقطة التي كان منها انطلاقه، إلى البداية.

لكن الوفاء لعالم الألفة لا يعني الانفصال الكلي عن عالم الغرابة. وإلا فلماذا يشعر السندباد بحاجة ملحة الى رواية تجاربه ولماذا " صار كل من سمع بقدومه يجئ إليه ويسأله عن حال السفر وأحوال البلاد فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه"(12)؟ حكايات السندباد بمتابة حوار، أو جدل، بين الانغلاق والانفتاح، تماما كالثقافة العربية المعاصرة لها (الجاحظ مثلا) التي تتميز بالالتحام بين عناصر مألوفة وأخرى غريبة، بين البر والبحر.

واليوم من ينكر أن السندباد ما يزال يخاطبنا عبر القرون ويسألنا عن علاقتنا بالعالم المألوف وبالعالم الغريب(الغربي)؟ لقد كثر حفدته على الخصوص منذ عصر النهضة ( انظر على سبيل المثال الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق وحديث عيسى بن هشام للمويلحي) وليس في الأفق ما ينبئ بأن عهد "السنابدة" قد انتهى، بصفة أو بأخرى كلنا اليوم، في العالم العربي، سندباد.

---------

( 1 ) يستفيد الباحث العربي عند دراسته للمؤلفات الكلاسيكية والحديثة مما كتبه باشلار حول العناصر الأساسية ( الأرض ، الماء ، النار ، الهواء ) . مدلول هذه العناصر ليس قارا في كثير من الأحيانم وإنما يتلون حسب الثقافة المعنية والحقبة التاريخية ، بل إن العمل الأدبي ، إذا نظر إليه على حدة ، قد يعطي صبغة خاصة لهذه العناصر ويوظفها توظيفا فريدا . انظر مثلا تحليل كريماص لإحدى قصص موباسان .
( 2 ) لوتمان ، 1975 ، ص 103
غريماص ، 97
نفس المصدر ، الصفحات 98 - 101
4 - بارث 1970 ، ص: 95-96 - تودوروف 1971 ص: 86-88
5- السندباد البحري يصير حمالا كالسندباد البري

عبد كيليطو ، الأدب والغرابة ( دراسات بنيوية في الأدب العربي ) ، دار الطليعة ، ص ص 95 – 98







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:49 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

عبد الفتاح كيليطو
نحن والسندباد​

حكايات السندباد تتكون من سبع حكايات يرويها السندباد البحري بنفسه ويصف فيها ما جرى له في أسفاره السبعة. وبالإضافة، هناك حكاية أخرى لها وضعية خاصة لأنها تؤطر الحكايات السبع، وتقوم شهرزاد بروايتها لشهريار : حكاية لقاء السندباد البري بالسندباد البحري، التي تبدأ هكذا:
’’ قالت بلغني أنه في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد رجل يقال له السندباد الحمال وكان رجلا فقير الحال يحمل بأجرته على رأسه فاتفق له أنه حمل في يوم من الأيام حملة ثقيلة وكان ذلك اليوم شديد الحر فتعب من تلك الحملة وعرق واشتد عليه الحر فمر على باب مصطبة عريضة فحط الحمال حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء ‘‘ .

الحمال هذا، الذي يدعى كذلك السندباد البري، يجلس على قصر السندباد البحري. لقد أنهكه المشي على البر تحت شمس محرقة وهاهو الآن يجلس في الظل ليستريح، قبل أن يستأنف حمل أثقاله. المكان الذي اختاره للجلوس ’’ مصطبة‘‘ تفصل بين عالمين، عالم البر وعالم البحر. أو عالم الفقر وعالم الغنى. إن ما يتوق إليه الحمال هو البحر، وهو الآن على الشاطئ ، في مكان مرشوش بالماء يهب عليه ’’ هواء معتدل‘‘. فوق المصطبة تم اللقاء بين البر والبحر. بين عنصرين مختلفين. البر هنا له صفات مكروهة بينما البحر له صفات محبوبة. الحمال يترك وراءه البر الملتهب ويستقبل بوجهه البحر الذي يرحب به برذاذه ونسيمه العليل، من جهة البر والحر (أو النار). ومن جهة الماء والهواء. العناصر الأربعة الأولية (1) تتواجد وتتواجه بإزاء المصطبة .

المواجهة تتجلى عندما ينشد الحمال أبيات شعر يبدي فيها استغرابه من كون ’’ كل الخلائق نطفة‘‘ ومع ذلك فهو ’’ في تعب زائد‘‘ بينما صاحب المنزل الذي يوجد قبالته له ما شاء من ’’ بسط وعز وشرب وأكل‘‘، وحين يسمع السندباد البحري كلام الحمال، يرسل في طلبه ويقدم له’’ شيئا من أنواع الطعام المفتخر الطيب النفيس‘‘ ثم يقول له: ’’ اعلم أن لي قصة عجيبة وسوف أخبرك بجميع ما صار لي وما جرى لي من قبل أن أصير إلى هذه السعادة وأجلس في هذا المكان الذي تراني فيه فإنني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة .

كلا السندبادين وصل إلى ’’ هذا المكان‘‘ بعد تعب ونصب، ولكن شتان بين ما قاساه السندباد البري وما قاساه السندباد البحري. ’’ السعادة‘‘ تقاس بالمشاق التي كوبدت من أجلها. من هذا المنظور، كل واحد ينال من النعيم بحسب الأهوال والأخطار التي لقيها. الحمال لم يركب البحر ولم يتجشم مشاقه فلم ينل من كنوزه شيئا ولم يشاهد غرائبه وعجائبه. لهذا السبب ليس له، على عكس السندباد البحري، حكاية يرويها. لقد بقي فوق البر لم يبرحه ولم يتوغل في البحر الذي يوفر الغنى ورصيدا من الأخبار الشيقة التي تحلو روايتها. كل ما يستطيع فعله الآن هو الإصغاء إلى السندباد البحري ومعاينة العجائب في مرآة خطابه والتقاط الأشياء التي يقذفها أحيانا على الشاطئ .

إلا أننا إذا تأملنا ما حدث للحمال، نلاحظ أنه عاش بصفة مصغرة تجربة عجيبة تجعله جديرا باقتسام اسم ’’ سندباد‘‘ مع صاحبه، وجديرا بأن تروي شهرزاد ما وقع له. فعندما أرسل السندباد البحري في طلبه اجتاز الباب الذي كان جالسا قبالته، يعني أنه انتقل من فضائه المألوف إلى فضاء غريب: ’’ فعند ذلك بهت السندباد الحمال وقال في نفسه والله إن هذا المكان من بقع الجنان‘‘. لو بقي في الفضاء الأول لما كانت هناك حكاية إذ الشرط الأساسي للحكاية هو الانتقال أي اجتياز العتبة الفاصلة بين فضائين (2). عندما يدخل الحمال إلى الفضاء الغريب يتغير وجوده وتعريفه. لقد ’’ حط حملته عند البواب : لم يعد بحاجة إلى حمل ’’ أسباب الناس‘‘. الدور المنوط به الآن هو الاستماع إلى ما يرويه السندباد البحري. في صباح كل يوم يقصد الفضاء الغريب وفي المساء يعود إلى فضائه المألوف. في الصباح يذهب إلى البحر وفي المساء يرجع إلى البر .

هذه الحركة الدورية نلاحظها بعينها في مسيرة السندباد البحري. لقد سافر سبع مرات من بغداد إلى بلدان بعيدة وغريبة وكل سفر ينتهي بالإياب إلى بغداد. الطواف شمسي، يبعد السندباد من نقطة في العالم ثم يعيده إليها. لكن حدث بعد السفرة السابعة أن الشمس لم تعد تنشط إلى الدوران. تجمدت عند نقطة انطلاقها ولم ترغب في مبارحته مرة أخرى. وبفقدان الحركة ينتهي السرد ولا يبقى إلا وضع نقطة الختام. الجمود الذي أصاب السندباد هو في نفس الوقت جمود السرد الذي يعيش بالحركة ويموت بالاستقرار .

حج السندباد سبع مرات ثم جلس في منزله يحكي مغامراته. وبعد سبعة أيام لم يبق له ما يحكيه ولم يبق لشهرزاد ما تحكيه عنه، فيتوقف كل شيء ويتحجر الأشخاص في انتظار الموت. هل معنى هذا أن عنصر البر قد انتصرعلى عنصر البحر وأن هذا الأخير تحول إلى ذكرى تتردد كتردد الأمواج على الساحل ؟

الإيهام والإبهام

رغم تعرف السندباد البري على الفضاء الغريب ورغم صحبته للسندباد البحري فإنه يبقى موسوما بـ ’’ البري‘‘ و’’ الحمال‘‘. ماذا يحمل ؟ قبل ولوجه الفضاء الغريب كان يحمل ’’ أسباب الناس‘‘ بالأجرة. وبعد هذا الولوج تحسنت حاله إلا أنه ظل يحمل ثقل الأرض، عنصره الأساسي الذي لا يملك إزاحته عن كاهله. خطواته كلها تتم فوق البر ولا مناص له من الخضوع للعنصر الذي ينتمي إليه والذي يجذبه ويشده إليه .

أما السندباد البحري فإنه ينتمي إلى الماء الذي لا يستقر على حال إذ هو دائم الحركة والتغير. ليس هناك سكون على وجه البحر وإنما مد وجزر، أمواج ورياح هوجاء يتلوها هدوء لا يجوز الاغترار به لأنه ليس سوى حركة أقل سرعة وأقل قوة. ولكن سمة السندباد البحرية لا تطمس جانبه البري كما أن السمة البرية لصاحبه لا تمنعه كليا من الانجذاب إلى البحر. السندباد البحري ، على الرغم من النعت الذي يوصف به ، مرتبط بالبر الذي لا يعني، بالنسبة إليه ، التعب والضنى تحت الحر وإنما السلامة والراحة والأمن. البر هو فضاؤه المألوف الذي يجد فيه أحبابه ورفاقه والعادات التي تربى عليها والتي تبدو له بديهية ومتفوقة على عادات الأقوام الآخرين. ومع ذلك فإنه يلبي دائما نداء البحر: ’’ فاشتاقت نفسي إلى الفرجة في البلاد وإلى ركوب البحر وعشرة التجار وسماع الأخبار‘‘. إذا كان البر يضمن الاستقرار والاطمئنان فإن البحر يضمن الغنى ومشاهدة عجائب البلدان. لهذا فالتذبذب هو ما يميز السندباد الذي يضع رجلا هنا ورجلا هناك. عندما يكون في البر يشتاق إلى البحر ويتنكر لعنصره البري، وعندما يكون في البحر يندم على مفارقته لبغداد ويتنكر لعنصره البحري: ’’ وصرت ألوم نفسي على ما فعلته وقد تعبت نفسي بعد الراحة وقلت لروحي يا سندباد يا بحري أنت لم تتب وكل مرة تقاسي فيها الشدائد والتعب ولم تتب عن سفر البحر وإن تتب تكذب في التوبة فقاس كل ما تلقاه فإنك تستحق جميع ما يحصل لك ‘‘ .

البحر فتنة تسلب العقل وتؤدي إلى الهلاك وعلى قدر الفتنة يكون النفور. هذا ما يمكن استنتاجه من صفات العالم الغريب الذي يعرض أشياء تغري السندباد وأشياء يشمئز منها .

الصفة الأولى تتعلق بحجم المخلوقات الذي يختلف عما هو شائع في العالم المألوف. هناك مثلا ’’ القرود‘‘ أي الأقزام ’’ وهم أقبح من الوحوش وعليهم شعور مثل لبد الأسد ورؤيتهم تفزع ولا يفهم أحد لهم كلاما ولا خبرا وهم مستوحشون من الناس صفر العيون سود الوجوه صغار الخلقة طول كل واحد منهم أربعة أشبار‘‘. على ان الضخامة هي الميزة الغالبة. عندما يحلق الرخ في السماء فإنه يحجب الشمس كما تفعل الغمامة ويظلم الجو. والفيل الذي هو أكبر حيوان في عالم السندباد المألوف، لا يزن أكثر من ذبابة فوق قرن ’’ الوحش المسمى بالكركدن‘‘. الكركدن هذا ’’ يحمل الفيل الكبير على قرنه ويرعى به في الجزيرة والسواحل ولم يشعر به ويموت الفيل على قرنه ويسيح دهنه من حر الشمس على رأسه ويدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل فيجيئ له طير الرخ فيحمله في مخالبه ويروح به عند أولاده ويرزقهم به ‘‘ .

الصفة الثانية للفضاء الأجنبي هي مزجه للمتناقضات والمتنافرات إذ تتجاور فيه أشياء نفسية مع كائنات مخيفة: ’’ ومشيت في ذلك الوادي فرأيت أرضه من حجر الألماس... وكل ذلك الوادي حيات وأفاع‘‘.. ليس للوادي منفذ ولا مخرج ويبقى السندباد يهيم في جنباته متأملا الأحجار الكريمة ومتحسرا على إحراز ثروة هائلة لن يستفيد منها إذ ينتظر بين لحظة وأخرى أن يصير في جوف حية. أسباب الغنى والسعادة تتجاور مع أسباب الذعر والموت.

الصفة الثالثة هي وجود شعائر وعادات لم تكن تدور بخلد السندباد فيقشعر منها جلده ويشعر بالدوار تجاهها. فهناك قوم يتلذذون بأكل لحم الآدميين ثم هناك قوم لهم عادة رديئة جدا إذ كلما ’’ ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة حتى لا يتلذذ أحد منهم بالحياة بعد رفيقه ‘‘ .

العالم الغريب ميدان فسيح للوصف المفصل، بينما في العالم المألوف تكفي الإشارة والتلميح. ليس هناك أي داع لوصف بغداد أو الفيل أو النسر: التسمية وحدها كافية لإبراز خصائص الكائنات المألوفة. وليس هناك كذلك أي داع للتحدث بإسهاب عن عادات العالم الذي ينتمي إليه الراوي. فعندما يعلن هذا الأخير أنه إثر عودته إلى بغداد ’’ تصدق ووهب وأعطى ‘‘ فإنه لا يشعر بأدنى حاجة إلى أن يضيف أنه فعل ذلك شكرا لله لأنه شيء معلوم. علة الأحداث معروفة في عالمه ولا تحتاج إلى تفسير أو تعليق. العالم المألوف يقتصد فيه في القول بينما لا بد من الإطالة في وصف العالم الغريب لأنه مجهول .

الصفة الرابعة تتعلق بالتسمية. لا يخفى ما للتسمية من أهمية قصوى إذ بفضلها يتم ضبط الأشياء والتجول بثقة خلالها. السندباد كثيرا ما يعجز عن تسمية الأماكن التي تلقيه فيها العواصف. إذ ذاك يكون الضلال والضياع لأنه لا يستطيع وضع اسم على الجزيرة التي يوجد فيها فلا يدري الجهة التي يجب عليه أن يقصدها ليتم له الخلاص والنجاة. سئل مرة بعد عودته إلى بغداد عن مدينة عاش فيها مدة من الزمن فأجاب ’’ والله لا أعرف للمدينة... اسما ولا طريقا‘‘ العالم الغريب له خريطته الخاصة التي تختلف عن خريطة العالم المألوف .

وقد يحدث أحيانا أن التسمية العامة المجردة ( جزيرة، إنسان.. ) تصدر عن الوهم والالتباس. فمثلا يبصر السندباد ’’ قبة كبيرة بيضاء شاهقة العلو كبيرة الدائرة‘‘ ولكن يتبين له فيما بعد أنها ’’ بيضة من بيض الرخ‘‘. ومرة أخرى ينزل هو والبحارة إلى ’’ جزيرة كأنها روضة من رياض الجنة‘‘ ثم يعلمون بعد فوات الأوان أن ما ظنوه جزيرة ’’ إنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر فبنى عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة وقد نبتت عليها الأشجار‘‘. وعلاوة على ذلك ما هو الاسم الجدير بالقوم الذين يأكلون لحم البشر ’’ بلا شي ولا طبخ‘‘؟ وأي اسم يليق بأهل مدينة ’’ تنقلب حالتهم في كل شهر فتظهر لهم أجنحة يطيرون بها إلى عنان السماء‘‘ .

هذه الأسئلة تؤدي بنا إلى السؤال التالي: ما هو التعريف الذي يليق بالسندباد ؟ هل سعيه في العالم الغريب يجعله، ولو إلى حد ما ، غريبا عن نفسه ؟ بعبارة أخرى، هل هو متمسك كل التمسك بمنطق العالم المألوف بحيث يسلم من عدوى الغرابة ؟

3 - السندباد الهوائي والسندباد التحت أرضي

البحر ماء والماء يتبخر ويصير ماء، لم يكتف السندباد بركوب البحر بل جرب كذلك، ثلاث مرات، صعود الجو، مرة على متن طير الرخ، ومرة على متن نسر، ومرة متشبثا بأحد الرجال الذين تنبت لهم أجنحة كل شهر. وحسب ما يظهر من الحكاية السابعة فان التحليق في الفضاء من عمل الشيطان ولا ينبغي للإنسان أن يحاوله لان فيه تجاوزا للطبيعة البشرية. من طبيعة الطيور ان تصعد في الجو ولكن على الآدميين ان يحجموا عن ذلك لان فيه تطاولا وشططا وتحديا للحدود المرسومة لهم. وبالفعل فقد كادت التحليقة الثالثة أن تنتهي بكارثة أي أن السندباد كاد أن يهوي إلى الأرض ويتكسر عقابا له على غروره: " ولم يزل طائرا بي ذلك الرجل وانا على أكتافه حتى علا بي في الجو فسمعت تسبيح الأملاك في قبة الأفلاك فتعجبت من ذلك وقلت سبحان الله والحمد لله فلم استتم التسبيح حتى خرجت نار من السماء فكادت تحرقهم فنزلوا جميعا والقوني على جبل عال وقد صاروا في غاية الغيظ مني" (34)

النار كما رأينا في البداية حليفة البر بينما الجو حليف البحر. النار عدوة الهواء كما ان البر عدو البحر. إذا كان ركوب البحر مكروها لأن فيه مجازفة واستسلاما لعنصر التغير فان ركوب الجو محرم لأن فيه تشبها بالعفاريت والشياطين وخرقا لنواميس الطبيعة. على كل حال لم يعد السندباد الى مثلها وعمل بنصيحة زوجته: " قالت لي احترس من خروجك بعد ذلك مع هؤلاء الأقوام ولا تعاشرهم فإنهم إخوان الشياطين ولا يعلمون ذكر الله تعالى" (35).

