الإهداءات

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: شهقة نفس (آخر رد :شيرين كامل)       :: هواجس امرأة (آخر رد :شيرين كامل)       :: عن الشام أتحدث (آخر رد :شيرين كامل)       :: صباحك/ مساك ورد ... (آخر رد :دوريس سمعان)       :: حكمــة اليـــوم (آخر رد :دوريس سمعان)       :: خربشات على الماء (آخر رد :يزن السقار)       :: تدبر آية قرآنية (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: فنار (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: هذيان الشتاء ممزوجاً بقوانين عشقي (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: * بعض أهل التفانين * (آخر رد :فاطمة أحمد)      


العودة   منتديات قناديل الفكر والأدب > قناديل السرد > قناديل المسرح والرواية


رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 »

قناديل المسرح والرواية


إضافة رد
قديم 03-09-2021, 12:30 PM رقم المشاركة : 41
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

واستهل رئيس جهاز مخابرات الموساد وأمان والشاباك كلمته بالشكر إلى وزير العلوم والتكنولوجيا على كلّ الردود والتقارير التي ترد إليه بشأن تفاعلهم الجيد مع حركة التقدم التكنولوجي العالمي. بعد ذلك دخل في الموضوع الذي يخص هيئات مخابراته الثلاثة حيث قال: «أيّها السادة، أريد أن أنوّه بعقيدة أعتنقُها كما يعتنقُها الحاخام الأكبر وكذا كلُّ الحاخامات وكلُّ مَن في هذا المجلس وكلُّ مسئول عن دولة إسرائيل؛ بل وكلُّ فرد مِن الشعب اليهوديّ، إنّنا ندافع عن أنفسنا، نحن لا نهاجِم، لا نظلِم، لا نتسلّط، نحن ندافع عن أنفسنا قبل أن يقضوا علينا فتزول دولتنا. أيها السادة، أنا أدافع عن رضائعنا، عن نسائنا، عن شيوخنا، عن ديننا. كلّ أجهزتنا الثلاثة الآن ستعمل في السرّ والعلن مِن أجل تصفيّة قدرات الجوييم العسكرية والاقتصاديّة والتكنولوجيّة، وليس بخافٍ على أحد ما صنعه جهاز المخابرات الإسرائيلي من أجل دولة إسرائيل مِن عمليات قنْص واغتيال لرموز المقاومة الفلسطينية الآثمة. كما لا يخفى أيضًا عمليات الاغتيال الواسعة للرموز العلميّة العربيّة التي كانت وما زالتْ تمثل بحقٍّ مصدر رعب وإزعاج لدولة إسرائيل. وخير دليل العمليات الأخيرة التي نفّذناها بكلّ دقة؛ وخاصة تلك العملية التي قمنا بتنفيذها في فندق سونستا طابا. مهامنا حساسة جدًا في الفترة المقبلة، فهي تختلف عن الماضي قلبًَا وقالبًا، وترجع حساسيتها وخطورتها لظهور كلِّ العلامات التي تؤكد أنَّ هرمجدون على الأبواب، كما تفضّل أخي ورئيسي يعقوب، وكذلك حاخامنا المعظم. وتزداد الحساسية في المرحلة التي تلي نزول المسيا الملك، إذْ إنَّ على إسرائيل التخلّص مِن كلّ حلفائها. وعند نجاحنا تبدأ الحرب النوويّة العالميّة ثمّ نزول المسيا الملك لخوض الملحمة الكبرى.
وعند قيامها لابدَّ أن تكون إسرائيل هناك، أتعلمون أين؟ تحت الأنفاق، وفي الجحور رغم قيامها على أرضنا الأولى فلسطين. وأكيد تعرفون عملية العقرب الطائر التي نفذناها بكل دقة.
أيها السادة، أفضّل أن أريكم مشهد الاغتيال الذي عجز فيه المحققون عن كشف هوية قاتليه إلا بروفيسور بيتر الذي اكتشف على الفور أداة الجريمة -لأنّه تخصص فيزياء طبية- حيث إنه علم من ملامح المقتول وكلامه أنّه مسموم بمادة البوتولينوم.
انتظروني.»
مدّ يده وأخرج فيلمًا حجمه كحبة الأرز، ثمّ أشار قائلاً: «هذا فيلم الاغتيال، سترون الآن مِن خلال هذا الفيلم كيف نجح رجالنا في القضاء عليه.» ووضعه على الفور في الحاسوب.
كلُّ أبصار الجالسين الآن تحدّق في الحاسوب انتظارًا لبدء العرض، بينما أمسك رئيس المخابرات عصا للإشارة، وبدأ البيان، أشار إلى موضع تنفيذ العمليّة قائلا: «هذا يا سادة مكان العمليّة، كما ترون عبارة عن حجرتين واسعتين تتوسطهما ردهة أثاثها عبارة عن مائدة طعام ثابتة وصالون فخم و....الخ. بداية، علمتْ مخابراتنا بوجهتيهما -وهو هذا الفندق- فشغلنا كلَّ حجرات الفندق بأفرادٍ منّا حتى لا يأتي نزلاء فيشغلون الشقة الهدف. وصلا الفندق وبصحبتهم فريق متطور من المخابرات المصريّة لحراسة بروفيسور بيتر، ثمّ اتجهوا إلي الاستقبال، عندئذٍ أسرعنا بترْك الشقة الهدف. العملية عبارة عن دسّ السمّ في الطعام عن طريق الروبوت الحامل له، وكان التحدّي الأكبر فيها هو قيامنا بتسميم المصريّ فقط؛ فقد علمنا من خلال مراقبتنا لهما أنّهما يأكلان معًا ويرقدان في مواعيد محددة بالدقيقة تقريبًا، فقد كانا منظمين إلى أبعد الحدود. وجهاز الأمن المصاحب لهما لا يسمح بدخول أيّ شيء إليهما مهما كان، لا طعامًا ولا شرابًا ولا أيّ أغراض إلّا بعد الكشف عنه، وطبعًا لو وضعنا السمّ سيكتشفونه قطعًا. وسيذلل هذه التحديات عقربنا الطائر. انظروا، ها هو طعام الأرز يتمّ فحصه من قِبل أحد الحرس المكلفين بحراسته، العالمان للأسف الشديد يأكلان في طبق واحد لأنّهما حميمان لدرجة كبيرة ، أُدخل ووضع علي المائدة، بعد دقيقتين بالضبط من دخوله خرجا من حجرتيهما لتناوله. والآن، جاء دور العقرب الطائر -إنه بحجم حبة الأرز بالضبط، ولونه لونها- يتمّ دفعه من خلال بطارية نانويّة، وكان التحكم في حركته والتواصل معه من خلال رائد فضائنا -الذي أرسلناه على متن المركبة الفضائية الدولية من خلال القمر الصناعي الإسرائيلي الذي كان يقوم بدور الوسيط- طبعًا يا أخوة، الروبوت يحتوي على هوائيات صغيرة للتواصل مع رائد فضائنا، فضلاً عن كاميرا نانوية صغيرة. ها هو يتسلّل بحنكة شديدة، يتسلّل، لا تخافوا، لن يصطدم بشيء لأنّه مزوّد ببرنامج مطور عبارة عن مجس استشعار سواقة له للسير في المكان المؤدي إلى المائدة. دخل المبنى، دخل، يتحرك للأمام -شكله كالذبابة بحجم حبة الأرز حتى لا ينكشف، ومع ذلك فقد كان يتوارى بين جدران الفندق متّخذًا طريقه نحو الهدف- ها هو يسير في الاتجاه الذي ترسمه له الشريحة بالضبط، يطير أحيانًا ويمشي أحيانًا وقد يقفز أيضًا (وأشار بعصا إلى أحد رجال المخابرات المصريّة، فقد كان سيره عكس اتجاه العقرب وفي نفس مساره) هنا قرأ العقرب المشهد واختبأ خلف جدار حتى مرّ، بعدها واصل سيره. استمرّ في طريقه حتى وصل إلى الباب، بحث عن ثقبٍ فيه ثمّ ولجه وألقى بنفسه في الطعام، وهنا كادت أن تحدث كارثة!»
شهق الجميع مع علمهم المسبق بنجاح العملية.







