آخر 10 مشاركات
المعطف / شعر د. جمال مرسي / يوتيوب (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 19 - المشاهدات : 188 - الوقت: 02:06 AM - التاريخ: 12-12-2018)           »          كذب (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 13 - الوقت: 01:40 AM - التاريخ: 12-12-2018)           »          صحراءٌ قلبُك (الكاتـب : - مشاركات : 11 - المشاهدات : 148 - الوقت: 01:15 AM - التاريخ: 12-12-2018)           »          من ديوان : على كفي مطر /وفاء حمزة (الكاتـب : - مشاركات : 22 - المشاهدات : 702 - الوقت: 11:12 PM - التاريخ: 12-11-2018)           »          ماذا تقول للشخص الذي خطر ببالك الآن؟ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1205 - المشاهدات : 44298 - الوقت: 07:59 PM - التاريخ: 12-11-2018)           »          للأحرُفِ الحمراءِ أمنيةٌ باقيةْ ... (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 17 - المشاهدات : 503 - الوقت: 07:45 PM - التاريخ: 12-11-2018)           »          امرأة الكهوف الأولى / عايده بدر (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 11 - المشاهدات : 669 - الوقت: 07:42 PM - التاريخ: 12-11-2018)           »          حليب قمر سئم الخسوف / عايده بدر (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 30 - المشاهدات : 870 - الوقت: 07:39 PM - التاريخ: 12-11-2018)           »          هذه حياتي محمد محضار (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 5 - المشاهدات : 169 - الوقت: 07:36 PM - التاريخ: 12-11-2018)           »          ومضات شعرية (متجدد) (الكاتـب : - مشاركات : 414 - المشاهدات : 5089 - الوقت: 07:32 PM - التاريخ: 12-11-2018)


العودة   ::منتديات قناديل الفكر والادب :: > قناديل الفكر الإسلامي > الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي


الموسوعة القرآني فيض العليم من معاني الذكر الحكيم سورة الأنفال الآية: 58 ـ 68

الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي


إضافة رد
قديم 09-09-2015, 08:35 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
شاعر

الصورة الرمزية عبد القادر الأسود
إحصائية العضو







عبد القادر الأسود is on a distinguished road

عبد القادر الأسود غير متواجد حالياً

 


المنتدى : الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي
افتراضي الموسوعة القرآني فيض العليم من معاني الذكر الحكيم سورة الأنفال الآية: 58 ـ 68

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ
(58)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} وَإِذَا خِفْتَ مِنْ قَوْمٍ عَاهَدْتَهُمْ، خِيَانَةً وَنَقْضاً لِلْعَهْدِ الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَأَعْلِمْهُمْ بِأَنَّكَ نَقَضْتَ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ لاَ عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، فَتَسْتَوِي أَنْتَ وَإِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ بِدُونِ خِدَاعٍ وَلاَ اسْتِخْفَاءٍ. فقدِ ابْتَدَأَ ـ تَبارَكَ وتَعالى في هذِهِ الآيةِ بِأَمْرِ نبيِّهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، بما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ خيانَةً إلى سالِفِ الدَهْرِ تعليماً لأمَّتِهِ، وهذه الآية هي فيمن يُسْتَقْبَلُ حالُهُ مِنْ سائِرِ النّاسِ، إذا كان بين المسلمين وبينَ أحدٍ عهدٌ وبدت للمسلمين منهم بوادِرُ شَرٍّ، وخافَوا الخِيانَة من هؤلاءِ المعاهدين، فحينئذٍ يَجِبُ على المسلمين أن يَنْبُذُوا إليهِم عهدهم أوَّلاً، فإنْ جدَّدوا الْتَزَامَهم بالْسَلْمِ ونفاذِ العهدِ كفّوا عنهم وإلاّ حاربوهم.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قولِهِ تعالى: "وإما تخافن من قوم خيانة .." الآية. قال: مَنْ عاهَدَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنْ خِفْتَ أَنْ يَخْتَانُوكَ ويَغْدُروا فَتَأْتِيهم، فانْبُذْ إليهم على سَواءٍ.
هذا إذا لمْ تَنْقَضِ مُدَّةُ العَهْدِ، أَوْ لمْ يْظْهَرْ نقضُهم لهُ ظُهوراً مَقْطوعاً بِهِ، أَمَّا إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أَوِ اسْتَفاضَ النَقْضُ منهم، وعَلِمَهُ النَاسُ، كما كانَ مِنْ قُرَيْشٍ حينَ نَقَضَتْ صُلْحَ الحَدَيْبِيَةِ بينها وبين المسلمين بمُعاونَتِها حُلفاءَها بني كنانةَ، على حلفاءِ المُسلمين بني خُزاعةَ علناً على رؤوسِ الأَشهْادِ. وإذا فَعَلَ المُعاهِدُ ذَلكَ يَكونُ قد أَعْلَنَ نقضهُ للعهد، فلا حاجةَ عندَها إلى ما ذُكِرَ منَ النبذِ على سواء وإعلامه. وهذا ما فَعَلَهُ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ، حين فَتَحَ مَكَّةَ مِنْ غَيرِ نَبْذٍ، ولم يُعْلِمْهُمْ لأَنَّهم كانوا قد نَقَضُوا العَهْدَ عَلانِيَةً بمُعاوَنَتِهم بَني كِنانةَ على قَتْلِ خُزاعَةَ حُلفاءَ النبيِِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقد كان في معاهدةِ الصلح بين الفريقين: أنَّ من أرادَ الدخولَ في حلفِ النبيِّ فلّهُ ذلك، ومَنْ أرادَ الدخولَ في حلف قريشٍ فله ذلك، فدخلت كنانةُ في حلفِ قريشٍ، ودَخَلَتْ خُزاعَةُ في حِلْفِ النَبيِّ، ومَنِ اعْتَدى على حَليفِكَ فَقَدِ اعْتَدَى عَلَيْكَ.
وقد رُتِّبَ نَبْذُ العَهْدِ على خَوْفِ الخيانَةِ، دُونَ وُقوعِها: لأنَّ شُؤونَ السياسةَ والحَرْبِيَّةَ تجري على حَسَبِ مخايل الأمورِ وتقديرِ الأحوالِ والتوقُّعاتِ، ولا يُنْتَظَرُ تحقُّقُها ووقوعُها. لأنَّ الترَيُّثَ والانتظارَ فيه تعريضُ الأُمَّةِ للخَطَرِ، وتوريطُها فيما لا تُحمدُ عقباه، فليستِ السياسَةُ كالقَضَاءِ، لا يكونُ إلاَّ عن تبصُّرٍ وبيانٍ لا شبهةَ فيه.
ولُهُ: {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} أمّا أنْ تفاجئَ عدوكَ الذي بينك وبينَهُ عهدٌ على الصلحِ دون أن تعلمَه بأنَّك في حلِّ من عهده فإنَّ ذلك يُعدُّ عند اللهِ خيانةً واللهُ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الخِيَانَةُ مُوَجَّهَةً لِلْكُفَّارِ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَويْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبَ الإيمانِ عَنْ سليم بْنِ عامرٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، قالَ: كان بين مُعاوِيَةَ ـ رضيَ اللهُ عنه، وبينَ الرّومِ عَهْدٌ، وكان يَسيرُ حَتى يَكونَ قَريباً مِنْ أَرْضِهم، فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أَغَارَ عَلَيْهِم، فجاءَهُ عَمْرو بْنُ عَبَسَةَ السُلَمِيُّ ـ رضي اللهُ عنه، فقالَ: اللهُ أَكْبَرُ وَفاءٌ لا غَدْرَ، سمعتُ رَسُولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقولُ ((مَنْ كانَ بَيْنَهُ وبَينَ قومٍ عَهْدٌ فلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحِلَّها حتى يَنْقَضيَ أَمْرُها أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهم عَلى سَواءٍ)). قالَ: فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ بالجُيوشِ. ورواهُ الطَيالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ، وأَخْرَجَهُ كذلك أبو داوودَ، والنَسائيُّ، وابْنُ حبّانَ في صحيحِه مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ، وأحمد في مسنده، وأخرجه أيضاً التِرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحيحٌ.
ورَوى الإِمامُ أَحمد عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ انْتَهى إلى حِصْنٍ أوْ مَدينةٍ فقال لأَصْحابِهِ: دَعُوني أَدْعوهم كَما رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدْعوهم، فقال: إنَّما كُنْتُ رَجُلاً مِنْكم فَهَداني اللهُ إلى الإِسلامِ؛ فإنْ أَسْلَمْتُم فَلَكُمْ ما لَنا وعَلَيْكم ما عَلَيْنا، وإنْ أَنْتُم أَبَيْتم، فأَدّوا الجِزْيَةَ وأَنْتم صاغِرونَ فإنْ أَبيتُم نابَذْناكُم على سَواءٍ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائنين، يَفْعَلُ ذلك بِهم ثلاثةَ أَيّامٍ، فلَمّا كانَ اليومُ الرابعُ غَدا النّاسُ إليها فَفَتَحوها بِعَوْنِ الله".
وأَخرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ ميمونَ بْنِ مَهرانٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلاثٌ، المُسْلِمُ وَالكَافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ: مَنْ عَاهَدْتَهُ فُوُفَّ بِعَهْدِهِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، فَإِنَّمَا العَهْدُ للهِ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحمٌ فَصِلْهَا، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً. وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً)).
وأَصْلُ معنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أَنَّ أَصْلَ الوفاءِ التَمامُ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْنً في ضِدِّ الوَفاءِ لأنَّ مَنْ خانَ أحداً في شيءٍ فقدْ أدخلَ عليهِ النُقْصانَ فِيهِ". واسْتُعْمِلَ الوَفاءُ في الإتمامِ بالعَهْدِ، لأنَّكَ إذا أنجزتَ ما عاهدتَ عليه فقدْ أتممتَ العهدَ. والإيمانُ والطاعةُ للهِ ورَسولِهِ عَهْدٌ بين المؤمِنِ وبَينَ اللهِ ورَسولِهِ، ولذلك فإنَّ المعصيةَ لله وللرسولِ خيانةٌ للعهد الذي أخذه اللهُ عليك في عالم الذرِّ، والمؤمن بشهادتهِ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ يكونُ قد جدَّدَ هذا العهدَ مَعَ اللهِ، ولذلكَ عُدَّتِ المَعْصِيَةُ خِيَانَةً، لا سِيَّما الخَفيَّة مِنْها.
وأَخرج الإمامُ مُسلِمٌ عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ـ رضي اللهُ عنه، قال، قالَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: {لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القيامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلاَ ولاَ غادَرَ أَعْظَمُ غَدْراً مِنْ أَمِيرِ عامَّةٍ). صحيحُ مُسْلِمٍ، كتابُ الجهادِ، بابُ تحريمِ الغَدْرِ رقم/16/ ص /اه/. وأخرجَه أبو يعلى أيضاً. وإنَّما كانَ الغدرُ في حَقِّ الإمامَِ أَعْظَمَ وأَفْحَشَ مِنْهُ في غيرِهِ لما في ذلِكَ مِنَ المَفْسَدَةِ.
قولُهُ تَعالى: {وإمّا تخافنَّ من قومٍ خيانةً} الواوُ: عاطفةٌ، و "إمّاتخافنَّ" كَسابِقَتِها {إمّا تثقفنَّ} وقدٍ تَقَدَّمَ إعْرابُها، وَمَوْقِعُ "إن" فيهِ مَوْقِعُ التَعليلِ للأمْرِ بِرَدِّ عَهْدِهم عليهم، ونَبْذِهِ إليهم، فهي مُغْنِيَةٌ غَناءَ فاءِ التَفْريعِ كما قالَ عَبْدُ القاهِرِ الجُرجانيُّ، وهو مِنْ نُكَتِ الإعْجازِ. وهذا النظمُ مِنْ مُعْجزِ ما جاءَ في القُرآنِ على اخْتِصارِهِ وَكَثْرَةِ مَعانيه، ممَّا لا يُوجَدُ له في الكَلامِ مَثيلٌ.
و "مِنْ قَوْمً" جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ ب "تَخَافَنَّ"، ومجيءُ "قَوْمٍ" نَكِرَةً في سِياقِ الشَرْطِ يُفيدُ العُمومَ، أَيْ: كُلَّ قَوْمٍ تَخافُ مِنْهم خِيانَةً، فانبِذْ إليهم عهدَهم.
وقولُهُ: {فانْبِذ إِلَيْهِمْ} فِعْلُ أمرٍ جَوابُ الشَرْطِ، فاعلُه أنتَ ومفعولُهُ محذوفٌ، والتَقْديرُ: انْبِذْ إليهم عُهودَهم. والجارُّ متعلِّقٌ بالفعلِ. وعُدِّيَ "انبذ" ب "إلى" لِتَضْمينِهِ مَعْنى ارْدُدْ إليهم عهدَهم، وهو في الأصلِ بمعنى: اطْرَحْ.
قولُهُ: {على سواء} حالٌ إمَّا: مِن الفاعِلِ، أَيْ: انْبِذْها وأَنْتَ على طِريقٍ قَصْدٍ، أَيْ: كائناً على عَدْلٍ فلا تَبْغَتْهُمْ بالقِتَالِ، بَلْ أَعْلِمْهم بِهِ، وإمَّا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعولِ مَعاً، أَيْ: كائنين على اسْتِواءٍ في العِلْمِ أَوْ في العَداوَةِ. ويجوزُ أنْ يعرَبَ صفةً لِمَصْدَرٍ محْذوفٍ، والتقديرُ: فانبذْ إليهم نَبْذاً عَلى سَواءٍ. و "عَلَى" هنا للاسْتِعْلاءِ المجازيِّ فهيَ تُؤْذِنُ بِأَنَّ مَدْخُولَها ممَّا شَأْنُهُ أَنْ يُعْتَلى عَلَيْهِ. و "سَوَاءٍ" وَصْفٌ بمَعنى مُسْتَوٍ، كَما تَقَدَّمَ في قولَهَ تَعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} في سورة البقرة، الآية: 6. وإنَّما يَصْلُحُ للاسْتِواءِ مَعَ مَعْنى "على" الطَريقُ، فَعُلِمَ أَنَّ "سَوَاءٍ" وَصْفٌ لِمَوْصوفٍ محذوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَصْفُهُ، كَما في قولِهِ تَعالى: {عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ} سورة القمر، الآية: 13، أَيْ سَفينَةٍ ذاتِ أَلْواحٍ. ومِنْه قولُ نابِغَةِ بَني ذُبيانَ:
وَإِنّي لأَلقى مِن ذَوي الضِغْنِ مِنهُمُ ..... بِلا عَثْرَةٍ، والنَفْسُ لا بُدَّ عاثرةْ
كَما لَقِيَتْ ذاتُ الصَفا مِنْ حَليفِها..وَما اِنفَكَّتِ الأَمْثالُ في الناسِِ سائِرَهْ
ف "ذاتُ الصفا": أَيْ الحيَّةُ ذاتُ الصَفا. والبَيْتانِ مِنْ قَصيدَةٍ للشاعِرِ يَتَحَدَّثُ فيها عَنْ قِصَّةِ الحَيَّةِ مَعَ الراعي الذي كان يعزف لها على القصبِ كلَّ يومٍ فتعطيه ليرةً ذهبيةً، ثمَّ خانَها ابنُهُ وضربها فَقَطَعَ ذَيْلَها فلَسَعَتْهُ فمات، وهي أُسْطُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ في كُتُبِ الأَدَبِ، نَظَمَها الشاعِرُ النابِغَةُ في قصيدةٍ له يُعاتِبُ بها بَني مُرَّةَ على خيانتهم عهدَه.
قولُهُ: {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين} يُحتَمَلُ أَنْ تَكونَ هذه الجملةُ تعليلاً مَعْنَوياً للأمْرِ بِنَبْذِ العَهْدِ. ويُحتمَلُ أَنْ تَكونَ مُسْتَأْنَفَةً سِيْقَتْ لِذَمِّ مَنْ خانَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَقَضَ عَهْدَهُ. وهي تَذييلٌ لما اقْتَضَتْهُ جملةُ: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً" تصريحاً واسْتِلْزاماً.
قَرَأَ العامَّةُ: {على سَواءٍ} بِفَتْحِ السِينِ. وقرأ زيدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَسْرِِها، وهيَ لُغةٌ تَقَدَّمَ التَنْبيهُ عليها أَوَّلََ سورة البَقَرَةِ.
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
(59)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا} أَيْ: لا يَظُنَّنََّ الذينَ كَفَروا مِنْ مُشْرِكي مَكَّةَ الذين أَفْلَتَوا مِنْ الموتِ في وَقْعَةِ بَدْرٍ أنَّهم نَجَوا مِنَ العِقابِ، فإنَّهم في قَبْضَةِ اللهِ تعالى، وسَيَكونُ لهُم يَومٌ يَنالونَ فيهِ ما يَسْتَحِقّونَ مِنْ عُقوبَةٍ عَلى كُفْرِهم وحَرْبهم للهِ ولِِرَسُولِهِ والمُؤمِنين، وما اقْتَرَفَتْ أَيْديهم مِنْ جَرائمَ، إذا لم يُؤْمِنوا ويَتُوبوا ويَرْجِعوا إِلَيْهِ سُبْحانَهُ، وفيهِ تَسْلِيَةٌ للنَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى ما أَبْداهُ أَعْداؤهُ مِنَ الخِيانَةِ لَهُ، كاليَهودِ، والمُنافقين، وغيرِهم منَ المُشركين الذين نَجَوْا يَوْمَ بَدَرٍ. وفي الآيةِ طَمْأَنَةٌ لَهُ وللمُسلِمينَ بِأَنَّهم سَيُنْصَرونَ على أَعْدائهم، ويَأْتونَ على بَقِيَّتِهم، وهو تَهْديدٌ لأَعْداءِ اللهِ ووعيدٌ لهم بِأَنَّ اللهَ سَيُمَكِّنُ المسلمين مِنْهُم. فالمَقْصودُ مِنَ الآيَةِ الكريمةِ قَطْعُ أَطْماعِ الكافرين في النَجاةِ، وإقْناطِهم مِنَ الخلاصِ. ومنْ لمْ يُصِبْهُ منهم عذابُ الدُنْيا، فَسَوفَ يُصيبُه عذابُ الآخرَةِ، ولا مَفَرَّ لَهُ مِنْ ذَلك ما دامَ قدِ اسْتَحِبَّ الكُفرَ على الإِيمان. أَمَّا المؤمنون فلهم مِنَ اللهِ تعالى، التأييدُ والنَصْرُ وحُسْنُ العاقبَةِ.
والسَبْقُ هنا مُسْتَعارٌ للنَجاةِ ممَّنْ يَطْلُبُ، والتَفَلُّتِ مِنْ سُلْطَتِهِ. كما هو قولُهُ تَعالى في سُورةِ العَنكبوتِ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} الآية: 4. ومنه قولُ الشاعرِ مُرَّةَ بْنِ عَدَّاءٍ الفَقْعَسيِّ:
كأنَّكَ لم تُسْبَقْ مِنَ الدَهْرِ مَرَّةً .... إذا أَنْتَ أَدْرَكْتَ الذي كُنْتَ تَطْلُبُ
أَيْ: كأَنَّكَ لم يَفُتْكَ ما فاتَكَ إذا أَدْرَكْتَهُ بَعْدَ ذلكَ، ولذلكَ قُوبِلَ السَبْقُ هُنا بِقولِهِ تَعالى: "إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ"،
قولُهُ: {إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} أَيْ: هُمْ وإنْ ظَهَرَتْ نَجاتُهم الآنَ، فإن هيَ إلاَّ نَجاةٌ موقتةٌ، ولن يُعْجِزوا اللهَ، ولن يَعْجِزَ المُسْلِمونَ عن أخذهم بجريرة أعمالهم بإذنِ اللهِ تعالى، لأَنَّ اللهََ معَهمْ ولَسَوْفَ يُمَكّنَهم مِنْهم، ولَنْ يَكونوا كما قالَ الشاعِرُ إياسُ بْنُ قُبَيْصَةَ الطائيِّ حين هَرَبَ مِنْ كِسْرى:
أَلمْ تَرَ أَنَّ الأَرْضَ رَحْبٌ فَسيحَةٌ ......... فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِنْ بِقاعِها
فالمخلوقُ يمكنُ أَنْ تُفلِتَ مِنْ بطشِهِ، أَمّا الخالقَ ـ جَلَّ وعَلا، فأينَ المَهْرَبُ مِنْهُ والأَرْضُ جميعاً قَبْضَتُهُ والسَمواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينِه؟!.
وفي هذا البيتِ ذَكَّرَ الشاعرُ "رَحْبٌ" عَلى مُراعاةِ المَكانِ، ثمَّ أنَّثَ: (فَسيحةٌ) على مُراعاةِ اللَّفْظِ.
قولُهُ تَعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ} الواوُ استئنافيَّة، "لا" ناهية، و "يَحْسَبَنَّ" فعلٌ مُضارعٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ لاتِّصالِهِ بنون التوكيد الثقيلة في محَلِّ جَزْمٍ، وهو من أفعال الظنِّ فيتعدى لمفعولين، و "الذين كفروا" فاعلُهُ، ومَفْعولُهُ الأَوَّلُ محذوفٌ تَقْديرُهُ: "أَنفُسَهم"، وجملة "سبقوا" مَفعولُهُ الثاني. والجملة مُسْتأَنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
وقولُهُ: "إنهم لا يعجزون" إنَّ: واسمُها وخبرها، والجملةً مستأنفة أيضاً لا محل لها.