العلاقة بين البر والبحر أفقية بينما العلاقة بيم البر (او النار) والجو عمودية. وقد تتطور العلاقة العمودية الى علاقة بين سطح البر وجوفه أي بين عالم الأحياء وعالم الأموات. فكما ان لسندباد ارتفع ثلاث مرات إلى عنان السماء فلقد نزل ثلاث مرات الى عمق الأرض. الى منطقة تخيم عليها " ظلمة شديدة" (29) ولا بعرف فيها " الليل من النهار"(21). فلقد دفن حيا مع زوجته الميتة في السفرة الرابعة. أما في السفرة السادسة والسابعة فانه لم يجد طريقة تخلصه من الوحدة والضياع سوى ركوب فلك صغير يسير مع التيار في نفق طويل تحت الجبل. الفلك بمثابة تابوت متجول، والسندباد، الذي تأخذه، من شدة التعب، " سنة نوم" (29)، كالميت فيه. في عالم الظلام والموت يتحكم زمان خارج الزمان العادي الذي يتحدد بطلوع الشمس وغروبها.

مما سبق يمكن أن نستنتج أن السندباد، بانتمائه إلى عالمين مختلفين، قد صار وسيطا بينهما ( الوسيط هو الذي يكون في الوسط بين شخصين ويكون ملما بكل حاجاتهما وميولهما ومشاكلهما). بفضل أسفاره التي تنقله من أفق إلى أفق، تأهل لأن يكون سفيرا بين بغداد ( رمز الفضاء المألوف) وأقطار الغرابة. لقد اهتدى مرة إلى تلقين قوم غرباء صناعة السروج، وبالمقابل عاد يوما بهدية من احد ملوك البلاد البعيدة إلى هارون الرشيد. " فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب وأمر المؤرخين ان يكتبوا حكايتي ويجعلوها في خزانته ليعتبر بها كل من رآها"(31). السرد في هذا المضمار أحسن وسيلة للتبادل بين العالمين .

4 – المقايضة

متى يأخذ رواة ألف ليلة وليلة في سرد حكاياتهم؟ عندما لا يكون بد من ذلك ويصبح السرد الوسيلة الوحيدة للخروج من ورطة او موقف صعب. السرد وليد توتر بين قوي وضعيف. حين يشد القوي بخناق الضعيف لا يجد هذا الأخير خلاصه إلا بسرد حكايته أو حكاية أشخاص آخرين. الحكاية مرادفة للتوسل والرجاء، انها القربان الذي يذبح لتهدئة غضب الشخص المتسلط وتقريبه من الشخص الذي يوجد تحت رحمته. بحيث تصير العلاقة بينهما، ليس بالضبط علاقة مساواة، وإنما علاقة تفاهم وتبادل. بهذا المعنى تتحول عملية السرد إلى عملية تعاقد ( ضمني أو علني) بين راو ومستمع4. كلا الطرفين ينتظر من الأخر شيئا: المستمع ينتظر من الراوي حكاية شيقة، والراوي ينتظر من المستمع ان يعفو عنه أو بصفة عامة، ان ينقله من حالة سيئة إلى حالة محمودة. للسرد سلطة عجيبة لا تقاوم. كلما يتقدم السرد كلما يهدأ المستمع وتسترخي ملامح وجهه المكفهرة، أي انه يسقط في الفخ الذي نصبه له الراوي عندما أخد في السرد. الراوي لا مندوحة له من الكلام والمستمع لا مندوحة له من تنفيذ رغبة الراوي عندما يتم حكايته. السرد له وظيفة معينة إذ هو صلة وصل بين شخصين اتسعت الهوة بينهما إلى حد أن احدهما يكون على شفا حفرة من القتل. وظيفة السرد هي إعادة التوازن لعلاقة مختلة.

هدا النوع من التعاقد نجده بالطبع في حكايات السندباد ولكن علاقة القوة بين الراوي والمستمع معكوسة هنا. في جل حكايات ألف ليلة يكون المستمع (شهريار مثلا) هو القوي المسيطر, ويكون الراوي (شهرزاد) هو الضعيف الخاضع الذي يلتمس العطف والرحمة. لكن في حكايات السندباد نجد نقيض هذا: السندباد البحري. الرجل القوي (الغني) هو الذي يقوم بالسرد. بينما السندباد البري. الرجل الضعيف(الفقير) هو الذي يتلقى السرد .

ما هو ثمن الإصغاء؟ السندباد البري ينصت الى حكايات السندباد البحري وينال كل ليلة مكافأة سنية جزاء له على إنصاته. " ثم ان السندباد البحري عشى السندباد البرى عنده وأمر له بمائة مثقال ذهبا وقال له آنستنا في هذا النهار فشكره الحمال واخذ منه ما وهبه له وانصرف إلى حال سبيله"(8). الإصغاء يقدر بمائة مثقال ذهبا بالإضافة إلى عشاء فاخر. عندما دخل الحمال في علاقة تبادل مع السندباد انتقل من الفقر الى الغني . التبادل يؤدي الى التبدل .

نتذكر أن السندباد البحري شرع في رواية مغامراته ليبرهن للحمال ان " السعادة" التي صار اليها قد استحقها بما كابده من صعوبات ومشاق. ويمكن أن نضيف أنه تاب من الإسفار ولكن لم يتب من الرواية، فلا بد له من مستمع يغيره سمعه. لكن ماذا حدث بعد أن انهي السندباد حكاياته السبع؟ لم تنفصم علاقته مع الحمال لان السرد خلق بينهما أنسا ومودة استمرا إلى أن أتى " هازم اللذات ومفرق الجماعات "(35).

ينبغي ان نشير الى أن السندباد لم يرو للحمال فقط ما جرى له. لا ننس أنه تاجر وان التجارة, بجانب " الفرجة" هي الغرض من أسفاره: " وكل محل رسونا عليه نقابل التجار وأرباب الدولة والبائعين والمشترين ونبيع ونشتري ونقايض فيه "(8). عندما يسعفه الحظ (البحر) فانه يتاجر بالبضائع التي حملها معه من بغداد. ولكن ماذا يفعل عندما يغرق مركبه وتضيع أمتعته ولا ينجو إلا بأعجوبة من الغرق؟ هل يفقد صفة التاجر؟ لا, لأنه يستدر عطف الناس بسرد ما وقع له أي انه يتجر بالخطوب التي لقيها. عندما يتلف البحر جميع ما يملك فانه يرقع حاله بالسرد وبعد مدة يصير من جديد غنيا. السرد سلعة يجدها دائما رهن إشارته عندما يفقد سلعه الأخرى. قي وسعه دائما أن يروي كيف ضاعت منه سلعه وكيف صار معدما, ومقابل حكايته ينال الخير العميم: " ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى مدينة الملك المهرجان وقد دخلوا عليه واعلموه بقصتي فطلبني فأدخلوني عليه وأوقفوني بين يديه فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي وحياني بإكرام وسألني عن حالي, فأخبرته بجميع ما حصل لي وبكل ما رايته من المبتدأ إلى المنتهى فعند دلك تعجب مما وقع لي وما جري لي.. ثم انه أحسن إلي وأكرمني وقربني إليه وصار يؤنسني بالكلام والملاطفة وجعلني عنده عاملا على مينا البحر .."(6). بفضل ما تدره عليه حكايته من مال يشتري سلعا جديدة ويعود الى الاتجار والمقايضة.

على انه أحيانا لا ينفع السرد في إيجاد تعاقد يرضي الطريفين، يحدث هذا عندما يكون احد الطرفين مفتقرا إلى عنصر من عناصر الآدمية. إذ ذاك يصبح السرد عديم الفائدة لأنه قبل كل شئ، فعل بشري لا يتم إلا بين البشر. لا شئ يرجى من آكلي لحم الإنسان ولا من الاقزام الذين، بالإضافة إلى توحشهم، " لا يفهم احد لهم كلاما ولا خبرا" ولا شئ يرجى من العجماوات ولا من المخلوقات المتشبهة بها كالعملاق الذي يظهر في الحكاية الثالثة والذي هو " في صفة إنسان" ولكن " له أنياب مثل أنياب الخنازير وله فم عظيم الخلقة مثل فم البئر وله مشافر مثل الجمل"(13). هذا المخلوق الذي تغلب غليه الأوصاف الحيوانية لا يتكلم وليس بإمكان من يقع في قبضته ان يجري معه أي حوار .

ماذا يحدث عندما يكون احد الطرفين لا يستطيع احد الطرفين التعبير عن حاجاته إلا بالإشارة؟ لنقرأ ما وقع للسندباد مع شيخ البحر: " ثم دنوت منه وسلمت عليه فرد علي السلام بالإشارة ولم يتكلم فقلت له يا شيخ ما سبب جلوسك في هذا المكان فحرك رأسه وتأسف وأشار لي بيده يعني احملني... فتقدمت إليه وحملته على اكتافي5، وجئت إلى المكان الذي أشار لي إليه وقلت له انزل على مهلك فلم ينزل عن أكتافي وقد لف رجليه على رقبتي فنظرت إلى رجليه فرايتهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة"(24). هذا المخلوق يدخل في حوار مع السندباد ولكن بالإشارة فقط . إن رجليه الجاموسيتين، وعدم قدرته على النطق تقربانه من الحيوان. فهو، كالعملاق والأقزام، نصف إنسان ونصف حيوان. التواصل في هذه الحالة منعدم او لا يخدم إلا طرفا واحدا، وحين يصير التبادل مستحيلا لا يبقى إلا العنف ولغة القوة.

5- السندباد العربي

لنتساءل ألان عن التوبة الصادقة التي أعلنها السندباد في نهاية مطافه: " ثم أني تبت إلى الله تعالى عن السفر في البر والبحر بعد هذه السفرة السابعة التي هي غاية السفرات وقاطعة الشهوات"(35). هل السفر من المحظورات ؟ ما هو الذنب الذي يقترفه والذي يستلزم التوبة ؟

إن ما تاب منه السندباد هو فتنة العالم الغريب والنزعة إلى الذوبان فيه. الهلاك الذي يتهدده في البحر هو الاستسلام إلى إغراء " الآخر" والتنكر للمنبع والأصل. في كل سفرة تختلط عليه المسالك ويكاد أن لا يعود إلى ذويه. التوبة هي الأوبة إلى بغداد، إلى النقطة التي كان منها انطلاقه، إلى البداية.

لكن الوفاء لعالم الألفة لا يعني الانفصال الكلي عن عالم الغرابة. وإلا فلماذا يشعر السندباد بحاجة ملحة الى رواية تجاربه ولماذا " صار كل من سمع بقدومه يجئ إليه ويسأله عن حال السفر وأحوال البلاد فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه"(12)؟ حكايات السندباد بمتابة حوار، أو جدل، بين الانغلاق والانفتاح، تماما كالثقافة العربية المعاصرة لها (الجاحظ مثلا) التي تتميز بالالتحام بين عناصر مألوفة وأخرى غريبة، بين البر والبحر.

واليوم من ينكر أن السندباد ما يزال يخاطبنا عبر القرون ويسألنا عن علاقتنا بالعالم المألوف وبالعالم الغريب(الغربي)؟ لقد كثر حفدته على الخصوص منذ عصر النهضة ( انظر على سبيل المثال الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق وحديث عيسى بن هشام للمويلحي) وليس في الأفق ما ينبئ بأن عهد "السنابدة" قد انتهى، بصفة أو بأخرى كلنا اليوم، في العالم العربي، سندباد.

---------

( 1 ) يستفيد الباحث العربي عند دراسته للمؤلفات الكلاسيكية والحديثة مما كتبه باشلار حول العناصر الأساسية ( الأرض ، الماء ، النار ، الهواء ) . مدلول هذه العناصر ليس قارا في كثير من الأحيانم وإنما يتلون حسب الثقافة المعنية والحقبة التاريخية ، بل إن العمل الأدبي ، إذا نظر إليه على حدة ، قد يعطي صبغة خاصة لهذه العناصر ويوظفها توظيفا فريدا . انظر مثلا تحليل كريماص لإحدى قصص موباسان .
( 2 ) لوتمان ، 1975 ، ص 103
غريماص ، 97
نفس المصدر ، الصفحات 98 - 101
4 - بارث 1970 ، ص: 95-96 - تودوروف 1971 ص: 86-88
5- السندباد البحري يصير حمالا كالسندباد البري

عبد كيليطو ، الأدب والغرابة ( دراسات بنيوية في الأدب العربي ) ، دار الطليعة ، ص ص 95 – 98







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:50 PM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