رد مع اقتباس
قديم 03-19-2021, 02:07 PM رقم المشاركة : 42
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وفور أن أنهى كلامه، بدأ يعقوب بإنهاء الكابينت من خلال عدة قرارات كتبها: «ممّا سبق أستطيع أن أقسّم الفترة القادمة إلى مرحلتين: مرحلة الاستعداد لهرمجدون، والأخرى الملحمة الكبرى. نحن نضع هاتيْن المرحلتيْن لنا أن أدركنا أحدهما أو كلاهما وكذلك للأنظمة التي ستلينا فيما بعد. ولعلّ متطلبات المرحلتين تجتمعان في بعض الحالات وتفترقان في حالات أخرى، لكنّ المؤكد أنّهما يتّحدان للوصول إلى الغاية المنشودة. سنضع الآن بروتوكولات مجلس الكابينت، الآن، على أساس أنّ مرحلة التنفيذ ستبدأ مِن الآن، الآن، نعمل اليوم وغدًا حتى الرمق الأخير مِن أنفاسنا ونسلّم الراية لمن بعدنا.
المرحلة الأولى:
- العمل على تعميق استدانة الدول أكثر وأكثر حتى تستطيع آل روتشيلد التحكم في هذه الدول وتحديد مصائرها.
- حان الآن لترك المواقف الناعمة، عليكم الآن بتنفيذ عمليات الاغتيال والتصفيّة لكلِّ مَن يعارض المخطط اليهوديّ، بلا رحمة.
- العمل على تخزين أكبر حجم مِن الأسلحة النوويّة في أنفاق تحت الأرض حتى لا يصل إليها أحد ولو إبليس.
- العمل على تعميق دور المنظمة الماسونيّة أكثر وأكثر ثمّ دسّها بين الشعوب العربيّة بعد أن تتزىّ بالسمت السنّي أو الشيعي، وذاك مِن أجل تعميق الخلافات بينهم حتى يقتتلوا، وكذلك من أجل طمس وتشويه أديانهم وثقافاتهم.
- عليكم بإعداد رجلنا جورج رامسفيلد لاعتلاء الرئاسة الأمريكيّة خلفًا للرئيس الحالي.
- أريد فضْح الأنظمة العربيّة الحاكمة وإعلان حالة الديمقراطيّة التي يعيشها الغرب، أريد انفجار الشعوب ضد الظلم، أريد خروجهم في مسيرات بالشوارع واعتصامات في الميادين، أريد حروبًا أهليّة، أريد انقسامات في الجيوش العربيّة، لا تدعوا الأنظمة العربيّة الحاكمة تسيطر على شعوبها بالديكتاتوريّة، حاربوا الحكم الملكيّ عندهم.
- إثارة النزعات المذهبيّة والعرقيّة والدينيّة بين العرب، أريد حربًا شعواء بين السنة والشيعة، أريد أن نجدّد حروب الخليج مرّة أخرى، لتكن الحرب الخليجية الأولى والثانية والثالثة والرابعة ..والعاشرة، ونعمل على دفع الحركات الانفصاليّة بين الشمال والجنوب في كلّ الدول العربيّة.
- العمل على توفير أسباب الصراعات العربيّة والعالميّة وتزكيتها لتتأجج أكثر وأكثر، حوّلوا التنافس الخشن لدول المياه بداية من منابعها ثمّ تغذيتها لهذه الدول حتى نهايتها وهي المصبات، لابدّ أن تتقاتل منطقة الشرق الأوسط على شربة الماء، فعليكم في هذا المضمار بمصر وتركيا والعراق وسوريا ولبنان والخليج والأردن، أريد أن يشربوا دماءهم بديلاً عن مياههم.
- أريد التشكيك في الحدود المرسومة بين الدول العربية، أريد عند هذه الحدود تسيل دماؤهم على ثراها.
- علينا بانتشار أسلحة الدمار الشامل بين الدول؛ حتى إذا قامت الحرب أنهكوا وأفنوا بعضهم بعضًا، علينا بتصفية لجنة التفتيش للطاقة الذريّة والتشكيك في أمانتها، والتوقف عن الهجمات الإلكترونيّة التي كنّا نخرّب بها البرامج النوويّة. عليكم بانتشار السلاح، رجحوا كفّة أمريكا أولاً ثمّ اقتلوها بعد ذلك.
- تهويد فلسطين، لا أريد ولو طفل رضيع مِن الفلسطينيين، وذاك من أجل السيطرة على الموقف وبناء الهيكل أثناء أو بعد هرمجدون ..وتُسأل في ذلك الهيئات والحركات المسئولة عن ذلك.
المرحلة الثانية...
- العمل على احتلال سوريا بأيّ ثمن؛ لأنّها أرض الملحمة الكبرى، والعمل على الخلاص مِن كلِّ خصوم أمريكا فيها، فهي الجسر أو المعبر إلى ضرْب روسيا ثُم الصين.
- العمل على تمكين المسيحيّة الصهيونيّة أن تخترق دوائر صنْع القرار في أمريكا، بل وتسيطر عليها وتتحكم في كثيرٍ مِن مقاعد مجلس الشيوخ والنواب وحكّام الولايات وموظفي المخابرات فيما يطلق عليه(المحافظون الجدد) أو الذين ولدوا مِن جديد بالمسيح والإنجيل.
- بعد الانتهاء مِن هرمجدون وفوز الولايات المتحدة الأمريكيّة في الحرب النوويّة بمعاونتنا، علينا بالسعي إلى قيام حرب أهليّة في أمريكا بإثارة العمال على الرأسماليين والبروتستانت على الكاثوليك والزنوج على البيض، كما يجب أن نسعى إلى تأجيج نزاعات بين أصحاب مذهب العصمة ومذهب النشوء والارتقاء، فلابدَّ من بلشفة القضايا كلّها. كذلك لابدَّ مِن توريطها خارجيًا في مجموعة حروب متتالية في أنحاء العالم، في الوطن العربي، في آسيا، في كلِّ العالم حتى تضعف فيسهل علينا الانقضاض عليهم وإزالتهم.
- العمل على نقض معاهدة المياه المبرمة بين أمريكا وكندا حول إدارة المياه الحدوديّة التي تضمّ البحيرات العظمى ونهر سانت لورانس، كذلك العمل على إثارة الفتنة بين الهند وباكستان حتى يتم نقْض اتفاقية أندوس للمياه التي كانت مبرمة في عام 1960 بوساطة البنك الدوليّ.
- بعد التمكين إن شاء الله، العمل في السرّ والعلن على طمْس الأديان كلّها بما فيهم المسيحيّة ومحوها مِن الوجود ولا حكم في العالم إلّا للتوراة.لا حكم إلّا لإسرائيل، لا أسياد إلّا إسرائيل.» أنهى قراراته ثم صمت هنيهات ليأخذ نفسًا عميقًا ثم قال: «وبذا انتهتْ قرارات الكابينت وعلى اجتماع بودابست أن يعمل على تفعيلها أيضاً، موافقون؟»
قال الجميع موافقون.
وضعوا أيديهم فوق بعض حتى وضع رئيس الوزراء يده تلتها مباشرة يد الحاخام وأقسموا باسم الربِّ ليضحّون بالغالي والنفيس في سبيل تحقيق مجد إسرائيل.