قرأَ الجمهورُ: {تحسبنَّ} بتاءِ الخطابِ، وقرأ ابْنُ عامرٍ، وحمزة، وحفصٌ عنْ عاصِمٍ: "يَحْسَبَنَّ" بياء الغيبةِ هُنا، وفي سورة النُورِ عندَ قولِهِ {لا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا مُعْجِزين في الأرضِ} كذلك خَلا حَفْصاً. وفي قراءةِ الغَيْبةِ تخريجاتٌ كثيرةٌ سَبَقَ نَظائرُها في أَواخِرِ سورة آلِ عُمران. منها: أَنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى ضميرٍ يُفَسِّرُهُ السِياقُ تَقديرُهُ: ولا يَحْسَبَنَّ هُو أَيْ الرَسُولُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، أوْ قَبيلُ المؤمنين، أوِ حاسِبٌ، أوْ يَكونُ الضَميرُ عائداً على مَنْ خَلْفَهم. فيجوزُ عَلى هَذِهِ الأَقوالِ أَنْ يَكونَ "الذين كفروا" مَفعولاً أَوَّلَ، وجملة "سبقوا" في محلِّ نَصْبٍ مَفعولاً ثانياً.
وقيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى "الذين كفروا" والمفعولُ الأوَّلُ محْذوفٌ تقديرُهُ: أنفسَهُم والثاني جملة "سبقوا"، كما تَقَدَّمَ، وقُدِّر أيضاً: ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الذينَ كفروا سبقوا، فيكونُ المفعولُ الأوَّلُ الهاءُ من "هم" وجملة "سَبَقوا" في محلِّ الثاني. وقدَّر قومٌ: ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنْ سَبَقوا ف "أنْ" محذوفةٌ، وهي وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين، فقد حُذِفَتْ "أنْ" الموصولَةُ وبَقِيَتْ صِلَتُها كما هو قولُهُ تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} الآية: 24، أي: أنْ يُريكم. ومنه قَوْلُهم: تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَراهُ. ومن ذلك قولُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
أَلا أيُّهذا الزاجري أَحضرُ الوَغى..وأَنْ أشهدَ اللذاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدي
ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ عَبْدُ اللهِ ابْنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه، "أنهم سبقوا". وقال قومٌ: بل "سَبَقوا" في محلِّ نصبٍ على الحال، والسادُّ مَسَدَّ المفعولين "أنهم لا يعجزون" في قراءة مَنْ قرأ بِفَتْح "أنهم" وهو ابْنُ عامرٍ، والتقدير: ولا يحسبنَّ الذين كفروا سابقين أَنهم لا يعجزون، وعليه تكون "لا" مَزيدةً لِيَصِحَّ المعنى.
وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ أي : لا تَحْسبَنَّ يا محمدُ أو يا سامعُ ، و « الذين كفروا » مفعولٌ أولُ ، والثاني « سبقوا » ، وكان قد تقدَّم في آل عمران وجهٌ : أنه يجوز أن يكون الفاعلُ الموصولَ ، وإنما أتى بتاءِ التأنيث لأنه بمعنى القوم كقوله : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [ الشعراء : 105 ] ، وتقدَّمَ لك فيه بحثٌ وهو عائدٌ ههنا .
وأمَّا قراءةُ الباقين في النور ففيها ما ذُكِر ههنا إلا الوجهَ الذي فيه تقديرُ « أنْ » الموصولة لتعذُّرِ ذلك ، ولكن يَخْلُفُه وجهٌ آخر لا يتأتى ههنا : وهو أن يكون « الذين كفروا » فاعلاً ، و « مُعْجزين » مفعول أول و « في الأرض » الثاني . أي : لا تَحْسَبوا أحداً يعجز الله في الأرض أي بقوته . وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ على ما قدَّمته لك .
وقرأ الأعمش : « ولا يَحْسَبَ الذين كفروا » بفتح الباء . وتخريجها أن الفعلَ مؤكَّد بنون التوكيد الخفيفة ، فَحَذَفَها لالتقاء الساكنين ، كما يُحْذَفُ له التنوين فهو كقول الآخر :
2435 لا تُهينَ الفقير عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يوماً والدهرُ قد رفعهْ
أي : لا تهينَنَّ . ونقل بعضهم : « ولا تحسَبِ الذين » من غير توكيدٍ البتة . وهذه القراءةُ بكسرِ الباء على أصل التقاء الساكنين .
قولهم : { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } قرأ ابن عامر بالفتح ، والباقون بالكسر . فالفتح : إمَّا على حَذْفِ لام العلة ، أي : لأنهم . واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر . ووجهُ الاستبعادِ أنها تعليل للنهي أي : لا تَحْسَبَنَّهم فائتين لأنهم لا يُعْجزون ، أي : لا يقع منك حسبانٌ لقولهم لأنهم لا يُعْجزون ، وإمَّا على أنها بدلٌ من مفعول الحسبان .
وقال أبو البقاء : « إنه متعلقٌ بتحسب : / إمَّا مفعولٌ أو بدلٌ من » سَبَقوا « ، وعلى كلا الوجهين تكون » لا « زائدةً . وهو ضعيفٌ لوجهين : أحدهما : زيادة لا ، والثاني : أن مفعول » حَسِب « إذا كان جملةً وكان مفعولاً ثانياً كانت » إنَّ « فيه مكسورة لأنه موضعُ ابتداء وخبر » .
قوله : { لاَ يُعْجِزُونَ } العامَّةُ بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ وهي نونُ الرفع . وقرأ ابن محيصن « يُعْجِزوني » بنونٍ واحدةٍ بعدها ياء المتكلم ، وهي نون الوقاية أو نون الرفع . وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في { أتحاجواني } . قال الزجاج : « الاختيارُ الفتحُ في النون ، ويجوز كسرُها على أن المعنى : لا يُعْجزونني ، وتُحْذف النونُ الأولى لاجتماع النونين كما قال عمر بن أبي ربيعة :
2436 تراه كالثَّغام يُعَلُّ مِسْكاً ... يَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْني
وقال متمم بن نويرة :
2437 ولقد عِلِمْتِ ولا محالةَ أنني ... للحادثات فهل تَرَيْني أجزعُ
قال الأخفش في هذا البيت : » فهذا يجوز على الاضطرار « .
وقرأ ابن محيصن أيضاً « يُعْجِزونِّ » بنون مشددة مكسورةٍ ، أدغم نونَ الرفع في نون الوقاية وحذف ياء الإِضافة مُجْتزِئاً عنها بالكسرة . وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون ، مِنْ « عَجَّز » مشدَّداً . قال أبو جعفر : « وهذا خطأٌ من وجهين أحدهما : أن معنى عجَّزه ضعَّفه وضعَّف أمره ، والآخر : كان يجب أن يكون بنونين » قلت : أمَّا تخطئة النحاسِ له فخطأٌ ، لأن الإِتيان بالنونين ليس بواجب ، بل هو جائز ، وقد قرئ به في مواضع في المتواتر سيأتي بعضُها . وأما عجَّز بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر بل نَقَل غيرُه من أهل اللغة أن معناه نسبتي إلى العجز ، وأن معناه بَطَّأ وثبَّط ، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين . وقرأ طلحة بكسر النونِ خفيفةً .
وقرأ الجمهور: {إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} بكسرِ همزَةِ "إِنَّهُمْ" على الاستئنافِ البيانيِّ جواباً عَنْ سُؤالٍ تُثيرُهُ جملةُ: "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا" وقَرَأَ ابْنُ عامرٍ "أَنَّهُمْ" بِفَتْحِها على حَذْفِ لامِ التَعْليلِ فالجُمْلةُ في تأويلِ مَصْدَرِ هُوَ عِلَّةُ للنَهْيِ، أَيْ: لأنهم لا يَعْجِزون. وقَدْ حُذِف مَفعولُ "يُعْجِزُونَ" لِظُهورِ المَقْصودِ.
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
(60)
قولُهُ ـ تَعالى شأنُه: {وأَعِدّوا لهم ما اسْتطعتمْ من قوَُّةٍ ومِنْ رِباطِ الخيلِ} يَأْمُرُ اللهُ تَعالى في هذِه الآيةِ الكريمةِ الجميعَ باِلاسْتِعْدَادِ لِحَرْبِ الكُفَّارِ وَدَفْعِ عُدْوَانِهم، بإِعْدَادِ آلاتِ الحربِ ومُسْتَلْزَماتها، وذلك حِفاظاً على الأَنْفُسِ والأموالِ، وَالحَقِّ، وَالفَضِيلَةِ، والعقيدةِ، حَسَبَ الطَّاقَةِ، وَالاسْتِطَاعَةِ، وذلك بَعْدَ أَنْ أَمَرَهم بِنَبْذِ عهدِ مَنْ يخشَوْنَ غَدرَهُ مِنَ الأَعْداءِ الذين بينَهم وبينَ المُسلمين مُعاهَدَةُ صُلْحٍ أَوْ عَدَمِ اعْتِداءٍ، إذا أَحَسُّوا مِنْهم الاسْتِعْدادَ لِنَقْضِ هذِه المُعاهَدَةِ، أَوْ عَلِموا بِعَْزمَهم على الرُجوعِِ عن عَهدِهم والنُكْثَ فيه، ومباغَتَةِ المسلمين، فأَمَرَ المسلمين ـ والحالةُ هذِهِ، أَنْ يُعلِمُوهُم بِنَبْذِ العَهْدِ أَوّلاً وأَلاَّ يُفاجئونَهم بالحَرْبِِ والإغارَةِ عَليهم، وقدْ فَصّلْنا في ذلك في الآيةِ السابقة بما فيه الكفايةُ.
وأَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَولِهِ في الآيةِ" 59 السابقة: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا}، الذي يُفيدُ تَوهيناً لِشَأْنِ المُشْرَكين. لذلك جاءت هذه الآية: "وأَعِدُّوا" ممَّا يُفيدُ الاحْتِراسَ بالاسْتِعْدادِ لهم لِئَلاَّ يَحْسَبَ المُسْلمونَ أَنَّ المُشْرِكينَ قدْ صارُوا في مُكْنَتِهم، ويَلْزَمُ مِنْ ذلك الاحْتِراسِ أَنَّ الاستعدادَ لهمْ هُوَ سَبَبُ جعلِ اللهِ المشركين لا يُعْجِزونَ اللهَ ورَسُولَهُ، لأنَّ اللهَ هَيَّأَ أَسْبابَ اسْتِئْصالِهم ظاهِرَها وباطِنَها.
ولا شَكَّ في أَنَّ المُخاطَبَ الأَوَّلَ في هذِهِ الآيةِ الكريمةِ هُوَ الرَسُولُ محمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لأَنَّ الدِفاعَ عَنِ الدِّينِ وحمايَةَ المُؤمِنين بِهِ هُوَ مِنْ وظائفهِ ومن أُولى مَهامِّهِ، بِقَدْرِ ما هو خِطابٌ للمُؤمنينَ كافَّةً لأَنَّ المأْمورَ بِهِ هو مِنْ واجباتِ الأُمَّةِ كلِّها. فالخِطابُ لجماعَةِ المُسْلِمين ووُلاةِ الأُمورِ مِنهم في المقامِ الأوَّلِ، لأنَّ ما يُرادُ مِنَ الجَماعَةِ إنَّما يَقومُ بِتَنْفيذِهِ وُلاةُ الأَمْرِ الذين هُمْ وُكَلاءُ الأُمَّةِ على مَصالِحِها.
لذلك يأْمرُ اللهُ تعالى المُسْلمينَ بإعْدادِِِ أَنْفُسِهم للحربِ والأَخْذِ بأَسْبابِ القُوَّةِِ لِقِتَالِ الأَعْداءِ الذين نُبِذَ إليهم عَهْدُهم، أَوْ غيرِهم مِنَ الكُفَّارِ الذين يُتَوَقَّعُ مِنْهم العُدوانُ في أَيِّ وَقْتٍ. ولَوْ شاءَ تعالى لَهَزَمَهمْ بحَفْنَةٍ مِنْ تُرابٍ، كَما نَصَرَ رَسُولَهُ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّّم. ولكنَّهُ أَرادَ
أَنْ يَبْتَلِيَ بعضَ الناسِ بِبَعضٍ بِعِلْمِهِ السابِقِ وقَضائهِ النافِذِ.
والإعدادُ: التَهْيِئَةُ والإحْضارُ، ودَخَلَ في "مَا اسْتَطَعْتُمْ" كلُّ ما يَدْخُلُ تحتَ قُدْرَةِ الناسِ اتخاذُهُ مِنَ العُدَّةِ. وفي الآيةِ إشارتان إلى أَمْرَيْنِ على جانِبٍ كبيرٍ مِنَ الأَهميَّةِ، يَجْدُرُ بِنا أَنْ نَتَنَبَّهَ إليْهِما، وأَنْ نَقِفَ معَهُما مَلِيّاً، لأنّهُما مِنْ صُلْبِ عَقيدةِ الإيمانِ باللهِ تعالى، وهاتانِ الإشارتانِ هما:
الأُولى: في قولِهِ ـ تَبارَكَ وتَعالى: "ما استطعتم" ولم يَقُلْ ما يُكافِئُ قوَّةَ عَدوِّكم أَوْ يَزيدُ. وهذا مُرْتَبِطٌ أَوْثَقَ ارْتِباطٍ بالعَقيدةِ، لأَنَّ عَقيدَتَنا تَنُصُّ جَلِيّاً بأَنَّ نَتائجَ الأُمورِ كلِّها بِيَدِ اللهِ تَعالى، وليستْ بِيَدِ أَحَدٍ سِواهُ، هذا أوَّلاً. وثانياً: إِنَّ التَأْثيرَ الحَقيقيَّ والفِعْلَ النافِذَ هُو لِقُوََّةِ اللهِ تَعالى، وليسَ لما نُعِدُ مِنْ وسائلِ القُوَّةٍ. وإنَّما هُو ما اقْتََضَتْهُ حِكْمَةُ اللهِ تعالى أَنْ يُعلَّقَ المسبَّباتِ على الأَسْبابِ. أمَّا النتائِجُ فكُلُّها بِيَدِهِ سُبْحانَهُ، وهذِهِ عَقيدَتُنا التي يَفْرِضُها إيمِانُنا بهِ ـ جَلَّ وعَلا. أَمّا الإعدادُ والاسْتِعدادُ فإنَّما هُوَ تَنفيذٌ لأمْرِ اللهِ وَحَسْبُ، ولا اعْتِمادَ لنا عَليهِ ولا اعتدادَ بِهِ، فالاعْتِمادُ والاعْتِدادُ والتَوَكُّلُ، إنّما هو عليه سبحانه، أوّلاً وآخِراً، وإنّما نُعِدُّ القُوَّةَ تَنفيذاً لأَمرِهِ تعالى وحسْبُ، وهذا يَنْسَحِبُ على كلِّ شؤونِنا في الحياةِ. وهذا الاعتقادُ يَتْرُكُ في نَفْسِ المؤمِنِ راحةً وطُمَأْنينَةً لا حُدودَ لها، ولا تَسْتَطيعُ قُوَّةُ العَدُوِّ ـ مَهْما بَلَغَتْ، أَنْ تَنْفُذَ إليْها، أَوْ أنْ تَنالََ مِنْها، أَوْ تُؤثِّرَ فيها.
الثانية: في قولِهِ ـ عَزَّ شأنُهُ: "تُرْهِبونََ"، ولم يَقُلْ تَغْلِبونَ، أَوْ تَنْتَصِرون، إنَّما قالَ قبلَ ذَلكَ في الآيِةِ العاشِرَةِ مِنْ هذِهِ السُورَةِ: {وما النَصرُ إلاَّ مِنْ عَِنْدِ اللهِ} فَتَأَكَّدَ ما سَبَقَ بَيانُهُ والتَنْبيهُ عَليْهِ في الإشارِةِ الأُولى، وفيه أَنَّ الغايةَ مِنْ إعْدادِ القُوَّةِ إشاعةُ الرَهْبَةِ في نَفْسِ العَدُوِّ، حتّى لا يُقْدِمَ على العُدْوانِ، وفيه تَثْبيطٌ لِهِمَّتِهِ وتَأثيرٌ على مَعْنَوِيّاتِهِ، وهذا من غاياتِ الحَرْبِ النََفْسيَّةِ في الجيوشِ الحديثةِ، فلا يَسْتَطيعُ الاسْتِفادةَ مِنْ جميعِ قُواهُ وكُلَّ طاقاتِهِ في القتالِ.
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مجازاً على شِدَّةِ تَأْثيرِ شَيْءٍ ذِي أَثَرِ، وتُطْلَقُ أَيْضاً على سَبَبِ شِدَّةِ التَأْثير. وَكُلُّ ما تُعِدُّهُ لِصَديقِكَ مِنْ خَيرٍ أَوْ لِعَدوِّكَ مِنْ شَرٍّ فَهُوَ داخلٌ في عِدَّتِكَ. وقوَّةُ الجَيشِ شِدَّةُ وَقْعِهِ على العَدُوِّ، وقوَّتُه أَيضاُ سِلاحُهُ وعَتَادُهُ، وهوَ المُرادُ هُنا، فهوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ بِأمرينِ. فاتِّخاذُ السُيوفِ والرِماحِ والأَقْواسِ والنِبالِ مِنَ القُوَّةِ في جُيوشِ العُصورِ الماضيةِ، واتِّخاذُ الدَباباتِ والمَدافِعِ والطائراتِ والصَواريخِ وغيرِ ذلك مما يحقَِّقُ قوَّةَ الدفعِ مِنْ قُوَّةِ الجيوشِ في هذا العصرِ. وبهذا الاعْتِبارِ يُفَسَّرُ ما رَوى الإمامُان مُسْلِمٌ، والتِرْمِذِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامرٍ ـ رضي اللهُ عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، قَرَأَ هَذِه الآيَةَ على المِنْبَرِ ثمَّ قالَ: ((أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ، قالها ثلاثاً)) فقدَ أَخْرَجَ مُسْلِم في صَحيحِه و البَيْهَقِيِّ في السُنَنِ الكُبرى عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلمَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُُ)). ورَواهُ الإمامُ أَحمد، وأَبو داوود، وابْنُ ماجَة، والتِرمذِيُّ وزادَ: ((أَلاَ إنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ لَكُمُ الأَرْضَ وسَتُكْفَوْنَ المَؤنَةَ فلا يَعْجزَنَّ أَحَدُكم أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ)). والمرادُ أنَّ أَكْمَلُ أُسُسِ القُوَّة وأشَدَّها تأثيراً على العدوِّ آلةُ الرَمْيِ، وهي في ذلك العَصْرِ رَمْيُ السهامِ. وليسَ المُرادُ حَصْرَ القُوَّةِ في آلَةِ الرَمْيِ المعروفَةِ آنَذاكَ عندما قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: (والقُوَّةُ هَهُنا السِلاحُ والقِسِيُّ). لأنها كانتْ الأَكْثر فَتْكاً في ذلكَ العَصْرِ، أمّا اليومَ فلا أثرَ لها مع ما اخترع من سلاحٍ وما استحدث من وسائلَ للدفاع. فالواجبُ إذاً اتِّخاذُ الأَقوى بَينَ الأَسْلِحَةِ في كُلِّ عَصْرٍ، على قَدْرِ الاسْتِطاعَةِ.
وفي إعْدادِ النَفْسِ والمجتَمَعِ والتَدَرُّبِ عليهِ ثَوابٌ عَظيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى، فقد جاءَ في سُنَنِ التِرْمِذِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةً الْجَنَّةَ، صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَالْمُمِدَّ بِهِ)). وأَخْرَجَ عَبْدُ الرَزَّاقِ في المُصَنَّفِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمانِ، عَنْ التابعيِّ حَرام بْنِ مُعاويةَ الأنصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: كَتَبَ إلينا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ـ رضيَ الله عنه: (أَنْ لا يُجاوِرَنَّكم خِنْزيرٌ، ولا يُرْفَع فيكم صَليبٌ، ولا تَأْكُلوا على مائدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ، وأَدِّبوا الخيلَ، وامْشُوا بَينَ الفِرْقَتَيْنِ.
وأَخْرَجَ البَزَّارُ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، عَنْ أَبي هُريرةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: خرَجَ النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وقومٌ مِنْ أَسْلَمَ، يَرْمُونَ، فقالَ: ((ارْمُوا بَني اسْماعيلَ فإنَّ أَباكُم كانَ رامياً، ارْموا، وأَنا مَعَ ابْنِ الأَدْرَعِ)). فأَمْسَكَ القَوْمُ فَسَأَلَهم؟ فقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ. قال: ((ارْمُوا وأَنا مَعَكُمْ كُلِّكُم)). وأَخْرَجَهُ الإمامان الجليلانِ أَحمدُ بْنُ حنبل، والبُخاريُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، على قوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَناضَلونَ في السُوقِ فقال: ((ارْموا يا بَني اسمعيلَ فإنَّ أَباكُمْ كانَ رامياً، ارْموا وأَنَا مَعَ بَني فُلان)) (لأحدِ الفَريقيْنِ) فَأَمْسَكوا بَأَيْديهم، فَقالَ: ارْمُوا ...! قالوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيفَ نَرْمي وأَنْتَ مَعَ بَني فُلانٍ؟ قالَ: ((ارْمُوا وأَنَا مَعَكم كُلِّكم)). وأَخْرَجَه أيضاً الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مُحَمَّد بْنِ إياسٍ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبيهِ عن جَدِّهِ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسَلَّم، مَرَّ على ناسٍ يِنْتَضِلونَ فقالَ: ((حَسَنٌ اللَّهُمَّ، (مَرَّتين أَوْ ثَلاثاً)، ارْموا وأَنَا مَعَ ابْنِ الأَدْرَعِ. فأَمْسَكَ القومُ قال: ارْموا وأَنا مَعَكم جميعاً، فلقدْ رَمُوا عامَّةَ يومِهم ذَلِكَ ثمَّ تَفَرَّقوا على السَواءِ ما نَضَلَ بَعْضُهم بعضاً)). وَقَالَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((ارْمُوا، وَارْكَبُوا، وَلأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا. كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ. فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ)). حَسَنٌ صَحيحٌ، أخرجه الترمذيُّ في سُننهِ. ومَعنى هَذا واللهُ أَعْلَمُ: أَنَّ كلَّ ما يَتَلَهَّى بِهِ الرَجُلُ ممَّا لا يُفيدُ في عاجِلِ ولا في آجِلِ فهوَ باطِلٌ، والإعْراضُ عَنْهُ أَوْلى.