أحمد حسن الزيات
ألف ليلة وليلة تاريخ حياتها​

يخطو الدهر دائباً في وناءٍ وكبرياء وصمت، فيعفو الأثر. ويقري الحجر. ويبري الحديد، وتنال يده العابثة كل شيء في حياة المرء بالتغيير والنقص، إلا شيئاً واحداً يلوذ منه بسواد القلب فيستقر في قراره، ويكمن كون السر في دخيلته وإضماره، أريد به ذكريات الصبي، وإحلام الحداثة، فهي باقية والجسم يتخونه البلي، ثابتة والعيش تزعزعه الاحداث ناضرة والمني يصوحها اليأس، مشرقة والنفس يغشاها من الهم ظلام وسحب فمن منكم ياسادة لايذكر أول بيت أبصر فيه الوجود، وأول ملعب عرف فيه الرفيق، وأول مكتب رأي في المعلم، واول موعد لاقي فيه الحبيب؟؟ ومن منكم لايذكر ساعات السمر اللذيذة الهادئة، في غرفة اليوم الوثيرة الدافئة، حيث كان أطفال الأسرة يتجمعون حول الجدة الحنون. أو الاًم الرؤم. أو الظئر الحانية، فينضون في سكون وشوق إلي ماتقصه عليهم من روائع الأسمار. وبدائع الاقاصيص، وهم من طلاوة الحديث وجاذبية الحادث وبشاشة المحدث في حال لايصف الشعور بها غير الشاعر، ثم لايلبث هذا الرحيق العجيب ان يخدر الأعصاب الطفلية الرقيقة، فتغفو تحت جناح الكري، وتسمع بقية الحديث الشهي في الحلم!
هذه الاقاصيص الشائقة التي كانت لعقولنا الصغيرة سحراً، ولعواطفنا المشبوبة سكراً، ولقلوبنا الغضة فتنة، هي نوع من الأحلام والأماني تراءت في ليل الحياة الطويل، ثم تجمعت في ذاكرة الزمن القديم، وتنقلت من عهد إلي عهد، ومن مهد إلي مهد، ومن بلد إلي بلد، تحمل في طواياها نفحات الحكمة المشرقية العالية، وعطور الأزمن البعيدة.
فوجودها أثر لوجود الإنسان، لانها ظاهرة طبيعية من ظواهره: كالغناء والشعر والرقص فلاتعرف لها أولية. ولاتحدد في الغالب لظهورها علة. ولكن علماء الأساطير يزعمون انها نشأت في الهند، وهاجرت منها إلي بلاد الفرس، ثم رحلت الي بلاد العرب، ثم استقر بها النوي في أقطار العرب، وفي كل مرحلة من هذه المراحل كانت تصطبغ بصبغة البيئة، وتتأثر بخصائص الجنس، وتتسم بسمات العقيدة.
وأما أبطالها الذين وجدوا علي الرغم من قانون الوجود، ونازعوا ابطال التاريخ ثوب الخلود، فقد كان لبعضهم ولاشك حظ في الحياة، وشهرة بملازمة الأسفار وملابسة الغير، فتحدث الناس أولاً بما فعلوا ثم سرجوا حول اسمائهم وأنبائهم الاكاذيب، والأعاجيب حتي أصبحوا أعلاماً علي شخصيات متميزة في البطولة والحرب والحب والحيلة والكرم: كدعد وليلي في الشعر وإبي نواس وجحا في التنادر.
أما اكثر الابطال فمن خلق الخيال، ابتدعهم رموزاً للمثل الاعلي، أو القدر العابث أو الجلد العاثر، او السلطان الجائر، أو الهوي المتسلط، أو الأمل الآسي، أو الحظ السعيد.
وعلي ذكر الطفولة ومناغيات الأمومة، أراكم ولاريب تركتموني أتكلم وعدتم بالذاكرة الي تلك العهود الحبيبة تتخيلون سحرها، وتستعيدون ذكرها، وتصيخون الي ذلك الصوت الحنون، ينبعث خافتاً من أعماق الماضي القريب أو البعيد، مردداً أسماء أولئك الأبطال الذين طالما كتأبتم لاكتئابهم، وتألمتم لمصابهم، وشاركتموهم بالعطف في نعماء الحب، وبأساء الحرب، ولأواء الخطب: من أمثال الحسن البصري، ونور الدين المصري، والشاطر محمد، والشاطر حسن، إلي آخر ماسجلته الذاكرة..
أنا كذلك ياسادتي ذكرت حين كتبت هذه السطور- هاتيك القبور التي ضمت هواي. ورفقة صباي، ونوعاً من الحنان والأخلاص لم أذق له طعماً منذ غاض في هوة البلي منبعه... ثم ذكرت شيئاً آخر: ذكرت مجلي من مجالي الأنس في القاهرة كا جمعة القلوب، وألفة النفوس ومستجم الخواطر، فعصفت به روح المدنية الحديثة، ذلك منظر المحدث أو القصاص أو المسامر أو الشاعر في مقهي الحي وهو في حلته الشرقية المفوفة الضافية، فوق صفته الخشبية البالية العالية، وقد تجمع بين يديه، ومن يمينه وعن شماله، أوزاع العامة، وشيوخ المحلة يستجمون من كلال العمل اليومي، برشف القهوة العربية، وتدخين النرجيلة العجمية، وتبادل العواطف الاخوية، ثم الإصغاء المشترك إلي (ابي درويش) وهو يقص بصوته العريض المتئد، وجرسه الهاديء المتزن- حروب (عنترة) أو وقائع (ابي زيد) أو مخاطر (ابن زي يزن) فينقلهم بقوة تمثيله أو بحسن ترتيله، علي جناح الخيال إلي عصور هؤلاء الابطال، فيشهدهم مجد البطولة وسلطان الحب وفتك السحر وبطش المردة، ثم يري الخبيث أن فورة الحماسة، والشوق قد طغت في النفوس لوقوع البطل في أسر أو شدة، فيسكت ليجمع النقوط من السمار والنظار. فلايجد هؤلاء مندوحة عن تعجيله ليعجل هو الي إطلاق البطل من إساره، وإنقاذ الجمهور من شدة قلقه ومرارة انتظاره..
وفي ليلة من هذه الليالي الساهرة تجدون هذه القهوة ذات الضوء الشاحب، والصمت الحالم، والمنظر الكئيب -قد خفقت فوقها الرايات وأشرقت في جوها الثريات، وتلألأت في سمائها المصابيح، وأخذت زخرفها بالسامرين، وقد جلسوا متقابلين في الدكك العالية يطوف عليهم غلمان باكواب من ذوب ا لسكر المعطر بماء الورد، وصاحبنا ا لمحدث قد خرج إلي القوم يتهادي في عمته المكورة وجبته المعصفرة وقفطانه الأنيق الاصفر. وقد تدلت من حزامه الحريري ذلاذل تنوس علي بطنه المنتفخ الضخم. فإذا استوي علي عرشه المنجد
توهج البخور من جانب وتضوعت العطور من جانب ثم خشعت الاصوات ورنت إليه العيون وأنشأ يحدث.
فإذا بدا لاحد ان يسأل بعض الجالسين عن سبب هذا المهرجان عجب اولاً من انه لايعرفه، ثم أجابه بلهجة الفخور المزهو: هذه ليلة زفاف عبلة إلي عنترة... فإذا كانت القصة قصة بني هلال- وجدتم هذا الهوي الجميع قد استحال إلي عصبية شنيعة. ورأيتم إخوان الأمس قد أصبحوا أعداء اليوم: فطائفة تتعصب لبني هلال. وطائفة تتعصب لبني زناتة. وهؤلاء يريدون الشاعر علي ان يقص واقعة. واولئك يسألونه ان يقص أخري، والشاعر لايجيب إلا من يجزل له العطاء.. فإذ رجحت كفة وشالت كفة أخذ يروي من ذاكرته وغيبه - علي هوي الفئة الغالبة ما لم يسجله تاريخ. ولم يدونه كتاب. فيزور الغرائب، ويختلف الوقائع، يقمش مما خزنه في حافظته - من مختلف الأسمار ورقائق الأشعار ليحوك منها للبطل حلة تهز العجب في قلوب أشياعه، وتلهب الغيرة في صدور خصومة، فإما نفحة أخري تميل به إلي الجهة الثانية، وإما معركة بين الحزبين تكون هي القاضية.
هذا الرجل الذي صورته لكم هذه الصورة المتقاربة، هذا الرجل الذي ينام النهار ويجلس الليل يحدث أربع ساعات متعاقبة، هذا الرجل الفكة اللبق الحافظ الواعظ -هو الاثر التاريخي والنموذج الحقيقي، لذلك القصاص البارع الذي خلف لنا كتابنا العالمي، الخالد (الف ليلة وليلة).
يرجع تاريخ هذا القصاص ياسادة إلي صدر الإسلام، والفضل في وجوده كان ايضاً للقرآن الكريم. فقد اشتمل كما تعلمون علي مجملات من أخبار القرون الخالية والنذر الأولي، وكان أعلم القوم يومئذ بتفصيلها من أسلم من أهل الكتاب كتميم الناري ووهب بن منبه. وكعب الاحبار وعبدالله بن سلام: فكان هؤلاء ومن أخذ عنهم يجلسون الي الناس في المساجد، يفصلون، ما في كتاب الله من قصص الانبياء، ويسرفون في تهويل هذه الأنباء، ابتغاء للعبرة، والتماسا للموعظة، ووافق هذا الضرب من الوعظ هوي النفوس فإزداد إقبال الناس عليه، وكثر إفك القصاص فيه، حتي طردهم امير المؤمنين علي من المساجد، ماخلا الحسن البصري.
ولكن دهاة السياسة رأوا سلطان هذا الفن علي العقول وقوة أثره في توجيه الميول -فاتخذوه لساناً للدعاية وسبيلاً وألح الوباء، وبغي الحاكم- وعلي الحالين كان السامر او المسامر عنصرين من عناصر الحياة ينضران بهجة العيش في الرخاء، ويسريان كربة النفس في الشدة.
وكان أول من تولي القصص الرسمي في مصر سليمان بن عنتر التجيبي سنة ٨٣ تولاه مع القضاء ثم أفرد به، ثم تعاقبت القصاص من بعده في مصر علي اختلاف بينهم في القدرة والغرض ، فكانوا أصداء للعقيدة، وأبواقاً للسياسة، تسمع منهم في كل عهد لهجة، ولكل دولة سند وحجة. وترون ذلك أقوي ظهورا في عهد الفاطميين. فقد كان مقتل الأمام (علي) ومأساة الأمام (الحسين) موضوع المنابر والسوامر في شهري رمضان والمحرم.
وقيل ان ريبة حدثت في قصر (العزيز بالله) فتناقلتها الأفواه ورددتها الاندية فطلب الي شيخ القصاص يومئذ. (يوسف بن إسماعيل ان يلهي الناس عنها بما هو أروع منها فوضع قصة عنترة ونشرها تباعاً في اثنين وسبعين جزءاً سمرت بها مجالس القاهرة منذ ذلك الحين إلي اليوم وهي الياذة العرب لاينازعها هذا الشرف إلي الآن عمل فني آخر.
>>>
وفي القرن الرابع للهجرة كانت فورة هذا الفن ونهضته في بغداد والقاهرة. ففي عهدي (المقتدر بالله العباسي) و(العزيز بالله الفاطمي) كان القصاص الحكوميون والشعبيون يحتشدون لوضع الاخبار، ويتنافسون في جمع الأسمار، من الوراقين، والرحالين العامة.
ولكن القصص في العراق كان من عمل الكتاب، يصورون فيه أنبل عواطف الناس، وأجمل مواقف الحياة، ويلقونه زهوراً وعطوراً في مجالس الخلفاء، وسوامر الملوك، فكانت بلاغة المحدث وجلالة السامع ونبالة الموضوع تطبع القصة بطابع الجمال والاعتدال والقصر، وتنزع بها الي السليقة الغربية المجبولة علي الايجاز والقصد في الشعر والخطب والرسائل والقصص.
فما جمعه ووضعه الجهشياري( و(ابن دلان) و(ابن العطار) في القرن الرابع من الأقاصيص في الحب الطروب، والترف المسرف، وماوضعه من قبل هؤلاء (سهل بن هرون) و(علي بن داود) و(أبان ابن عبدالحميد) من الاسمار في الامثال الرمزية والحكمة العالية والسياسة الرشيدة، وماصنعه من قبل هؤلاء (عيسي بن دأب) و(هشام الكلبي) و(الهيثم بن عدي) من الأخبار في الهوي العذري والسخاء العربي في الإسلام والجاهلية- كل اولئك موسوم بسمة العقلية العربية الخالصة من حذف الفضول وترك الاستطراد وقلة المبالغة.
اما القصص في مصر فكان غالباً من عمل القصاصيين والمسامرين، يلفقونه من الكتب، ويتلقفونه من الافواه، ويحدثون به الدهماء في المجالس العامة. ورزق هؤلاء القصاص علي قدر ماعندهم من القصص.
فإذا ما انقطع أحدهم عن الحديث لنضوب معينه انقطعت به أسباب العيش، فهم لذلك مضطرون الي تطويل الموضوع بالاستطراد، وبسط الحادث بالتزيد، وجذب القلوب بالإغراب والمبالغة.
ومن ثم اتخذ الادب القصصي في مصر شكلا لاعهد للادب العربي به. ذلك هو شكل القصة بالمعني الذي تفهمه من كلمة رومان Roman في إصطلاح الفرنك، فإن المعروف الشائع من قبل - إنما كان المثل fable و(الأقصوصة) conle والحكاية nouvelle وهذه الانواع قد تولد بعضها من بعض علي نحو مايري الاستاذ (برونتير) الناقد الفرنسي في تطبيق مذهب (دارون) علي الأنواع الأدبية، فالأقصوصة نشأت من المثل، والحكاية نشوؤها من الأقصوصة، والقصة نشأت من الحكاية، باتساع الخيال، وفعل المبالغة، وحكم الزمن. ولكن القصة العربية قد تأخر نشوؤها الي القرن الرابع حتي ظهرت بمصر، لان عملها يقتضي التطويل والتحليل والعلم بطبائع الناس وأوصاف الشعوب، والعرب في عهود كانوا أبعد سابقة طبيعتهم ومعيشتهم عن هذه الأمور، ثم كانوا في عصور التحضر والاستقرار يؤثرون الخاصة بأدبهم فيضطرون في حضرة الملوك ان يراعوا أدب الحديث فلا يغرقون في الحادث حتي بجانب العقل، ولايسهبون في السمر حتي يجاوز المجلس، ولايسفون في القول حتي يصادم الخلق، أما القصاص المصري فقد تهيأت له الأسباب اللازمة لخلق القصة: كان سمير الأوزاع والعامة فلم يتقيد معهم بقوانين الخلق، ولابقضايا المنطق، ولابوقائع التاريخ، فهو يصطنع اللهجة الصريحة، ويستعمل الألفاظ القبيحة، ويبالغ في الخلط والتلفيق، قصداً الي الاغراب والتشويق، ويعتمد غالباً في المفاجآت القوية، ويستطرد كثيرا الي الحوادث العرضية، ثم يصادم الوقائع ويشوه الحقائق، لانه يجهلها، والجمهور الذي يسمعه لايعلمها، فاستطاع بذلك ان يزور أغرب الحوادث ، ويجمع شتي الاحاديث، ويترك لنا هذه المجموعة القصصية التي كانت ولاتزال للخاصة مبعث لذة ، وللعامة مصدر ثقافة.
كان القصاص المصري يعتمد في مادته علي مايصدر عن بغداد من الأقاصيص الموضوعة والمنقولة، والروايات القديمة الصحيحة والمدخولة، ثم يضيف الي ذلك ماتنوقل في مصر وما تجمع من الأخبار من التجار والرحالين والبحارين، فقد كان هؤلاء بعد عودتهم من البلدان، النازحة يدونون ماراوا من الاعاجيب، كما فعل اليعقوبي وابن فضلان ويززك بن شهر يار مثلا، إذ يحدثون بها الناس كأن يقولوا لهم ماحكاء ابن خرداذية من ان في بعض الأمم رجالاً عراض الوجوه، سود الجلود، لاتزيد قامة أطولهم علي أربعة أشبار، وفي جلودهم نقط حمر وصفر وبيض، وإن فيهم من له أجنحة يطير بها، ومن رأسه كرأس الكلب، وجسمه كجسم الثور أو الأسد، وماجاء في كتاب (المستطرف) من أن في (البلغار) من طوله اكثر من ثلاثين ذراعاً يأخذ الفارس تحت إبطه، كما تأخذ الطفل الصغير، ويكسر ساقه بيده كما تقطع حزمة البقل. وما رأي الرحالون بالطبع هذه الأشياء، وانما راوا صورها علي الآثار التي خلفها البابليون والفراعنة والرومان والفرس فظنوها حقيقة.
كان القصاص يتناول هذه الاخلاط فيؤلف منها قصة كثيرة الفصول والفضول، تذور حوادثها علي بطل واحد، ولكنها تعرض من قبيل الاستطراد الي حوادث شتي، لايصلها بحياة البطل الا صلة واهية.
انظروا مثلا كيف صنع قصة (عنترة) : بناها علي حادثة أصلية صحيحة: هي (حرب داحس والغبراء) التي شبت لظاها بين عبس وذبيان قبيل الإسلام ثم دارت رحاها علي قطب من أقطايها وهو (عنترة بن شداد) العبسي، فذكر نشأته في حادثة خرافية جذابة، ثم وصف رجولته وبطولته وفصاحته وحبه وكرمه، وما اتصل بذلك من عادات البدو، كالضيافة والحماسة الاجارة والشعر والغزو والسلب والثأر، ولكن حروب عبس وذبيان مهما هول فيها وطول لاتشغل بال السامعين طويلا، ولاتدر علي من المال كثيراً ، فهو يوقع الخصومة بين عنترة وبين فرسان العرب فيقابلهم ويقاتلهم ويسمهم جميعاً بالنكول والعجز. والقصاص في أثناء ذلك ينقلنا في السهول والاودية، ويقلبنا بين المضارب والاخبية، حتي جلا لنا من الحياة الجاهلية صورة صفقة لاتتمثل في خواطركم من طريق التاريخ المقتضب المفكك الا بعد جهد. ثم يري مع ذلك ان الشوق شديد، وان الأمد الذي يريده بعيد، فيخرج البطل من الجزيرة العربية ويقيم به الي مصر بلد القصاص فيقود عنترة بها حروباً، ويهلك شعوباً، ويبتني حصوناً لاتزال العامة تعرفها الي اليوم باسمه، ثم يذهب الي القسطنطينية ويزوجه من امرأة رومية. حتي اذا ظفرت المنون اخيراً بالشجاعة الخارقة عاد ابنه من (بيزنطة) الي الحجاز فطالب بعرش ابيه وحارب معاديه ومغتصبيه، والميتة التي اختارها القصاص لعنترة تدل علي قدرة فنية عجيبة، وكان (لامرتين) لاينفك بها معجبا، ومنها طروبا، فقد ذكر أن (الاسد الرهيص) احد خصوم (عنتره) المقهورين الموتورين رماه غيلة بسهم مريش مسموم، فلما أحس البطل فعل الموت في جسمه الوثيق خشي علي قومه من بعده شر الهزيمة وعار الفشل ، فوقف حيال العدو الثائر ممتطيا جواده، متكئاً علي رمحه، وأمر جيشه بالتقهقر والنجاة. فارتد الجيش وبقي هو واقفاً يعالج سكرات الموت، والعدو متحفز للهجوم، ولكنه لايجرؤ عليه خوفا من عنترة حتي فاضت روحه علي صهوة جواده، وكان الجيش المتقهقر قد بلغ مأمنه، فلما طال وقوفه، وجاوز الحد سكونه ارتاب الجيش المهاجم، فدبر الحيلة لكشف الامر فأرسلوا الي جواده حجراً تهيجه، فلم يكد يراها الفرس حتي وثب وثبة خر لها فارسه علي الارض صريعاً.
والغالب فما أظن ان القصاص الماهر قد اخذ هذا الختام البارع من مصرع (سليمان بن داود) امام عماله المسخرين من الجن، وقد أجملته البالغة المعجزة في هذه الأية الكريمة (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم علي موته الا دابة الارض تأكل منسأته. فلما خر تبينت الجن ان لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا في العذاب المهين).
ظهرت هذه القصة الحماسية الجميلة في عصر كان وادي النيل فيه منيع الحوزة، باهر الجلالة ، صافي المورد، لايكدره والغ ولا واغل:
فكان استقلاله لهم العزة، وعروبته توحي الشهامة. فلما هبت الاعصاير العوج بالبربرية الجامحة ، فأطفأت منائز بغداد ، وزعزعت عرش الخلافة وعبثت العجمة الجاهلة بتراث العرب: من علم وادب، وخلق ودين، وعدت ذئاب الغرب باسم الصليب علي الشام ومصر، تنج الهلال الآفل، وتنهش المجد الطريد - رأينا القصة المصرية تصور هذه الحياة الحزينة تصويراً عجيباً. ورأينا القصاص قد اتسع خياله، مقدر ما ضاق علمه، ويخلق بلاداً لم توجد، ويتصور حوادث لم تقع ، ويعتمد في العمل علي الجن والسحر والخوارق.
فبين القرنين السادس والثامن من الهجرة -ظهرت في مصر سلسلة من القصص الطويلة الجذابة غفلا من اسماء مؤلفيها: لان القصاص المحترفون إنما كتبوها لانفسهم فيما أرجح، ثم توارثوها خلفاً عن سلف حتي بلغت عهد المطبعة، فنشرت علي شكلها، دون اسم ولا وسم ولاتعريف.
واشهر قصص هذا الدور سيف بن ذي يزن ، والاميرة ذات الهمة، وفيروز شاه، فإما انها كتبت في هذه العهود فذلك واضح لادني نظر من أسمها وأسلوبها وماتدور علي من عادات واعتقادات وصور، وأما انها كتبت بمصر فذلك ثابت من أما كن وقائعها، واسماء اشخاصها، فأبطالها جميعاً عاشوا بمصر، حتي الذين لم يروها أقدوموهم إليها..
فالمهلهل بن ربيعة كان الوجه البحري ميدان حروبة، وسيف بن زي يزن هو الذي اجري النيل من جبال القمر بكتابه السحري الذي دفنه في جزيرة الروضة بالقاهرة، وهو الذي خطط مدن مصر، فالجيزة اسم من اسماء زوجاته، وسبك الثلاث ودمنهور الوحش قائدان من قواده، والنيل تفرع الي فرعي رشيد ودمياط: لان الملك (صيفاً) وهو قادم به من السودان وقف يقاتل الكفار الذين اعترضوه في رأس الدلتا فوقف النيل بوقوفه، ولكن الماء وراءه قد عب عبابه وطفحت أواذبه فاندفق شطر منه الي الشمال. واتجه الملك بالشطر الآخر الي اليمين.
ومدينة (سمنود) اصلها سماء نود لان الحكيم (نودا) صاحبها قد عقد عليها سماء بالسحر توقعا لغارات الملك سيف وهو ذاهب بالنيل الي مصبه.. ثم دفنه المؤلف أخيراً فوق جبل المقطم، وقال ان قبره هو الذي يعرف الآن بالجيوشي.
ولقد كان للحروب الصليبية أثر طاهر في نسج هذه القصص في هذا الدور فإن العواطف الدينية والحماسة القومية التي ألهبتها في قلوب المسلمين، هذه الغازات قد حملت القصاص علي ان يتملق هذه العواطف ويغذبها بما يلفق من الاشعار والاخبار في فضائل الجهاد والاستشهاد والصدق والصبر.
فسيف بن زي يزن كان حنيفاً مسلماً يقتحم المعاقل والأرصاد علي الوثنية في معالم الارض ومحاملها، وهو يقول »لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله«. وكذلك سائر الأبطال في سائر القصص، إلا انهم كانوا بعد الإسلام لا قبله.