رد مع اقتباس
قديم 03-29-2021, 11:20 PM رقم المشاركة : 43
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

***
أدّى يعقوب طقوس صلاته كما هو متعود، لكنّها هذه المرّة أداها صلاة شكر، وانزوى في المعبد ليشكر الله على نجاع اجتماع الكابينت. ولمّا همّ بترْك المعبد؛ ناداه حبره الذي يلقنه الصلاة منذ أربعين عامًا ولم ينقطع عن تلقينه مطلقًا.
قال غاضبًا: «يعقوب يا ولد، تعال.»
فاندهش يعقوب لتذمّره وغضبه، استدار ملبيًا: «لبيك وسعديك أبتِ.»
ثمّ هرول إليه وانكب على يده وقبلها.
سحب يده تقززًا ثم قال: «ما هذا الذي سمعته بشأن اجتماعك السبت الفائت؟ أذئبٌ أنت؟!»
رد مندهشًا: «لم أكن ذئبًا، بل خادم دولة إسرائيل.»
قال بصوت عالٍ وهو يزمجر: «بالدم! بالحرب! بالثأر والانتقام! أمْ بغدر دولة تساعدنا كأمريكا؟!»
- «ليست هناك وسيلة أخرى غير ذلك.»
قال بصوتٍ هادئ: «يعقوب، أنا لا أخالفك أنّنا أبناء الله وأحبائه وأسياد العالم، لكنّ الربّ يحبّ السلام، ويحبّه أيضًا من أحبائه.»
- «سيدي، وهل العالم سيقتنع أنّنا أسيادهم وهم عبيد؟»
- «يقتنع أو لا يقتنع فهذا شأنهم.»
- «معذرة سيدي، التاريخ أثبت العكس سيدي، حاولوا أكثر مِن مّرة استئصال الجنس اليهوديِّ كلّه مِن على الأرض بسبب عدم قناعتهم بهذا المعتقد حاخامنا المعظم.»
- «ما حاولوا ذلك إلّا لأنّنا ضللنا، يفكرون بطريقتك الآن، كنّا دائمًا نحاول أن نأخذ حقنا بالثأر ولذلك قتلنا، علينا باستخدام التسامح الذي أنادي به دائمًا.»
- «معذرة سيدي، التسامح لا يصلح مع اللئام؛ مما سوف يتسبب في هزيمتنا.»
- «يعقوب، بل الثأر والحرب هما اللذان سيمحواننا مِن على الأرض.»
- «معذرة سيدي، أنا مقتنع بما أفعل.»
صرخ غاضبًا: «يعقوب، يعقوب، احذرْ، ارجعْ، أبذر الرحمة والحبَّ والتسامح، يعقوب، إسرائيل في عنقك لا تضيعها.»
- «معذرة سيدي، الجنس غير اليهوديِّ متمرد ومتكبّر ومصّاص للدماء، كلهم لئام، فإن فعلت بحسب طريقتك سيركبونا كالبغال.»
قال ولا يزال يصرخ مع ظهور الغيظ على ملامح وجهه: «طول ما أنا حي لا تدخل هذا المعبد، اخرجْ مطرودًا كإبليس؛ عليكَ اللعنة.»
خرج يعقوب من المعبد عازمًا على ألَا يعود حتى يحقق هدفه ويثبت صحة رأيه.