وأَخرجَ أَبو الشَيْخِ، وابْنُ مَردويَهِ، عَنِ ابْنِ عباسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، في قولِهِ: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة" قال: الرَّميَ والسيوفَ والسِلاحَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحقَ، وابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ عَبَّادٍ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ الزُبَيرِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في قولِهِ: "وأَعِدّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ" قالَ: أَمَرَهُمْ بإعْدادِ الخَيْلِ. وأَخْرَجَ أَبو الشَيخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمانِ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولهِ تعالى: "وأَعِدّوا لهم ما استطعتم مِنْ قوّة ومِنْ رباط الخيل" قال: القوّةُ ذُكورُ الخَيْلِ، والرِباطُ الإِناثُ. وكذلك قال مجاهدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مثله فيما أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عنْهُ. وأَخْرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ أَبي حاتمٍ عنْ سعيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ ـ رَضِيَ اللهُ عنُْه، في الآيَةِ قال: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَهْمِ فما دُونَهُ.
وقد عَدَّ العُلَماءُ تَعَلُّمَ الفُروسِيَّةِ والدُرْبَةَ على اسْتِخدامِ الأََسْلِحَةِ فَرْضَ كِفايَةٍ، إذْ عَلى الأُمَّةِ أَنْ يَكونَ فيها ما يَكْفِي للذَوْدِ عَنْ حِياضِها والرِباطِ عَلى ثُغورِها، شأنُهُ في ذَلِكَ شَأْنَ كُلِّ ما هُوَ ضَرورِيٌّ لِبَقاءِ الأُمَّةِ قَوِيَّةً عَزيزةً كَريمةً، كَتَعَلُّمِ العُلومِ النافِعَةِ والحِرَفِ والصِناعاتِ التي تحتاجُها الأُمَّةُ، فإذا قامَ بكلِّ شَأْنٍ مِنْ هذِهِ الشُؤونِ الضَرورِيَّةِ ما يَكْفي الأُمَّةَ، ويَسُدُّ حاجتَها إليهِ، ارْتَفَعَ الإثمُ عَنِ الجَميعِ وإلاَّ فالأُمَّةُ آثِمَةٌ كلُّها.
وعَطْفُ "رِبَاطِ الْخَيْلِ" على "الْقُوَّةَ" مِنْ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، للاهْتِمامِ بِذلِكَ الخاصَّ. و "الرباط" صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ أُتِيَ بها هُنا للمُبالَغَةِ لِتَدُلَّ على قَصْدِ الكَثْرَةِ مِنْ رَبْطِ الخَيْلِ للغَزْوِ، أَيْ احْتِباسِها ورَبْطِها انتظاراً للغَزْوِ عَلَيْها، كَقولِ النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: ((مَنِ ارْتَبَطَ فَرَساً في سبيلِ اللهِ كانَ رَوْثُها وبَوْلُها حَسناتٍ لَهْ" الحديث. ويُقالُ: رَبَطَ الفَرَسَ إذا شَدَّهُ في مَكانِ حِفْظِهِ، وقد سَمّوا المَكانَ الذي تُرْتَبَطُ فيهِ الخَيْلُ رِباطاً، لأنَّهم كانوا يَحْرُسونَ الثُغورَ المَخُوفَةَ راكبينَ على أَفْراسِهم، كما وصَفَ ذلكَ لَبيدُ حين قالَ:
وَلَقَدْ حَمَيْتُ الحيَّ تَحْمِلُ شِكَّتي ...... فُرُطٌ وِشاحي إِنْ رَكِبْتُ زِمامَها
إِلى أَنْ قالَ:
حتّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر ............ وأجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلامها
أَسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْعِ مُنيفَةٍ .......... جَرْداءَ يحْصَرُ دونها جُرَّامها
ثمَّ أُطْلِق الرِباطُ على محرسِ الثَغْرِ البَحْرِيِّ. و "رِباطُ الخَيْلِ" جمعُ رَبْطٍ، كَكِلابٍ وكَلْبٍ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ "رِباط" مَصْدراً مِنْ رَبَطَ، كَصَاحَ صِياحاً. ورِباطُ الخَيْلِ ومَرْبَطُها ومَرابِطُها: ارْتِباطُها في مُواجَهَةِ العَدوِّ. وجماعَتُهُ رُبُطٌ، ومِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
أَمَرَ الإلهُ بِرَبْطِهَا لعَدُوِّهِ .................. في الحَرْبِ إنَّ اللهَ خَيْرُ مُوفِّقِ
هذا البَيْتُ لِلصَحابيِّ الجَليلِ كَعْبٍ بْنِ مالِكٍ ـ رَضِيََ اللهُ عَنْهُ، شاعِرِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، مِنْ قَصيدَةٍ لَهُ قالها في غزوةِ الأحزابِ، أو الخندقِ، ومنها:
مَنْ سَرَّه ضَرْبٌ يُرَعْبِِلُ بَعْضُهُ ............ بَعْضاً كَمَعْمَعَةِ الأَباءِ المُحْرَقِ
دَرِبوا بِضَرْبِ المُعْلَمين فَأَسْلَموا ........ مُهَجاتِ أَنْفُسِهمْ لِرَبِّ المَشْرِقِ
نَصِلُ السُيوفَ إذا قَصُرْنَ بِخَطْوِنا .......... قِدْماً ونُلْحِقُها إذا لمْ تَلْحَقِ
ونُعِدُّ للأعْداءِ كُلَّ مُقَلصٍ ................ ورْدٍ ومَحْجولِ القَوائمِ أَبْلَقِ
إلى أَنْ يَقولَ:
أَمَرَ الإلهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ .................. في الحَرْبِ إنَّ اللهَ خَيرُ مُوَفِّقِ
ونُطيعُ أَمْرَ نَبِيِّنا ونُجيبُهُ .................... وإذا دَعا لِكَريهَةٍ لمْ نُسْبَقِ
رَعْبَلَهُ: قَطَعَهُ. والمَعْمَعَةُ: صَوْتُ الحريقِ يَنْشِبُ في القَصَبِ ونحوِهِ، وصَوْتُ الأَبْطالِ في الحَربِ. وقالَ مَكْحولُ بْنُ عَبْدِ اللهِ:
تَلومُ عَلى رَبْطِ الجِيادِ وحَبْسِها ........... وأَوْصى بها اللهُ النَبِيَّ مُحَمَّدا
ورِباطُ الخيلِ فَضْلٌ عَظيمٌ ومَنْزِلَةٌ شَريفَةٌ. فقد رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قالَ لابْنِ سِيرينَ: إنَّ فلاناً أَوْصَى بِثُلِثِ مالِهِ للحُصونِ، فقال: هِيَ للخَيْلِ؛ أَلَمْ تَسْمَعْ قولَ الشاعرِ:
ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى ..... أَنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى
البَيْتُ للأَسْعَرِ الجُعَفِيِّ وبَعْدَهُ:
يخْرُجْنَ مِنْ خَلَلِ الغُبارِ عَوابِساً ........ كَأَصابِعِ المَقْرورِ أَقْعى واصْطَلى
واسْمُ الأَسْعَرِ: هُوَ مَرْثَدُ بْنِ الحارثِ ولُقِّبَ الأَسْعَرَ لِقَوْلِهِ:
فلا يَدْعُني قومي لِسَعْدِ بْنِ مالِكٍ ........ إذا أَنَا لم أُسْعِرْ عَلَيْهم وأَثْقُبِ
وقالوا: رِباطُ الخَيْلِ: الإناثِ، كما تقدَّمَ لأَنَّها أَوْلى ما يُرْبَطُ لِتَناسُلِها ونَمَائها. ورُوِيَ أَنَّ خالدَ بْنَ الوَليدِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كانَ لا يَرْكَبُ في القِتالِ إلاَّ الإناثَ، لِقِلَّةِ صَهيلِها. ورُوِيَ أنَّ الصَّحابةَ ـ رضوانُ الله عليهم، كانوا يَسْتَحِبُّونَ ذُكورَ الخَيْلِ عِنْدَ الصُفوفِ، وإناثَ الخيلِ عندَ الشَتاتِ والغارات. والخيلُ خيرٌ وبركة ويمنٌ لقوله ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ فيما أخْرَجَ الإمامُ مُسْلمٌ وغيرُه عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ)). صحيح مسلم: (9/444).
وأَخْرَجَ البُخاريُّ، والنَسائيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبيهقيُّ، عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، عَنِ النَبيِّ ـ صَلَّى الله عليه وسلّم، قال: ((مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إيمَاناً، وتَصْدِيقاً بوعدِهِ، فإنَّ شِبَعَهُ وريَّه ورَوْثَهُ، وبَوْلَهُ في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). شعب الإيمان للبيهقيِّ: (4/45) ورواهُ البخاريُّ في الصحيح عَنْ عَليٍّ بْنِ حَفْصٍ عَنِ عبدِ اللهِ ابْنِ المبارك.
وأخرجَ أَحمدُ، والنَسائيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عنْ أَبي ذَرٍّ الغفاريِّ ـ رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَبيِّ ـ صَلّى اللهُ عليه وسلّم، قال: ((ما مِنْ فَرَسٍ عَرَبيٍّ إلاَّ يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ سَحَرٍ بِدَعْوَتينِ، يَقولُ: اللَّهُمَّ كَما خَوَّلْتَني مَنْ خَوَّلْتَني مِنْ بَني آدمَ فاجْعَلْني مِنْ أَحَبِّ مالِهِ وأَهْلِهِ إلَيْهِ)).
وأَخْرَجَ أَبو عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أَصابَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، فَرَساً مِنْ جَدس، (وجديس حيِّ مِنَ اليَمَنِ واسمُ قبيلةٍ من قبائله انْقَرَضَتْ)، فأَعْطاهُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصارِ وقال: ((إذا نَزَلْتَ فأنْزِلْ قَريباً مِني فإنّي أُسارُّ إلى صَهيلِهِ))، ففَقَدَهُ لَيْلَةً فَسَأَلَ عَنْهُ فقال: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّا خَصَيْناهُ. فقالَ: ((مَثَّلْتَ بِهِ))، يَقولُها ثلاثاً، ((الخيلُ معقودٌ في نَواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامة، أَعْرافُها ادْفاؤها، وأَذْنابُها مَذابُّها، الْتَمِسوا نَسْلَها وباهُوا بِصَهيلِها المُشْركين)).
والرِّباطُ مِنَ الخَيلِ: الخَمْسُ فما فوقَها، وكان لِعُروَةَ البارِقِيِّ سَبْعونَ فَرَساً مُعَدَّة للجِهادِ. والمُسْتَحَبُّ مِنْها الإناثُ، قالَهُ عِكْرِمَةٌٌ وجماعَةٌ. وهو صَحيحٌ، فإنَّ الأنْثى بَطْنُها كَنْزٌ وظَهْرُها عِزٌّ. قالوا وفرَسُ جِبريلَ كانَ أُنْثى. وروى أئمَّةُ الحديثِ عَنْ أَبي هريرةَ ـ رَضيَ اللهُ عنْهم جميعاً، أَنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، قال: ((الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ؛ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذلِكمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ثَلاثًا)). السُنَنُ الكبرى للبَيْهَقيِّ: (10/15) ورواهً البُخارِيُّ في الصَحيحِ عَنِ القَعْنَبيِّ، وأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَم.
وأًجْوَدُ الخيلِ أَعْظَمُها أَجْراً وأَكثرُها نَفعاً. وقد سُئلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلَّم: أَيُّ الرِقابِ أَفضلُ؟ فقالَ: ((أَغْلاها ثمناً وأَنْفَسُها عندَ أَهْلِها). وروى النَسائيُّ عَنْ أَبي وَهْبٍ الجُشَمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((تَسَمّوا بأسماءِ الأنْبياءِ، وأَحَبُّ الأسماءِ إلى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، عبدُ اللهِ، وعَبْدُ الرَحمنِ، وارْتَبِطُوا الخيلَ وامْسَحُوا بِنَواصِيها وأَكْفالِها، وقَلِّدوها، ولا تُقَلِّدوها الأوتارَ، وعَليكم بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ محَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ محجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّل)).
ـ والأوتارُ: جمعُ وِتْرٍ (بالكسر) وهوَ الدَمُ. والمعنى: لا تَطْلُبوا عَلَيْها الأَوْتارَ التي وُتِرْتم بها في الجاهلَيَّة. وقيلَ: جمعُ وَتَرِ القَوْسِ فإنَّهم كانوا يُعلِّقونها بأَعْناقِ الدوابِّ لِدَفْعِ العَينِ.
ـ الكُمَيْتٌ، بالتصغير: هو الذي لونُه بَينَ السَوادِ والحُمْرَةِ يَسْتَوي فيه المُذكَّرُ والمؤنث.
ـ الأغرُّ: الذي في وجْهِهِ بَياضٌ.
ـ المُحَجَّلُ: الذي في قوائمِهِ بَياضٌ.
وعَنْ أَبي قَتادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، قال: ((خيرُ الخيلِ الأدْهِمُ، الأقرحُ، الأرثم، ثمَّ الأقرَحُ المُحَجَّلُ طَلْقُ اليَمينِ، فإنْ لم يَكُنْ أَدْهَم فكُمَيْتٍ على هذِهِ الشِيَةِ)). ورواهُ الدارِمِيُّ أيضاً عن أبي قَتادةَ ـ رضي اللهُ عنه، أَنَّ رَجُلاً قال: يا رَسولَ اللهِ، إنّي أُريدُ أَنْ أَشْتَرِيَ فَرَساً، فأَيّها أَشْتَري؟ قال: ((اشْتَرِ أَدْهَمَ أَرْثَمَ)).
ـ الأرثم: الذي أَنْفُهُ أَبْيَضٌ وَشَفَتُهُ العُليا بيضاء.
ـ الأقْرَح: هو ما كانَ في جَبْهَتِهِ قُرْحةٌ، وهي بياضٌ يَسيرٌ في وجْهِ الفَرَسِ دونَ الغِرِّةِ.
ـ محجَّلٌ طَلْقَ اليَدِ اليُمنى: أي أنَّه ليس في يَدِه اليُمْنى بَياضٌ.
ورويَ أنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، كان يَكْرَهُ الشِكالَ مِنَ الخَيْلِ. خَرَّجَهُ مسلم عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والشِكالُ: أَنْ يَكونَ الفَرَسُ في رِجْلِه اليُمنى بَياضٌ وفي يَدِهِ اليُسْرى، أَوْ في يَدِهِ اليُمنى ورِجْلِهِ اليُسْرى. ويُذْكَرُ أَنَّ الفَرَسَ الذي قُتِلَ عَلَيْهِ سيدُنا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، كانَ أَشْكَلَ.
وقد خُصَّ الخيلُ والرَمْيُ بالذِكْرِ مَعَ أَنَّ قولَهُ: "وأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ" كانَ كافِياً لأنَّ الخيلَ التي عُقِدَ الخيرُ في نواصِيها، لمَّا كانتْ أَصْلَ الحُروبِ وَأْوْزارَها أَيْ: أَثقالَها مِنْ آلةِ حَرْبٍ وسِلاحٍ وغيرِهِ. ولمّا كانتْ أَقْوَى القُوَّةِ وأَشَدَّ العُدَّةِ وحُصونَ الفُرسانِ، وبها يُجالُ في الميدان، فقد خَصها بالذكر تَشريفاً، وأَقْسَمَ بِغُبارِها تَكريماً. فقال في سورةِ العاديات: {والعاديات ضَبْحاً} الآية: 1.
ولمَا كانتِ السِهامُ مِنْ أَنْجَعِ ما يُتَعاطَى في الحُروبِ والنِكايَةِ في العَدُوِّ، وأَقربها تَناوُلاً للأرواحِ، فقد خَصَّها رسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بالذِكْرِ لها، والتَنْبيهِ عَلَيْها. ونَظيرُ هذا في التَنْزيلِ، قولُه في سورة البقرةِ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} الآية: 98. فخصَّ بالذكرِ جِبريلَ وميكالَ ـ عليهما السلامُ، مع أنّهما مَشْمُولين بِقولِه (ومَلائكته)، وقد نبِّه على هذا في موضِعِ هناك، لكن في الإعادة إفادة، ومِثْلُهُ كَثيرٌ.
وقد اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلماءِ المالكيَّةِ بهذِهِ الآيةِ على جَوازِ وَقْفِ الخَيلِ والسِلاحِ، واتخاذِ الخَزائنِ والخُزَّانِ لها عُدَّةً للأعْداءِ. وكَرِهَ أَبو حنيفةَ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، وقفَ الحيوانِ كالخيلِ والإبِلِ لأنَّه مِنْ شِعارِ الجاهِلِيَّةِ، وصحّحهُ الشافِعِيُّ ـ رَضيَ اللهُ عنه. لهذِهِ الآيةِ، ولحديثِ ابْنِ عُمَرَ في الفَرَسِ الذي حملَ عَلَيْهِ في سَبيلِ اللهِ وقولِهِ عَليْهِ الصلاةُ والسلامُ، في حقِّ خالدٍ: (وأَمَّا خالد فإنَّكم تَظلمونَ خالداً، فإنَّهُ قد احْتَبَسَ أَدْراعَهُوأَعْتاده في سبيلِ اللهِ)). الحديث متفقٌ عليه عن أبي هريرة. و أَعْتاده: آلات الحربِ مِنَ السِلاحِ والدَوابِّ وغيرِ ذلك. وما روي أن امرأة جعلت بعيراً في سبيل الله، فأَرادَ زَوْجُها الحَجَّ، فَسَأَلْتْ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فقالَ: ((ادْفعِيهِ إليهِ لِيَحُجَّ عَلَيْهِ فإنَّ الحَجَّ مِنْ سَبيلِ اللهِ)). ولأنَّهُ مالٌ يُنْتَفَعُ بِهِ في وَجْهِ قُرْبَةٍ، فجازَ أَنْ يُوقَفَ كالرِباعِ.
قولُهُ: {تُرْهِبونَ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكم} تخيفون به أعداءكم مِنَ يهودَ وقريشٍ وكُفَّارِ العَرَبَ. وإرْهابُ غيرِكَ جعلُهُ راهباً، أيْ خائفاً، فإنَّ العَدُوَّ إذَا عَلِمَ استِعدادَ عَدُوِّهِ لِقِتالِهِ خافَهُ، ولم يَجْرُؤْ عَلَيْهِ، فكانَ ذَلكَ أَمناً للمُسْلِمين مِنْ أَنْ يَغْزُوَهم أَعْداؤهم.
قولُه: {وآخرين من دونهم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} قال السُدِّيُّ: همُ الفُرْسُ والرُومُ. وقيل بأَنّهم قبائلُ مِنَ العَرَبِ كانوا يَنْتَظِرونَ ما تَنْكَشِفُ عَنْهُ عاقِبَةُ المُشْرِكينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ حَرْبِهم مَعَ المُسْلِمينَ، فقدْ كانَ ذلكَ دَأْبُ كَثيرٍ مِنَ القبائلِ كَما وَرَدَ في السِيرةِ، ولذلك ذُكِرَ "مِنْ دونِهم" بمعنى: مِنْ جِهاتٍ أُخْرى، لأَنَّ أَصْلَ "دون" أَنَّها للمَكانِ المُخالِفِ، وهذا أَوْلى مِنْ حَمْلِهِ على مُطْلَقِ المُغايَرَةِ التي هِيَ مِنْ إطلاقاتِ كَلِمَةِ "دون" لأَنَّ ذلك المعنى قَدْ أَغْنى عَنْهُ وَصْفُهم ب "آخرين". وقِيلَ: المُرادُ بِذلِكَ كُلُّ مَنْ لا تَعْرِفُ عَداوَتَهُ. وقيلَ الأَفْضَلُ أَلاَّ يُقالَ فيهم شَيْءٌ، لأَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ قالَ: "وآخرينَ مِنْ دُونِهم لا تَعْلَمونَهمُ اللهُ يَعْلَمُهم"، فكَيْفَ يَدَّعي أَحَدٌ عِلْماً بِهِمْ، إلاَّ أَنْ يَصِحَّ حَديثٌ جاءَ في ذلكَ عَنْ سِيِّدنا رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقيلَ: هُمُ الجِنُّ. أخذَ به الطبريُ، ورويَ عَنِ ابْنِ الْمَلِيكِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، فِي قَوْلِهِ: "وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ}، قَالَ: ((هَمُ الْجِنُّ))، وقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَخْبِلُ وَاحِدًا فِي دَارٍ فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ)). إتحافُ الخِيَرَةِ المَهَرَةِ، بِزَوائدِ المَسانِيدِ العَشَرَةِ لأَحمد بْنِ أَبي بَكْرٍ البُوصيري: (5/109). ومُسْنَدُ الحارِثِ، وذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَر العَسقلانيُّ في المَطالِبِ العَليَّةِ. والعتيق الجوادُ الأصيلُ الكريمُ، وإنَّما سُمِّيَ عَتيقاً لأَنَّهُ قدْ تَخَلَّصَ مِنَ الهَجانَةِ. ورُوِيَ: أَنَّ الجِنَّ لا تَقْرَبُ داراً فيها فَرَسٌ، وأَنَّها تَنْفُرُ مِنْ صَهيلِ الخيلِ.
قولُهُ: {وما تُنْفِقوا مِنْ شَيءٍفي سبيل اللهفي سبيل الله} أي: تتصدقوا به، أَوْ تُنْفِقوهُ على أنفُسِكُمْ أَوْ خَيْلِكم، فَسَبيلُ اللهِ هُوَ الجهادُ لإعلاءِ كَلِمَتِهِ.