وبين القرنين الثامن والعاشر للهجرة كان حكم المماليك بفساده، وحكم الاتراك باستبداده، قد أتيا علي مابقي من اركان الاجتماع، وحللا اواصر الاخلاق والطباع، ومني الناس بإلحاح الأوباء، وشراهة الجباة والرؤساء، واستشعرت نفوسهم ذل الحرمان والقهر، فأخلدوا إلي التصوف او الي المجون، وعالجوا همومهم بالحشيش والافيون، وحارب بعضهم بعضا بالشطارة والحيلة، وتقاتلوا علي حطام الحياة بالخديعة والغيلة، وحال نظام الفتوة في مصر الي مناسر من اللصوص والعيارين، يقطعون متون السبل، ويعبثون بالأمن والناس من ضعف السلطان يخضعون لهؤلاء ويجلونهم إجلال الزعماء ويتناقلون حوادثهم وأحاديثهم بالإعجاب والمبالغة فظهر حيئنذ ذلك القصص الوضيع الذي يمثل هذه الحالة بحقارتها وسفالتها، ويصور تلك البيئة بخرافاتها وجمالتها، كالقصص الذي يدور علي (علي الزيبق) و(أحمد الدنف) و(حسن شومان)و (ودليلة ا لمحتالة) او (دالة المحتالة) كما يسميها (المسعودي).. وأصبح أسلوب القصاص في هذا الدور دائراً بين الجهالة والقحة. فهو يستعمل في قصصه لغة مبتذلة وتراكيب فاحشة وجملاً محفوظة ووقائع واحدة يرددها في كل قصة. ويكررها في كل مناسبة. وكانت شهوة السهر والسمر قد بلغت مداها في ذلك الحين لتغلب البطالة علي أهل القاهرة واعتماد الناس في جمع الثروة علي الحيلة والشعوذة والسحر والقدر. فتكدسوا في السوامر حول القصاص وقد تجمع لهؤلاء من خلال القرون ذخيرة وفيرة من الأساطير والأسمار.
فصبوا يدونونها كما دونت تلك السير من قبل. فكان مما دون في تلك الحقبة الغريبة كتابنا وموضوع محاضرتنا (الف ليلة وليلة).
(الف ليلة وليلة) ياسادة كتاب شعبي تمثلت فيه طوائف الشعب وطبقاته، وتراءت من خلاله ميوله ونزعاته، وتكلمت فيه اساليبه ولهجاته، فهو كالشعب وكل شيء للشعب، قد لقي من جفوة الخاصة وترفع العلية أذي طويلاً، أغفله الادب فلم يتحدث عنه، واحتقره الأدباء فلم يبحثوا فيه، وراه (محمد بن ا سحق المعروف بانن النديم) فقال انه غث بارد، لانه نظر اليه نظرة الي الأدب الارستقرارطي الذي يصور ترف الخيال وجمال الصناعة. فلما حقق العصر الحديث تغلب الديمقراطية وسيادة الشعوب، واستتبع ذلك عناية أصحاب المذهب الإبداعي (الرومانتيكيين) في الغرب بحياة السوقة والدهماء عنايتهم بحياة الملوك والنبلاء وهب رواد الاستعمار وعشاق الآثار ينقبون عن »فولكلورد« الشرق أخذ أدباؤنا بحكم التقليد والعدوي- يعطفون علي أدب السواد، فدونوا اللغة العامية وجمعوا الأغاني الشعبية، ونظراً بعض النظر في فن القصص، وسمعوا في .
رجفه من الدهش -الي قول الاوروبيين: ان في أدبنا الموروث كنز دفين- من هذا النوع له في أدبهم اثر قوي وشأن نابه. ولكنهم لم يخلدوا بدياً الي هذا القول بثقة. واستكثروا علي هذا الكتاب الخرافي السوقي ان يذكر في الكتب ويوضع في المكاتب وينبه الناس إلي فضله، ويهنأ العرب بانتاجه حتي رأينا بعيوننا انه نقل منذ أوائل القرن الثامن عشر الي كل لغة. وحل الموقع الاول من كل أدب، وظفر بإعجاب النوابغ من كل أمة. حتي قال (فولتير) انه لم يزاول فن القصص إلا بعد ان قرأ ألف ليلة وليلة اربع عشرة من مرة، وتمني القصصي الفرنسي (استندال) ان يمحو الله من ذاكرته (ألف ليلة وليلة) حتي يعيد قراءته فيستعيد لذته.
ثم رأينا أن أقلام المستشرقين أخذت تتجادل منذ أوائل القرن التاسع عشر في أصله، وتكشف عن مناحي جماله وفضله، وان دوائر المعارف الكبري سجلته في حقولها، وخصته بالطريف الممتع من فصولها. وان الاستاذ (فكتور شوفان) أفراد له في كتابه (تاريخ المؤلفات العربية) جزءًين سرد فيهما مخطوطاته ومطبوعاته وترجماته، وجزءين آخرين خلص فيهما طائفة كبيرة من حكاياته، وان الكتاب الروائيين قد استغلوه للسينما والمسرح فاستخرجوا للأول رواية (لص بغداد) وللثاني (قسمت) او (القضاء والقدر)، وان رجال التربية والتعليم في فرنسا والمانيا وانكلترا- قد اقبسوا منه ادباً للإطفال فاختصروه وصوروه، ولقيت انا منذ عامين في القاهرة مستشرقا اسبانياً وآخر أمريكياً قدر أرسلت الأول جامعته. والثاني جمعيته، لينقبا في مدن الشرق عن مخطوطات (الف ليلة وليلة).
حينئذ أخذت خاصتنا تقرؤه وتسمعه، ومطابعنا الراقية تصححه وتطبعه وأدباؤنا المترفعون يشيرون إليه في تاريخ الأدب. ولكنهم الي اليوم لم يدرسوه دراسة علمية تكشف عن لبابه، وتستقطر النطف العذاب من عيابه، وهو علي الرغم من جميع مافيه، قد سجل علي توالي القرون أطوار اجتماعنا، وصور بالألوان الزاهية مختلف أختلافا وطباعنا، ونشر في الشرق والغرب أنوار حضارتنا وازدهار ثقافتنا وجمال تقليدنا، وأتم نقص التاريخ الدي تجاهل الشعب، والادب الذي احتقر العامة. فكان منه للتعاقد الاجتماعي والمؤرخ الفليسوف والأديب الباحث والكاتب القصصي - منهل ثر الينابيع، صافي المورد. وهو - فضلا عن ذلك- كان للشعب العربي في زمن انحلاله، وضياع استقلاله، وصعوبة اتصاله- قبس يبعث الحرارة في النفوس الخامدة، وذكري تلوع القلوب أسي علي المجد الذاهب، وصلة ثقافية تجمع المنازع المتفرقة علي الوحدة.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:51 PM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

أحمد حسن الزيات
ألف ليلة وليلة تاريخ حياتها

تابع

يكاد يكون (الف ليلة وليلة) علماً ثانياً علي بغداد، بل ربما كان ادل عليها اليوم في نظر الشعوب الحديثة من شأنها الرفيع في الحضرة، ومكانها البارز في التاريخ: ذلك لان آثارها المادية قد ألح عليها طغيان الدهر وفيضان النهر حتي محواها. اما هي في هذا لكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يحجب، وصداها داوياً لم ينقطع، فهو للحضارة العربية في (بغداد).
متحف زاخر بالأعاجيب، دونه ماللحضارة الفرعونية في مصر من معابد ومقابر وكنوز، لانه يسير في البلاد وهي ثابتة، ويتحدث الي جميع الشعوب وهي صامتة، حتي أصبح لفظ (بغداد) في جميع اللغات مرادفا للعمران الزاهر، والترف العجيب- واسم الرشيد رمزا للعدل الشامل والزمن الخصيب. ذكر احد كتاب الانجليز فترة من الزمن الرخي فقال: كان ذلك في العصر الذهبي اذ كان يحكم الخليفة العادل هارون الرشيد.
ذلك بعض فضل الكتاب علي (بغداد). وقد ذكرت من قبل انه لم يؤلف علي هذه الصورة فيها ولم يؤلفه احد من بنيها، وانما جمع في مجالس القصص في القاهرة، ودون علي هذا الشكل في القاهرة وطبع أول طبعة كاملة في مطبعة الحكومة بالقاهرة. ثم كان حظ القاهرة من كتاب (الف ليلة وليلة) ان صورها للناس مثابة للاحتيال والشطارة والشعوذة والجهل بينما يصور (بغداد) مهبطا للفضل، وموطنا للنبل، ومعدنا للكرم وعشا للحب، ومظهرا للترف حتي كان من جراء ذلك ان أهل (بغداد) لايزالون يقولون (عياق مصر وحيال ممصر) ونحن مازلنا نقول في القاهرة: تبغدد فلان اذا اظهر البغددة. وفي كلمة مشتقة من (بغداد) تدل عل ي السرف والترف والبطر والنبل.
وسبب اختلاف حظ البلدين من الكتاب ان القصاص المصري اذا تحدث في مصر- وهو منها وفيها- تحدث عما يري، وعبر عما يسمع وقد علمنا في أي عهد من عهود الضعف والانحلال ظهر هذا الكتاب بمصر. اما اذا تكلم عن بغداد فإنما يتأثر بعوامل أربعة: يتأثر بما وضع من الأقاصيص الجميلة في بغداد- ويتأثر بما ملأ الآذان وشغل الأذهان عن عظمة بغداد وأبهة الخلافة- ويتأثر بما ركب الله في طباع الناس من تقديس الماضي، وتعظيم البعيد- ويتأثر بجهله أحداث التاريخ وتطور الأمم، فيأبي وهو في القرن العاشر من الهجرة أن يعترف بموت (الرشيد)، ومصرع (بغداد) ونكبة المجد الأثيل.
أما بعد فإني أحاول الآن ياسادتي أن أكشف عن حقيقة (ألف ليلة وليلة) بمقدار ما تهيأت لي المراجع في (بغداد)، بعد ان توافرت علي قراءته ودراسته في مختلف الطبعات، ووقفت علي ما نشر عنه من الابحاث في بعض اللغات. وما أريد بالطبع أن أدفع السأم في نفوسكم بذكر مالا يحتمله المقام من التحليل المفصل، وانما اجتزيء بذكر مالا يسع الرجل المثقف جهله من امر هذا الكتاب.
وهنا يدركنا المساء كما يدرك شهرزاد الصباح، فنرجيء البقية الي الأسبوع المقبل اذا تفضلتم بالسماح.

==============







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:51 PM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

المحاضرة الثانية

ليس من اليسير علي الباحث الكشف عن حقيقة كتاب كألف ليلة وليلة أصله مفقود، ومؤلفه مجهول، وزمان وضعه مبهم، ومكان حوادثه مشتبه، لاننا اذا فزعنا الي التاريخ نسأله قال: ان ما يتصل بالأقاصيص والأساطير كان خارجا بطبيعته عن اختصاص الأديب ومنهاج المؤرخ، واذا رجعنا الي نص الكتاب ندرسه لنتبين من لغته وأسلوبه وأسماء أبطاله ومواطن رجاله وعقائد أهله- نصيب كل جنس وجيل في تكوينه وجدناه من هذه الجهة ضعيف الحجة خادع الرأي قليل الغناء، لأن كثيرا من النساخين والقصاصين في البلاد المختلفة قد اعتوروه فنقلوه علي وفق لهجاتهم، وعبثوا به علي مقتضي شهواتهم، حتي لاتجد نسختين منه تتفقان لا في الترتيب ولا في النص. ففي حكاية البنات مع الحمال والصعاليك الثلاثة مثلا يقول الصعلوك الثاني: انه قرأ القرآن بالروايات السبع وحفظ الشاطبية، والشاطبية في علم القراءات كالألفية في علم النحو، وفي بعض النسخ لايذكر الشاطبية ويكتفي بذكر الروايات السبع. فلو ان ذكر الشاطبية كان عاما في جميع النسخ لحكمنا بان هذه الحكاية كتبت بعد سنة ٠٩٥ وهي السنة التي توفي فيها الشاطبي. وفي حكاية مزين بغداد يذكر المزين الفيلسوف سنة ٣٦٧ في نسخة وسنة ٣٥٦ في نسخة اخري، فعلي أي الرقمين نعتمد في تاريخ هذه الحكاية؟ اذن لم يبق للباحث غير الاعتماد علي النقد المبني علي تاريخ الحضارات المقارن وعلي ما بقي في الكتاب من صور الأساليب ورسوم التقاليد التي لم يشوهها الناسخ ولم يعف عليها الزمن.
كان أول من ذكر الف ليلة من المؤرخين علي بن الحسين المسعودي المتوفي سنة ٦٤٣ في كتابه مروج الذهب فقد قال حين عرض لأخبار ارم ذات العماد »إن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة نظمها من تقرب من الملوك برواياتها وان سبيلها سبيل الكتب المنقولة الينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية (وفي رواية اخري الفلهوية بدل الهندية) مثل كتاب هزار أفسانه، وتفسير ذلك بالفارسية خرافة ويقال لها (أفسانه). والناس يسمون هذا الكتاب الف ليلة وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها شهرزاد ودنيازاد) ثم جاء بعده محمد بن اسحق المعروف بابن النديم المتوفي سنة ٥٨٣ فقال في الفهرست: »أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبا وأودعها الخزائن الفرس الأول، ثم أغرق في ذلك ملوك الاشفانية وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس ونقلته العرب الي اللغة العربية وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عمل في هذا المعني كتاب هزار افسانه ومعناه الف خرافة.
وكان السبب في ذلك أن ملكا من ملوكهم كان اذا تزوج امرأة وبات معها ليلة قتلها من الغد فتزوج بجارية من أولاد الملوك لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد، فلما حصلت معه ابتدأت تخرفه وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك علي استبقائها ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث الي ان اتي عليها الف ليلة.... رزقت في اثنائها منه ولدا اظهرته وأوقفت الملك علي حيلتها عليه فاستعقلها ومال اليها واستبقاها، وكان للملك قهرمانة يقال لها دنيا زاد فكانت موافقة لها علي ذلك، وقد قيل ان هذا الكتاب ألف لحميا ابنة بهمن«.
ثم قال ابن النديم في موضع آخر: »والصحيج ان شاء الله ان اول من سمر بالليل الاسكندر وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه لايريد بذلك اللذة وانما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده المارك هزار افسانه ويحتوي علي الف ليلة وعلي دون المائتي سمر لان السمر ربما حدث به في عدة ليال. وقد رأيته بتمامه دفعات، وهو بالحقيقة كتاب غث بارد الحديث«.
فالرجلان كما ترون متفقان علي ان الكتاب منقول عن هزار افسانه الفارسي وانه موضوع في خبر الملك والجاريتين شهرزاد ودنيازاد وان اسمه في عصرهما كان الف ليلة لا الف ليلة وليلة »ولا عبرة بمجيء اسم الكتاب كاملا في الطبعة الحديثة المصرية لمروج الذهب فان ذلك من زيادة المصحح« ويختلفان في نسب البنت والجارية فيقول المسعودي ان شهرزاد بنت الوزير ودنيازاد جاريتها وهو الصحيح، ويقول ابن النديم ان شهرزاد من أولاد الملوك وان دنيازاد قهرمانة الملك، ويزيد ان الكتاب يحتوي علي الف ليلة وعلي دون المائتي سمر وانه ألف لحميا أوهميا أو حماني أو حمانة أو جمانة أو حماني علي اختلاف الروايات وهي بنت الملك بهمن بن اسفنديار.
هاتان هما الوثيقتان الخطيرتان في تاريخ هذا الكتاب ولايوجد غيرهما فيما نشر علينا من كتب مؤرخينا القدماء اللهم الا اشارة الي وثيقة ثالثة مفقودة نقل عنها المقريزي في الخطط والمقري في نفح الطيب وعزواها الي مؤرخ مصري اسمه القرطي الف كتابا في تاريخ مصر علي عهد الخليفة العاضد الفاطمي ذكر فيه الف ليلة وليلة وقايس بين قصصه وبين مايتداوله الناس في عصره من الحكايات المشهورة. وفي هذا دليل علي ان الكتاب علي أي صورة من الصور كان معروفا في مصر علي عهد الفاطميين، وان اسمه كان اذ ذاك الف ليلة وليلة، وان عنصرا من القصص العربي قد دخل في هيكله. ثم تجاهله بعدئذ أدباؤنا ومؤرخونا فلم يحققوا مصدره، ولم يسجلوا نموه وتطوره، حتي جاء رأس المستشرقين البارون سلفستردسامي فبدأ البحث العلمي في أصله بمقالين نشرهما في جريدة العلماء Journal des savants أولهما في سنة ٧١٨١ والآخر بعده بإحدي عشرة سنة. وجملة رأيه أن الكتاب تأليف جماعة لاتأليف واحد، وانه مؤلف في العهد الأخير، وانه عربي الوضع من فاتحته الي خاتمته، ودفع قول المسعودي ان فيه عناصر اجنبية من الهندية أو الفارسية. فناقش ادلته قوم آخرون اشهرهم الاستاذ ٠يوسف ڤون هامر) الألماني فقد نشر في سنة ٩١٨١ مقالا في احدي المجلات الألمانية، وفي سنة ٣٢٨١ مقالا آخر في المجلة الآسيوية أيد فيهما رأي المسعودي تأييدا لا سبيل عليه لآخذ. وفي سنة ٩٣٨١ ترجم الاستاذ (وليم لين) الانجليزي قسما من الف ليلة وليلة وقدم له مقدمة حاول ان يثبت فيها ان الكتاب تأليف رجل واحد وانه ألف فيما بين سنتي ٥٧٤١ و٥٢٥١ للميلاد. ثم استأنف هذا البحث في هذا العصر طائفة من ثقات العلماء اشهرهم: كوچي وموللر ونولدكي واوستروب وكريمسكي وشوڤان وكارادفو، فاستجلوا علي قدر امكانهم ماغمض من أصل هذا الكتاب حتي أصبح من الممكن بعد تمحيص ما قالوه وتصحيح ما جهلوه ان نثبت في هذا الأصل رأيا يقارب الصواب ان لم يكن.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:52 PM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