رد مع اقتباس
قديم 04-09-2021, 11:07 AM رقم المشاركة : 44
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

حكمة: صريف أقلام التوراة تُدمي قلْب العروبة...
جلس فهمان وجاك لتناول العشاء وهما يشاهدان التلفاز، قال فهمان لجاك: «أتمنى بناء مصادم جديد غير هذا الذي في سيرن fcc-1 -هو مصادم متوقع انشائه خلفاً لمصادم hlc
فقال جاك: «وأنا أريد أن ابتكر مركبة تستطيع السفر إلى النجوم.»
وتبادلا النكات واللطائف حول حياة الصبا والشباب؛ وبالأخصّ عاميّ الجامعة التي مرّتْ، ورغم الذكرى الأليمة التي حدثت لفهمان إثر بلاغ اليهوديّ فيه إلَا أنّ جاك ذكرها وحولها إلى نكتة، حيث ذكر جاك نظارة جوجل للواقع الافتراضيّ ومنظر اليهوديّ وهو يسحب البلاغ.
ولا يزال فهمان يقهقه على شكل اليهوديّ أمام وكيل النيابة، وما زال يستخفّه السرور المرتسم في لمعان عينيْه وابتسامة شفتيْه، حتى وقع نظره على قناة تتكلّم عن الشأن العربي والمصريّ خاصة. فألقى بسمعه وبصره لسماع الأخبار. ولقد ساقته هذه الأخبار إلى تذكر اجتماع الكابينت الذي عقد منذ سنة تقريبًا. فأراد أن يعبّر فهمانُ لجاك عن قلقه إزاء هذا الاجتماع رغبة في كشف النقاب عنه.
قال جاك: «اعتقد يا فهمان أنّ لهذا الاجتماع أهمّية خاصة بسبب حضور الحاخام الأكبر.أظن أن العالم يطرق أبواب حرب نووية.»
وبينما يشاهد فهمان الأخبار وجاك لا يزال يتكلم عن أضرار اجتماع الكابينت؛ فإذا به يجد ظنون جاك تحوّلتْ إلى حقيقة، حيث تعلن القناة الإخباريّة ما توقعه الساسة منذ عام عن الشأن العربيّ، حيث توقّعوا انفجار المنطقة العربيّة بالثورات إثر الاجتماع السالف الذكر.
يقول الإعلامي على لسان بعض الساسة: «إنّ انفجار المنطقة مقترن بتثبيت أقدام الإسرائيليين على أرض فلسطين، فإذا سيطروا على كافة الأمور عليها كانتْ نذير فوضى في المنطقة العربية بأسرها.»
فهاله ذلك، وقدْ ذهبتْ البسمة التي كانتْ تسكن شفتيْه واحتلها الحزن، وقد ارتسم على ملامح وجهه العبس. فحزن جاك لحزن صاحبه، فدفعه لمتابعة الأخبار.
أضاف الإعلامي: «وقد أكدوا أيضًا أنّ اجتماع الكابينت ما هو إلّا مخطط محكم لقيام حرب نوويّة، وها هي توقعات الساسة تصبح حقائق تلقي بظلالها على أرض العروبة. ثورات عربيّة في كلِّ مكان، يظهر هذا جليّاً مِن خلال مشاهد مأساويّة تخطها شعوبهم بثورات عارمة تجتاح الشوارع والميادين. شعارات ثوريّة طوباويّة طموحة، إصرار وعزيمة على تغيير الأنظمة ومحاسبة المسئولين عن الفساد الذي استشرى في كلِّ بلد منها. الشعب يريد إسقاط النظام، يسقط يسقط حكم العسكر، ديمقراطيّة، حريّة، عدل ، مساواة ، فضلاً عن العبارات الشعبيّة السجعيّة والقصائد كذلك. يسيرون في الشوارع والميادين حاملين بين أيديهم جالونات ماء فارغة إشارة إلى العطش الذي عمّ معظم البلاد العربية.»
عاين فهمان هذه المشاهد عبر التلفاز، ثُمّ تذكر صفحة سوداء من تاريخ الأمّة العربية وبالتحديد ثورات الربيع العربي ، تلك الثورات التي أفقرتْ المنطقة وأرجعتهم لعشرات السنين إلى الوراء. ومِن هول ما وجد في هذه الصفحات السوداء مِن التاريخ خشي على مصر، فارتعد، ومن فوره همس متوجعًا: «مصر، مصر.»
وبيد مرتعشة أمسك روبوت التلفاز، وركّز على القنوات المصريّة ليعاين سير الأحداث؛ فلم يجد إلّا مباريات كرة قدم وأفلام ومسرحيات وأغاني وطنيّة وأفلام تسجيليّة عن حرب أكتوبر 1973. تركَ قنوات النظام وذهبَ إلى قنوات المعارضة والقنوات الأجنبيّة فوجد المشهد على حقيقته، ثورات عارمة في كلّ الشوارع والميادين والتحامات دمويّة بين النظام والشعب. ورصاص مطاط وقنابل مسيلة للدموع واختراقات الأجهزة الأمنيّة ومهاجمة السجون وتحرير محبوسيها و .. الخ .»
فقطّب غاضبًا وقال متمتمًا: «لو لم يحتوِ الجيش الأمر فستنهار البلد.»
فقال جاك مطأطأ الرأس: «صدقت، صدقت يا فهمان.»