قولُهُ: {يُوَفَّ إِليكم} في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها إلى سَبْعِمِئةِ ضِعْفٍ، إلى أَضْعافٍ كَثيرَةٍ. والتَوْفيةُ: أَداءُ الحقِّ كاملاً. جعل الله ذلك الإنفاق كالقَرْضِ لهُ سبحانه، وجعلَ على الإنْفاقِ جزاءٌ، فسَمَّي جَزاءَهُ تَوْفِيَةً على طريقةِ الاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وتَدُلُّ التَوْفِيَةُ على أَنَّهُ يَشْمَلُ الأَجْرَ في الدُنيا مَعَ أَجْرِ الآخرَةِ، وتكونُ التَوفِيَةُ على قَدْرِ الإنْفاقِ.
قولُهُ: {وأنتم لا تظلمونْ} الظُلمُ: هنا مُسْتَعْمَلٌ في النَقْصِ مِنَ الحَقِّ، لأنَّ نَقْصَ الحَقِّ ظُلْمٌ، وتَسْمِيةُ النَقْصِ مِنَ الحَقِّ ظُلْماً حقيقةٌ.
قولُهُ تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم مِنْ قوَّةٍ}الواوُ: عاطفةٌ و "أَعِدُّوا" فِعْلُ أَمْرٍ وفاعلُهُ، ومَفعولُهُ الاسْمُ المَوصولٌ "ما"، و "لهم" عائدٌ على الذين يُنْبَذُ إليهم العَهْدُ، أَوْ على الذين لا يُعجزون، على تأويلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذلك، أو على جميع الكُفَّارِ المأمور بحربِهم بحسْب ما تقدَّمَ من تأولٍ، و "مِنْ قُوَّةٍ" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بحالٍ مِنَ المَوْصُولِ. أو من العائدِ عليه، إذِ التَقديرُ ما استطعتُموهُ حالَ كونِهِ بَعضَ القُوَّةِ، ويجوزُ أَنْ تَكونَ "مِن" لِبيانِ الجِنْسِ. وجملةُ "أعدوا" عطفٌ على ما قبلَهَ.
قولُهُ: {ترهبونبِهِ عدوَّ اللهِ وعدوَّكم وآخرين} ترهبون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لآنّه من الأفعال الخمسة، وفاعلُه (أنتم)، و "بِهِ" جارٌّ ومجرورٌ يَعودُ إلى الإِعداد المأخوذ من قولِهِ "وَأََعِدُّواْ". و "عَدُوَّ" مفعولُ بهُ وهو مضافٌ و "اللهِ" مضافٌ إليه، وجملةُ: "ترهبون" في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ فاعلِ "أعدوا"، أيْ: حَصِّلوا لهم هذا حالَ كَوْنِكم مُرْهِبين، ويجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً مِنْ مَفْعولِهِ وهوَ الموصولُ، أيْ: أَعِدُّوهُ مُرْهَباً بِهِ، وجازَ نِسْبَتُهُ لِكُلٍّ مِنْهُا لأَنَّ في الجُمْلَةِ ضَميرَيْهِما، هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ مِنْ "به" على "ما" الموصولةِ. أَمَّا إذا أَعَدْناهُ على الإِعْدادِ المَدْلولِ عَلَيْهِ ب "أَعِدُّوا"، أَوْ على الرِّباطِ، أَوْ على القُوَّةِ بِتَأْويلِ الحَوْلِ فَلا يَتَأَتَّى مَجيئُها مِنَ الموصولِ. وقيلَ: يَجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً مِنْ الضَميرِ في "لهم"، وكيف يَصِحُّ جَعْلُه حالاً مِنَ الضميرِ في "لهم" ولا رابطَ بينَهُما؟ ولا يَصِحُّ تَقديرُ ضَميرٍ في جملةِ: "تُرْهبون" لأَخْذِهِ مَعمولاً له. و "وآخرين": اسْمٌ مَعْطوفٌ على "عدوَّكم"، والجارّ "من دونهم" مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل "آخرين". وجملة "لا تعلمونهم" نَعْتٌ ثانٍ ل "آخرين"، وجملة "الله يعلمهم" نعتٌ ثالثٌ.
وقوله: {وما تنفقوا من شيء} الواو مُسْتَأْنِفَةٌ، "ما" شَرْطِيَّةٌ مَفْعولٌ بِهِ، والفِعْلُ مجزومٌ، وعلامةُ جزمِه حذفُ النونِ لأنَّه من الأفعال الخمسةِ، و "من شيء" جارٌّ ومجرورٌ متعلق بِنَعْتٍ لـ "ما"، و "في سبيل" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل "شيء"، وجملةُ "وأنتم لا تظلمون" في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ الضَميرِ في "إليكم".
قرأ العامَّةُ: {تُرهبون} وقرَأَ الحَسَنُ ويَعقوبُ، ورَواها ابْنُ عَقيلٍ عنِ أَبي عَمرٍو "تُرَهِّبون" مُضَعَّفاً، فعدَّاهُ بالتَضعيفِ كما عدَّاهُ العامَّةُ بالهمزةِ حين جعلوا ماضيه "أَرْهَبَ"، والمفعولُ الثاني على كِلْتا القراءتين محذوفٌ لأنَّ الفعلَ قَبْلَ النَقْلِ بالهَمْزةِ أوِ بالتَضْعيفِ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ نحو: رَهَّبْتُ كذا، أو رهِبتُ فلاناً، والتَقديرُ: تُرَهِّبونَ عَدُوَّ اللهِ قِتالَكمْ أَوْ لِقاءَكم. وقالَ أَبو حاتمٍ أَنَّ أَبا عَمْرٍو نَقَلَ قراءةَ الحَسَنِ بِياءِ الغَيْبَةِ وتخفيفِ "يُرْهبون" وهي قراءةٌ واضِحَةٌ، فإنَّ الضَميرَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلى مَنْ يَرْجِعُ إليْهِ ضَميرُ "لهم"، فإنَّهم إذا خافوا خَوَّفوا مَنْ وَراءَهُم.
وقرأ العامَّةُ: {ومِنْ رِباطِ الخيلِِ}، وقرأَ الحسنُ، وأَبو حَيَوَةَ، ومالكُ بْنُ دينارٍ "ومِنْ رُبُطِ" بِضَمَّتَينِ، ورويَ عنِ الحَسَنِ أَيْضاً أنَّه قرأ "رُبْط" بِضَمٍّ وسُكونٍ، وذلك نحو كتابٍ وكُتُبٍ.
وقرأَ العامَّةُ: {عَدْوَّ الله} بالإِضافَةِ، وقَرَأَهُ السُلَميُّ "عدوّاً" مُنَوَّناً، و "لله" بلامِ الجَرِّ، وهُوَ مُفرَدٌ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ فمَعناهُ أَعْداءٌ لله. قالوا: وإنَّما جَعَله نكرةً بمعنى العامَّة، لأنَّها نَكِرَةٌ أَيْضاً لمْ تَتَعرَّفْ بالإِضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسْم َالفاعِلِ بمَعنى الحالِ أَوِ الاسْتِقْبالِ، ولا يَتَعَرَّفُ ذلك وإنْ أُضيفَ إلى المعارِفِ، أَمَّا "وعدوَّكم" فيَجوزُ أَنْ يَكونَ كذلكَ نَكِرَةً، ويجوزُ أَنْ يَتَعَرَّفَ لأنَّهُ قَدْ أُعيدَ ذِكْرُهُ، ومثلُه: رأيتُ صاحِباً لَكم، فقالَ لي صاحبُكم. يَعني أَنَّ "عدوَّاً" يجوزُ أَنْ يُلْمَحَ فيه الوَصْفُ فلا يَتَعَرَّفُ وأَنْ لا يُلْمَحَ فيَتَعَرَّفَ.
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(61)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} وَإِذَا مالَ الأَعْدَاءُ إِلَى السَّلْمِ، وَمَالُوا إلَى المُهَادَنَةِ وَالمُصَالَحَةِ، فَمِلْ أَنْتَ إِليها، وَاقْبلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، لأنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ غَرَضاً مَقْصُوداً لِذَاتِهِ عِنْدَكَ، وَإِنَّمَا تَقْصِدُ بِهَا أَنْتَ دَفْعَ خَطَرِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، وَلأَنَّكَ أَوْلَى بِالسِّلْمِ مِنْهُمْ،
قولُه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} وَفَوِّضِ الأَمْرَ للهِ، وَلاَ تَخَفْ غَدْرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ، ولا تخَشى مِنْهم أَنْ يَكونُوا قد أَبْطَنُوا لك خِداعاً؛ فإنَّ اللهَ تعالى، يَعْصِمُكَ مِنْ شرورِهِم وكيدِهم وأَذاهُم. وَلِذَلِكَ قَبِلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، من مشركي مكَّةَ الصُّلْحَ فِي الحُدَيْبِيَةِ لَمَّا طَلَبَهُ المُشْرِكُونَ، كما هو معلوم.
وأَخْرَجَ أَبو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عن ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُما أنَّه قالَ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليومِ الآخرِ}. إلى قولِهِ: {صاغرون} الآية: 29.
وأَخرَجَ أَبُو الشَيْخِ عَنِ السِدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" قال: نَزَلَتْ في بَني قُريْظَةَ، نَسَخَتْها {فلا تَهِنوا وتَدْعوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم} سورةُ محمد، الآية: 35.
وأَخْرَجَ الطَبرِيُّفي تَفْسيرِهِ عنْ قَتادَةَ، قولَهُ: "وإنْ جَنَحوا للسَّلْمِ"، إلى الصلح "فاجنح لها"، قال: وكانتْ هذِهِ قبلَ سورة "براءة"، وكان نَبيُّ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُوادِعُ القَوْمَ إلى أَجَلٍ، فإمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وإمَّا أَنْ يُقاتِلَهم، ثمَّ نَسَخَ ذلك بعدَ ذلك في سورةِ "براءة" فقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}، وقال: {قاتلوا المشركين كافَّةً}، الآية: 36. ونَبَذَ إلى كلِّ ذي عَهْدٍ عَهدَهُ، وأَمَرَهُ بِقِتالهم حتى يَقولوا (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) ويُسْلِموا، وأَنْ لا يَقْبَلَ مِنْهم إلاَّ ذلك. وكُلُّ عَهْدٍ كانَ في هَذِهِ السُورَةِ وفي غيرِها، وكُلُّ صُلْحٍ يُصالحُ بِهِ المُسْلِمونَ المُشْرِكينَ يَتَوادَعون بِهِ، فإنَّ سورة "بَراءَة" جاءتْ بِنَسْخِ ذَلِكَ، فأُمِرَ بِقِتالهم على كُلِّ حالٍ حتى يَقولوا: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ).
وأخرج عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ قالا: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"، نَسَخَتْها الآيةُ التي في سورة "براءة" قولُه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ}، إلى قولِهِ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} سورة التوبة: 29.
ثمَّ قال (الطبريُّ): فأمَّا ما قالَهُ قَتادَةُ ومَنْ قالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، مِنْ أَنَّ هذِهِ الآيةَ مَنْسوخَةٌ، فقولٌ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ مِنْ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا فِطْرَةِ عَقْلٍ. وقد دَلَّلْنا في غَيرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتابِنا هَذا وغَيرِهِ عَلى أَنَّ الناسِخَ لا يَكونُ إلاَّ ما نَفَى حُكْمَ المَنسوخِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فأَمَّا ما كان بخِلافِ ذلك، فغيرُ كائنٍ ناسخاً. وقولُ اللهِ في (بَراءة): {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}، غيرُ نافٍ حُكْمُهُ حُكْمَ قولِهِ. "وإِنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فاجْنَحْ لها"، لأَنَّ قولَهُ: "وإِنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ)، إنَّما عُنيَ بِهِ بَنُو قُرَيِظَةَ، وكانوا يَهودًا أَهْلَ كتابٍ، وقدْ أَذِنَ اللهُ ـ جَلَّ ثناؤهُ للمُؤمنينَ بِصُلْحِ أَهْلِ الكِتابِ ومُتارَكَتِهِمُ الحَرْبَ على أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنْهم. وأَمَّا قولُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فإنَّما عُنيَ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثان، الذين لا يَجوزُ قَبولُ الجِزْيَةِ مِنْهم. فليسَ في إِحْدَىالآيَتَيْنِ نَفْيُ حُكْمِ الأُخْرى، بَلْ كُلُّ واحدَةٍ مِنْهُما مُحْكَمَةٌ فيما أُنْزِلَتْ فيه.
وقد صالَحَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلمَّ، كثيراً مِنْ أَهْلِ البِلادِ على مالٍ يُؤَدّونَهُ، مِنْ ذلكَ خَيبرُ، رَدَّ أَهْلَها إلَيْها بَعْدَ الغَلَبَةِ على أَنْ يَعْمَلوا ويُؤَدّوا النِصْفَ.
وكذلكَ صالحَ أَصْحابُ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ومَنْ بعدَهُ مِنَ الأَئِمَّةِ كَثيراً مِنْ بِلادِ العَجَمِ، على ما أَخَذوهُ مِنْهمْ، وتَرَكوهم على ما هُمْ فيهِ، وهُمْ قادِرونَ على اسْتِئْصالِهم.
واختلف العلماءُ في المدَّةِ التي كانتْ بين رَسولِ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبينَ أَهْلِ مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فقالَ عُرْوَةُ: كانَتْ أَرْبَعَ سِنين. وقالَ ابْنُ جُريْجٍ: كانتْ ثلاثَ سِنينَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانتْ عَشْرَ سِنينَ. وقال الشافعيُّ ـ رضيَ اللهُ عنهم أجمعين: لا تجوزُ مُهادَنَةُ المُشركين أَكثرَ مِنْ عَشْرِ سِنينَ، على ما فعلَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم، عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فإنْ هُودِنَ المشركون أَكثرَ مِنْ ذلك فهيَ مُنْتَقَضَةٌ، لأنَّ الأصلَ فَرْضُ قِتالِ المشركين حتى يُؤمِنوا، أَوْ يُعْطُوا الجِزيَةَ. ونَقلَ ابْنُ حبيبٍ عَنْ مالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه: تَجوزُ مُهادَنَةُ المُشْرِكينَ السَنَةَ والسَنَتَينِ والثلاثَ، وإلى غيرِ مُدَّةٍ. وقال المُهَلَّبُ: إنَّما قاضاهمُ النَبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ، هذه القضيَّةَ التي ظاهرُها الوَهْنُ على المسلمين، لِسَبَبِ حَبْسِ اللهِ ناقةَ رَسولِهِ عَنْ مَكَّةَ، حين توجَّهَ إليها فبركَتْ. وقال: ((حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ)). على ما خَرَّجَهُ البُخارِيُّ مِنْ حديثِ المُسَوِّرِ بْنِ مخْرَمةَ. ودَلَّ على جَوازِ صُلْحِ المُشركينَ ومُهادَنَتِهم دونَ مالٍ يُؤْخَذُ مِنهُم، إذا رَأَى الإمامُ ذَلكَ وَجْهاً. ويجوزُ عِنْدَ الحاجَةِ للمُسْلِمينَ عَقْدُ الصُلْحِ بمالٍ يَبْذُلونَهُ للعَدُوِّ، لِمُوادَعَةِ النبيَّ ـ صَلّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، عُيَيْنَةَ بْنِ حُصْنٍ الفِزارِيِّ، والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ المُرِّيِّ يومَ الأَحْزابِ، على أَنْ يُعْطِيَهُما ثُلُثَ ثَمَرِ المَدينةِ، ويَنْصَرِفا بِمَنْ مَعَهُما مِنْ غَطَفانَ ويَخْذُلا قُرَيْشاً، ويَرْجِعا بِقومِهِما عَنْهم. وكانَتْ هذِه المَقالَةُ مُراوَضَةً، ولم تَكُنْ عَقْداً. فلمَّا رَأَى رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، مِنْهُما أَنَّهُما قد أَنابا ورَضِيا اسْتَشارَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ ـ رضي اللهُ عنهُما، فقالا: يا رَسُولَ اللهِ، هذا أَمْرٌ تُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ لَكَ، أَوْ شيءٌ أَمَرَكَ اللهُ بِهِ فَنَسْمَعُ لَهُ ونُطيعُ، أَوْ أَمْرٌ تَصْنَعُهُ لَنا؟ فَقالَ: ((بَلْ أَمْرٌ أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة" ، فقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللهِ، واللهِ قَدْ كُنَّا نحنُ وهؤلاءِ القومِ على الشِرْكَِ وعِبادَةِ الأَوْثانِ، لا نَعْبُدُ اللهَ ولا نَعْرِفُهُ، وما طَمِعوا قَطُّ أَنْ يَنالوا مِنَّا ثَمَرَةً، إلاَّ شِراءً أَوْ قِرىً، فحينَ أَكْرَمَنا اللهُ بالإسْلامِ، وهَدانا لَهُ وأَعَزَّنا بِكَ، نُعْطيهم أَمْوالَنا! واللهِ لا نُعْطيهم إلاَّ السَيْفَ، حتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وبَيْنَهم. فَسُرَّ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، بِذَلكَ وقالَ: ((أَنْتُمْ وذاك)). وقالَ لِعُيَيْنَةَ والحارِثِ: ((انْصَرِفا فَلَيْسَ لَكُما عِنْدَنا إلاَّ السَيْفَ". وتَناوَلَ سَعْدٌ الصَحيفةَ، وليسَ فيها شَهادَةُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ فَمَحاها.
قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أيْ: إِنَّهُ ـ جَلَّ شأنُهُ، "هُوَ السميعُ" فيَسْمَعُ ما يقولون في خَلَواتِهم مِنْ مَقالاتِ الخِداعِ، و "العليم" فيَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، ويَطَّلِعُ على نِيَّاتِهم فلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ مِنَ كَيْدٍ وَمكرٍ وخِدَاعٍ، وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْكَ. فسَيُؤاخِذُهم بما يفعلون، ويجازيهم بما يَسْتَحِقُّونَ، ويَرُدُّ كَيْدَهم في نُحْورِهِمْ.
قولُهُ تعالى: {وَإِن جَنَحُواْللسَّلْمِ} للسِّلْمِ: مُتَعَلِّقٌ بِ "جََنََحُوا" فقيلَ: يَتَعدَّى بها وبِ "إلى". وقيلَ: هيَ هُنا بمعنى إلى.
والجُنوحُ في اللُّغةِ: المَيْلُ، وهو مِنْ جَنَحَ يَجْنَحُ، (مثلثةُ النونِ بِفَتْحِها وضَمِّها وكَسْرِها) جُنوحاً. ويُعَدَّى بِ "إلى" و باللاّمِ، وجَنَحَتِ الإِبلُ: إذا أَمالَتْ أَعْناقَها، قالَ الشاعِرُ ذُو الرُّمَّةِ:
إذا ماتَ فوقَ الرَّحْلِ أَحْيَيْتُ رُوحَهُ ... بِذِكْراكِ والعِيسُ المََراسِيلُ جُنَّحُ
ويُقالُ: جَنَحَ الليلُ: أيْ: أَقْبَلَ. وقالَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: جَنَحَ الرَجُلُ إلى فُلانٍ ولِفُلان: إذا خَضَعَ لَهُ. وجَنَحَ الطائرُ جُنُوحاً: أَيْ كَسَرَ مِنْ جَناحَيْهِ ثمَّ أَقبَلَ كالواقِعِ اللاَّجِئِ إلى مَوْضِعٍ. وجَنَحَ الرَجُلُ يَجْنَحُ: إذا أَقبَلَ على الشَيءِ يَعْمَلُهُ بِيَدَيْهِ، وقدْ جَنَحَ إليْهِ صَدْرَهُ, قالَ الشاعرُ لَبيدُ بْنُ ربيعةَ العامريُّ ـ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، يَصِفُ ثَوْراً مُكِبًّا على تَحْرِيكِ رَأْسِهِ:
جُنُوحَ الهالِكِيِّ على يَدَيْهِ ................... مُكِبّاً يَجْتَلي نُقَبَ النِّصالِ
الهالِكِيُّ: الصَّيْقَلُ؛ الذي يَصْقلُ النِصالَ، والنُّقَبُ: الصَّدَأُ، والبيتُ مِنْ قَصيدةٍ لَلبيدٍ مَطْلِعُها:
ألَمْ تُلْمِمْ على الدِّمَنِ الخَوالي ................ لسلْمَى بالمذانِبِ فالقفالِ
ومنها:
تحمّلَ أهلُها إلاَّ عراراً ........................ وعزفاً بعدَ أحيْاءٍ حلالِ
تحمَّلَ أهلُها وأجدَّ فيها .................. نعاجُ الصَّيْفِ أخبية َ الظِّلالِ
وقفْتُ بهنَّ حتى قالَ صحبي: ............. جَزِعْتَ وَلَيسَ ذلِكَ بالنَّوَالِ
وكنتُ إذا الهُمومُ تحضَّرتني ................ وضَنَّتْ خُلَّة ٌ بَعْدَ الوِصَالِ
صَرَمْتُ حِبالَها وصدَدْتُ عَنْها .............. بِناجية ٍ تَجِلُّ عنِ الكَلالِ
وقد نسبَهُ بعضُهم للكُمَيْتِ الأَسَدِيِّ لكنَّ لبيداً به أَوْلى فهو إلى نَسيجِهِ أَقْرَبُ. والجُنوحُ: الاتِّباع أيضاً لتضمُّن الميلِ، قال النابغةُ يَصِفُ طَيْراً يَتْبَعُ الجيشَ:
جَوانحَ قد أيقَنَّ أنَّ قبيلَه ............. إذا ما التقى الجمعانِ أولُ غالبِ
ومِنْهُ "الجَوانِحُ" للأَضْلاعِ لِمَيْلِها على حَشْوةِ الشَخْصِ، والجَناحُ مِنْ ذلكَ، لِمَيَلانِهِ على الطائرِ. ورَوى أَبو صالحٍ السَّمَّانُ عَنْ أَبي هُريرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، أَمَرَ بالتَّجَنُّحِ في الصَلاةِ، فَشَكا ناسٌ إِليهِ الضَّعْفَةَ فأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعينوا بالرُّكَبِ. وفي روايةٍ: شَكا أَصحابُ رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، الاعْتِمادَ في السُجودِ، فَرَخَّصَ لهم أَنْ يَسْتَعينوا بمَرافِقِهم على رُكَبهم، قالَ شَمِرُ بْنُ حمدَوَيْهِ: التَّجَنُّحُ والاجْتِناحُ كأَنَّه الاعْتِمادُ في السُجودِ على الكَفَّيْنِ، والادِّعامُ على الراحتَيْنِ، وتَرْكُ الافْتِراشِ للذِراعَيْنِ، قالَ ابْنُ الأَثيرِ: هُوَ أَنْ يَرْفَعَ ساعِدَيْهِ في السُجودِ عَنِ الأَرْضِ ولا يَفْتَرِشُهُما، ويجافيهِما عَنْ جانِبَيْهِ ويَعْتَمِدُ على كَفَّيْهِ فيَصيرَانِ لَهُ مثلَ جَناحَيِ الطائرِ. وقد تَقدَّم الكلامُ على شيءٍ مِنْ هذِهِ المادَّةِ وعلى "السَّلْمِ" و "السِّلْمِ" في البَقَرَةِ.