»أصل الكتاب وطبقاته«
أصل هذا الكتاب نواة من الأقاصيص الهندية والفارسية تسمي هزار افسانه ترجم الي العربية من الفهلوية في أواخر القرن الثالث للهجرة بعنوان »ألف ليلة« وهو الذي رآه المسعودي وانتقده ابن النديم. ثم تجمع حول هذه النواة في الأزمنة الواقعة بين القرن الرابع والقرن العاشر من الهجرة طبقتان طبقة بغدادية صغيرة وطبقة مصرية كبيرة. فأما النواة أو الأصل أو الاطار كما يسميه الباحثون فمؤلف من الحكايات الباقية الآتية: حكاية الملك شهريار واخيه شاه زمان وهي مقدمة الكتاب وحكاية التاجر والجني، وحكاية الأمير باسم وجوهر السمندلية، وحكاية اردشير وحياة النفوس، وحكاية قمر الزمان بن الملك شهرمان والأميرة بدور، وحكاية سيف الملوك وبديعة الجمال.
وقد اختلفت كلمة الباحثين في أصل هذا الأصل كما ألمحنا الي ذلك من قبل، ففريق يري ورأيه الأرجح ان المقدمة وبعض حكايات الأصل هندية ويبني هذا الرأي علي المشابهة في الموضوع والطريقة والأسلوب، فأما المشابهة والموضوع فإن في حكاية الملك شهريار واخيه مشابه من »كاثاسارت ساجارا« الهندية. واما المشابهة في الطريقة فان ادماج حكاية في حكاية وتوليد قصة من اخري احدي خصائص الأدب القصصي الهندي وهي ملحوظة في قصة (مهابهاراته) و(بنجه تنتري) اصل كليلة ودمنة، لان الباعث الأول علي القصص في أدب الهند كان ايناء الفرصة واكتساب الوقت حتي يؤفك المتهور عن عزمه، ويحجز المتسرع عن وجهه، كما فعل الببغاء مثلا مع زوجة صاحبه في حكاية (سو كاسابتاتي) فقد كان يقص عليها كل يوم احسن القصص ليعوقها بلهو الحديث عن زيارة خليلها في غيبة حليلها ويقطع حديثها دائما بقوله: سأقص عليك البقية غدا اذا بقيت في البيت. وهذه الطريقة وذلك الباعث نجدهما في كثير من حكايات الف ليلة وليلة فلا نزاع اذن في انها الباعث نجدهما في كثير من حكايات الف ليلة وليلة فلا نزاع اذن في انها هندية. واما المشابهة في الأسلوب فان من لوازم القاص الهندي ان يقول: لاتفعل ذلك والا اصابك ما اصاب فلانا فيسأله السامع وكيف ذلك فيجيب القاص علي هذا السؤال برواية القصة. وهذا الأسلوب نفسه مستعمل في تلك الحكايات من الف ليلة، وقولهم فيها وكيف ذلك؟ ترجمة حرفية لهذه الجملة السنسكريتية (كاثام إتات) ثم يمضي هذا الفريق في تطبيق نظريته علي بعض الحكايات وينتهي الي ان هناك طائفة من الأقاصيص لاشك في انها فارسية وهي حكاية الحصان الأبنوس وحكاية حسن -







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:52 PM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

أندريه ميكيل
غداة الليلة الأولى بعد الألف
ترجمة: اسماعيل أزيات​

إلى إسماعيل كملو*

في الصّبيحة التي أعقبت هذه الليلة الأولى بعد الألف ذائعة الصّيت ، آوى الملك إلى مختلاه،بعد أن نادى شهرزاد زوجة و ملكة إلى جانبه.كان يرغب في تذوّق الابتهاج اللاّ مثيل له الذي يمنحه الوئام مع النفس بعيدا عن ضجّة الحاشية،بعيدا عن جلبة الفرحة الصّاعدة من المدينة.سيُجدّد لشهرزاد،في غبطة تواجدهما وجها لوجه،امتنانه و إعجابه اللذين أتى على إظهارهما لها على رؤوس الأشهاد .
شيء واحد ، مع ذلك ، يجعله غير راض ...
[أنقر هنا لتكبير الصورة]
-المحبوبة غاية الحبّ شهرزاد ، قال ، لن أكون حقّا مفعما بالرضى إلاّ حين تكشفين لي سرّاخفيّا : من أين تعلّمتِ ما استمعتُ له منك طوال هذه الليالي ؟ نوّريني ، أرجوك يا أنت التي تدرين كيف ينبغي لنا أن نتعلّم ؟

- بكلّ إجلال أيّها الملك ، أجابت شهرزاد ، أوّل ما نتعلّمه بالضّبط هو أنْ لا شيء ندريه من تلقاء أنفسنا : الشعراء أنفسهم ، و حتى أكثرهم جنونا ، الذين يزعمون أنهم مؤتمنون على جزء صغير من القدرة الخالقة التي ، في الحقيقة ، لا تحق إلاّ لله وحده ، أقولُ ، الشعراء لا يحسنون عمل شيء إلاّ من خلال كلمات يتلقّونها من آخرين غيرهم . ها هنا ، أوّل تعريف للمعرفة : إنّها ميراث ، و لم أفعل شيئا من جهتي ، أيّها الملك ، سوى أن حدّثتك بما حفظتهُ .

وأضافت شهرزاد بقليل من الإنبساط : « أضفيتُ عليها ، صحيح ، تارة هنا و تارة هناك ، لمستي الشخصية « . ثمّ بنبرة أكثر جديّة : « و إلاّ ، أيّ فائدة تبقى للمكتبات ؟ إنّها تصون ذاكرة كلّ ما يُفكّر فيه ، بل ما يُقال ، مهما كان ما يُدوّن قليلا ، فلا خلاص إلاّ بالكتابة . أنت بنفسك ، أيّها الملك ، أصغيتَ إلى هذا أو ذاك من أمثالك ، بمناسبة هذه الحكاية أو تلك و قد وجدها مليحة و مؤثرة يأمرُ أن تُستودع الأرشيف الرّسمي .

-وسيكون الشأن نفسه معي ، قال الملك ، إذا رغبت يا شهرزاد في منحي حظوة أن تملي على نسّاخي كلّ ما رويته لي . أتعهّدُ بأكثر من ذلك : سأسهرُ على أن يبقى كلامك ، و قد أضحى نصّا ، حيّا على الدّوام ، سأجعلُ منه هذا النص المحفوظ ، المستنسخ قدر ما شاء له قدره حتى ينتقل من جيل إلى جيل ، لأجل مجد المملكة و الإنسانية جمعاء . لكنني لم أستنفدْ بعدُ تساؤلاتي .

-كُلّي آذان صاغية ، أيّها الملك

-أخالني أدركتُ الفكرة التي عبّرتِ عنها ، أنّ المعرفة إرث و ميراث لا جرم ، إلاّ أنّه يمكننا ،بل يجب علينا أن نضيف إليها .

-هو الأمر كذلك أيّها الملك . كلّ كائن حيّ وُهب الكلام و العقل و الخيال ، عليه أن يضع لنفسه قاعدة أنْ يُتمّم ، أنْ يُحسّن ، أنْ يغني ، بل أن يُصوّب ، إذا لزم ، ما أسلمه إيّاه آباؤه . ماذا سيكون عليه
إذن هذا الميراث إذا لبث على حاله ، هذا الحقل الذي لا يتوسّع ، هذا المسكن الذي ، بحجة عدم مسّه ، ندعه يؤول شيئا فشيئا إلى خراب ؟ الشعراء صدقوا ، على الأقل ، بما يخصّ هذا الموضوع : أنْ تتلقى أو تتلقف لا يحول دون أنْ تخلق أو تبدع ،ماذا أقولُ ؟ إنّه يوجبهُ و لو بإسم الوفاء .

- لكن هذا الخلق ، شهرزاد ، أين علينا أن نذهب للبحث عنه إذن ؟

-فينا ، بالطّبع ، أيّها الملك ، لكن شريطة أن لا نعتبر أنفسنا كونا مغلقا ، الكونُ نفسه يدعونا إليه من كلّ الجهات . الحكيم لا يلزمه أن ينغلق في محض معارفه ، بل دائما أن يواجهها بمعارف الآخرين ، و ليس فقط بأشخاص من موطنه أو من زمنه أو بالمتخصّصين في مذهبه العلمي . البحثُ هنا لا يبتغي أيّة حدود ، لا في التاريخ ، لا على الأرض ، لا في المعرفة ، و القاعدة الذهبية بهذا الصّدد هي البحث في لذة ما هو ناقص و غير مكتمل ،مثلما هي لذة مُحققة ، هي دائما مُتجدّدة .

- من يستمع إليك ، يا شهرزاد ، يعتقد أنّ هذه اللّذة هي وحدها الحقيقيّة . لكن إذا كان البحث عنها يفضي إلى المجهول المحلوم به دائما ، كيف ستصير هذه اللذة ، بل أسوأ من ذلك :كيف ستمسي المعرفة ؟ الأفضل إذن تكرار قول هو مُرادف لخيبة أمل ، بل ليأس.

-أقرّ ، أيّها الملك ، أنّ ثمّة حقيقة فيما قلتَ . مع ذلك ، اسمحْ لي بأن ألاحظ بأنّ لذة البحث تتشبّث بمسعاها أكثر من تعلّقها بمحتواها . لنرجعْ إلى الشعراء : لمّا أحدهم يقرّ بما نحن نسلّم به ، يأتي بالجديد ، أين يقيم هذا الأحد ؟ في الحقيقة ، هو و رفقاؤه ، منذ أن صار العالمُ عالما ، لا يأتون عملا آخر سوى التساؤل حول مصيرنا و حول موضوعات الحبّ ،السعادة أو الشجن ، الدنيا ، الموت و الماوراء التي لا تتغيّر . إنّ أصالة شاعر لا تكمن في الكيفية التي يعثر و ينظم بها كلماته لمنح إضاءة جديدة لأبدية السّؤال عن أصولنا ، عن كينونتنا و عن مآلنا . إنّ قيمة شاعر ما ليست هي الماذا ، بل الكيف ؛ نصيبُه غير القابل للتقادم هو صوتُهُ .

-لم يبق لك، يا شهرزاد ، سوى القليل لتسقطي في السّهولة : راضون جدّا هؤلاء الشعراء !
لنعدْ ، إذا شئت ، إلى صميم موضوعنا ، إلى المعرفة في معناها الأكثر شمولا . لذة ، أصالة ، كلّ هذا جميل ، لكن ، ربّما في ذلك حبّ للذات نوعا ما ، أليس كذلك ؟

- صحيح : العديد ، العديد يكتفون بذلك . لندعْ جانبا ما يناسبُ أن نسميّه بالمعارف التي لا يبلغها إلاّ المطلعون على الأسرار . إلاّ أنّها أبعد من أن تستنفد المعرفة و هنا موطن الدّاء . كلّ ما يمكن أن يدركهُ الذكاء الأكثر مألوفية عليه أن يُنقل و يُبلّغ : المعرفة تكفرُ،إذا لم تُقتسم ، العالِمُ يكفرُ إذا لم يكن سوى متحذلق .يجب إذن الحرص على أن نقولها ، على أن نكتبها : ما إنْ ينخرط الكلام أو تنخرط الريشة في اللعبة ، يلزمُ أن نحتفظ ماثلا في الذهن أنّ الكلمات وُجدت لتكون حالما تُقال أو تُكتب ، تُستقبل . هل تمرّ جميعها ؟ ليس دائما بالتأكيد ، لكن سيبقى منها ، في كلّ الأحوال ، آثار ما و هذا التقاسمُ نفسه هو كذلك لذة .

- كيف لي أنْ لا أهواك ، شهرزاد ؟ حسبي منك برهانان : مثلما أنت ذكيّة ، أنت جميلة .
و مع ذلك بقي من هذه الليالي الطّوال ما لا أدري من سرّ خفيّ لم أتوصّل إلى كشفه ، نعم سر خفي ... تستطيعين أن تقولي لي ما هو ؟

-أنا صغيرة السنّ ، في ريّق العمر ، أيّها الملك ، لكن من كلّ الأشياء التي تعلّمتُها ، كنتُ أعلمُ أنّ لذة الحبّ تنضبُ ، و قد وصلتُ إلى هذا الحدّ ستقتُلني . لحسن حظي ، كنتُ أعرفُ أيضاأنّ هناك لذة أخرى هي لذة المعرفة وأنّ هذه لا تجفُ إلاّ مع موتنا الخاص . منذ اللحظة التي أعطيتك إيّاها ، منذ اللحظة التي كنتَ تتلقاها ، كنتَ ملكا لي و إلى الأبد .

هامش :

أهدى عبد الفتاح كيليطو محكيّه الأخير Dites _ moi le songe إلى « إسماعيل « (ص9) ، غير أنّ هذا الإهداء اختفى من الترجمة العربية « أنبئوني بالرؤيا « التي أنجزها عبد الكبير الشرقاوي . هل هذا التغييب هو سوء تقدير من الناشر ( دار الآداب ) ؟ هل هو ناتج عن سهو أم هو أمر مقصود: مِن قبل مَنْ ؟ المؤلف أم المترجم ؟ لا ندري . هذا لغز آخر ينضاف إلى الألغاز الأخرى التي تكتنف هذا النص السردي العميق و المُقلق ! ( المترجم )


المصدر :
Biblia , Vox Poetica . 2009







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:53 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

ممدوح فراج النابي
نِسَاءُ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ.. وَدَعَواتُ التّحَرُّرِ مِنْ الذّكُوريّةِ​