رد مع اقتباس
قديم 04-09-2021, 09:43 PM رقم المشاركة : 45
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وظلا يتابعان أحداث المظاهرات على القنوات الأجنبيّة وبعض القنوات العربيّة.
قالت القناة: «وفي الشأن المصريّ، خرجتْ جموع الشعب المصريّ من مختلف المحافظات حاملين جالونات مياه فارغة، أما القاهرة فقد تمركزوا في الميادين الرئيسة وخاصة ميداني التحرير ورابعة؛ فضلاً عن وقفات احتجاجية أمام الوزارات ولاسيما وزارة الدفاع.»
أخبار هذه المظاهرات تأتي أولاً بأول إلى وزير الدفاع -مهديّ- والمجلس العسكريّ. ومهدي لا يؤمن بهذه الثورات، وظل في حالة غليان محدثًا نفسه: «لن أهدأ حتى تنتهي هذه الثورات بأمان.» بينما المجلس العسكري كثيرًا ما يخاطب بعضهم بعضا قائلين عبارة: «ها قد فعلناها، لقد نجحنا.»
بدأ الإعلام المصريّ يهتزُّ ويتذبذبُ في مناصرته للنظام بسبب تلك الجموع الغفيرة التي قد تتسبّب في عزْل الرئيس الحالي والمجيء برئيس يعمل على محاسبتهم، فآثروا الصمت.
أمّا يعقوب إسحاق فيتابع المشهد من خلال التواصل مع أعضاء الموساد من قلب المظاهرات قبل أن تُبث إخباريًا.
أدار فهمان إلى قناة أخرى تُبثّ من دولٍ تعارض النظام.
قال الإعلاميّون منها: «خرج المتظاهرون بعد نفاد الماء كلية من الدولة فضلاً عن قلة الزاد، يعلنون بسلمية تامة رغبتهم في تغيير النظام الفاسد، فواجههم النظام بالأسلحة الجرثومية والكيميائية حفاظًا على مؤسسات الدولة من الانهيار.»
علقّ جاك على الأحداث بأنّ رؤوس الحركات الثوريّة هذه من أعضاء الموساد الإسرائيلي. ومما قال أيضًا: «إنَّ أعضاء الموساد ظهروا بلحىً طويلة ونظموا أنفسهم فاندسّوا بين المتظاهرين لتشعل الموقف؛ فكانوا أعلامًا ورايات سارت خلفهما جموع الشعب المصريّ.»
وما زال الإعلاميّون يتكلمون، والبثّ مستمر لا ينقطع أبدًا.
حوّل فهمان القناة بيد مرتعشة فسمع لإعلاميّ إحدى القنوات التي تمالئ النظام الحاكم في مصر: «ولقد كان المتظاهرون يحملون جوالين تمتلئ بذخائر حية، وقد كان بعضهم يحمل أسلحة محرّمة دوليًا تمّ تهريبها عبر أنفاق سيناء، وقد قام الإرهابيون بحرق عربات الأمن، ولقد فشلوا في نسف مؤسسات الحكومة بالقنابل الذرية.»
ولقد كان مؤيد يتابع الأخبار من نفق الوادي الجديد فسمع هذا الكلام فانفجر ضاحكًا، حتى أنهكت قهقهاتُه أحباله الصوتية فسعل سعلات أدمعت عينيه، بينما عبد الشهيد قال هازئًا: «أحمد الله، أنّا بريء.»
ومن تل أبيب، نجد إسحاق يعقوب قد تملكته هيستريا من الضحك المتواصل.
قلّب فهمان القنوات بجنون بحثّاً عن خبر عن المجلس العسكريّ فسمع لجماعة من أفراد الشعب تقول: «كنّا نرابط من بعيد بجانب صناديق القمامة الفارغة انتظارًا للطعام الذي يأتينا من داخل الوحدات والكتائب في الجيش، وأحيانًا كانت تصلنا رسائل من الذين يأتوننا بالطعام، يقولون فيها بأن مهديّ يسلم علينا ويدعوننا بالتحلي بالصبر حتى تخرج مصر من أزمتها.»
سمعها فهمان فشعر بوجود أمل، وسمعها مهديّ فأجهش بالبكاء.
قال جاك معلقًا: «وهذه هي الحقيقة يا فهمان، لقد تراءى للغالبية مِن أعضاء المجلس العسكريّ الخروج على هذا الحاكم الدمية الخائن، وأنّ هذا في مصلحة البلد، بينما الموساد ينظر إلى الثورة المصريّة مِن زاوية أخرى، فزاويته هي رؤية الثورة بأنها فوضى ستؤدّيّ إلى حروب داخليّة وانقسامات داخل الجيش.» سكت هنيهة وأخذ نفسًا عميقًا ثم قال بفطنة: «وهكذا اتفق الاثنان على حتمية الثورة، لأن فيها إصلاحًا لكليهما.»