قولُه: {فاجنح لها} والضَميرُ في "لها" يَعودُ عَلى "السَّلْمِ" لأنَّها تُذكَّرُ وتُؤنَّثُ. ومِنَ تَأْنيثِها قولُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
السِّلْمُ تأخذُ منها ما رَضِيْتَ بِهِ .... والحربُ يَكْفيكَ مِنْ أَنْفاسِها جُرَعُ
وقالَ عَبْدُ الجبَّارِ ابْنُ حَمْديسَ الصَقَلّي:
وأَقْنَيْتُ للحَرْبِ آلاتِها ..................... وأَعْدَدْتُ للسِّلْم أَوْزارَها
قرأ العامَّةُ: {للسَّلْم} بفتحِ السينِ وشَدّها، وقرأَ أَبو بَكْرٍ بْنُ الأَنْبارِيِّ عَنْ عاصِمٍ، هُنا بِكَسْرِ السِينِ، وكَذا في القِتالِ: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} سورةِ محمَّدٍ، الآية: 35. وافقهُ حمزةُ على ما في القتالِ. وقَرَأَ عاصِمٌ في رِوايَة بَكْرٍ "للسِّلْمِ" بِكَسْرِها وشَدِّها، وهما لُغتانِ فيها.
وقرأ العامَّةُ: {فاجْنَحْ} بفتحِ النونِ، وقَرَأَ الأَشْهَبُ العَقيليُّ "فاجْنُحْ" بِضَمِّها، وهيَ لُغَةُ قَيْسٍ، والفَتْحُ لُغَةُ تميمٍ. قال أبو الفتحُ وهذِهِ القراءةُ هي القياسُ، لأنَّ "فَعَلَ" إذا كان غيرَ مُتَعَدٍّ فَمُسْتَقْبَلُهُ: "يَفعُلُ" بِضمِّ العينِ أَقْيَسُ: ك "قَعَدَ يَقْعُدُ" أَقْيَسُ مِنْ جَلَسَ يَجْلِسُ.
وَإِنْيُرِيدُواأَنْيَخْدَعُوكَفَإِنَّحَسْبَكَاللهُ هُوَالَّذِيأَيَّدَكَبِنَصْرِهِوَبِالْمُؤْمِنِينَ
(62)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَإِنْيُرِيدُواأَنْيَخْدَعُوكَفَإِنَّحَسْبَكَالله ُ}وَإِنْيُرِدِالكَافِرُونَ،بِجُنُوحِهِمْلِلسِّلْمِ ،خِيَانَتَكَوَخِدَاعَكَ،وَالمَكْرَبِكَ،وَانْتِظَار َالفُرْصَةِوَالغِرَّةِلِلْغَدْرِبِكَ،أَوِاغْتِنَام ِحَالَةِالسِّلْمِلِلاسْتِعْدَادِلِلْحَرْبِحِينَمَا تَسْنَحُلَهُمُالفُرْصَةُالمُوَاتِيَةُ،فَإِنَّاللهَ كَافِيكَأَمْرَهُمْفِيدَفْعِخَدِيعَتِهِمْ،وَنَاصِرُ كَعَلَيْهِمْ.فاجْنَحْإلى السِلْمِ وماعليكَمِنْنِيَّاتِهمُالفاسِدةِ،فإنَّحَسْبُكَالله ُ،وهوكافيكَومُعْطيكَنُصْرًةعليهم وإظْهاراً.وهذاوَعْدٌمحضٌمنه تعالى لنبيِّه ـ صلى الله عليه وسلَّم. لكنْ طالما أنهم طلبوا الصلحَ فعليكم أن تستجيبوا لهذا الطلبِ لأنَّ الغاية التي سعى إليها دين الرحمة إحلالُ السلمِ محلَّ القتل والعدل مكان الظلم والهدى مكان الضلالِ، فعليكم أن تَأْخذوا بما بدر منهم أَمّا إذا كانوا يبطنون غير ذلك فلسوف يتولَّى اللهُ أمرهم وينصركم عليهم، قال تعالى في سورة فاطر: {وَلايَحِيقُالْمَكْرُالسَّيِّئُإِلاَّبِأَهْلِه} الآية: 43. وعليكم الالتزامُ بالعَهْدِ إلى مُدَّتهِ طالما هُمْ مُلتَزِمونَ بِهِ. وهذاالأَصْلُ،وهُوَأََخْذُالناسِبِظَواهِرِهِمْ،شُعْ بَةٌمِنْشُعَبِدِينِالإسلامِ،قالَتعالى في سورة التوبة: {فَأَتِمُّواإِلَيْهِمْعَهْدَهُمْإِلَىمُدَّتِهِمْإِ نَّاللهَيُحِبُّالْمُتَّقِينَ} الآية: 4.وفيالحديثالذي أَخْرَجَهُالبُخاريُّ،ومُسْلِمٌ،والترمذيُّ،والنَسائ يُّعَنْأَبيهُريرَةَـ رَضيَ اللهُ عنه، عنِالنَبيِّـ صَلَّىاللهُعليْهِوسَلَّمَ،قال(آيةُالمُنافِقُثلاث ٌ:إذاحَدَّثَكَذَبَ،وإذاوَعَدَأَخْلَفَ،وإذاائْتُمِن َخانَ)). ومِنْأَحْكامِِالجهادِعِنْدالمُسْلِمينأنْلايُخْفَرَ للعدوِّبِعَهْدٍ".
قولُه: {هُوَالَّذِيأَيَّدَكَبِنَصْرِهِوَبِالْمُؤْمِنِينَ} أيّدكَ بِنَصْرِهِ؛تحقيقاً،وبالمؤمنين؛تشريفاً،أوأيَّدك بِنَصْرِهِقُدْرَةً،وبالمؤمنينحكمةً،والقُدْرَةُوالح ِكْمَةُمِنْهُوإليْه،وَمِنْدَلاَئِلِعِنَايَتِهِتعال ى بِكَأَنَّهُأَيَّدَكَبِالمُؤْمِنِينَوَنَصَرَكَ. فلادَليلَعَليْهللمُعْتَزِلَةِالذيننَسَبُواالفِعلَل لعبدِ،وقالوا: العَطْفُيَقتَضيالمُغايَرَةَ.
أخرجابْنُمردويْهِعَنِالنُعمانِبْنِبَشيرٍـ رَضِيَاللهُعنْه،فيقولِهِ تعالى:"هوالذيأيدكبنصرهوبالمؤمنين"الآية،قال: نَزَلَتْفيالأَنْصارِ. وأَخرجَ أيضاً عَنِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثلَهُ، وكذلك فقد أَخْرجَ ابْنُ أبي حاتمٍ عَنِ السُدِّيِّ ـ رضي اللهُ عنه، أَنَّهمُ الأَنْصارُ. وأَخْرَجَ ابْنُ عَساكِر عن أبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عنه، أنّه عليٌّ بنُ أبي طالب ـ رضي اللهُ عنه، لكنَّ الآيةَ جاءتْ بالجَمْعِ: "المؤمنين" لذلك فإنَّ المقصودَ همُ الأنصارُ بقرينةِقولِهِ بعدها: {وأَلَّفَبينقُلوبِهم} الآية.وهذِهِإِشارةٌإلىالعَداوةِالتيكانتْبينَالأَوْ سِوالخَزْرَجِفيحُروبِبُعاثَفأَلَّفَاللهُتَعالىقلوب َهمعلىالإسْلامِ،ورَدَّهممُتَحابِّينَفيالله.وذُكِرت ْهذهالنِعْمَةُتَأْنيساًلقلبِ محمَّدٍـ صلىاللهعليهوسلّم،أيْ:كمالَطَفَبِكَرَبُّكَأَوَّلاًف كذلكيَفْعَلُآخراً.فإنَّ الأقربَ للصَوابِ أَنَّهمُ الأنصارُ، وهذا ما يقتضيه السياقُ. ثمَّ إنَّ الصَحابةُ جميعاً ـ رضوانُ الله عليهم، كانوا أَنْصاراً لِرَسُولِ اللهِ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، ولهذا الدين الحنيف، وهم جميعاً زَادوا عنه وحموا بيضتَه ونشروه في أصقاع الدنيا. والأرجح أنّهم جميعاً مشمولونَ بهذه الآيةِِ، لقولِابْنِمَسْعودٍـ رضيَ اللهُ عنه: نَزَلَتْهَذِهِالآيةُفيالمُتَحابِّينَفياللهِإذاتَرا ءىالمُتحابّانِفَتَصافَحاوتَضاحَكاتحاتَتْخَطاياهما، فقالَلَهُعَبْدَةُبْنُأَبيلُبابَةَإنَّهذالَيَسيرٌ،ف قالَلَهُلاتَقُلْذلكفإنَّاللهَيَقولُ{لوأَنْفَقْتَما فيالأرضِجميعاًماأَلَّفتَبينقُلوبِهم} قالَعَبْدَةُ: فعَرَفْتُأَنَّهُأَفْقَهُمَِنّي.وهذاكُلُّهُمن التمَثُّلِالحَسَنِبالآيةِلاأَنَّهانَزَلَتْفيذلك.فا لذهابُإلىعُمومِالمؤمنينفيالمهاجرينوالأنصارِ،وجعلُا لتآلُفِبين القلوبِ ماكانَبينَهمجميعاًمِنَالتَوادّ، فتَكونُأُلْفَةُالأَوْسِوالخَزْرَجِجُزْءًمِنْذلكَله ما يسوِّغُهُ،وكلُّتآلُفٍفياللهِتابعٌلذلكَالتَأْليفِال ذيحصلَ فيصَدْرِالإسْلام،وقدرَوَىسَهْلُبْنُسَعْدٍـ رضي اللهُ عنه، عَنِالنَبيِّـ صَلّىاللهُعليهوسَلَّمَ،أنَّهُقال: ((المُؤْمِنُمَأْلَفَةٌ،لاخَيرَفيمَنْلايَأْلَفُولاي ُؤْلَفُ)). أخرجه الطبرانيُّ.
وقالالنَقَّاشُ: نَزَلَتْهذِهِالآيةُبالبَيْداءِفيغَزْوَةِبَدْرٍقبلَ القتالِ،وحُكِيَعَنِابْنِعَبَّاسٍ وغيرُهُ أنَّهانَزَلَتْفيالأَوْسِوالخَزْرَجِخاصَّةً، كما تقّدَّمَ،
وقالَابْنُ عُمَرَ وأَنَسٌ: إنَّهانَزَلَتْحينأَسْلَمَعُمَرُـ رضي الله عنهم أجمعين، وكَمُلَالمُسْلِمونَأَرْبعين،فهيعلىهذامَكِيَّةٌ، واللهُ أَعْلم.
قولُهُ تعالى: {وإنيُريدواأن يخدعوك} يُريدوا: الواوُ ضَميرُ رفعٍ متَّصلٌ دالٌّ على الجَماعَةِفي محلِّ رفعِ فاعلٍ، وهو عائدٌعلىالكُفَّارِالذينَقِيلَفيهم: {وإنْجَنَحوا} الآية: 61.السابقة. وعُدِّيَفعلُ"يَخْدَعُوكَ"إلىضَميرِالنَبيِّـ صَلَّىاللهُ عليه وسلَّم،باعْتِبارِكَوْنِهِوليَأَمْرِالمُسلمين.
قولُهُ: {فَإِنَّحَسْبَكَالله} حَسْبُ:صِفَةٌمُشَبَّهَةٌبمعنىاسْمِالفاعِلِ، أي:حاسبُكَ، أيْ: كافيك، والكافُفيمحلِّجَرٍّمُضافٍ إليه، كمانَصَّعَليْهِغيرُواحدٍقالجريرٌ:
إنّيوَجَدْتُمِنَالمَكارِمِحَسْبَكُمْ ......أَنْتَلْبَسواحُرَّالثِيابِوتَشْبَعوا
وقال لبيد:
إذاكانتِالهيجاءُوانشَقَّتِالعَصا....فَحَسْبُكَوالض حاكُسيفٌمُهَنَّد
انْشَقَّتِالعَصابينالقومِأَيْ: وَقَعَالخلافُ بينهم.
وقالالزجاج: إنَّهُاسْمُفِعْلٍبمَعنىكَفَاكَوالكافُفيمحلِّنَصْبٍ ،وخطأَهُفيهأَبوحيّانَالأندلُسيُّ لِدُخولِالعَوامِلِعليْهِوإعْرابِهِفينحوِ:بِحَسْبِك َدِرْهَمٌ.ولايَكونُاسْمُفِعْلٍهَكَذا.
قولُهُ:{هو الذىأَيَّدَكَبِنَصْرِهِ} استئنافٌمَسُوقٌلِتَعْليلِكِفايَتِهِتَعالىإيَّاهُـ صلَّىاللهُعليهوسلَّم.
وقوله: {وَبِالْمُؤْمِنِينَ} عَطْفٌعلى"بِنَصْرِهِ"وأُعيدَحرفُالجَرِّبعدَواوِالع َطْفِلِدَفْعِتَوَهُّمِأَنْيَكونَمَعْطوفاًعلىاسْمِا لجَلالةِفيُوهِمَأَنَّالمَعنى:ونَصَرَالمُؤمنينَ،مَع َأَنَّالمَقصودَأَنَّوُجودَالمُؤمنينَتَأْييدٌمِنَال لهِلِرَسُولِهِ.
وَأَلَّفَبَيْنَقُلُوبِهِمْلَوْأَنْفَقْتَمَافِيالأَ رْضِجَمِيعًامَاأَلَّفْتَبَيْنَقُلُوبِهِمْوَلَكِنَّ اللهَأَلَّفَبَيْنَهُمْإِنَّهُعَزِيزٌحَكِيمٌ
(63)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَأَلَّفَبَيْنَقُلُوبِهِمْ} هي نِعْمَةٌ عظيمةٌ أُخْرى يَمْتَنُّ اللهُ بها على عِبادِهِ المؤمنين، ببرَكَةِ هذا الرسولِ الكريمِ ـ صلى الله عليه وسَلّمَ، أنْ ألَّفَ بهذا الدين بين قلوبِ أَتْباعِهِ مَعَماجُبِلواعَلَيْهِـ كَسائِرِالعَرَبِ،مِنَالحَمِيَّةِوالعَصَبِيَّةِوالا نْطِواءِعَلىالضَغِينَةِوالتَهالُكِعلىالثَأْرِ والانْتقامِبحيْثُلايَكادُيَأْتَلِفُفيهمقَلْبانِ،فل انت قلوبهم ورقَّتْ نفوسهم، ولَطُفَتْ طباعُهم، حتىصاروابِتَوفيقِ اللهِتعالىكَنَفْسٍواحدَةٍ.وقد: كانَبينالأَنصارُمِنْأَوْسٍوخزْرَجٍمِنَالحُروبِماأَ هْلَكَساداتِهم،ودَقَّجَماجِمَهم،ولميَكُنْلِبَغْضائ ِهمأَمَدٌ،وكان بينهمتجاورٌ يُهَيِّجُالضَغائِنَ،ويُديمُالعداوةَ،ويحفزُ على الثارات ويؤجج نارَها، فأَنْساهُمُاللهُتَعالىماكانبَيْنَهمفاجتمعواعلىطاعة ِاللهِ ورسولِه، حتى صارواأنْصاراًللهِ والرسولِ وأصبحواأعواناًعلى الحقِّ، وكلُّذلكبِلَطيفِصُنْعِهِـ سبحانَه وتعالى،وبَليغِحكمتِهِ وعظيمِ قُدْرَتِهِ. وإنَّ ماحَلَّمِنْ أُلْفَةٍ بينَالأَنْصارِ ـ رضوانُ الله عليهم، من تأْليفٍلَهُوَمن أَبهَرِمعجزاتِالنبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليهوسَلَّمَ،لِتَناهيعداوتِهِمْوقُوَّةِأَسْبابها.ل كنَّهُ ـ سبحانَهُ وتعالى، إذا أرادَ شيئاً لم يَسْتَعْصِ عليه، {وَإِذَاقَضَىأَمْرًافَإِنَّمَايَقُولُلَهُكُنْفَيَك ُونُ} سورةُ البَقَرَةِ: 117. وقالقْيسُ بْنُ المُلَوَّحِ:
وَقَديجمعُاللهُالشَتيتَيْنِبعدما............. يَظُنانِكُلَّالظَنِّألاَّتَلاقِيا
قولُهُ: {لَوْأَنْفَقْتَمَافِيالأَرْضِجَمِيعًامَاأَلَّفْتَب َيْنَقُلُوبِهِمْوَلَكِنَّاللهَأَلَّفَبَيْنَهُمْ} يَقولُتَعالىذِكرُهُ،لِنَبِيِّهِمحمَّدٍـ صلَّىاللهُعليهوسلَّم: لوأَنْفَقْتَ،مافيالأَرْضِجميعاًمِنْذَهَبٍووَرِقٍوع َرَضٍ ومتاعٍ،ماجمعتَبذلك بينقلوبهم،ولكنَّاللهَجمعَهاعلىالهُدَىفأْتَلَفَتْوت حابَّتْ، وكذلكمُخْتَلِفُالقبائلِالعَرَبيَّةِ،فأصبحوامؤتلفين َ مُلتفّينحولَكمجتمعين،باذلينأموالَهموأرواحَهمفيسَبي لِنَشْرِ دَعْوتِك وذلك تَقْوِيَةًمِنَاللهَلكَوتَأييدًامِنْهُومَعونَةًلك علىعدوِّكَ. وهذا الذي حَصَلَ مِنِ ائْتِلافٍ بين أَعْداءِ الأَمْسِ لَهُوُ إحْدى معجزات النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلمَ، التي أَيَّدَهُ اللهُ بها، وما كانَ ليتمَّ لو أُنْفِقَ في سبيله كلُّ ما في الأرضِ مِنْ أَمْوالٍ وكنوزٍ، فقد يمكن به الجمعُ بين الأجسامِ، لكنَّ إحلالَ المحبَّةِ في القلوبِ بَدَلَ الكُرْهُ والحِقْدِ لا يقدِرُ عَلَيْهِ إلاَّ اللهُ الذي خلَقَ هذه القُلوبَ. فذِكْرُالقلوبِهنا يشْعِرُبِأََنَّالتأَليفَبينَهالايَتَسَنَّى لغيرِ اللهِ تعالى،وإنْأَمْكَنَالتَأْليفُظاهِراًولكنَّاللهََـ جَلَّتْقدرتُه،أَلَّفَبَيْنَهُمْظاهراً وباطناً، قَلْباًوقالباًبِقُدْرَتِهِالبالِغَّةِ.
وقد جاء عن السلف الصالحِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهم، أنَّ أوَّل ما يرفعُ من بينِ الناسِ في آخر الزمانِ هو الألفةُ لما أخرج الطبريُّ في تفسيرهِعنْعُميربْنِإسْحاقٍقولَهُ: كُنَّانُحَدَّثُأَنَّأَوَّلَمايُرْفَعُمِنَالناسِـ أَوْقالَ: عَنِالناسِ،الأُلْفَةُ.
وأَخْرَجَأَبوعُبيْدٍ،وابْنُالمُنْذِرِ،وأَبوالشَيْخ ِ،والبيهقيُّ،فيشُعَبِالإيمانِ واللَّفظُلَهُ،عَنِابْنِعَبّاسٍـ رَضِيَاللهُعنهُما،قال: قَرابَةُالرَحِمِتُقْطَعُ،ومِنَّةُالمُنْعِمِتُكْفَر ُ،ولمْنَرَمِثلَتَقارُبِالقُلوبِ. يَقولُاللهُتعالى: "لوأنفقتمافيالأرضجميعاًماألفتبينقلوبهمولكناللهألفب ينَهم".
وذلِكَمَوْجودٌفيالشِعْرِ،قالَالنُعْمانُبْنُبَشيرٍا لأَنْصاريُّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ:
وإنِّيلأُعطيالمالَمَنْكانَسائلاً........ وأُدركُللمَولَىالمُعانِدِِبالظُّلمِ
فلاتَعْدُدِالمولَىشَريكَكَفيالغِنَى.... ولكنَّماالمولَىشَريكُكَفيالعُدْمِ
إذامَتَّذوالقربَىإليكَبرُحمِهِ ....وغَشّكواستغنَىفليسَبِذِيرُحْمِِ
ولكنَّذاالقربَىالَّذييَسْتَخِفُّهُ ....أَذاكَوَمَنْيَرميالعَدُوَّالَّذيتَرْمِي
ومنْذلكقولُالشاعر:
ولقدصَحِبْتُالنَّاسَثُمَّخبَرْتُهُمْ ...... وبَلَوْتُ ما وَصَلوا مِنَ الأَسْبابِ
فإذاالقرابةلاتقربقاطعاً ................ وإذالمودّةأقربالأسباب
قولُهُ: {إِنَّهُعَزِيزٌ حكيمٌ} عزيزٌ: كامِلُالقُدْرَةِوالغَلَبَةِ سبحانَهُ،فلايَسْتَعْصيعليْهِشيءٌيُريدُه،"حَكِيمٌ"ي َعْلَمُمايَنْبَغي وما يَليقُأنْ تتعلَّقَبه إرادتُه،فيُوجِدُهُبِمُقْتَضىحِكْمَتِهِ،ومِنْآثارِع ِزَّتِهِتعالى،تَصَرُّفُهبالقُلوبِالأَبِيَّةِالمَمْ لوءَةِبحميَّةِالجاهِلِيَّةِ،ومِنْآثارِحِكْمَتِهِتَ دْبيرُأمورِهمعلىوجهٍأَحْدَثَفيهمالتَوادَّوالتَحابّ َفاجْتَمَعَتْكَلِمَتُهم،وصارواجميعاًكِنانَةَرَسُول ِاللهِـ صلَّىاللهُعليهَوسلَّم،يذِبونعَنْهُوعن دينهِ ويَرْمونَ عَنْ قَوْسٍواحِدَةٍ.