أثار رد الفعل المستهجن الذي نتج عن قيام " محامون بلا قيود!! " – حركة مصرية - ( لاحظ التناقض في الاسم!! ) بالمطالبة بمصادرة كتاب ألف ليلة وليلة بعدما أعادت هيئة قصور الثقافة طبعه مرة ثانية ومحاكمة من سوّلت لهم أنفسهم بنشر الرذيلة من خلال إعادة طبع ونشر الكتاب من جديد ، ردودَ فِعْلٍ غَاضِبةٍ من قبل المثقفين العرب ، حيث اعتبروا إقامة الدعوة الجنائية هو عودة لعصور الحسبة والظلام ، التي مازال يعاني من خفافيشها الدكتور نصر حامد أبو زيد . كان مبعث الغضب ليس الدعوة فحسب ، ففي كل يوم يتعرض أدباء وأعمالهم في الوطن العربي – برمته - للمصادرة أو المنع ، وإنما كان مبعث الغضب ، كيف لعقلية تعيش رهن عصر غَلَبَتْ عليه ثقافة سريعة ولاهثة ، وفي الوقت ذاته ثقافة إجبارية ، فالذين طالبوا بمنع ونشر الكتاب ، ألا يعلموا أنهم بمجرد الدخول لعالم الشبكة العنكبوتية يُتَاح لهم أكثر مما كُتب في ألف ليلة وليلة ، بل إن هناك مواقعًا تحمل اسم الكتب الممنوعة . لست في حاجة لمناقشة ردود الفعل الغاضبة لمثل هذا التصرف ، ولكن أنظر للموضوع من جهة مخالفة ، حيث أدعو هؤلاء الرافضين والمتمردين على الألفاظ الخادشة ؛ لتأمل الرؤي والأفكار التي طُرِحَتْ في هذا الكتاب الذي يملأون أفواههم بالمطالبة بمنعه ، وحبس مَنْ يسعى لنشره ، وكيف أنها كانت كلها أفعال مضادة لأفعال الوصايا التي فُرضت من قبل الذكورية ، والتي هي تطالب بمنعه .
أغلب من نظر إلى هذا الكتاب ( سواء في الشرق أو في الغرب ) نظر إلى التحرر الجسدي فقط ( وهذا ما حدث عندما تُرِجم إلى اللغات الأجنبية ، فالناشر وضع صورة إمرأة تبض بالشهوة والإغواء ، كما إن ناشره باللغة الإلمانية سمّاه "المتعة في ألف ليلة وليلة" ، في دلالة مباشرة لإباحيته المفرطة )، دون النظر لعقلية شهرزاد ودهائها في خداع الملك بالحكاية دون تمرير فُرصةٍ شهوة انتقامه التي استمر عليها منذ الحادثة المشئومة ، وكيف أنّ المرأة الممثِّلة في صورة شهرزاد استطاعت أنْ تُرَوِّضَ الرجل القوي ، وتُحِدَّ من شراسته وغواياته، وتجعل حكاياتها مصدرًا للرغبة والطلب ، لا جسدها رغم أن شهرزاد في بعض حكاياتها كانت تُصَوِّر المرأة كمصدرِ غوايةٍ وافتتانٍ حتى من الجن (راجع حكاية الأمير شاه زمان ، وكيف أن العفريت دهنش قد هام ببنت الملك الغضريف ، وكذلك هامت الجنية ميمونة ابنة الدمرياط ملك الجن بشاه زمان) ، وفي بعض الأحيان تجد المرأة القوية الذكية الجميلة التي تكون مطلب الخلفاء والوزراء ليس لجمال جسدها فقط ، بل لرجاحة عقلها ، فكثيرًا ماجَسّدَتْ الليالي هذه الصورة للمرأة ، وتنافس الولاة والوزراء على اقتناء مثل هذه الجواري . لاحظ حكاية الجارية تودد مع الخليفة هارون الرشيد (1)، وكيف أنها استطاعت برجاحة عقلها وعلمها الفيّاض ، أن تحصل علي ما تريد من الخليفة ،فهي تعرف
" النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة ، "..." و فن الموسيقي والقسمة والمساحة ، وأساطير الأولين ، ... والقرآن الكريم ..[ بقراءته ] السبع والعشر وبالأربع عشرة ، .. وعدد سوره وآياته وأحزابه وأنصافه وأربعاه وأثمانه وأعشاره وسجداته وعدد أحرفه ..، وما فيه من النسخ والمنسوخ والمدنيّة والمكيّة وأسباب التنزيل ، .. والحديث الشريف ورواية المسند منه والمرسل ،.. وعلوم الرياضة والهندسة والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق وعلم المعاني والبيان ...........إلخ..."(2) . واستطاعت بهذا العلم وتلك المعرفة التي تحدّت بهما أرباب العلوم في عصرها من فقهاء وأساطين عصر الرشيد ، كما كانت ماهرةً في لَعِبِ الشطرنج ، والنرد ، فَدُهِش الخليفة هارون الرشيد بمهارتها الفائقة في كافة العلوم والألعاب ، وطَرِبَ لذلك فأمر بإحضار المال ، وإعطائه لمولاها مائة ألف دينار ، وقال لها يا " تودد تَمَنِّي عليَّ ؟ قالت تَمَنَّيْتُ عليكَ أنْ تَرُدَّني إلى سيدي الذي باعني ، فقال لها : نعم ، فردها إليه وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها، وجعل سيدها نديمًا له على طول الزمان، وأطلق له في كل شهر ألف دينار وقَعَدَ مع جاريته تودد في أرغد عيش "(3) . هكذا استطاعت شهرزاد أن تستخدم أجنحتها للحد من غواية القتل للمرأة حتى تصل إلى الليلة الألف فيحدث العفو ليس لها ولكن لبني جلدتها من النساء قاطبةً .
لكن رسالة شهرزاد السياسية ماذا حصل لها ؟ ، لم يبحث عنها أحد . المفارقة التي لم ينتبه لها أحد أن شهرزاد التي رحلت إلى الغرب عبر الترجمة على يد الفرنسي " أنطوان كالاند" الكاتب الخاص في السفارة الفرنسية عام 1704 . الرسالة نستخرجها من هذه الحكايات بشبقها وألفاظها الخادشة ، أن شهرزاد المرأة الشرقية ( موطنها بلاد فارس ) استطاعت أن تخرج من إطار الحريم الذي وُضِعَتْ فيه كحكّاءة للملك وسَمِيرة لمجلسه ، بل تعدتهما لأن تتجاوز حكاياتها الملك نفسه وغرفة النوم التي تتم في إطارها الحكايات ، إلى فضاءٍ عامٍ واسعٍ وشَاملٍ يَتَجَاوزُ حُدُودَ المكانِ ، فالمرأة التي تخطت الأخبية التي وضعت لها ( مجلس الملك وعلي سريره ) ، انتقلت وتجاوزت لا بصورتها وعريها كما دَأَبَ الفنانون تصويرها به أو تزيين الكتب بها ، أو حكاياته الجنسية وإنما بشهوة الكلام التي روّضت الملك نفسه بها من قبل ، فبالكلام استطاعت شهرزاد أن تتحدّى الموت والخوف ، فهي ضحّت بنفسها ، وراهنت على الانتصار، من أجل ذاتها ومن أجل الآخرين ( وهذا ما لم تفطن إليه المرأة في العصور الحديثة ، فالرجل هو الذي نادى لها بمطالبها(4) ( لاحظ ما فعله قاسم أمين "1863-1908م" في كتابيه تحرير المرأة 1899والمرأة الجديدة 1901) وإن كان سبقه في هذه الدعوة رفاعة الطهطاوي" 180-1873 " بعد عودته من باريس ليكون إمامًا لفرق الجيش هناك ، ففي سفره العظيم " تخليص الإبريز في تلخيص باريز "1834 م . ثم اللغات من بعد بقبول ترجمتها ، فما تُرجم هو كلام مروي بلسان شهرزاد . إذن المرأة كما رسمتها الحكايات تمتلك من المقومات التي تُسَوِّق لها أفضل من جسدها .
وتجدر الإشارة إلى أن واحدة مثل فاطمة المرنيسي الكاتبة المغربية وأستاذة علم الإجتماع ، استطاعت أن تقرأ الحكايات قراءة واعية ، وتأخذ منها الدروس في حياتها منذ أن كانت جدتها ياسمين تحكي لها هذه الحكايات وهي صغيرة ( راجع كتابها : نساء على أجنحة الحلم ، وشهرزاد ترحل إلي الغرب ) . هكذا خَلَقَتْ المرنيسي من حكايات الليالي التي كانت تحكيها لها جدّتها ياسمين ، باعثًا جديدًا لاكتشاف قوي المرأةِ الكَامنةِ والتي لا يراها الرجلُ . فالرجلُ لا يري فيها سوى كائن ضعيف . فصارت الحكايات بمثابةِ المرآةِ الجديدةِ التي نظرت فيها المرأة ، فاكتشفت أخري غير تلك التي يريدها الرجل مهمشّة ومقصية بل قوية ، تحدت سلطة السيف بشهوة الكلام ، وتري المرنيسي أن تحويل غرائز مجرم ، يستعد للقتل عن طريق الحكايات ، انتصار رائع ، ومن ثم تطلب من شهرزاد أن تمتلك " ثلاث مزايا استراتيجية ، أولهما تتمثل في معرفتها الواسعة ، وثانيتهما تتجسد في قدرتها على خلق التشويق قصد شدِّ انتباه المجرم ، أما الثالثة فهي هجوؤها ؛ أي قدرتها على التحكم في الموقف رغم الخوف ..."(5). وإذا كانت شهرزاد الحكَّاءة تتمتع بهذا الذكاء ، فكذلك نساء الليالي ليس كلهن جواري يرتمين في أحضان من يدفع ثمنها للتاجر ، وإنما كانت هناك النساء ذات الحجال الراجحة ، والحافظة للقرآن وللشعر والعازفة للعود والملمة بضروب الغناء ومقاماته ، فجعلت من الرجال المتهافتين على جسدها ومصدر فتنتها ، يهيمون حبًا في عقلها ويقتتلون بسبب الفوز بها(6).
*****
المعني الأخر الذي نستشفه من شخصية شهرزاد وحكاياتها التي استمرت أكثر من ألف ليلة وليلة ولم تنتهِ بمقتل شهرزاد الرّاوية بل إنجابها ابنًا من ملك الفرس ،
( الإنجاب في حد ذاته خَلق وحياة جديدة) . معني يجعل من المرأة مٌنْتَصِّرة على الرجل في حَلَبَةِ الصراع التي يتصارع فيها الطرفان ، ودومًا تكون المرأة هي الخاسر والمجروح . لكن هنا في الليالي تقول المرنيسي أن شهرزاد انتصرت ليس فقط لهولاء النسوة اللاتي قَتَلَهنّ الملك في نظير انتقامه مِنْ فِعْلِ الخيانة الذي مارسته زوجته مع عبده مسعود ، بل انتصرت على رجال اليوم الذين يَحْصِرون المرأة في جسدها ، وكيف قَهَرَتْ الملك واستلَّبتْ عقله ، وجعلت نفسها الوصية على عقله ، بل صار أسيرًا لحكاياتها ، ومن فِرْطِ إعجابه بهذه الحكايات ، كان يُرْجِئُ قتلها حتي تنتهي حكاياتها ، لكنها استعملت عقلها فأطالت الحكايات وتعمدت الحكي ذا التأثير الذي يجعل الملك يشغفل بسماع بقية الحكاية التي توقفت بسبب إدراك شهرزاد الصباح ، وما نتج عنه – بعد ذلك - من عفو عنها ، وعفو عن جميع نساء جلدتها .
لكن في الجانب المقابل أجابت الحكايات على السؤال المُعلَّق حتى اليوم ،عن عَلاقة الرجل بالمرأة ؟ والتي أجابت عنه شهرزاد في رسالة ذكية لكلِّ رجلٍ في حكاية حسن البصري ، بأن المرأة لا تستطيع أن تعيش في أخبية يَصْنَعُها الرجل ، فتمردت المرأة على هذه الأخبية في صورة حبيبة / وزوجة حسن البصري ذات الكسوة الريش والتي تزوجها حسن وأخذ كسوتها ووضعها في صندوق تحت الأرض حتى لا تَعْثُرُعليه وتطير ، فحسن هذا المحب رغم أنه أخذ احتراسه وحذره من هروب زوجته إلا أنه نسي ، ما يُمَثِّلُه جانبُ الفِقْدِ واللوع بالهجر ، فكان يسافرُ كثيرًا في التجارة لتزدادَ أمواله ، ويترك زوجته غير مباليًا بعواطفها وحرمانها . ورغم تأكيداته على أمه بألا تَغْفِلَ عن زوجته فتهرب ، ومع هذا وقع المحذور، وتمردتْ الزوجة وكان أول أشكال التمرد بَحْثُهَا عن كسوتها الريش ، وما أن وجدتها حتى راودها الحنيين لتعود لطبيعتها الأولي ، وبالفعل تَهْرَبُ بابنيها " ناصر ومنصور"، بعد أنْ تَركتْ رِسَالَةً لِحَبِيبِهَا مفادها "والله يا سيدتي يا أم حسن إنك سوف توحشينني ، فإذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب والتلاق ، وهزته رياح المحبة والأشواق فليجيني إلى جزائر واق الواق ، ثم طارت هي وأولادها ..........." (7)
الرسالة التي أرادت شهرزاد أن ترسلها لم تجد منْ يَسْتَقَِبلِهَا ، رغم أنّ أولَ طبعةٍ لهذه الحكايات كانتْ في بولاق بالقاهرة عام 1834، ومع هذا فحسن في الحكاية فَطِنَ إلى الرسالة وبَحَثَ عن زوجته وأولاده ، وانتهي بهم الحال كما أخبرتنا الحكاية " في ألذ عيش وسرور")8)، فما كانت تريده الزوجه فعله حسن البصري لذا عاشا سعيديْن ، أما الرجل / الرجال الذي قرأ/وا الحكاية فلم يصل/وا لمغزى رسالة الزوجة التي تمردت على خباء حسن ، ومراقبة أمه لها ، وعادت إلى طبيعتها / الحرية دون قيود ، وليس من المصادفة أن يكون للزوجة في الحكاية جناحان من ريش ، فهما رمزان للحرية وكسر التقاليد والجمود ، ومقاومة الذكورية ، إذا ما وُضِعَتْ المرأة في هذا النطاق من الحصار . ولهذا يأتي المثل الدارج الذي يشير إلى كسر جناحي المرأة في ليلة الزفاف "إذبح القطة لها قبل أن تذبحها لك" في دلالة بالغة إلى رغبة الرجل إلى وضع الزوجة / المرأة في خباء ، دون ان يفهم طبيعة هذه المرأة التي ربما تكون مسالمة بطبعها ؛ لكنها الأعراف التي فرضت عليه الوصاية والذكورية ضد كل ما هو أنثوي ؛ لمجرد إعلاء ذكوريته ليس إلا .
الرسالة الوحيدة التي استقبلتها الذكورية من هذه الحكايات التي دامت لأكثر من ألف ليلة ، أي ما يقرب من ثلاث سنوات ، هو ما تحفل به هذه الحكايات من جنس وشبق وعربدة، والتي جعلت الأصوليين منهم يمنع نشر وتداول هذه الحكايات واعتتبارها ، حكايات مُحرِّضة على الرزيلة . دون أن يأخذوا منه الرسالة الحقيقية الكامنة / المسكوت عنه وراء الحكايات ، والمستترة خلف العري والبغاء والشذوذ ، الذي تمتلأ بها الحكايات . وحكاية حسن البصري وزوجته واحدة من ضمن حكايات الكتاب ، وبالمثل لو توقفنا عند حكاية الأميرة بدور ابنة الملك الغيور، وكيف جمّعت الجنية ميمونة ، والعفريت دهنش بينها وبين زوجها قمر الزمان الذي كان رافضًا الزواج ، فألقيا المحبة بينهما ، وما أن التقيا تزوجا حتى أغدق أبوها عليه المال وقلّده المناصب الرفيعة ، لكنه حنّ لرؤية أبيه فاستئذن الملك بأن يعود بزوجته ، وما أن حاول أن يفك سروالها حتى خرج طائر فهام خلفه وتاه ، تاركًا الزوجة في الخيمة ، وما أن استيقظت وجدت نفسها وحيدة ، فراحت تتدبر أمرها وبالفعل قالت محدّثة نفسها "إن خرجت إلى الحاشية واعلمتهم بفقد زوجي يطمعوا فيّ ، ولكن لأبد من الحيلة "(9)، هكذا هي الأخري لجأت للحيلة لتفادي مأزق غياب الزوج فـ " لبست ثياب قمر الزمان ، ولبست عمامة كعمامته ، وضربت لها لثامًا وحطت في محفتها جارية ، وخرجت من خيمتها وصرخت على الغلمان ، فقدموا لها الجواد فركبت ، وأمرت بشد الأحمال ، وأخفت أمرها لأنها كانت تشبه قمر الزمان .." (10)
نحن أما عمل أدبي رصين مشفر بدلالات أعمق من تلك التي ينظرون إليه علي أساسها ، يحتاج إلي قراءة واعية بصيرة بفك الشفرات ورد الدوال إلى مدلولها ، ولكن قبل هذا يلزمنا عقلية مرنة أكثر رحابة



الهوامش:
• هذا جزء من دراسة طويلة عن الخطاب النسوي ونماذج التحرر في أدب فاطمة المرنيسي .
- ذكر المؤرخون أن الخليفة هارون الرشيد اقتني أكثر من ألفي جارية من بلاد غريبة – تعرضت للغزو - بعضهن يجيدن الغناء ، ولكي تجيد الغناء كانت يتحتم عليها الخضوع لتكوين صعب " فإلي جانب التقنيات الصوتية والآلية ، يجدر بهن اتقان اللغة العربية وبنائها النحوي المعقد " . وكانت الجارية " فضل " المحلية الأكثر حظًا منهن ، لما تتمتع به من ثقافة ومعرفة ، وكان يجب على هؤلاء الجواري الغربيات أن ينافس فضل المحلية ذات المكانة العالية عند الرشيد . راجع في هذا :" عصر ذهبي :: هارون الرشيد .. الخليفة الفاتن " ، فاطمة المرنيسي ، ترجمة : سعيد بو خليط ، جريدة العرب الأسبوعي ، عدد السبت 31-10-2009، ص 22.
2 - راجع حكاية الجارية تودد في الجزء الثالث ، بدأ من الليلة 440 من ص: 230 ، إلى الليلة 466، من ص 270 ، مرجع سابق.
3 - السابق نفسه : ص 270
4 - باستثناء هدى شعراوي "1893-1948" ،الرائدة النسائية، فهي المرأة الوحيدة التي يمكن القول أنها تمردت علي أخبية الرجل فخرجت في مظاهرات في عام 1919 ، ونادت بحق المرأة في الانتخاب مثلها مثل الرجل يوم صدور حق التصويت في الانتخابات ، وأيضًا طالبت النساء بخلع حجابهن في خطوة سابقة لتحرر المرأة ، حتى من خباء الحجاب الذي صار بالنسبة لهن بمثابة القيد الذي يعيق
5 - فاطمة المرنيسي : " شهرزاد ترحل إلى الغرب " ، ت فاطمة الزهراء أزرويل ، المركز الثقثافي العربي ، دار نشر الفنك ، ص 65.
6 - راجع حكاية الملك محمد بن سليمان الزيني ، ووزيريه المعين بن ساوي ، والفضل بن خاقان ، مع الجارية التي طلبها الملك ، بحيث لا يكون في زمانها أحسن منها: حميدة الخصال، كاملة الجمال ، فائقة في الاعتدال ، وما أن عثر الوزير الفضل بن خاقان
علي هذه الجارية حيث كانت " تعلمت الخط والنحو واللغة والتفسير وأصول الفقه والدين والطب والتقويم والضرب بالآلات المطربة " ، راحع الحكاية في الليلة الخامسة والأربعون حتى الليلة الخامسون " من ص : 138 إلي ص : 217.
7 - ألف ليلة وليلة : المجلد الرابع ، الليلة 750 -751، ص 36 ، طبعة بيروت
8 - السابق نفسه : ص 36.
9 - السابق نفسه : ص 271.للمزيد من حكاية قمر الزمان والأميرة بدور راجع ألف ليلة وليلة ، الجزء الثاني ، الليلة 173 إلى الليلة 237. من ص 215: ص 323.
10 - السابق نفسه : ص 271.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:53 PM رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

ممدوح فراج النابي
نِسَاءُ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ.. وَدَعَواتُ التّحَرُّرِ مِنْ الذّكُوريّةِ​