ومن داخل مبنى المجلس العسكري نظر مهدي إليهم بحنق وقال: «أنا أعلم جيدًا أنّكم تخططون للخروج عليه منذ عامين ولقد نهيتكم.»
قال أحدهم: «نعلم يا مهديّ أنّك تعرف، ولذلك اخترناك من بيننا لتأخذ بيد مصر وتخلصها مِن ذلك الخائن الغادر، ونجلّكَ ونقدّركَ بسبب زهدك في الحكم، وحبك وخوفك على مصر.»
ردّ مهديّ بصوت فيه حيرة: «وماذا علىّ أن أفعلَ الآن؟»
ثمّ قال بصوت مرتفع فيه سخرية: «أضربُ في الشعب بالسلاح النوويّ أمْ أجعله يعرّي الجيش ويطأ بأقدامه الزيَّ العسكري فيدنّس شرفنا؟»
فقالوا له قول الواثق المدرك: «اعقلَها يا سيادة الوزير، اعقلها يا مهديّ. أقولًُ لك ماذا يجب علينا فعله، نعزل الرئيس ونحاكمه ونعينك رئيسًا للجمهوريّة في انتخابات لاحقة.»
فردّ زاهدًا: «ومَن قال إنّي أريد رئاسة الجمهوريّة؟ أعلم أنّ كل الجيش يحبني، ومع ذلك لا أريد أن أنقلب على الرئيس، كما أني لا أحبّ الثورات. وأرى حتمية مجابهة الثورة بالحلم والرويّة.»
بينما هم على هذا المراء والجدال نظروا إلى شاشة التلفاز التي تبثُّ المظاهرات، فشاهدوا المتظاهرين ينادون بعزل الرئيس ومحاكمة رؤوس النظام الفاسد، كما نادى بعضهم بتبني مبدأ الاشتراكية وتفشيه فيما بينهم حتى تقلل من الفجوات الطبقية بين شرائح المجتمع المختلفة.»
نظر إليهم ولوّح بيده وقال لهم: «هذه الشعارات من تخطيط المنظمة الماسونيّة، ها هي تفعل الأفاعيل بنا، شيوعيّة واشتراكيّة وديمقراطيّة وما خفي كان أعظم.» ثمّ رفع سبابته قبالة وجوههم معاتبًا: «أنتم الذين أعطيتموهم الفرصة للتوغل والاندساس في صفوف المتظاهرين ليطالبوا بهذه المذاهب المدمّرة للمجتمعات العربية.»
ومن تل أبيب، قال كذلك يعقوب إسحاق كلمته تعليقًا على المشهد بتزامن غير مقصود مع كلمة مهديّ لأنّ هذا لا يرى ذاك والعكس: «ها قد نجحنا. » ورفع يديه إلى أعلى وأخذ يكرّر: «حققنا هدفًا في مرماهم، دخّلنا هدف.» ثمّ هاتف رئيس مخابراته قائلاً له: «أرسل المزيد من أفراد المنظمة.»
نظر مهديّ وكلمهم مستطردًا: «للأسف لم تتيحوا لي حلاً آخر، لابدّ من إنهاء الأزمة التي رسمتم ملامحها أيّها الأغبياء، فهذه المطالب الغريبة وهذه الدماء الفائرة ليس لها علاج إلّا عزله.»
قالوا بصوت واحد: «توكّلْ على الله.»
لوى مهديّ عنقه وكرّر كلمتهم بميوعة، فغرضه الاستهزاء بفعلهم: «توكّل على الله، توكّل على الله، إذن استعدوا لانقلاب قد يذهب بدماء آلاف الأبرياء إن لمْ ينجح، واعلموا لو دخلت القوات الأمريكيّة البلد فكلنا سنذهب وراء الشمس.»
نظر بعضهم إلى بعضٍ مبتسمي الثغور، ثمّ هبّوا بكلمة واحدة تنمُّ على توحيد القلوب والصفوف: «توكّل على الله.»
لم يهنأ فهمان بعيش مطلقًا بعد هذا الذي يحدث في مصر، فراشه لظىً، ونهاره كبد. يرى جاك حالته تلك ولم يألو جهدًا في مواساته، فكثيرًا ما يقول له بأنّ المجلس العسكريّ سيحتوي الموقف.» لكن حاله لم يتغير فقد سطت الكارثة على مداركه فشلت كلّ شيء فيه.
ولأول مرة يفتقده جاك، افتقده كثيرًا حتى اعترته العصبية في صحوه ونهاره لدرجة الجنون.
حتى إنه ذات يوم خرج وحده إلى الجامعة بعد أن فشل في إقناع فهمان بحضور هذه المحاضرة الهامة، فلمّا وصل جلس في مقعده، ونظر إلى مقعد فهمان الفارغ فاغتمّ وبكى، فجأة، جاء أحد الطلّاب وجلس في هذا المقعد، فنظر إليه جاك وقال له: «قمْ من هنا أيها الفتى المتسلّط.» فردّ عليه: «أنا لم أكن ساطٍ أيها الفتى المتعرّب.»
فقام جاك ورفعه بيدٍ واحدة وألقاه من نافذة القاعة، ثمّ ترك المكان يضرب بكلتا يديه وقدميه كلّ ما في طريقه.