أَخْرجابْنُالمُبارَكِ،وابْنُأَبيشَيْبَةَ،وابْنُأَب يالدنيا،والنَسائيُّوالبزَّارُ،وابْنُجَريرٍ،وابْنُأ َبيحاتمٍ،وأَبوالشيخ،والحاكمُوصَحَّحَهُ،وابْنُمَرْد َوَيْهِوالبَيْهَقِيُّفيشُعَبِالإِيمانِ،عَنِابْنِمَ سْعودٍـ رَضِيَاللهُعَنْهُ. أَنَّهذِهِالآيةَنَزَلَتْفيالمُتَحابِّين.
قولُهُ تعالى: {لو أَنْفَقْتَما في الأَرْضِِ جميعًا} لو أَنْفَقْتَ: جملةٌ شَرْطيَّةٌمُسْتَأْنَفَةٌلامحلَّلها مِنَ الإعرابِ،و "فيالأرض" جارٌّومجرورٌ مُتَعَلِّقٌبالصِلَةِالمُقَدَّرَةِ للموصولِ "ما". و "جميعًا" حالٌمِنَ "الأرض".
وقولُهُ:{ولكنََّاللهَأَلَّفَبينَهم}جملةٌ معطوفةٌعلىجملةِ: "ماألَّفْت".
وقولُهُ:{إنَّهُعَزيزٌ حكيمٌ}جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فلا محَلَّ لها من الإعرابِ أيضاً.
يَاأَيُّهَاالنَّبِيُّحَسْبُكَاللهُوَمَنِاتَّبَعَكَ مِنَالْمُؤْمِنِينَ
(64)
قولُهُ ـ تعالى ذِكْرُهُ:{يَاأَيُّهَاالنَّبِيُّحَسْبُكَاللهُوَمَنِ اتَّبَعَكَمِنَالْمُؤْمِنِينَ} يُحَرِّضاللهُتَعَالَىالنَّبِيَّـ صلّىاللهُعليهوسَلَّمَ،وَالمُؤْمِنِينَمَعَهُ عَلَىقِتَالِالمشركينَ وَمُنَاجَزَةِالأَعْدَاءِ،وَيُخْبِرُهُمْبِأَنَّهُحَ سْبُهُمْوَكَافِيهِمْوَمُؤَيِّدُهُمْعَلَىأَعْدَائِه ِمْ،وأنَّهُ مَعَهم لذلك فهمُ المُنْتَصِرونَ، وَإِنْقَلَّعَدَدُهموعُدَّتُهم،وكَثُرَتْأَعْدَادُ أعدائهم وعُدَدُهُمْ،وَتَتَابَعَتْإِمْدَادَاتُهُمْ.وبناءً عليهفالعزَّةُ لاتُلْتَمَسإلاَّمِنَاللهِتعالى.
ويمكنأَنْيَكونَالمَعنى:يَكْفيكَاللهُفيمالاتَسْتَطي عُتحقيقَهُباتخاذ الأسباب. ويَكفيكَالمؤمنونُفيمايُتَّخَذُمِنْأَسْبابِالتيهيال إيمانُوالطاعةُ والاتِّباعُ،فلابُدَّعندها أَنْيَكْفِيَهُمُاللهُ ماأَهمَّهممِنْأُمورِالدينِوالدُنْيا،وإنَّماتَتَخَل َّفُالكِفايَةُبِتَخَلُّفِشَرْطِها.
وليسَفي الآيةُتَكريرٌلما جاء في الآيةِ السابقةِ لها، فإنَّهقالَهناك: {وإِنْيُريدواأَنْيَخْدَعُوكَفإنَّحَسْبَكَاللهُ}وهذ ِهِكِفايَةُخاصَّةٌ بالخِداعِ. أمَّا هنا: فقولُه: "يا أَيُّهاالنَبيُّحَسْبُكَاللهُ"أَرادَالتَعْميمَ،أَيْ :حَسْبُكَاللهُفيكُلِّحالٍ مِنْ أحوالِكَ، وكلِّشأنٍ من شؤونك.
والنداءُب "ياأيهاالنبي" إنَّمايَأْتيفيالأَحْداثِ حينَيَكونُالأَمْرُمُتَعَلِّقاًبالأُسْوَةِالسُلوكيّ َةِ؛أَمَّاالبَلاغُحين يكونُالأَمْرُمُتَعَلِّقاًبِتَنْزيلِتَشْريعٍ،فيَأتي النداءُ ب "الرسولِ" كما هو قولُهُتعالى في سورةِالمائدة: {ياأيُّهاالرسولبَلِّغْمَاأُنْزِلَإِلَيْكَمِنرَّبِّ كَ} الآية: 67.ذلكلأنَّالرسولَجاءمُبَلِّغاًللمِنْهَجِعَنِاللهِ ،وهو يَسيرُوِفْقَهذاالمِنْهَجِكَأُسْوَةٍسُلُوكِيَّةٍ.
ومما جاء في سبب نزولِ هذه الآية المباركة ما أَخْرجَالبَزَّارُعَنِابْنِعبّاسٍـ رَضِيَاللهُعنهُماقال: لمَّاأَسْلَمَعُمَرُـ رَضِيَاللهُعَنْهُ،قالَالمُشركون: قَدِانْتَصَفَالقومُمِنَّااليَوْمَ،وأَنْزَلَاللهُ:" ياأيُّهاالنَبيُّحَسْبُكَاللهُومَنِاتَّبَعَكَمِنَال مؤمنين".
وأَخْرَجَالطَبرانيُّ،وأَبوالشَيْخِ،وابْنُمَرْدَويْ هِ،عَنِابْنِعبَّاسٍأيضاً قال: لمَّاأَسْلَمَمَعَالنِبيِّـ صَلّىاللهُعليهِوسلَّمَ،تَسْعَةٌوثَلاثونُرَجُلاًوام ْرأَةٍ،ثمَّإنَّعُمَرَـ رَضِيَاللهُعَنْهُأَسْلَمَ،فصارواأَربعين،فنَزَلَ:"ي اأيهاالنبيحسبكاللهومناتبعكمنالمؤمنين".
وأَخْرَجَابْنُالمُنذِرِ،وابْنُأَبيحاتمٍ،وابْنُمردو يْه،عنْسَعيدِبْنِجُبيرٍـ رَضِيَاللهُعَنْه،قال: لمّاأَسْلَمَمَعَالنَبيَـ صَلىاللهعليهوسلَّم،ثلاثةٌوثلاثونَرَجُلاًوسِتُّنِسْ وَةٍ،ثمَّأَسْلَمَمَعَالنبيِّـ صلىاللهُعليهوسَلَّمَ،عُمَرُنَزَلَتْ"ياأيهاالنبيحسب كالله . . ." الآية.
وأَخْرَجَأَبوالشيخِ،عَنْسَعيدِبْنِالمُسَيِّبِـ رَضِيَاللهُعَنْهُ،قال: لمَّاأَسْلَمَعُمَرُـ رَضِيَاللهُعَنْهُ،أَنْزَلَاللهُفيإسْلامِهِ: "ياأيهاالنبيحسبكالله".
وأَخْرَجَأَبومحمَّدٍاسْماعيلُبْنُعَلِيٍّالحطبيُّعَ نْعُمَرَبْنِالخَطَّابِ ـرَضِيَاللهُعَنْهُ،قال: أَسْلَمْتُرابعَأَرْبَعينَ،فَنَزَلَتْ:"ياأيهاالنبيح سبكاللهومناتبعكمنالمؤمنين".
وقال بعضُ أَهْلَِ العِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأَنْصارِ، فقد أَخْرَجَابْنُإسْحَقَ،وابْنُأبيحاتم،عَنِالزُهْرِيِّ ـ رَضِيَاللهُعَنْهُ،فيقولِه تعالى:"ياأيهاالنبيحسبكاللهومناتبعكمنالمؤمنين"قال: فقال: نَزَلَتْفيالأَنْصارِ.
ومنهم منْ جعلها عامَّةً في كلِّ مَن آمنَ باللهِ تعالى مَعَ الرَسُولِ واتَّبع رِضوانَه، فقد أَخرَجَالبُخارِيُّفيتاريخِهِ،وابْنُالمُنْذِرِ،وابْ نُأَبيحاتمٍ،وأَبوالشيخِعَنِالإمامِ الشَعبيِّـ رَضِيَاللهُعَنْهُ،فيقولِهِتعالى: "ياأيهاالنبيحسبكاللهومناتبعكمنالمؤمنين"قال: حَسْبُكَاللهُ،وحَسْبُكَمَنِاتَّبَعكَ.
قولُهُتَعالى: {ياأيُّهاالنبيُّحَسْبُكَاللهُوَمَنِاتَّبَعكَمِنَال مؤْمِنينَ} صدَّرَالجملةَبحرفيْنِداءٍ(يا و أيّها) للتَنْبيهِعلىالاعْتِناءِبمَضْمُونِها الآية.وذَكَرَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلّمَ، بِالنُبُوَّةِإشعاراًبِعِلِّيَّةِالحُكم.و "مَنِ" مرفوعُالمحلِّعَطْفاًعلىالجلالَةِ،أي: يَكْفيكَاللهُوالمؤمنون،وهوالظاهر،وبهذا فسَّر الحسَنُ البصريُّ ـ رضي اللهُ عنه، وجماعة من المفسرين، أو مجرورةُالمحلِّعَطْفاًعلىالكافِفي"حَسْبُك"وبهفسَّرَ فَسَّرَالشعبيُّوابْنُزَيْدٍ،قالا: معناه: وحَسْبُمَنِاتَّبَعَكَ. وهو رأيُ الكوفيين. أَوْأنَّ محلَّهُنَصْبٌعلىالمعيَّة،فالواوُبمعنىمع،ومابعدهمنص وبٌ. تقول: حَسْبُكوزيداًدرهمٌ،ولاتَجُرُّ؛لأنَّعطفَالظاهرِالمج رورِعلىالمُكْنىممتنعٌ. قاللبيد:
إذاكانتِالهيجاءُوانشَقَّتِالعَصا.... فَحَسْبُكوالضحاكُسيفٌمُهَنَّدُ
والمعنى: كفاكوكفىتُبَّاعَكالمؤمنيناللهُناصراً،قالَه الزمخشريُّ، وردَّه الشيخ أبو حيّان الأندلسيُّ فقال: وهذامخالفكلامَسيبويهفإنَّهُقالَ: (حَسْبُكوزيداًدرهمٌ)لَمَّاكانفيهمعنىكفاك،وقَبُحأَن ْيَحْمِلوهُعلىالمُضْمَرِنَوَواالفِعَلَكأنَّهُقال: بحسبكويُحْسِبأَخاكدِرْهَمٌ،ثمَّقال: وفيذلكالفِعْلِالمُضْمَرِضَميرٌيَعودُعلىالدِرْهَمِ، والنيةُبالدِرْهَمِالتقديمُ،فيكونمِنْعطفِالجُمَلِ. ولايجوزُأنْيَكونَمِنْبابِالإِعْمالِ،لأنَّطَلَبَالم ُبْتَدَأِللخَبرِوعَمَلَهفيهليسمِنْقَبيلِطَلَبِالفِ عْلِأَوْماجَرىمَجْراهُولاعَمَلَهَفلايُتَوَّهمذلكفي ه. وقدسَبَقَالزَمَخْشَرِيَّإلىكونِهِمَفعولاًمَعَهُالز َجَّاجُ،إلاَّأَنَّهُجَعَل"حسب"اسْمَفعلٍفإنَّهقالَ: حَسْبُ: اسْمُفِعْلٍ،والكافُنَصْبٌ،والواوُبمعنى"مع"وعلىهذاي َكونُ"اللهُ"فاعلاً،وعلىهذاالتقديرِيجوزُفي"مَنْ"أَن ْيَكونَمَعْطوفاًعلىالكافِ؛لأنَّهامَفعولٌباسْمِالفِ عْلِلامجرورةٌ؛لأنَّاسْمَالفِعْلِلايُضافُ. ثمقالَالشيخ أبو حيّانَ: إلاّأَنَّمَذْهَبَالزَجَّاجِخَطأٌلَدُخولِالعواملِعل ى"حَسْب"نحو: بحَسْبكدرهَمٌ،وقالَتَعالى: {فَإِنَّحَسْبَكَالله} سورةُالأنفالِ،الآية: 62،ولميَثْبُتْفيمَوْضِعٍكونُهاسْمَفِعلٍفيُحْملهذاع ليِه.وقالَابْنُعَطِيَّةَبعدماحكىعَنِالشَعْبيِّوابْ نِزَيْدٍماتقَدَّمَعَنْهُمامِنَالمعنى: فَ"مَنْ"فيهذاالتأويلِفيمحلِّنَصْبٍعَطْفاًعلىمَوْضِ عِالكافِ؛وهو قولُ الفراءِ أيضاً، لأنَّموضِعَهانَصْبٌعلىالمعنىبِ"يَكْفيكَ"الذيسَدَّت ْ"حَسْبُكَ" مَسَدَّهُ. وقالالشيخ: هذاليسبجيِّدٍ؛لأنَّ"حَسْبك"ليسممَّاتَكونُالكافُفيه فيمَوْضِعِنَصْبٍبَلْهذِهِإضافةٌصحيحةٌليستمِنْنَصْب ،و "حسبك"مُبتدأٌمُضافٌإلىالضَميرِ،وليسمَصْدَراًولااسْ مَفاعلٍ،إلاَّإنْقيلَإنَّهعَطْفٌعلىالتَوَهُّمِ،كأنّ َهُتَوَهَّمأَنَّهُقيلَ: يَكفيكَاللهُأَوْكفاكَاللهُ،لكنَّالعطفَعلىالتوهُّمل ايَنْقاسُ،والذييَنْبَغيأَنْيُحمَلَعليهكلامُالشَعْب ِيِّوابْنِزَيْدٍأَنْتَكونَ"مَنْ"مجرورةًب"حَسْب"محذ وفةًلدلالةِ"حَسْبك"عليهاكقولِ أبيدُؤادٍالإياديِّ:
أكلَّامرئتحسبينأمرأً ........................ ونارٍتوقَّدُبالليلناراً
أيْ: وكلَّنارٍ،فلايكونُمنالعطفعلىالضميرالمجرور. قالابنعطية: وهذاالوجهُمِنْحَذْفِالمضافمكروهٌ،بابُهضرورةُالشعر. قالالشيخ: وليسبمكروهٍولاضرورة،بلأجازهسيبويهوخَرَّجعليهالبيتَ وغيرَهمنالكلام،وقولُه: بلإضافةٌصحيحةليستمننصبفيهنظرٌلأنَّالنَحْوِيّينعلىأ نَّإضافةَ"حسب"وأخواتِهاإضافةٌغيرُمحضة،وعَلَّلواذلك بأنَّهافيقوةِاسمِفاعلٍناصبٍلمفعولٍبه،فإن"حَسْبك"بم عنىكافيكوغيركبمعنىمُغايرك،وقيدالأوابدبمعنىمقيِّدها قالوا: ويدلُّعلىذلكأنهاتُوصَفُبهاالنَكِراتُفقال: مررتبرجلٍحَسْبِكمنرجلٍ.وجَوَّزأبوالبقاءفيهالرفعَمن ثلاثةأوجهأحدها: أنهنسقٌعلىالجلالةِكماتقدَّم،إلاأنهقال: فيكونخبراًآخركقولِك: القائمانزيدوعمرو،ولميُثَنِّ"حَسْبك"لأنهمصدرٌ. وقالقوم: هذاضعيفٌ؛لأنالواوَللجمعولايَحْسُنههنا،كمالايَحْسُن فيقولهم: ماشاءاللهوشئت. و"ثم"هناأولى،قلت: يعنيأنهمنطريقالأدبلايؤتىبالواوالتيتقتضيالجمع،بلتأت يب"ثم"التيتقتضيالتراخي،والحديثُدالٌّعلىذلك. الثاني: أنيكونَخبرَمبتدأمحذوفتقديرُه: وحسبمَنْاتبعك. والثالث: هومبتدأوالخبرمحذوفتقديره: ومَناتبعككذلكأي: حسبهمالله.
قولُهُ: {مِنَ المؤمنين} جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌبحالٍمِنَالكافِفي "اتبعك".ويُحْتَمَلُأنْتكون"مِنَ" بيانيَّةًوأَنْتكونللتبعيضِ،وذلكللاختلافِفيالمُرادِ بالاسْمِ المَوصولِ.
قرأ عامَّةُ القرّاءْ: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} وقرأَالشَعْبيُّ:"ومَنْ أَتْبَعَك" بِزِنَةِأَكْرَمَكَ" وسُكونِ نون "مِنْ".
الآنَخَفَّفَاللهُعَنْكُمْوَعَلِمَأَنَّفِيكُمْضَعْف ًافَإِنْيَكُنْمِنْكُمْمِائَةٌصَابِرَةٌيَغْلِبُوامِ ائَتَيْنِوَإِنْيَكُنْمِنْكُمْأَلْفٌيَغْلِبُواأَلْف َيْنِبِإِذْنِاللهِوَاللهُمَعَالصَّابِرِينَ
(66)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه:{الآنَخَفَّفَاللهُعَنْكُمْوَعَلِمَأَنَّفِيكُ مْضَعْفًا} وَفِيهَذِهِالآيَةِيُخَفِّفُاللهُتَعَالَىعَنِالمُؤْ مِنِينَ،وَيَجْعَلُالمُسْلِمَالوَاحِدَفِيمُقَابَلَة ِاثْنَيْنِمِنَالكُفَّارِ، وقد رُوعِيَ هذا التَخفيفُالمناسِبُلِيُسْرِهذاالدينِفيهذاالوَقْتِ،و لَمْيُراعَقَبْلَهُلمانِعٍمَنَعَمِنْمُراعاتِهِفَرُج ِّحَإصْلاحُمجموعِهم.أَخْرَجَالبُخارِيُّوغيرُهُعَنِ ابْنِعبّاسٍـ رَضِيَاللهُتَعالىعَنْهُما،قال: لمَّانَزَلَتْ {إِنْيَكُنمّنكُمْعِشْرُونَ} سورةالأنفال،الآية: 65.شَقَّذلكَعلىالمسلمينَإذْفُرِضَعَلَيْهِمْأَنْلاي َفِرَّواحدٌمِنْعَشَرَةٍ،فجاءَالتَخْفيفُ.قيلَ كانذَلِكَبَعْدَمُدَّةٍ،وقيلَ: كانَفيهمقِلَّةٌفيالابْتِداءِ،ثمَّلمَّاكَثُروانَزَل َالتَخفيفُ.فقيل لقد كان ذلك نسخاً للحكم، وقيل: هوتخفيفٌنَظيرُالتَخفيفِعلىالصائمِ المُسافِرِ،وذَهَبَالجُمهورُإلىأنَّالآيةَهذه ناسِخَةٌلسابقتها. وتظهرُ ثمرةُالخلافِفيماإذاقاتَلَواحِدٌعَشَرَةًفَقُتِلَهَل ْيَأْثَمُأَمْلا؟فعَلىالأَوَّلِلايَأْثَمُوعلىالثاني يَأْثَمُ.
وقيل إنَّثَباتَالواحِدِمِنَالمُسلِمينَللعَشَرَةِمِنَالم ُشْركينَكانَوُجوباًوعَزيمةًولميكنْ نَدْباً،بدليل قولِهِتعالى: "الآنخففاللهعنكم". وقولِهِ: "وَعَلِمَأَنَّفيكمضَعْفاً".خِلافاًلمانَقَلَهُابْنُ عَطِيَّةَعَنْبَعضِالعُلماءِ. ونُسِبَأَيْضاًإلىابْنِعَبَّاسٍكَماتَقدَّمَآنِفاً،ل أنَّالمَنْدوبَلايَثْقُلُعلىالمُكلَّفين،ولأَنَّإبْط الَمَشْروعِيَّةِالمَنْدوبِلايُسَمّىتَخْفيفاً،ثمَّإ ذاأُبْطِلَالنَدْبُلَزِمَأَنْيَصيرَثَباتُالواحِدِلل عَشَرَةِمُباحاًمَعَأَنَّهُتَعْريضُالأَنْفُسِللتَهْ لُكَةِ.فالكلامُكالاعْتِذارِعلىمافيالحُكْمِالسابِقِ مِنَالمَشَقَّةِ،بأنَّهامَشَقَّةٌاقْتَضاهااسْتِصْلا حُحالِهم.والضَعْفُ: هو عَدَمُالقُدْرَةِعَلىالقيامِ بالأََعمالِالشاقّةِ،ونُكِّرَللتَنْويعِ،فالضَعْفُهن ا هو الرَهْبَةِمِنْلِقاءِالعَدَدِالكَثيرِفيقِلَّةٍ.وجيء َ ب "في"الظَرفيَّةٌلِتُشيرَإلى تَمَكُّنِهِفينُفوسِهم،فلذلكأَوْجَبَالتَخفيفَفيالتك ليفِ.