أثار رد الفعل المستهجن الذي نتج عن قيام " محامون بلا قيود!! " – حركة مصرية - ( لاحظ التناقض في الاسم!! ) بالمطالبة بمصادرة كتاب ألف ليلة وليلة بعدما أعادت هيئة قصور الثقافة طبعه مرة ثانية ومحاكمة من سوّلت لهم أنفسهم بنشر الرذيلة من خلال إعادة طبع ونشر الكتاب من جديد ، ردودَ فِعْلٍ غَاضِبةٍ من قبل المثقفين العرب ، حيث اعتبروا إقامة الدعوة الجنائية هو عودة لعصور الحسبة والظلام ، التي مازال يعاني من خفافيشها الدكتور نصر حامد أبو زيد . كان مبعث الغضب ليس الدعوة فحسب ، ففي كل يوم يتعرض أدباء وأعمالهم في الوطن العربي – برمته - للمصادرة أو المنع ، وإنما كان مبعث الغضب ، كيف لعقلية تعيش رهن عصر غَلَبَتْ عليه ثقافة سريعة ولاهثة ، وفي الوقت ذاته ثقافة إجبارية ، فالذين طالبوا بمنع ونشر الكتاب ، ألا يعلموا أنهم بمجرد الدخول لعالم الشبكة العنكبوتية يُتَاح لهم أكثر مما كُتب في ألف ليلة وليلة ، بل إن هناك مواقعًا تحمل اسم الكتب الممنوعة . لست في حاجة لمناقشة ردود الفعل الغاضبة لمثل هذا التصرف ، ولكن أنظر للموضوع من جهة مخالفة ، حيث أدعو هؤلاء الرافضين والمتمردين على الألفاظ الخادشة ؛ لتأمل الرؤي والأفكار التي طُرِحَتْ في هذا الكتاب الذي يملأون أفواههم بالمطالبة بمنعه ، وحبس مَنْ يسعى لنشره ، وكيف أنها كانت كلها أفعال مضادة لأفعال الوصايا التي فُرضت من قبل الذكورية ، والتي هي تطالب بمنعه .
أغلب من نظر إلى هذا الكتاب ( سواء في الشرق أو في الغرب ) نظر إلى التحرر الجسدي فقط ( وهذا ما حدث عندما تُرِجم إلى اللغات الأجنبية ، فالناشر وضع صورة إمرأة تبض بالشهوة والإغواء ، كما إن ناشره باللغة الإلمانية سمّاه "المتعة في ألف ليلة وليلة" ، في دلالة مباشرة لإباحيته المفرطة )، دون النظر لعقلية شهرزاد ودهائها في خداع الملك بالحكاية دون تمرير فُرصةٍ شهوة انتقامه التي استمر عليها منذ الحادثة المشئومة ، وكيف أنّ المرأة الممثِّلة في صورة شهرزاد استطاعت أنْ تُرَوِّضَ الرجل القوي ، وتُحِدَّ من شراسته وغواياته، وتجعل حكاياتها مصدرًا للرغبة والطلب ، لا جسدها رغم أن شهرزاد في بعض حكاياتها كانت تُصَوِّر المرأة كمصدرِ غوايةٍ وافتتانٍ حتى من الجن (راجع حكاية الأمير شاه زمان ، وكيف أن العفريت دهنش قد هام ببنت الملك الغضريف ، وكذلك هامت الجنية ميمونة ابنة الدمرياط ملك الجن بشاه زمان) ، وفي بعض الأحيان تجد المرأة القوية الذكية الجميلة التي تكون مطلب الخلفاء والوزراء ليس لجمال جسدها فقط ، بل لرجاحة عقلها ، فكثيرًا ماجَسّدَتْ الليالي هذه الصورة للمرأة ، وتنافس الولاة والوزراء على اقتناء مثل هذه الجواري . لاحظ حكاية الجارية تودد مع الخليفة هارون الرشيد (1)، وكيف أنها استطاعت برجاحة عقلها وعلمها الفيّاض ، أن تحصل علي ما تريد من الخليفة ،فهي تعرف
" النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة ، "..." و فن الموسيقي والقسمة والمساحة ، وأساطير الأولين ، ... والقرآن الكريم ..[ بقراءته ] السبع والعشر وبالأربع عشرة ، .. وعدد سوره وآياته وأحزابه وأنصافه وأربعاه وأثمانه وأعشاره وسجداته وعدد أحرفه ..، وما فيه من النسخ والمنسوخ والمدنيّة والمكيّة وأسباب التنزيل ، .. والحديث الشريف ورواية المسند منه والمرسل ،.. وعلوم الرياضة والهندسة والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق وعلم المعاني والبيان ...........إلخ..."(2) . واستطاعت بهذا العلم وتلك المعرفة التي تحدّت بهما أرباب العلوم في عصرها من فقهاء وأساطين عصر الرشيد ، كما كانت ماهرةً في لَعِبِ الشطرنج ، والنرد ، فَدُهِش الخليفة هارون الرشيد بمهارتها الفائقة في كافة العلوم والألعاب ، وطَرِبَ لذلك فأمر بإحضار المال ، وإعطائه لمولاها مائة ألف دينار ، وقال لها يا " تودد تَمَنِّي عليَّ ؟ قالت تَمَنَّيْتُ عليكَ أنْ تَرُدَّني إلى سيدي الذي باعني ، فقال لها : نعم ، فردها إليه وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها، وجعل سيدها نديمًا له على طول الزمان، وأطلق له في كل شهر ألف دينار وقَعَدَ مع جاريته تودد في أرغد عيش "(3) . هكذا استطاعت شهرزاد أن تستخدم أجنحتها للحد من غواية القتل للمرأة حتى تصل إلى الليلة الألف فيحدث العفو ليس لها ولكن لبني جلدتها من النساء قاطبةً .
لكن رسالة شهرزاد السياسية ماذا حصل لها ؟ ، لم يبحث عنها أحد . المفارقة التي لم ينتبه لها أحد أن شهرزاد التي رحلت إلى الغرب عبر الترجمة على يد الفرنسي " أنطوان كالاند" الكاتب الخاص في السفارة الفرنسية عام 1704 . الرسالة نستخرجها من هذه الحكايات بشبقها وألفاظها الخادشة ، أن شهرزاد المرأة الشرقية ( موطنها بلاد فارس ) استطاعت أن تخرج من إطار الحريم الذي وُضِعَتْ فيه كحكّاءة للملك وسَمِيرة لمجلسه ، بل تعدتهما لأن تتجاوز حكاياتها الملك نفسه وغرفة النوم التي تتم في إطارها الحكايات ، إلى فضاءٍ عامٍ واسعٍ وشَاملٍ يَتَجَاوزُ حُدُودَ المكانِ ، فالمرأة التي تخطت الأخبية التي وضعت لها ( مجلس الملك وعلي سريره ) ، انتقلت وتجاوزت لا بصورتها وعريها كما دَأَبَ الفنانون تصويرها به أو تزيين الكتب بها ، أو حكاياته الجنسية وإنما بشهوة الكلام التي روّضت الملك نفسه بها من قبل ، فبالكلام استطاعت شهرزاد أن تتحدّى الموت والخوف ، فهي ضحّت بنفسها ، وراهنت على الانتصار، من أجل ذاتها ومن أجل الآخرين ( وهذا ما لم تفطن إليه المرأة في العصور الحديثة ، فالرجل هو الذي نادى لها بمطالبها(4) ( لاحظ ما فعله قاسم أمين "1863-1908م" في كتابيه تحرير المرأة 1899والمرأة الجديدة 1901) وإن كان سبقه في هذه الدعوة رفاعة الطهطاوي" 180-1873 " بعد عودته من باريس ليكون إمامًا لفرق الجيش هناك ، ففي سفره العظيم " تخليص الإبريز في تلخيص باريز "1834 م . ثم اللغات من بعد بقبول ترجمتها ، فما تُرجم هو كلام مروي بلسان شهرزاد . إذن المرأة كما رسمتها الحكايات تمتلك من المقومات التي تُسَوِّق لها أفضل من جسدها .
وتجدر الإشارة إلى أن واحدة مثل فاطمة المرنيسي الكاتبة المغربية وأستاذة علم الإجتماع ، استطاعت أن تقرأ الحكايات قراءة واعية ، وتأخذ منها الدروس في حياتها منذ أن كانت جدتها ياسمين تحكي لها هذه الحكايات وهي صغيرة ( راجع كتابها : نساء على أجنحة الحلم ، وشهرزاد ترحل إلي الغرب ) . هكذا خَلَقَتْ المرنيسي من حكايات الليالي التي كانت تحكيها لها جدّتها ياسمين ، باعثًا جديدًا لاكتشاف قوي المرأةِ الكَامنةِ والتي لا يراها الرجلُ . فالرجلُ لا يري فيها سوى كائن ضعيف . فصارت الحكايات بمثابةِ المرآةِ الجديدةِ التي نظرت فيها المرأة ، فاكتشفت أخري غير تلك التي يريدها الرجل مهمشّة ومقصية بل قوية ، تحدت سلطة السيف بشهوة الكلام ، وتري المرنيسي أن تحويل غرائز مجرم ، يستعد للقتل عن طريق الحكايات ، انتصار رائع ، ومن ثم تطلب من شهرزاد أن تمتلك " ثلاث مزايا استراتيجية ، أولهما تتمثل في معرفتها الواسعة ، وثانيتهما تتجسد في قدرتها على خلق التشويق قصد شدِّ انتباه المجرم ، أما الثالثة فهي هجوؤها ؛ أي قدرتها على التحكم في الموقف رغم الخوف ..."(5). وإذا كانت شهرزاد الحكَّاءة تتمتع بهذا الذكاء ، فكذلك نساء الليالي ليس كلهن جواري يرتمين في أحضان من يدفع ثمنها للتاجر ، وإنما كانت هناك النساء ذات الحجال الراجحة ، والحافظة للقرآن وللشعر والعازفة للعود والملمة بضروب الغناء ومقاماته ، فجعلت من الرجال المتهافتين على جسدها ومصدر فتنتها ، يهيمون حبًا في عقلها ويقتتلون بسبب الفوز بها(6).
*****
المعني الأخر الذي نستشفه من شخصية شهرزاد وحكاياتها التي استمرت أكثر من ألف ليلة وليلة ولم تنتهِ بمقتل شهرزاد الرّاوية بل إنجابها ابنًا من ملك الفرس ،
( الإنجاب في حد ذاته خَلق وحياة جديدة) . معني يجعل من المرأة مٌنْتَصِّرة على الرجل في حَلَبَةِ الصراع التي يتصارع فيها الطرفان ، ودومًا تكون المرأة هي الخاسر والمجروح . لكن هنا في الليالي تقول المرنيسي أن شهرزاد انتصرت ليس فقط لهولاء النسوة اللاتي قَتَلَهنّ الملك في نظير انتقامه مِنْ فِعْلِ الخيانة الذي مارسته زوجته مع عبده مسعود ، بل انتصرت على رجال اليوم الذين يَحْصِرون المرأة في جسدها ، وكيف قَهَرَتْ الملك واستلَّبتْ عقله ، وجعلت نفسها الوصية على عقله ، بل صار أسيرًا لحكاياتها ، ومن فِرْطِ إعجابه بهذه الحكايات ، كان يُرْجِئُ قتلها حتي تنتهي حكاياتها ، لكنها استعملت عقلها فأطالت الحكايات وتعمدت الحكي ذا التأثير الذي يجعل الملك يشغفل بسماع بقية الحكاية التي توقفت بسبب إدراك شهرزاد الصباح ، وما نتج عنه – بعد ذلك - من عفو عنها ، وعفو عن جميع نساء جلدتها .
لكن في الجانب المقابل أجابت الحكايات على السؤال المُعلَّق حتى اليوم ،عن عَلاقة الرجل بالمرأة ؟ والتي أجابت عنه شهرزاد في رسالة ذكية لكلِّ رجلٍ في حكاية حسن البصري ، بأن المرأة لا تستطيع أن تعيش في أخبية يَصْنَعُها الرجل ، فتمردت المرأة على هذه الأخبية في صورة حبيبة / وزوجة حسن البصري ذات الكسوة الريش والتي تزوجها حسن وأخذ كسوتها ووضعها في صندوق تحت الأرض حتى لا تَعْثُرُعليه وتطير ، فحسن هذا المحب رغم أنه أخذ احتراسه وحذره من هروب زوجته إلا أنه نسي ، ما يُمَثِّلُه جانبُ الفِقْدِ واللوع بالهجر ، فكان يسافرُ كثيرًا في التجارة لتزدادَ أمواله ، ويترك زوجته غير مباليًا بعواطفها وحرمانها . ورغم تأكيداته على أمه بألا تَغْفِلَ عن زوجته فتهرب ، ومع هذا وقع المحذور، وتمردتْ الزوجة وكان أول أشكال التمرد بَحْثُهَا عن كسوتها الريش ، وما أن وجدتها حتى راودها الحنيين لتعود لطبيعتها الأولي ، وبالفعل تَهْرَبُ بابنيها " ناصر ومنصور"، بعد أنْ تَركتْ رِسَالَةً لِحَبِيبِهَا مفادها "والله يا سيدتي يا أم حسن إنك سوف توحشينني ، فإذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب والتلاق ، وهزته رياح المحبة والأشواق فليجيني إلى جزائر واق الواق ، ثم طارت هي وأولادها ..........." (7)
الرسالة التي أرادت شهرزاد أن ترسلها لم تجد منْ يَسْتَقَِبلِهَا ، رغم أنّ أولَ طبعةٍ لهذه الحكايات كانتْ في بولاق بالقاهرة عام 1834، ومع هذا فحسن في الحكاية فَطِنَ إلى الرسالة وبَحَثَ عن زوجته وأولاده ، وانتهي بهم الحال كما أخبرتنا الحكاية " في ألذ عيش وسرور")8)، فما كانت تريده الزوجه فعله حسن البصري لذا عاشا سعيديْن ، أما الرجل / الرجال الذي قرأ/وا الحكاية فلم يصل/وا لمغزى رسالة الزوجة التي تمردت على خباء حسن ، ومراقبة أمه لها ، وعادت إلى طبيعتها / الحرية دون قيود ، وليس من المصادفة أن يكون للزوجة في الحكاية جناحان من ريش ، فهما رمزان للحرية وكسر التقاليد والجمود ، ومقاومة الذكورية ، إذا ما وُضِعَتْ المرأة في هذا النطاق من الحصار . ولهذا يأتي المثل الدارج الذي يشير إلى كسر جناحي المرأة في ليلة الزفاف "إذبح القطة لها قبل أن تذبحها لك" في دلالة بالغة إلى رغبة الرجل إلى وضع الزوجة / المرأة في خباء ، دون ان يفهم طبيعة هذه المرأة التي ربما تكون مسالمة بطبعها ؛ لكنها الأعراف التي فرضت عليه الوصاية والذكورية ضد كل ما هو أنثوي ؛ لمجرد إعلاء ذكوريته ليس إلا .
الرسالة الوحيدة التي استقبلتها الذكورية من هذه الحكايات التي دامت لأكثر من ألف ليلة ، أي ما يقرب من ثلاث سنوات ، هو ما تحفل به هذه الحكايات من جنس وشبق وعربدة، والتي جعلت الأصوليين منهم يمنع نشر وتداول هذه الحكايات واعتتبارها ، حكايات مُحرِّضة على الرزيلة . دون أن يأخذوا منه الرسالة الحقيقية الكامنة / المسكوت عنه وراء الحكايات ، والمستترة خلف العري والبغاء والشذوذ ، الذي تمتلأ بها الحكايات . وحكاية حسن البصري وزوجته واحدة من ضمن حكايات الكتاب ، وبالمثل لو توقفنا عند حكاية الأميرة بدور ابنة الملك الغيور، وكيف جمّعت الجنية ميمونة ، والعفريت دهنش بينها وبين زوجها قمر الزمان الذي كان رافضًا الزواج ، فألقيا المحبة بينهما ، وما أن التقيا تزوجا حتى أغدق أبوها عليه المال وقلّده المناصب الرفيعة ، لكنه حنّ لرؤية أبيه فاستئذن الملك بأن يعود بزوجته ، وما أن حاول أن يفك سروالها حتى خرج طائر فهام خلفه وتاه ، تاركًا الزوجة في الخيمة ، وما أن استيقظت وجدت نفسها وحيدة ، فراحت تتدبر أمرها وبالفعل قالت محدّثة نفسها "إن خرجت إلى الحاشية واعلمتهم بفقد زوجي يطمعوا فيّ ، ولكن لأبد من الحيلة "(9)، هكذا هي الأخري لجأت للحيلة لتفادي مأزق غياب الزوج فـ " لبست ثياب قمر الزمان ، ولبست عمامة كعمامته ، وضربت لها لثامًا وحطت في محفتها جارية ، وخرجت من خيمتها وصرخت على الغلمان ، فقدموا لها الجواد فركبت ، وأمرت بشد الأحمال ، وأخفت أمرها لأنها كانت تشبه قمر الزمان .." (10)
نحن أما عمل أدبي رصين مشفر بدلالات أعمق من تلك التي ينظرون إليه علي أساسها ، يحتاج إلي قراءة واعية بصيرة بفك الشفرات ورد الدوال إلى مدلولها ، ولكن قبل هذا يلزمنا عقلية مرنة أكثر رحابة



الهوامش:
• هذا جزء من دراسة طويلة عن الخطاب النسوي ونماذج التحرر في أدب فاطمة المرنيسي .
- ذكر المؤرخون أن الخليفة هارون الرشيد اقتني أكثر من ألفي جارية من بلاد غريبة – تعرضت للغزو - بعضهن يجيدن الغناء ، ولكي تجيد الغناء كانت يتحتم عليها الخضوع لتكوين صعب " فإلي جانب التقنيات الصوتية والآلية ، يجدر بهن اتقان اللغة العربية وبنائها النحوي المعقد " . وكانت الجارية " فضل " المحلية الأكثر حظًا منهن ، لما تتمتع به من ثقافة ومعرفة ، وكان يجب على هؤلاء الجواري الغربيات أن ينافس فضل المحلية ذات المكانة العالية عند الرشيد . راجع في هذا :" عصر ذهبي :: هارون الرشيد .. الخليفة الفاتن " ، فاطمة المرنيسي ، ترجمة : سعيد بو خليط ، جريدة العرب الأسبوعي ، عدد السبت 31-10-2009، ص 22.
2 - راجع حكاية الجارية تودد في الجزء الثالث ، بدأ من الليلة 440 من ص: 230 ، إلى الليلة 466، من ص 270 ، مرجع سابق.
3 - السابق نفسه : ص 270
4 - باستثناء هدى شعراوي "1893-1948" ،الرائدة النسائية، فهي المرأة الوحيدة التي يمكن القول أنها تمردت علي أخبية الرجل فخرجت في مظاهرات في عام 1919 ، ونادت بحق المرأة في الانتخاب مثلها مثل الرجل يوم صدور حق التصويت في الانتخابات ، وأيضًا طالبت النساء بخلع حجابهن في خطوة سابقة لتحرر المرأة ، حتى من خباء الحجاب الذي صار بالنسبة لهن بمثابة القيد الذي يعيق
5 - فاطمة المرنيسي : " شهرزاد ترحل إلى الغرب " ، ت فاطمة الزهراء أزرويل ، المركز الثقثافي العربي ، دار نشر الفنك ، ص 65.
6 - راجع حكاية الملك محمد بن سليمان الزيني ، ووزيريه المعين بن ساوي ، والفضل بن خاقان ، مع الجارية التي طلبها الملك ، بحيث لا يكون في زمانها أحسن منها: حميدة الخصال، كاملة الجمال ، فائقة في الاعتدال ، وما أن عثر الوزير الفضل بن خاقان
علي هذه الجارية حيث كانت " تعلمت الخط والنحو واللغة والتفسير وأصول الفقه والدين والطب والتقويم والضرب بالآلات المطربة " ، راحع الحكاية في الليلة الخامسة والأربعون حتى الليلة الخامسون " من ص : 138 إلي ص : 217.
7 - ألف ليلة وليلة : المجلد الرابع ، الليلة 750 -751، ص 36 ، طبعة بيروت
8 - السابق نفسه : ص 36.
9 - السابق نفسه : ص 271.للمزيد من حكاية قمر الزمان والأميرة بدور راجع ألف ليلة وليلة ، الجزء الثاني ، الليلة 173 إلى الليلة 237. من ص 215: ص 323.
10 - السابق نفسه : ص 271.







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
قديم 12-07-2014, 10:54 PM رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
شجرة الدر ( المدير العام )

الصورة الرمزية أحلام المصري
إحصائية العضو







أحلام المصري is on a distinguished road

أحلام المصري غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أحلام المصري المنتدى : قناديل الأعمال و الردود المتميزة و روائع المنقول
افتراضي رد: ،،ألف ليلة و ليلة،،

فاطمة المرنيسي
هارون الرشيد.. الخليفة الفاتن
ترجمة: سعيد بوخليط​

كلما فكّرت في الحريم، يحلق خيالي اتجاه القرون الأولى من تاريخ الإسلام. بعد موت الرسول محمد، صلى الله عليه وسلّم، في السنة الحادية عشرة هجرية "632 ميلادية".

تعاقبت دولتان على حكم العالم الإسلامي: الأمويون "661-750" وعاصمتهم دمشق، ثم الدولة العباسية "750-1258" التي اختارت بغداد مركزا لحكمها. لا يقل، عن 51 خليفة حكموا خلال هذه الحقبة الزمانية، إلا أن الاسم الذي يقفز إلى ذهني من بينهم جميعا، هو هارون الرشيد. اسم، جعل العرب يحلمون منذ القرن التاسع.

يتمثل أحد عوامل ذلك، في مزجه السحري بين خصائص فيزيائية وذهنية، اتصف بها: كان هارون الرشيد شابا وسيما، رياضيا، ذكيا، وأيضا مثقفا جدا له طموحات كبيرة على المستوى العسكري. تميز، بخبرة حربية وقدرة عظيمة على ممارسة شؤون الحكم. لكن، مع كل ذلك يبدو بأنه كان عاشقا كبيرا. لم يزعجه الوقوف على انكساراته حينما يتحول إلى عاشق.

يمارس حبه، بنفس التوقد الذي يظهره على جبهات المعارك، ويعبر إراديا عن الأحاسيس التي تلهمها إياه عشيقاته. بل ذهب به الأمر إلى غاية الاعتراف، بأن رجلا مغرما قد يجازف بافتقاد سلطته أمام النساء. هذا الاعتراف بالضعف، يعدّ أحد أكبر مفاتنه. من منكم، لم يصبه رعب التحوّل إلى موضوع للسخرية، حينما يكشف عن حبه لامرأة، لا تبادله أي شعور. ثم، يقف بطريقة متضايقة متجمدا خلف تجاوزاته؟ هارون الرشيد، لم يرهبه الوقوع في مثل هاته الوضعيات الحساسة.

تظهره حكاية استلهمته في كتاب "ألف ليلة وليلة"، مثل زوج تعيس خدعته وخانته جارية خائنة، قامت بإغراء أحد موسيقييه الخصوصيين كان يمر في الشارع. هكذا دعته للالتحاق بها، ولتسريع الأمور ألقت له بسلّم من نافذة القصر كي يتسلق.