رد مع اقتباس
قديم 04-15-2021, 05:04 PM رقم المشاركة : 46
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

بطل استثنائي
تناول بيتر صحيفة علمية حديثة الإصدار تتكلم عن مصادم fcc-1 بسيرن ليتابع أخبار ابن فطين. وأثناء تناوله لمعطيّات الأخبار قام بعمليات بحث بسيطة على الحاسوب ليعلم حجم الإنجازات العلميّة التي وصل إليها الفتى، فوجد -الانجازات- قد بلغتْ عنان السماء، وهي الآن على أبوابها تريد أن تطرق وتخترق كلّ الحُجب والأستار. فأعجب بذلك كثيرًا، ودفعه ذلك الإعجاب إلى مهاتفة مؤيد: «اذهبْ إليه يا ولدي كما قلت لك سابقًا.»
- «هذا ما نويت عليه بالفعل.»
- «رحم الله فطين، قد كان على حق، وهذا يؤكد أنه ذو فراسة منقطعة النظير.»
وفور أن أنهى مكالمته أرسل إلى عبد الشهيد -إنّه حافّ الشارب كثيف اللحية يلبس جِلبابًا قصيرًا يتعدّى ركبتيه أو كاد، وسروالاً يبلغ نصف ساقيه، يعتمُّ بعمامة بيضاء- ليصطحبه إلى مكان كان كثيرًا ما يجلس فيه وحده، وقال له: «يا عبد الشهيد، اِدفنّي هنا.»
- «أطال الله عمرك يا جدّي.»
ثمّ توكأ عليه قاصدًا حجرته ثمّ قال له: «يا عبد الشهيد، دعني اختلي بربّي ساعة أؤدّي فيها صلاتي، ولا تدع أحدًا يدخل عليّ.»
وفي خلوته قرر أن يترك لهذا العالم رسالة عامة؛ تحمل في مضامينها دعوة إلى السلام منوهًا إلى بشاعة الاحتلال الإسرائيلي واضطلاعه الصارخ في تأجيج الصراعات العالمية لاحقًا، فضلاً عن دور الدين في تأسيس هذا الصراع.
ومن أجل ذلك، رجع بذاكرته إلى الماضي، وبالتحديد لحظة هروبه مِن فندق هيلتون طابا حتى اللحظة الراهن -لحظة الموت- فأمسك بورقة وقلم ليضع رسالته - رسالة قصة أعظم خبير فيزياء طبية عرفه التاريخ-: «خرجتُ مِن الفندق خائفًا حزينًا، فقد هالني منظر صديق عمري وهو يموت تحت تأثير السمّ -وأعلمُ أنّ فرصة نجاته مستحيلة؛ لسمية البوتولينوم الشديدة - وخشيت أن يتبعني القتلة، فركبتُ سيارتي أعدو بها إلى حيث لا أدري، المهم أن أضمن ألّا يقتفي أثري أحد، فوصلت إلى إحدى الصحاري الفسيحة، عندئذ، اقتعدتُ الأرض، وتناولتُ حفنة مِن ثرى مصر وشممتها؛ فانتفض جسدي وارتعش، واغرورقتْ عيناي بالدموع على صديق عمري الذي اُغتيل بسبب هذا التراب الذي بيدي. ثمّ تأملته قائلاً: «التراب هذا في كلّ بلد، لكنه تراب من انتمى إليه، والشرفاء ينتمون إلى الأوطان الطيبة، وأنا أعشق تراب فلسطين. أعشق تراب فلسطين التي وما زالتْ بين أنياب منظمة صهيونيّة عالميّة. علىّ أن أصل إلى التراب الذي أحبّه، التحفه غطاءً وافترشه مرقدًا، وأناصره نصرًا مؤزرًا.
فوثبتني عزيمتي؛ فانتصبت قائمًا وعلى الفور هاتفتُ مؤيدًا الذي أعرف حبه لفلسطين جيدًا، ولا يجهل حبي لها -فلسطين- كذلك.
طلبتُ منه أن يأتيني. فآتاني مِن الوادي الجديد، واصطحبني مباشرة إلى منزله الكائن فيه. كلّمته على كلِّ ما يجيش بصدري وأخبرته بحادثة الفندق، وما كنت أنتوي فعله منذ أن جئتُ مع العالم المصريّ -ألا وهو مناصرة القضية الفلسطينيّة- وبالفعل قادني إلى هنا -نفق اتحاد المقاومة بالوادي الجديد- وكانت مهمتي القيام بعمليات زرع الوجوه لأفراد اتحاد المقاومة ليستطيعوا التخفّي والاندساس بين أفراد المخابرات الإسرائيليّة، وأقوم كذلك بإجراء عمليات لغير أفراد اتحاد المقاومة ليدفعوا لنا ما نستعين به على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ولقد قمتُ بالعديد من العمليات وأفدتُ المقاومة بمليارات مِن الدولارات. وإنّى أعلم أنّ السي آي أي والموساد يجدّون في البحث عنّي، وسيعرفون لاحقًا أنّ بيتر لم يكن ناكرًا لمعروف بلده، بل أراد أن يسدي لها معروفًا بمناصرة القضية الفلسطينية بعد أن ارتكبت بلده -أمريكا- كبائر الذنوب بخذلانها.
ودومًا أسأل نفسي: «طول عمرك يا بيتر وأنت تبحث عن كينونة الإله ولم تهتدِ لشيء، طول عمرك تبحث عن الدين الذي تودّ اعتناقه ولم تهتدِ لشيء، الشيء الوحيد الذي اهتديت إليه أن تكون إنسانًا موحدًا يا بيتر، وأن تناصر الإنسان، ولكن أين التوحيد؟ في القرآن، أم الإنجيل، أم التوراة. أين المفرّ .. المفرّ .»