قولُهُ: {فَإِنْيَكُنْمِنْكُمْمِائَةٌصَابِرَةٌيَغْلِبُوامِا ئَتَيْنِوَإِنْيَكُنْمِنْكُمْأَلْفٌيَغْلِبُواأَلْفَ يْنِ} فَإِذَاكَانَعَدَدُالمُسْلِمِينَنِصْفُعَدَدِعَدُوِّ هِمْ،لَمْيَسُغْلَهُمالتَّرَدُّدُفِيلِقَاءِالعَدُوّ ِ،وَإِذَاكَانُوادُونَذَلِكَ،لَمْيَجِبْعَلَيْهِمالق ِتَالُ،وَجَازَلَهُمْأَنْيَتَحَرَّزُوا،فَالعَشَرَةُ مِنَالمُؤْمِنِينَالصَّابِرِينَيَغْلِبُونَالعِشْرِي نَ.وعَبَّرَعَنْوُجوبِثَباتِالعَدَدِمِنَالمُسْلِمين َلِمِثْلَيْهِمِنَالمُشركينَبِلَفْظَيْعَدَديْنِمُعَ يَّنَينِومِثْلَيْهِما: لِيَجيءَالناسِخُعلىوِفْقِالمَنْسوخِ،فقُوبِلَثبَاتُ العِشْرينَللمئتَينِبِنَسْخِهِإلىثَباتِمِئةٍواحدةٍل لمئتينِ،فأُبْقِيَمِقْدارُعَدَدِالمُشْرِكينَكَماكان َعَلَيْهِفيالآيةِالمَنْسوخَةِ،إيماءًإلىأَنَّمُوجِب َالتَخْفيفِكَثْرَةُالمُسلِمين،لاقلّةُالمُشْرِكين،و قُوبِلَثَباتُعَدَدِمئةٍمِنَالمُسْلِمينلأَلْفٍمِنَا لمُشْرِِكينَبِثَباتِأَلْفٍمِنَالمُسْلِمينَلأَلْفَي نِمِنَالمُشْرِكينَإيماءًإلىأَنَّالمُسلمينالذينكانج َيشُهملايَتَجاوَزُمَرْتَبَةَالمِئاتِصارَيُعَدُّبال آلافِ، وفيه بشارةٌ باتِّساعِ رقعة انتِشارِ الإسلامِ وزيادةِ عددِ المسلمين، في حين أنَّ المشركين لن يزدادُ عديدُهم بل هو في تناقصٍ.وأُعيدَوَصْفُمئةٍالمُسلِمينبأنَّها"صابرةٌ"ل أَنَّالمَقامَيَقْتَضِيالتَنْويهَبالاتِّصافِبالثَبا تِ.ولميُعَدْ وَصْفُمِئةُالكُفَّارِبالكُفْرِوبِأَنَّهمقومٌلايَفْ قَهونَ: لأنَّهقدْعُلِمَذلك فلاحاجةلإعادَتِهِ.
قولُهُ: {بِإِذْنِاللهِوَاللهُمَعَالصَّابِرِينَ} بِإِذْنِاللهِ،وَاللهُيُؤَيِّدُالصَّابِرِينَوَيَنْص ُرُهُمْ،فَالنَّصْرُمِنْعِنْدِاللهِ،وَبِالإِيمَانِو َالطَّاعَةِ،وَلَيْسَبِالعَدَدِوَالعُدَّةِ. و(إذْنُاللهِ):أَمْرُهُ،فيجوزُأَنْيَكونَالمُرادُأَم ْرَهُالتَكْليفيِّ،باعْتِبارِماتَضَمَّنَهُالخَبرُمِ نَالأَمْرِ،كَماتَقَدَّمَ،ويَجوزُأَنْيُرادَأَمْرُهُ التَكْوينيُّباعْتِبارِصُورَةِالخَبرِوالوَعْدِ.وإذْ نُاللهِحاصِلٌفيكِلْتاالحالَتَيْنِالمَنْسوخَةِوالنَ اسِخَةِ. وإنَّماصُرّحَبِهِهُنا،ولميصرَّحْ بهِ هناك،لأنَّانتصارَ الواحِدِعلى العَشَرَةِأَظْهَرُفيخَرْقِالعادةِ،فيُعْلَمُبِدْءًأ َنّهُبإذْنِاللهِ،فنصرُه وتأييدُه واضحٌ تمامَ الوُضوح، وأَمّاانتصارُهُالاثْنَينِفقَدْيعادُإلى قوَّةٍفي أَجْسادِالمُسلِمين،لذلك جاء قولُه هنا: "بإذْنِالله"لِيُعْلَمَأَنَّهُمُطَّرِدٌفيسائِرِالأَ حْوالِ،ولذلكذُيّلَبِقَوْلِهِ: "واللهمعالصابرين".
قولُهُ تعالى: {الآنَخَفَّفَاللهُعَنكم}الآنَ ظَرْفُزَمانٍمَنْصوبٌبالفتحة.
وقولُهُ: {وعَلِمَأَنَّ فِيكم ضَعفاً} الواوُ: عاطفةٌ، "عَلِمَ" فعلٌ ماضٍ، معطوفٌ على "خفَّف"، وفاعِلُه ضميرُ اللهِ تعالى، وعَلَيْهِ فجُملةُ "أَنَّ فِيكم ضَعفاً" فيمحلِّنَصْبٍمَفْعولٍبِهِ.وقُرئَ: {وعُلِم}مَبْنِيّاًللمَفْعولِ،و عليه فجملةُ "أَنَّفيكمضَعْفاً"فيمحلِّرَفْعٍلِقيامِهِمَقامَالفا عِلِ. وجملةٌ"وعلم" فيموضعِالحال،أَيْ: خَفَّفَاللهُعَنْكُمْوقَدْعَلِمَمِنْقَبْلُأَنَّفيكُ مْضَعْفاً. ويجوزفيضادِ"ضَعْفاً"الضَمُّوالفَتْحُ،ك "المُكث"و "المَكثِ"،و "الفُقر"و "الفَقر"،وقدْقُرِئَبهِما.
وقوله: {فإنْيَكنْمنكممئةٌصابرةٌ}الفاءُ لِتَفْريعِالتَشْريعِعلىالتَخفيفِ.و"يكن"أو "تكن" ـ على ما سَبَقَ بَيانُهُ في الآية السابقة، فيهذهالأماكنِيجوزُأَنْتَكونَالتامَّةَف"مِنْكُم": إمَّاحالٌمِنْ"عشرون"لأنَّهافيالأَصْلِصِفَةٌلها،وإم َّامُتَعَلِّقٌبِنَفْسِالفِعْلِلِكَوْنِهِتامّاً،ويج وزُ أَنْتَكونَالناقِصَةَ،فيَكونُ"منكم"الخبرَ،والمَرْفو عُالاسْمَوهو"عشرون"و"مئة"و"ألف".
وقولُهُ: {يغلبوا ألفينبإذنِ الله} الجارُّ والمجرورُ"بإذن" فيمَوقعِالحالِمِنْضَميرِ"يَغْلِبوا".
قرأَ العامَّةُ: {وعَلِمَ} بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأَالمُفَضَّلُعَنْعاصِمٍ: {وعُلِم}مَبْنِيّاًللمَفْعولِ.
وقرأ العامَّةُ: {ضُعْفاً}بضمِّ الضادِ هُناوفيالرُومِفيكلماتهاالثلاث: {اللهُالذيخَلَقكممِنْضعف،ثمجَعَلمنبعدضعفٍقوة،ثمجَع َلَمنبعدقوةٍضعفاً}،وقرَأَعاصمٌوحمزَةُوخلف بفتحِالضادِ.وعنْحفصٍوحْدَهُخِلافٌفيالرُومِخاصَّةً. وهما لغتان كما تقدَمَ. وجاءفيكِتابِ (فِقْهِاللُّغةِ) للثَعالِبيأَنَّالفَتْحَفيوَهْنِالرَأْيِوالعَقْلِ،و الضَمّفيوَهْنِالجِسْمِ،وأحسبأنّهاتفرقةطارئةعندالمو لّدين.وقرأَأبوجَعْفَرٍ:"ضُعَفاء"بضمّالضادوبمدٍّفيآ خرِهِجمعَضَعيفٍ.
مَاكَانَلِنَبِيٍّأَنْيَكُونَلَهُأَسْرَىحَتَّىيُثْخ ِنَفِيالأَرْضِتُرِيدُونَعَرَضَالدُّنْيَاوَاللهُيُر ِيدُالآخِرَةَوَاللهُعَزِيزٌحَكِيمٌ
(67)
قولُهُ ـ تعالى ذِكْرُهُ: {مَاكَانَلِنَبِيٍّأَنْيَكُونَلَهُأَسْرَىحَتَّىيُثْ خِنَفِيالأَرْضِ} أَيْإِنَّهَلاَيَنْبَغِيلِلْنَّبِيِّوَالمُؤْمِنِينَ أَنْيَعْدِلُواعَنْقَتْلِأَعْدَائِهِمْإَلَىأَسْرِهِ مْإلاَّبَعْدَأَنْتَكُونَلَهُمُالغَلَبَةُالتَّامَةُ ،وَالسَيْطَرَةُالكَامِلَةُ.والإِثْخَانُ:الشِّدَّةُ ،وَالغَلَبَةُ،أَوْهُوَالمُبَالَغَةُفِيالقَتْلِ،لِي َتِمَّإِذْلاَلُالكُفْرِوَأَهْلِهِ.وَأَنْتَكُونَقُو َّتُ المُسلمينفِيمَوْضِعِالتَّفَوُّقِالمُطْلَقِعَلَىالأ َعْدَاءِ،فَلاَيَسْتَطِيعُهؤُلاَءِالأَعْدَاءُالثَّأ ْرَوَالعَوْدَةَإِلىالقِتَالِوإيذاء المسلمين إِذَاسَنَحَتْلَهُمُالفُرْصَةُ. فَإِذَاكَانَتْلَهُمالقُوَّةُوَالسُّلْطَانُبَعْدَأَ نْأَنْهَكُواالأَعْدَاءَقَتْلاً،جَازَلَهُمُالعُدُول ُعَنِالقَتْلِإلَىالأَسْرِ. قالَابْنُعبَّاسٍـ رضي اللهُ عنهُما، كانهذايَوْمَبَدْرٍوالمُسْلِمونَيَوْمَئِذٍقَليلٌ،فل َمّاكَثُرواواشْتَدَّسُلْطانُهم،أَنْزَلَاللهُتَعالى بعدَهذافيالأُسارى: {فَإِمَّامَنًّابَعْدُوَإِمَّافِدَاءً} سورةمحمد،الآية: 4.فجَعَلَاللهُنَبِيَّهُوالمؤمنينفيأَمْرِالأُسارىبا لخِيارِ،إنْشاءواقَتَلوهُمْ،وإنْشاءوااسْتَعْبَدوهم، وأنشاءوافادوهموإنشاءوارَفَقُوابهم.
وكانَ المُسْلِمُونَقد أَسَروايَوْمَبَدْرٍسبعين مِنْرُؤُوسِالشِّرْكِمِنْقُرَيْشٍ،مِنْهُمْالعَبَّاس ُبْنُعَبْدِالمُطَّلِبِ ـرَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَمُّرَسُولِاللهِـ صَلّىاللهُعليْهِوسَلَّمَ،وكانَ يومَها مُشْركاً ولم يُسْلِمْ بَعْدُ، وفيهم عَقيلُبْنُعمِّهِ أَبيطَالِبٍ، وغيرهما من بني هاشمٍ الذين خرجوا كُرْهاً لا رغبةً منهم في قتال النبيِّ وأصحابهِ،
فقد جاءَ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما،أنَّرَسُولَاللهِـ صَلّىاللهُعَلَيْهِوسَلَّمَ،قاليَوْمَبَدْرٍ: ((إنَّأُناساًمِنْبَنيهاشِمَوغيرِهمقدْأُخْرجواكُرْه اًلاحاجَةَلهمْبِقِتالِنافَمَنْلَقِيَمِنْكُمْأَحَدا ًمِنْبَنيهاشِمٍفلايَقْتُلْهُ،ومَنْلَقِيَأَباالبُخْ تُريفلايَقْتُلْهُ،ومَنْلَقِيَالعَبَّاسَفلايَقْتُلْ هُفإنَّهُإنَّماأُخْرِجَمُسْتَكْرَها)).وكانَـ رضي اللهُ عنه، يَكْتُبُ لِرَسولِاللهِـ صَلَّىاللهُعليْهِوسَلَّمَ،بِأَخْبارِالمُشْرِكينَ،و كانَيُحِبُّأَنْيُهاجِرَفَكَتَبَإليْهِرَسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوسَلَّمَ: ((امْكُثْبِمَكَّةَفَمُقامُكَبهاأَنْفَعُلَنا)).لكنّ َهعامَلَهُحينَأُسِرَعَلىالظاهِرِمِنْ أَمْرِهِ.
وَسَأَلَالرَّسُولُأَصْحَابَهُـ رضوانُ الله عليهم، عمَّايَفْعَلُبِالأَسْرَى،فَأَشَارَعَلَيْهِعَبْدُال لهِبْنُرَوَاحَةَالأَنْصَارِيُّـ رضيَ اللهُ عنهُ، بِإِيقَادِنَارٍعَظِيمَةِفِيالوَادِيوَإِحْرَاقِهِمْ فِيهَا،وذكرالقُشَيريأَنَّسعدَبْنَمُعاذٍـ رضي اللهُ عنه قال: يارسولالله،إنَّهُأَوَّلُوَقْعَةٍلَنامَعَالمُشْرِكي نَ، فكانَ الإثخانُ أحبَّ إليَّ. وَأَشَارَ عُمَرُبْنُالخَطَّابِـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بِقَتْلِهِمْ،قائلاً: اضْربْأعْنَاقَهُمْ،فإنهمأئِمَّةُالكُفْروإنَّاللهأغ ْنَاكَعَنِالفِدَاءِ،فمكِّنيمنفُلاَنلنَسِيبٍلَهُومك ِّنَعَليّاًوحَمْزَةَمِنْأخويهما،فَلْنَضْربْأَعنَاق َهُمْفلميَهْوَذلكرسولُاللهِـ صلىعليهوسلم.وقالَمُصْعَبُبْنُعُميرٍالذيأَسَرَأَخاه ُ: شُدَّعَلَيْهِيَدَكَ،فإنَّلَهُأُمّاً موسرةً، فكأنَّه أشارَ عليه بالفِداءِ. وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُوبَكْرٍالصِّدِّيقُ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، بِمُفَادَاتِهِمْ. قَائلاً: هُمْالأَهْلُوَالعَشِيرَةُ. فاسْتَبِقهِمْ،لعلَّاللهَيَتُوبُعَلَيْهِمْ،وخُذْمِن ْهُمْفدْيةًتُقَوِّيبِهاأَصْحَابَكَ،فَسَكَتَرَسُولُ اللهِـ صَلَّىاللهُعليهوسلَّم، وقال: ((إنَّاللهَلَيُلَيِّنَقُلُوبَرِجَالٍحَتَّىتكُونَأَ لْيَنَمِنْكُلّلين،وإنَّاللهَليُشَدِّدُقُلوبَرِجَال ٍحتَّىتَكُونَأَشَدَّمِنَالحِجَارَةِ،وإنَّمَثلَكَيا أَبَابَكْرمَثَلُإبراهيم،قال: {فَمَنتَبِعَني فَإِنَّهُمِنّيِوَمَنعَصَانِيفَإِنَّكَغَفُورٌرَّحِي مٌ} سورةإبراهيم، الآية: 36.ومَثَلُكَياعُمَرُمَثَلُنوح،قال: {رَّبِّلاَتَذَرعَلَى الأَرضِمِنَالكَفِرينَدِيَّاراً} سورةُ نوح،الآية: 26.ثُمَّاستشارَ أصحابَه فأشارَ عليه أكثرُهم بالفدية فقَبِلَهامنهمُ.فَأَنْزَلَاللهُتَعَالَىهَذِهِالآيَة َ،يَلُومُفِيهَاالرَّسُولَوَالمُسْلِمِينَعَلَىقُبُو لِالفِدَاءِ،وَتَفْضِيلِعَرَضِالحَيَاةُالدُّنْياعَل َىمَصْلَحَةِالإِسْلاَمِالعُلْيَا،وَهِيَإِبَادَةُال كُفْرِوَقَادَتِهِ،حَتَّىيَتَضَعْضَعُالكُفْرُ،وَيَن ْهَارُبُنْيَانُهُ،وَتَتَقَطَّعُأَوْصَالَهُ. وفي الآيةِ دليلٌ على أَنَّ جهادَ الكافرين وقتالهم لكسر شوكتهم ودفعِ ضررهم عن المؤمنين هومماكلِّفَبه سائرُالأنْبياءِ،فلِذلكعَمَّهمُاللهُ تعالىبقولِه: "ما كانَ لنبيٍّ". فجيءَبِ "نَبيٍّ" نَكِرَةًإشارَةًإلىأَنَّهذاحُكْمٌسابقٌفيحُروبِالأَن ْبِياءِمِنْبَنيإسْرائيل،وهوفيالإصْحاحِالعشرينمِنْس ِفْرِالتَثْنِيَةِ الفقرة: 13منه.أَخْرَجَابْنُأبيشَيْبَةَ،وأَحمدُ،والتِرْمِذِ يُّوحَسَّنَهُ،وابْنُالمُنذِرِ،وابْنُأَبيحاتمٍ،والط َبرانيُّوالحاكِمُوصَحَّحَهُ،وابْنُمردويْهِ،والبَيْ هَقِيُّفيالدلائلِ،عَنْابْنِمَسْعودٍـ رَضِيَاللهُعَنْهُقالَ: لَمَّاكَانَيَوْمُبَدْرٍ،وَجِيءَبِالأُسَارَى،قَالَر َسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ: ((مَاتَقُولُونَفِيهَؤُلاءِالأُسَارَى؟فَقَالَأَبُوب َكْرٍ: يَارَسُولَاللهِ،قَوْمُكَوَأَهْلُكَاسْتَبْقِهِمْوَا سْتَأَنِّهِمْ،لَعَلَّاللهَأَنْيَتُوبَعَلَيْهِمْ،فَ قَالَعُمَرُ: يَارَسُولَاللهِ،أَخْرَجُوكَوَكَذَّبُوكَ،فَاضْرِبْأ َعْنَاقَهُمْ،فَقَالَعَبْدُاللهِبْنُرَوَاحَةَ: يَارَسُولَاللهِ،انْظُرْوَادِيًاكَثِيرَالْحَطَبِ،فَ أَدْخِلْهُمْفِيهِثُمَّأَضْرِمْهُعَلَيْهِمْنَارًا،ف َقَالَالْعَبَّاسُوَهُوَفِيالأَسْرَى،يَسْمَعُمَايَق ُولُونَ: قَطَعْتَرَحِمَكَ،فَسَكَتَرَسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ،لَمْيُجِبْهُمْشَيْئًا ،فَقَالَنَاسٌ: يَأْخُذُبِقَوْلِأَبِيبَكْرٍ،وَقَالَنَاسٌ: يَأْخُذُبِقَوْلِعُمَرَ،وَقَالَنَاسٌ: يَأْخُذُبِقَوْلِابْنِرَوَاحَةَ،فَخَرَجَعَلَيْهِمْر َسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ،فَقَالَ: ((إِنَّاللهَلَيَّنَقُلُوبَرِجَالٍفِيهِ،حَتَّىتَكُو نَأَلْيَنَمِنَاللِّينِ،وَإِنَّاللهَلَيُشَدِّدَقُلُ وبَرِجَالٍفِيهِ،حَتَّىتَكُونَأَشَدَّمِنَالْحِجَارَ ةِ،وَإِنَّمَثَلَكَيَاأَبَابَكْرٍكَمَثَلِإِبْرَاهِي مَ،قَالَ: {فَمَنْتَبِعَنِيفَإِنَّهُمِنِّيوَمَنْعَصَانِيفَإِن َّكَغَفُورٌرَحِيمٌ}،وَمَثَلَكَيَاأَبَابَكْرٍكَمَثَ لِعيسى،قَالَ:{إِنَّتُعَذِّبْهُمْفَإِنَّهُمْعِبَادُ كَوَإِنْتَغْفِرْلَهُمْفَإِنَّكَأَنْتَالْعَزِيزُالْ حَكِيمُ}،وَمَثَلَكَيَاعُمَرُكَمَثَلِنُوحٍ،قَالَ:{ر َبِّلاتَذَرْعَلَىالأَرْضِمِنَالْكَافِرِينَدَيَّارً اإِنَّكَإِنْتَذَرْهُمْيُضِلُّواعِبَادَكَوَلايَلِدُ واإِلاَّفَاجِرًاكَفَّارًا}،وَمَثَلَكَيَاعُمَرُكَمَ ثَلِموسى،قَالَ: {رَبَّنَااطْمِسْعَلَىأَمْوَالِهِمْوَاشْدُدْعَلَىقُ لُوبِهِمْفَلايُؤْمِنُواحَتَّىيَرَوُاالْعَذَابَالأَ لِيمَ}،أَنْتُمْعَالَةٌ،فَلايَنْفَلِتَنَّمِنْهُمْأَ حَدٌإِلابِفِدَاءٍأَوْضَرْبَةِعُنُقٍ))،قَالَعَبْدُا للهِبْنُمَسْعُودٍ: فَقُلْتُ: يَارَسُولَاللهِ،إِلاسُهَيْلُبْنُبَيْضَاءَ،فَإِنِّي سَمِعْتُهُيَذْكُرُالإِسْلامَ،فَسَكَتَرَسُولُاللهِِ ـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ،فَمَارَأَيْتُنِيفِييَ وْمٍأَخْوَفُأَنْيَقَعَعَلِيَّحِجَارَةًمِنَالسَّمَا ءِمِنِّيحَتَّىقَالَرَسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ: ((إِلاَّسُهَيْلُبْنُبَيْضَاءَ))،فَنَزَلَالْقُرْآنُ بِقَوْلِعُمَرَ،"مَاكَانَلِنَبِيٍّأَنْيَكُونَلَهُأَ سْرَىحَتَّىيُثْخِنَفِيالأَرْضِ"،إِلَىآخِرِالآيَاتِ ".