ولد هارون الرشيد يوم 16 فبراير 766 "146هجرية" براي –Rayy-، المدينة الفارسية التي لازالت أطلالها قائمة إلى يومنا على بعد كيلومترات من جنوب طهران الحالية. وحسب كل الشهادات، كان جميلا دون أن يجعله ذلك سطحيا أو مزهوا. إنه في جميع الأحوال خليط نادر للبحر الأبيض المتوسط. مؤرخو الحقبة ـ أغلبهم رجال ـ وصفوه كما يلي: "لون جلده فاتح جدا، طويل، يشع منه وقار كبير وفصاحته تبهر. كما أنه ضليع في العلوم والأدب". كان يظن بأن رشاقة الجسد تتعلق بتلك التي للفكر، وبالتالي تعهد بنمو أحدهما وكذا الآخر.

يعتبر هارون الرشيد "أول خليفة حوّل إلى معطيات جماهيرية، ألعاب البولو، ومباريات الرماية بالقوس، ثم كرة المضرب، ويقدم مكافآت للمتفوقين في هاته التخصصات الشعبية. كان أول خليفة عباسي مارس لعبتي الشطرنج والنرد. ويبدي إعجابه اتجاه أمهر اللاعبين مع منحهم تعويضات. بهاء ورخاء حكمه، جسد ما يسمى في تلك الحقبة "الأيام الذهبية". لكن، لو اكتفى هارون الرشيد بكونه فقط لاعبا ممتازا في الشطرنج، فسيُنسى بسرعة كما هو حال اليوم أغلب أغنياء البلدان البترولية المنغمسون في الملذات. ذلك، ما أدركه الخليفة وهو يتوقف عن اللعب للانكباب على العمل.

تعتبر كلمة "وسط" مدخل أساسي للحضارة العربية، وهي تدل على الطريق المعتدل بين طرفين نقيضين. لقد، تعلمنا منذ الطفولة الحفاظ على التوازن بين العقل واللذة، الفكر والجسد. وعلى النقيض من المسيحية التي فصلت بشكل قاطع بينهما، من خلال التسامي بالفكر مقارنة مع الجسد، تميز الإسلام بموقفه الكوني المتوازن جدا. لم يقف هارون الرشيد، عند حدود الاعتناء بملذاته بل: "يؤدي بانتظام واجباته كحاج بالموازاة مع خوضه لحرب مقدسة. فقد شيد آبارا وصهاريج وكذا مآوي على امتداد الطريق المؤدية إلى مكة "...". عمل، على تعزيز الحدود، وتعمير كثير من الحواضر،وتحصين مدن عدة، أنجز مشاريع هندسية لا تحصى، كما شيد منازل للضيافة.
إن الحاكم الجيد، يضع مصلحة شعبه في مقدمة اهتماماته ولا يتردد في فتح خزانة ماله قصد مساعدة أصحاب الحظ السيء: ""سنة 189 "810 ميلادية"، أدى فدية عن الأشخاص الذين وقعوا أسرى عند الرومانيين "البيزنطيين"، بحيث لم يعد لديهم أي مسلم أسير. بل وحتى هذا لا يشفع إعادة تولية الخليفة عبر القرون، فمن الضروري أن يكون قائدا حربيا كبيرا: "سنة 190، تمثّل من جديد هيرقليس فانتشرت قواته على كل الأراضي الرومانية"، تلك، معركته ضد العالم المسيحي، تحول معها إلى بطل إسلامي. لقد، ردد تلاميذة جيلي رسالته الشهيرة إلى الإمبراطور البيزنطي "نيسفور" "Nicéphore": ""بسم الله الرحمن الرحيم، من خادم الله، هارون الرشيد، أمير المؤمنين إلى نيسفور كلب الرومان. حقا، فهمت تعابير رسائلكم ولديّ جوابكم. لن تسمعوه، ولكنكم سترونه بأعينكم". وبالفعل، سيجد "نيسفور" أمامه جيشا متحركا. يحيل موضوع هذه الرسالة على معاهدة وقعت عليها الإمبراطورة إيرين "882-797" أمّ نيسفور وذلك بعد غزو هارون لبيزنطة. سيرفض، الإمبراطور الجديد بعنف مضمون الوثيقة، فكتب إلى الخليفة: "من نيسفور ملك الرومان إلى الرشيد ملك العرب، ما يلي: هذه المرأة رفعت شأنكم وكذا أخوكم وأبوكم إلى رتبة ملك، وانحدرت هي إلى صف الرعية. أما، أنا فسأعيدكم لموضعكم وسأغزو أراضيكم ومدنكم إذا لم تسددوا ما أدته لكم هاته المرأة. الوداع". اشتد الغضب بأمير المؤمنين، بحيث قرّر قيادة جيشه بنفسه وعدم التراجع قبل تحقيق انتصار شامل: "توغل الرشيد داخل الأراضي الرومانية دون توقف. يقتل، يسلب، يغنم، يحطم، ويقضي على الأقوياء إلى غاية وصوله الطريق الضيقة التي تفضي إلى القسطنطينية. لكنه سيكتشف بأن "نيسفور" قطع الأشجار واعترض بها الطريق ثم أشعل
النار فيها "...". بعث "نيسفور" إلى الرشيد بمجموعة هدايا واستسلم بإذلال، ثم أدى ضريبة الجزية عن نفسه وعشيرته".

لكن أيضا، لو بقي هارون الرشيد مجرد محارب، فلن يظل عالقا بالذاكرة. بل، يتجلى الأمر في قدرته على وقف المعركة والابتهاج بالحياة ثم الالتفات إلى ملذاته المرهفة والشبقية. والتي جعلت منه بطلا حقيقيا. لقد كرّس لها شبابه "كان يبلغ من العمر 21 سنة حين توليته العرش، وتوفي عن سن 42 سنة".

هذا الوجه الرومانسي لشخصيته، أخذ صورة خالدة جراء الروايات الكثيرة التي تداولها الحكواتيون العموميون ببغداد، وهم يكتشفون باستمرار "ألف ليلة وليلة".

المرأة الأولى، التي أحبها هارون الرشيد وهو في سن السادسة عشرة، كانت ابنة عمه زبيدة، أميرة متكبرة. تم، الاحتفال بزواجهما داخل القصر الأسطوري المسمى: "الخلود". يقول، ابن خلدون أحد مؤرخي الفترة الأكثر اتزانا: "لقد تقاطر الناس من كل الأمكنة. وبهذه المناسبة وُزعت مبالغ مالية لم يشهد لها الإسلام من قبل مثيلا". كثيرة هي الوثائق، التي تطرقت إلى تفاصيل شغف الرشيد بزبيدة والبذخ الذي أحاطه بها.

يروي المسعودي: "لقد كانت الأولى التي تناولت الطعام في أواني من الذهب والفضة، تزينها أحجار نفيسة. الملابس الأكثر نعومة بالنسبة إليها، تلك التي نسجت بحرير متعدد الألوان يسمى "واشي" حيث مقياس واحد يساوي 50 ألف دينار. هي، الأولى التي اصطحبتها حراسة تتكون من ذكور تعرضوا لعملية خصاء وعبيد يصطفون بجوانبها يمتثلون لأدنى أوامرها ويطبقون إشاراتها. هي، الأولى أيضا التي استعملت محملا فضيا من الأبنوس وخشب الصندل، مع أقفال من الذهب والفضة. ابتكرت موضة النعال المزركشة بأحجار ثمينة وكذا المصابيح ذات الإنارة الرمادية، وهي نماذج ستنتشر داخل كل البلد".

على الرغم من خيلاء زبيدة وعشقها للترف، فقد أظهرت اهتماما كبيرا بالوسط ومعطيات التمدن: بالتالي، كانت مصدر إلهام بناء الأحواض المتواجدة على الطريق الرابطة بين بغداد ومكة، من أجل تسهيل السفر إلى الحج. بخلاف، المؤرخين العرب المعاصرين، الذين يبغضون النساء وتعميهم نزعتهم المحافظة، فإن نُظرائهم إبان العصور الوسطى، لم يجدوا أية مفارقة بين زوجة للخليفة، بقدر ما هي جميلة ومتغنجة، تخوض أيضا في القضايا العمومية وتهتم بوقائعها الدقيقة.

تعلُّق هارون الرشيد، بزبيدة، لم يمنعه حينما تبوأ العرش أن يضع رهن إشارته جواري، من كل بقاع العالم: "جاء في شهادة لأحد كُتّاب الأخبار: "توفرت للرشيد ألفي جارية بعضهن يتقنّ فن الغناء "..." لكن أغلبهن يتزينّ بالجواهر". ولأنه في هذه الحقبة، لا يمكن لمسلم أن يستعبد مسلما آخر "وهو ما لم يحدث أيضا بعد ذلك" فأغلبية الجواري قدمن من بلدان تعرضت للغزو منذ عهد قريب، وبالتالي فهنّ أجنبيات. تبرز، مواهبهن مع ما يحملنه من أشياء غريبة وكذا خاصيتهم الثقافية. لكن، حتى تصبح الجواري مغنيات، يتحتم عليهن الخضوع لتكوين صعب: فإلى جانب التقنيات الصوتية والآلية، يجدر بهنّ إتقان اللغة العربية وبنائها النحوي المعقد، في أفق تنافسهن مع نجمات محليات مثل الجارية "فضل" باعتبارها النموذج الأعلى الذي يُحتذى به فهي مثال للمغنيات العربيات طيلة قرون: "كان جلدها داكنا، تمتلك معرفة أدبية واسعة "أديبة"، جارية بليغة وصاحبة مهارة رائعة على مستوى الردود السريعة". روايات أخرى، استحضرت قدرتها على تضليل محاوريها من خلال تلاعبها بالكلمات وإذهالهم بتشكلات لسانية غير متوقعة. موهبة، تقدر حتى أيامنا في الأمسيات العربية. "تعتبر "فضل" من بين أجمل مخلوقات الله. كان خطها رائعا، وتفوقت على أقرانها بفصاحتها ما إن تتكلم، ثم تهيء بوضوح دلائلها حينما تنخرط في نقاش...".

باستثناء صعوبات إتقان اللغة العربية، أمام كل جارية تتوخى اقتفاء نموذج جارية محلية كما هو مثال "فضل"، فأن تكوني أجنبية في بلاط العباسيين لم يشكل قط عائقا. بالطبع شجعت الحضارة الإسلامية التعدد ونظرت إيجابا لكل ما هو أجنبي وكافأت كل من يتكلم لغات مختلفة وتردد على ثقافات شتى. في ظل سلطة العباسيين: ""أتى العلماء والسياسيون والشعراء والمؤلفون من مناطق عديدة. هكذا نعثر إثنيّا على كل الأجناس، البيض، السود وكذا الملونين. أما بخصوص الديانات، فنجد المسلمين إلى جانب اليهود والمسيحيين وكذا الصابئة والزرادشتيين. ثم، بموازاة العربية نسمع الأرمينية والفارسية والتركية. إن استثمار التباينات باعتبارها امتيازات والتعامل مع ما هو أجنبي كلحظة طارئة تتعزز معها المتعة، أعطى لبغداد هذا التنميق الكوني، الذي ضمن لها إشعاعا استمر طيلة قرون"". كتب، جمال الدين بن الشيخ: "بلغ ثمن مغنية متميزة 3000 دينار، وتحددت الأجرة السنوية لشاعر مثل ابن زيدون في 500 دينار. أما، البنّاء فيكتسب درهما واحدا في اليوم. وبدرهم، يمكننا شراء ثلاث كيلوغرامات من الرغيف". وبقدر ما تكون الجارية مهذبة، تسعد أكثر سيدها وتزداد قيمتها. ذلك، ما حدّد أهم مميزات الحريم العباسي أثناء العصر الذهبي. تجار العبيد يدركون نمط النساء القادرات على إرضاء الخلفاء. مثلما هي حالة المأمون، ابن هارون الرشيد وخليفته "لقد سمعت تاجرا للعبيد، يقول ما يلي: أظهرت للمأمون أمَة موهوبة في نظم الشعر والبلاغة، مثقفة جدا، تتقن لعبة الشطرنج، طلبت بخصوصها 1000 دينار. فأجابني، بأنه سيدفع الثمن المطلوب بل وأكثر، إذا استطاعت الرد على قصيدة هجاء ارتجلتها جارية أخرى". كان الخليفة المأمون، يحب خاصة ممارسة لعبة الشطرنج صحبة امرأة قبل توجهه إلى الحرب، بغية شحذ ذهنه، ومنح ذاته اهتزازت "ظنا منه بأن التباري بين لاعبين، لا يمكن أن يصير ملتهبا إلا إذا تداخلت فيه الأجساد والأنفس معا". نعرف، بالتأكيد اليوم مع كل التحاليل التي نتوفر عليها حول الإغراء المذهل للرياضة، وكذا البعد الإيروسي الذي ينطوي عليه التنافس. لكن في حقبة الخليفة المأمون، فمثل هذا المفهوم للعبة الشطرنج يمكنه أن يدهش أكثر من واحد. إن، ما يجذب الخلفاء نحو رغباتهم الشبقية، طبعا، هو استعداد المرأة للمواجهة
والمنافسة على قدم المساواة، وليس انهزامها وخضوعها القبلي. مادام، أن رباط الحب يشبه عند هؤلاء الخلفاء مجالا للصراع يشكل الارتياب قاعدته الوحيدة التي تدير الصلة بين الأطراف. يصعب إذن، تخيل هؤلاء الخلفاء المبتسمون، ينطقون كلمة "الحريم"، لكن ما يدهشنا شيئا ما، توفر العرب على مائة كلمة تعني "أحبك" بينما لا تتضمن اللغات الأخرى إلا واحدة.
في القرن الرابع عشر، أخذ الكاتب ابن القيم الجوزية على عاتقه مشقة حساب عدد التعابير العربية التي تشير إلى كلمة "أحبك" ثم استجمعها في عمله "روضة المحبين".

برؤية بارعة، بيّن ابن القيم الجوزية أن مثل هذا التفتق ليس بالضرورة إشارة جيدة. فالعرب، حسب رأيه، لا تبذل مجهودات كثيرة إلا لتسمية الأشياء المعقدة والصعبة على التناول أو الخطيرة. على كل حال، حينما تتعدد الكلمات لتناول كل تحققات ظاهرة ما، فمن أجل تخليدها. مع ذلك، كثيرة هي الكلمات المحصية التي تحيل على الحب كسبيل إلى الخبل الذهني أو التيهان. نجد كذلك، الحديث عن القفزة في الفراغ "الهوى""2". أيضا، اقتُرن الحب غالبا هنا بالحمق "جنون، ولع..." أو أقصى أنواع المعاناة "حُرقة، شجن...". مع ذلك، فأجمل الاكتشافات التي وقفت عليها بين طيات قائمة الجوزية ـ والتي وجدت فيها عزاء وأعطتني أملا ـ هي التعابير الإيجابية، وقد بينت الحب في صيغة صداقة متميزة، حيث يقودكم الود إلى الحوار "المحبة" وينسج بين الشركاء ألفة عذبة. وخاصة، حسب الجوزية، فإن الإحساس بالحب يفوق مفعولة تأثير الفياغرا "وأضيف أرخص ثمنا" لأنه يبعث فيكم القوة والطاقة. الحب مصدر المقدرة ...، إن مفهوم مألوف لدى الروحيين ولاسيما المتصوفة. لكن أيضا، بالنسبة لنا جميعا أصحاب التطلعات الروحية المتواضعة جدا.

وفق تصور ابن حزم، رجل سياسة وخبير في القانون الإسلامي خلال القرن الحادي عشر، والذي كرّس دراسة لأسرار العواطف، فإن الحب يعمل على تحويلكم إلى درجة أن يدهشكم ذلك حقا: "إن رجلا عاشقا، سيبلور إمكانياته حتى أقصى الحدود، وبشكل لم يكن يتصوره قبل ذلك "..." في أفق أن يبدو ملائما وتتوجه الرغبة إليه". ثم، يتابع: "كم هي المرات التي نشاهد فيها بخيلا يفتح كيس نقوده، والشرس يبسط حواجبه، والجبان يسرع للمعركة، والأحمق يبوح بكلمة عاقلة، والفظ يتصرف كإنسان نبيل، ثم رث الثياب هو يتقمص دور المتأنقين، والأخرق يصبح دقيقا، والشيخ يستعيد فتوته، أما الورع فيصير سافلا، والخجول يستعرض ذاته، كل تلك الأشياء تحدث بالحب!". ينقلك الحب إلى ما وراء حدودك، نحو آفاق لم تفكر فيها قط. كثيرة، هي كلمات ابن القيم الجوزية التي وصفت الحب باعتباره هياما، خطوة إلى المجهول، مغامرة في أرض غريبة.

وكما، أن المغامرة مجازفة بالنسبة للجميع، فالأمر يزداد حدة عند الخليفة: لذلك، فإن هارون الرشيد لم يفسح المجال للصدفة كي تصنع له غرامياته. لأنها منظمة ومصممة مثلها مثل المعارك. من أجل اختراق عالم الأحاسيس العاشقة دون تعذيب ولا اضطراب، يجب أن نستبقي للذة منطقة زمان استثنائي، ونتهيأ لها كما نحضر لحفل ديني. لكن، إدراج اللذة في إطار برنامجه المقدس، لا يعني زحلقة يوما أو يومين للراحة أيام سفر مثقل بالأعمال. على النقيض، الأمر يعني فقط تغييرا للأوليات، التخطيط لأسبوعين قصد الاستجمام وربطها عند الاقتضاء بسفر الأعمال. ذلك، ما استوعبته على الأقل، وأنا أدرس كيف كان هارون الرشيد يرتب مجلسه، "لحظة متعته". "2"

1- يقابله في الإنجليزية fall in love، أما مع الفرنسية فنجد تعبير "Tomber amoureux".
2 Fatéma Mernissi : le Harem Européen, éditions, le Fennec, 2003, PP 135/146.-







التوقيع


هناك,,,حيث بواباتٍ لا أراها
لكني أعرف أنها تنتظرني
سـ،،،أظل أعدو

رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 9
, , , , , , ,
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ليلة النصف من شعبان ليلة التوبة ابراهيم عثمان الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 1 05-30-2015 11:24 AM
ليلة بدر ابراهيم عثمان الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 07-17-2014 11:44 PM
يوم و ليلة فاطمة حسن البار قناديل قصيدة النثر 6 01-09-2012 05:55 AM
ليلة قدر علي عزوزي أبو أشرف قناديل الشعر العمودي و التفعيلي 11 05-21-2011 10:13 PM
ليلة شتا هشام مصطفى الفنان قناديل الشعر العمودي و التفعيلي 1 12-27-2009 08:16 AM


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010