وألقيتُ الورقة والقلمَ، وحملت القرآن والإنجيل بقوة، وقلتُ الآن أبحث عن الإله فيهما، وقرأتهما، فوجدتُ الإله في كليهما، وحرتُ ولم أستطع الاختيار، فكتبت ورقة ووضعتها بين الكتابين المقدسين حتى يقرأها مؤيد ويرسلها إلى كل أديان الأرض، ثمّ ألقيتهما جانبًا وألصقت جبهتي بالأرض لأطلق آخر أنفاسي في هذه الحياة. والآن، تهدأ العيون وتنام يا بيتر، ويطيب المنزل إن شاء الله، اليوم ألقى ربّي بوضع خدي على ثرى وطأته أقدام رجال اتحاد المقاومة الفلسطينية ولي الشرف . إمضاء بيتر، رسولٌ للسلام.»
وأطلق أنفاسه الأخيرة وهو يعطر أنفه بثرى النفق. افتقده عبد الشهيد فهرول إلى خلوته فوجده قد مات، فانهمر دمع عينيه ثم ما لبث أن هاتف مؤيدًا ليخبره أنّ بيروفيسور بيتر انتقل إلى رحمة الله تعالى وقد أدّى صلواته قبل أن يموت.
وفور وصول مؤيد لتوديع الجثمان -قبل وضعه في غرفة التبريد العميق كما هو معتاد لمُتوفي أفراد الاتحاد- سأل عبد الشهيد: «أيّ صلاة أدّاها؟»
فأجاب: «لا أدري، كلّ ما قال لي: «يا عبد الشهيد دعني اختلي بربي ساعة أؤدّي فيها صلاتي ولا يدخل علىّ أحد.»، فسألته: كم ركعة ستصلي؟» وطأطأ رأسه وهو يلوح بيده اليمنى وقال: «سألته يا دكتور لأعرف أيصلي صلاتنا أم صلاة النصارى؟
فقال لي: «ألم يكن ربّ القرءان هو ربّ الإنجيل هو ربّ التوراة يا عبد الشهيد؟».»
- «وأين هو؟»
- «في الداخل.»
دلف مؤيد الباب ودخل، فوجد على صدره كتابيْن أحدهما داخل حافظة قاتمة والآخر عارٍ، أزاحهما ثمّ احتضنه وصرخ باكيًا بصوت متهدج متململ يصاحبه خنين: «والله لرائحتك وأنت ميتًا أزكى عندما كنتَ حيًا! ولم لا وقد عشتَ للحقّ،ِ ومتّ على الحقّ، وكنت مثالاً للعالِم الذي وظف علمه لمناصرة الحق، مناصرة الإنسانية التي تتبلور في أوج صورها عند مناصرة القضية الفلسطينية.»
وظلّ بجانبه فترة يمعن النظر في ملامحه الملائكية التي ودّعتْ الحياة، ثمّ رفع الكتاب العاري فوجده الإنجيل، وتلاه رفع الكتابِ الثاني وفتح السوستة القاتمة ليراه، توسّع بؤبؤا عينيْه وانكفأ بنصف جسده إلى الأمام وحدّق فيه، ثمّ فتحه؛ فوجده هو هو ما كان على حاشية الكتاب "القرءان الكريم" وكان هناك خيط رقيق في أوّل سورة المائدة. فوقع في نفسه أنّه كان يبحث عن الحقيقة.
فهمس له قائلاً: «أعتقد أنك وجدت الحقيقة، ولم لا وقد وجدتها من قبل في شأننا (يقصد مناصرة دولة فلسطين)، ولم ألحظك طول فترة بقائك لدينا أنّك صليت، لا صلاة المسلمين ولا صلاة النصارى، ولكني متأكد أن أمسكت رأس الحقيقة، ولقد استعصى علينا معرفة ذلك عنك لأنها -الحقيقة- كانت بداخلك لم تجهر بها.»
انتهى من حديثه له، ثم جلس بجانبه ساعات ليمتع أنفه برائحته، وتلذ عينيه بالنظر إله. ثم أخذ يتدبر في شأن الدينين، ومؤيد لا يؤمن إلّا بالإسلام كما قال ربنا "إنّ الدين عند الله الإسلام " لذلك تمنّى أن يكون بيتر تُوفي عليه.
ظلّ مؤيد على هذه الحالة، والحارس بالخارج يتعجّب من طول مكوث مؤيد حتى إنّه ذهب إلى عبد الشهيد يخبره بالأمر.
فقال له عبد الشهيد: «دعه، لعلّ الاستئناس بالأموات خير مِن الاستئناس بالأحياء في هذا الزمان ولاسيما عندما يكون المتوفي مثل بروفيسور بيتر.» وصمت متدبرًا وعيناه تذرف الدمع الحار عليه ثم دعا له: «الله يرحمك يا بيتر ويدخلك فسيح جنّاته.»
ولمّا همّ بالخروج لحظ الخطاب الذي سرد فيه بيتر كلماته فقرأه، وفور أن انتهى قال: «هذه رسالتك المقدسة إلى هذا العالم يا أبتِ؟ أتظن أن حسنات مناصرتك لنا ستغفر سيئات دولتك؟ أبتِ، إن الله لا يصلح عمل المفسدين، فهل تستطيع أن تصلحه أنت، هيهات، هيهات.»
دخل عبد الشهيد فوجده مؤيدًا يتحسر ويبكي فقال: «كفى يا أبتِ، كفى، لكفى وهيا نواري سوءته (يقصد تحنيطه).»
ردّ مؤيد متحسرًا: «لن نحنط بعد اليوم، فأنت تعلم أننا نحنط لأن بيتر الوحيد الذي كان يستطيع أن يزرع الأعضاء.»
قال عبد الشهيد: «أظنك تستطيع أن تعطينا كما كان يعطينا، و...»
قاطعه: «كان بارعًا ولا نظير له، ولا يمكن لأحد أن يعطي عطاء بيتر، لقد كان بطلاً استثنائيًا، يا عبد الشهيد، أؤمر قومك أن يصلوا عليه صلاة المسلمين قبل دفنه.»







رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


تصحيح تعريب Powered by vBulletin® Copyright ©2016 - 2021 
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010