قال القاضي البيضاوي: (والآيةُدَليلٌعلىأَنَّالأَنْبياءَـ عَلَيْهِمُالسَّلامَيَجْتَهِدون،وأَنَّهُقديَكونُمنه م الخَطأُ،ولكنْلايُقَرُّونَعَلَيْهِ). ولكنْ بما أَنَّهُـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، استشارَ أصحابه في أمرِ الأسرى فهذا يعني أنَّه لميُوحَإليْهِبِشَيْءٍفيذَلِكَ،وأَنَّاللهَأَوْكَلَذ َلِكَإلىاجْتِهادِرَسُولِهِ لحكمةٍ أَرادها،فرَأَىالنبيُّ أَنْيَسْتَشيرَالناسَ،ثمَّرَجَّحَأَحَدَالرَأْيَيْنِ باجْتِهادٍ،وقَدْأَثمرَالاجْتِهادُأَنْأَسْلَممِنْهم حِينَئذٍسُهَيْلُبْنُبَيْضاءَ،وأَسْلَمَمِنْبعدُالعب َّاسُوغيرُهُ،وخَفِيَعلىالنَبيِّـ صلىاللهعليهوسلَّم،شيءٌلمْيَعْلَمْهُإلاَّاللهُوهُوإ ضْمارُبَعْضِهمالتأهُّبَ لقتال المسلمين بعدالرجوعإلىقومهم، فكانت معركةُ أحُد.
وقد اخْتارَالنبيُّ الفداءَلأنَّهُمِنَاليُسْرِوالرَحمةِبالمُسْلِمينَ،إ ذْكانوافيحاجةٍإلىالمالِ،وكانرَسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعليهِوسَلَّم،ماخُيِّرَبينأَمْرَيْنِإلاّ َاخْتَارَأَيْسَرَهُمامالميَكُنْإثْماً.
ورُويَأَنَّذلككانَرَغبةَأَكْثَرِهم،وفيهِنَفْعٌللمُ سْلِمين،وهُمفيحاجةٍإلىالمالِ. أخرج الطبريُّ وابْنُسيرينَ وابنُ أبي شيبةَ عَنْ عَبِيدَةَالسَّلْمانيِّعَنْعَلِيٍّـ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: جاءَجبريلُـ عليه السلامُ، إلىالنبيّـ صَلَّىاللهُعَليهِوسلَّمَ،فقالَلَهُ: يامحمَّدُ،إنَّاللهَقدْكَرِهَماصَنَعَقومُكَفيأَخْذِ هِمُالأُسارى،وقدْأَمَرَكَأَنْتُخَيِّرْهمبَينَأَمْر يْنِ: أَنْيُقَدَّموافَتُضْرَبَأَعْناقُهم،وبَينَأَنْيَأْخ ُذواالفِداءَعلىأَنْيُقْتَلَمِنْهمعِدَّتُهم. قالَ: فَدَعارَسُولُاللهِـ صلىاللهُعَلَيْهِوسَلَّمَ،الناسَفَذَكَرَذَلِكَلهم،ف َقالوا: يارَسُولَاللهِ،عَشائرُناوإخْوانُنا!! لابَلْنَأْخُذُفِداءَهمفَنَتَقَوَّىبِهِعلىقِتالِعَد ُوِّنا،ويُسْتَشْهَدُمِنّاعِدَّتُهم،فَلَيْسَفيذَلِك َمانَكْرَهُ! قالَ: فَقُتِلَمِنْهميَوْمَأُحِدٍسَبْعونَرَجُلاًعِدَّةَأُ سارىأَهْلِبَدْرٍ.
قالَقتادَةُفادوهمبِأَرْبَعَةِآلافٍأَرْبَعةِآلآفٍ،و رُوِيَأَنَّأَسْرىبَدْرٍافْتُدوابِأَرْبعينَأُوقيَّة ًأَرْبعينَأُوقيَّةًإلاَّالعَبَّاسَفإنَّهُافْتُدِيَ بمِئَةِأُوقيَّةٍ.وقالَعُبَيْدَةُالسَلْمانِيُّ:كانَ فداءُأَسْرَىبَدْرٍمِئةَأُوقيَّةٍ،والأوقية،أَرْبعون َدِرْهماً،ومِنَالدنانيرِسِتَّةُدَنانير.
وقالَالقُشَيْرِيُّ: أَخَذَالنبيُّـ صلَّىاللهُعَليْهِوسَلَّمَ،يَوْمَبَدْرٍمِنْهمُالفِد اءَ،وكانذلكَجائزاًلِوُجوبِالعِصْمَةِ،ولكنَّقَتْلَه مكانَأَوْلى. وقالَابْنُعَطيَّةَ: إنَّماتَوَجَّهَالعِتابُللصَحابَةِعلىاسْتِبْقاءِالر ِجالِدُونَقَتْلِهم،لاعلىالفِداءِ؛لأنَّاللهَتَعالىق دكانخَيَّرَهم،فاخْتَارواالفداءَعلىأَنْيُقْتَلَمِنْ همسَبْعين. ثمَّقالَ: والنبيُّـ عليْهالصَلاةُالسَّلامُ،خارجٌعَنْذَلكَالاسْتِبْقاءِ . فإنْقلتَ: إذاكانالحقتعالىخيَّرهمفكيفعاتبهم،وهملميرتَكِبوامحْ ظوراً؟فالجَوابُ: أَنَّالعِتابَتَابِعٌلِعُلوِّالمَقامِ،فالخَواصُّيُع اتَبونَعلىالمُباحِ،إنْكانفِعْلُهُمَرْجوحاً،والحَقّ ُتَعالىإنماعاتَبَهمعلىرَغبَتِهمفيأمرٍدُنْيَوِيٍّ،و هوالفداء،حتىآثرواقتلَأَنْفُسِهِمعلىأَخذِهِ،ويَدُلّ ُعليهِقولُهُ: "تُريدونعَرَضالدنيا"،وهذاإنَّماكانفيبعضِهم،وجُلُّه مإنَّمااخْتَارواالفِداءَاسْتِبْقاءًلِقَرابَةِالرَس ولِـ عليْهِالصلاةُوالسَلامُ.
قَولُهُ: {تُرِيدُونَعَرَضَالدُّنْيَاوَاللهُيُرِيدُالآخِرَةَ }يُنَبِّهَاللهُتَعَالَىرَسُولَهُوَالمُؤْمِنِينَإِل َىأَنَّفَضَّلُوا هُمْإذ عَدَلواإِلىفِداءِ الأََسْرى،فقد فَضَّلُوا عَرَضَالحَيَاةِالدُّنْيا،أَيْ حُطامَها، لأنَّ اللهَ تعالى كان قد أمرهم بقتلِ الكفَرَةِ في الآية: 12. فقال: {فَاضرِبُوافَوْقَالأَعنَاقِواضرِبُوامِنهُمكُلَّبَن َان} لكنَّهم بادروا إلى أسرهم طمعاً في أنْ يفتدونهم بعرض الدنيا وحطامِها، أَمَّاهُوَتَعَالَىفَإِنَّهُيُرِيدُلهم الآخِرَةَ وما فيها منْ عظيم الأجرِ والثوابِ.
قولُهُ: {وَاللهُعَزِيزٌحَكِيمٌ} واللهعزيز:فِيانْتِقَامِهِ،يَغْلِبُأَوْلِياءَهُعلىأ َعْدائِهِ،"حَكيمٌ"فِيشَرْعِهِوَتَدْبِيرِهِ، يَعْلَمُمايَليقُبِكَمالِحالهمويخصهمبها،كماأَمَرَبا لإثْخانِ،ومَنَعَمِنْأخذِالفِداءِحينكانتالشَوْكَةُل لمُشْركين،وخَيَّرَبينَ الفِداءِوبينالمنِّلماتحوَّلَّتْالحالُ،وصارتِالغَلَ بَةُللمُؤمنين.
قولُهُ تعالى:{ما كان لنبيٍّ أنْ يكونَ له أسرى} المصْدَرُ المُؤوَّلُ مِنْ "أَنْيَكون" اسْمُكانَ، و "لنبيٍّ" الجارٌّوالمجرورُ خبرُها.
وقولُهُ: {في الأَرْضِ}هذاجارٌّعلىحَقيقَةِالمَعنىمِنَالظَرْفِيَّ ةِ،أَيْ:يَتَمَكَّنَفيالدُنْيا.
قولُهُ: {تُرِيدُونَ} هذهالجملةُ واقعةٌموقِعَالعِلَّةِللنَهْيِالذيتَضَمَّنَتْهُالآي ةُ:"مَاكَانَلِنَبِيٍّ"فلذلكفصلت،لأنالعلةبمنزلةالجم لةالمبَيِّنَة.
وجملةُ: "وَاللهُعَزِيزٌحَكِيمٌ"عطفعلىجملة: "وَاللهُيُرِيدُالآخِرَةَ"عطفاًيُؤذِنُبأنَّلهذَيْنِ الوَصْفَيْنِأَثَراًفيأنََّهُيُريدُالآخِرَةَ،فيكونك التعليلِ.
قرأَ العامَّةُ: {ما كانَ لنبيٍّ} فقيل إنَّ في ذلك تَلَطُّفاً به ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، حتى لا يوجَّه العتابُ إليه مباشرةً. وقرأَأَبوالدَرْداءِ. وأَبوحَيَوَةَ"لِلنَّبِيِّ"بالتَعريف، فقيل: إنّ ذلك على تقدير مضافٍ، أي: ما كان لأصحابِ النبيِّ، بدَليلِقولِهِتَعالى: "تُرِيدُونَ".
وقرأَ {أَنْيَكُونَلَهُأَسْرَى} بالتذكيرمراعاةًللفظالجمع. وقرأأَبوعمرو"تكون"بالتأنيثمراعاةًلمعنىالجماعة.
وقرأ الجمهورُهُناعلى"أَسْرى"وهوقياسفعيلبمعنىمفعولدالاَّ علىأَنَّهكجريحوجَرْحى وقتيل وقتلى. وقرأَابنُالقعقاعوالمفضَّلعنعاصم"أُسَارى"شبَّهوا"أس ير"بكَسْلانفجمعوهعلى"فُعالَى"ك "كُسالى"،كماشبَّهوابه"كسلان"فجمعوهُعلىكَسْلى. وسمِّيَ الأسيرُ بهذا اسمِ لأنَّهم كانوايشدونَهبالقِدِّمن الجلدِ وهوالإسارُ،فسُمِّيَبه كُلُّأَخيذٍوإنلميؤسَرْ. قالَالأَعْشى:
وقيَّدَنيالشِعْرُفيبَيْتِهِ ..................... كَماقيَّدَالآسِراتُالحِمارا
وقدمضىهذافيسورة "البقرة". وقالأبوعَمْروبْنُالعلاء: الأَسْرىهُمْغيرُالمُوثَقينعندمايُؤخَذون،والأُسارىه ُمُالمُوثَقونربطاً. وحَكىأبوحاتمأَنَّهسمِعَهذامِنَالعَرَبِ. وقدتقدَّمالقولُفيهمافيالبقرةمحقَّقاً.
وقَرَأَالعامَّةُ: {يُثْخِنَ} مخففاًعدَّوهبالهمزة،وقرأأبوجعفرويحيىبْنُوثَّابٍ،وي حيىبْنُيَعْمُرَ"يُثَخِّن"بالتَشديد،عَدَّوْهبالتضعي فِ،وهومشتقٌّمنالثَّخانة،وهيالغِلْظُوالكَثافَةُفيال أَجْسامِ،ثمّيُستعارذلكفيكَثرَةِالقتلوالجراحاتفيقال : أَثْخَنَتْهالجراحُأَيْ: أَثقلتْهُحتىأَثْبَتَتْه،ومنْهقولُه تعالى في سورة (محمد): {حتىإِذَاأَثْخَنتُمُوهُمْ} الآية: 4. وقيل: حتىتقهر. والإِثخان: القهر. ويقالُمِنْهُ: ثَخُنَيَثْخُنُثَخَانةًفهوثَخِين،كظَرُفَيَظْرُفُظَر افَةًفهُوظَريفٌ.
وقرأ الجمهورُ: {واللهيُرِيدُالآخرة} بنصبِ"الآخرة"،وقرأَسُليمانُبْنُجمازالمدنيبجرِّها،و خُرِّجتْعلىحذفِالمُضافِوإبْقاءِالمضافِإليْهعلىجَرّ ِهِ. وقدَّرَهُبعضُهم: واللهُ عَرَضَالآخِرَةِ،فعِيبَعليْهِإذْلايَحْسُنُأَنْيُقال َ: واللهُيَريدُعَرَضَالآخرةِ،فأَصْلَحَهُالزَمَخْشَرِي ُّبِأَنْجَعَلَهكذلكلأَجْلِالمُقابَلَةِقال"يَعنيثوا بها". وقدَّرَهُبعضُهمبأَعْمالِأوثوابِ. وجعلَهأَبوالبَقاءِكَقولِأبودؤادٍالأيادِيِّ:
أَكُلَّامْرِئٍتحسببنَّامْرَأً ........................ونارٍتَوَقَّدُبالليلِناراً
وقدَّرالمضاف"عَرَضَالآخرة". قالَالشيخ أبو حيّانَ الأندلُسيُّ: ليْسَتِالآيةُمثلَالبيتِفإنَّهُيَجوزُذلكإذالميُفْصَ لْبينحرفِالعَطْفِوبينَالمجرورِبِشَيْءٍكالْبَيْتِ،أ َوْيُفْصَلُبِ"لا"نحو قولِكَ: مامِثْلُزَيْدٍولاأَخيهِيَقولانِذلكِ.أَمَّاإذافُصِل بِغَيْرِهاكَهذِهِالقِراءَةِفهُوَشاذٌّقَليلٌ.
لَوْلاكِتَابٌمِنَاللهِسَبَقَلَمَسَّكُمْفِيمَاأَخَذ ْتُمْعَذَابٌعَظِيمٌ
(68)
قولُهُ ـ تعالى جَدُّه: {لَوْلاكِتَابٌمِنَاللهِسَبَقَمسكمفيماأخذتمعذابعظيم } خِطابٌ مِنْهُ سُبْحانَهُ، لأهلِ بَدْرٍ مِنَ الصَحابَةِ ـ رُضْوانُ اللهِ عليهم، أنَّهُ لولاقَضاءٌمِنَاللهِسَبَقَلَكمْفياللَّوحِالمحفوظِ،ب ِأَنَّاللهَمُحِلٌّلَكُمُالغَنيمَةَ،وأَنَّهُلايُعَذ ِّبُأَحَدًاشَهِدَالمَشْهَدَالذيشَهِدْتُموهُبِبَدْر ٍمَعَرَسُولِ اللهِـ صلَّىاللهُعليهِوسَلَّمَنُصْرَةًلدينِاللهِ،لَنالَكم مِنَاللهِ عَذابٌ عَظيمٌ،بما أَخَذْتممن الغنيمَةِوالفِداءِ.
وقد اخْتَلَفَالنّاسُفي"كتابِاللهِالسابِقِ"علىأَقوالٍ،أ َصَحُّهاما تقدّم فيما يخصُّ الغنائمَ والأسرى،فإنِّهاكانتْمُحَرَّمَةًعَلىمَنْقَبْلَنا. فلَمَّاكانَيَوْمُبَدْرٍ،وفرَّتْ قريشُ، أَسْرَعَالناسُإلىالغنائِمِ،فأنْزَلَاللهُُـ عَزَّوَجَلَّ"لَوْلاكِتَابٌمِنَاللهِسَبَقَ"أيْبِتَح ْلِيلِالغَنائِمِ لكم. وتحتملُ هذه العِبَارَةُأَقْوَالاً:
أَوَّلَها: لَوْلاَأَنَّاللهَلاَيُعَذِّبُمَنْعَصَاهُحَتَّىيَتَ قَدَّمَإِلَيهِبِالإِعْذَارِ،لَعَاقَبَالمُسْلِمِينَ عَلَىأَخْذِهِمالفِدَاءَ.
وَثَانِيها:أَنَّهُلَوْلاَكِتَابُمِنَاللهِسَبَقَفِي عِلْمِهِالأَزَلِيِّألاَّيُعَذِّبَكُمْوَالرَّسُولُف ِيكُمْ،وَأَنْتُمْتَسْتَغْفِرُونَهُمِنَالذُّنُوبِلَ مَسَّكُمْبِسَبَبِأَخْذِكُمالفِدَاءَعَذَابٌعَظِيمٌ.
وَثَالِثَهَا:أَنَّهُلَوْلاَأَنَّهُتَعَالَىقَدْسَبَ قَمِنْهُالوَعْدُلِلْمُسْلِمِينَالذِينَشَهِدُوابَدْ راًبِالمَغْفِرَةِلَمَسَّهُمْعَذَابٌعَظِيمٌ.
وَرَابِعَها:لَوْلاَحُكْمٌسَابِقٌمِنَاللهِبِالعَفْو ِعَنِالمُجْتَهِدِالمُخْطِئِلأَصَابَكُمْفِيمَاأَخَذ ْتُمْعَذَابٌعظيم.
وأَخْرَجَابْنُأَبيشَيْبَةَفيمُصَنَّفِه،والتِرْمِذِ يُّوصَحَّحَهُ،والنَسائيُّ،وابْنُالمُنْذِرِ،وابْنُأ َبيحاتم،وأَبوالشيخ،وابْنُمَردويْهِ،والبَيْهَقِيُّف يسُنَنِهِ،وأبوداوودَالطيالِسِيُّفيمُسْنَدِهِ،كلُّه م عَنْأَبيهُريرَةَـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قالَ: لماكانيَوْمُبَدْرٍتَعَجَّلَالنَّاسُإلىالغَنائمَِفأ َصابوها،فقالَرَسُولُاللهِـ صَلَّىاللهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ: ((إِنَّالْغَنِيمَةَلاَتَحِلُّلأَحَدٍسَوَّدَالرُّؤُ وسَغَيْرَكُمْ،فَكَانَالنَّبِيُّإِذَاغَنِمُواالْغَن ِيمَةَجَمَعُوهَا،وَنَزَلَتْنَارٌمِنَالسَّمَاءِفَأَ كَلَتْهَا،فَأَنْزَلَاللهُـ عَزَّوَجَلَّهَذِهِالآيَةَ: "لَوْلاكِتَابٌمِنَاللهِسَبَقَ"إلىآخِرِالآيَتَينِ)) .
وأَخْرَجَإسحقُبْنُراهويْهِ،وابْنُجريرٍالطبريُّ، وابْنُالمُنْذِرِ،وابْنُأَبيحاتمٍ،والطَبرانيُّفيالأ َوْسَطِ،وأبوالشيخ،وابْنُمردويْهِ،عنْابْنِعَبَّاسٍـ رَضِيَاللهُعَنْهُما،فيقولِهِتعالى: "لولاكتابمناللهسبقلمسكمفيماأخذتمعذابعظيم"يَعْنيغَن ائِمَبَدْرٍقَبْلَأَنْيُحِلَّهالهم،يقول: لولاأَنّيلا أُعَذِّبَمَنْعَصانيحَتّىأَتَقَدَّمَإليْهِ،لَمَسَّك ُمْعَذابٌعَظيمٌ.
وأَخرجابْنُجَريرٍعَنمحمَّدٍبْنِإسْحاقَ،أَنَّالنَبِ يَّـ صلىاللهعليهوسَلَّمَ،قالعندنزولهذهالآية: ((لوأُنْزِلَمِنَالسَماءِعَذابٌلمانَجامِنْهُغَيرُعُ مَرَبْنِالخطّابِ. وسَعْدبْنِمُعاذٍلِقولِهِ: كانَالإثخانُفيالقَتْلِأَحَبَّإليَّ)).وكان سَعْدُبْنُمُعاذٍـ رضي اللهُ عنه، قائماًعلىبابِالعريشِيحرُسُرَسُولَاللهِـصلىاللهعليه وسلَّمَ،فينفرٍمنَالأَنْصارِ فلمّاأَطْلَقَالقومُأَيْدهميَأْسرون،رأَىرَسُولُالله ِفيوجْهِسَعْدٍالكَراهِيَةَلمايَصْنَعُالنَّاسُ،فقال له(واللهلكأنَّكَياسَعْدُتَكرهُمايَصْنَعُالقومُ؟) )فقال: أَجَلْواللهِيارَسُولَاللهِ: كانَتْهَذِهِأَوَّلَوَقْعَةٍأَوْقَعَهااللهُبِأَهْلِ الشِرْكِ،فكانَالإِثْخانُفيالقَتْلِأَحَبَّإليَّمِنِ اسْتِبْقاءِالرِجالِ.
قولُهُ تعالى: {لَوْلاكِتَابٌمِنَاللهِسَبَقَ} لولا:حرفُامْتِناعٍلوُجودٍ،و "كتاب" مُبتَدَأٌ،خبرُهمحذوفٌتقديرُه: موجودٌ،والجارُّ "منالله" متعلِّقٌبِنَعْتٍل"كتاب"،وجملة: "سَبَقَ" الفعليَّة نَعْتٌثانٍ ل "كتاب".







التوقيع

أنا روحٌ تضمُّ الكونَ حُبّاً = وتُطلقُهُ فيزدهر الوُجودُ
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 1
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموسوعة القرآني فيض العليم من معاني الذكر الحكيم سورة الأنفال الآية: 69 ـ 75 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 09-09-2015 08:40 AM
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سورة الأنفال الأية: 47 ـ 57 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 09-09-2015 08:30 AM
فيض العليم ... سورة الأنفال، الآية: 32 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 02-07-2015 07:08 AM
فيض العليم ... سورة الأنفال، الآية: 30 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 02-05-2015 07:32 AM
فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سورة النساء، الآية: 77 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 3 07-13-2013 04:52 PM


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010