آخر 10 مشاركات
سأنتظر البحر إذن (الكاتـب : - مشاركات : 261 - المشاهدات : 9953 - الوقت: 02:52 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          ،،علمني.../ علمتني...! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 224 - المشاهدات : 4902 - الوقت: 02:05 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          للصباح في عينيك ...! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 379 - المشاهدات : 10750 - الوقت: 02:04 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          على رصيف الانتظار (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 27 - المشاهدات : 1398 - الوقت: 02:04 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          مواســــم ... (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 210 - المشاهدات : 12217 - الوقت: 01:33 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          ماذا تقول للشخص الذي خطر ببالك الآن؟ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1195 - المشاهدات : 42125 - الوقت: 01:30 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          سجل حكمتك لهذا اليوم (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4871 - المشاهدات : 106642 - الوقت: 01:28 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          أنا و(جمال) : شعر :: صبري الصبري (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 10 - المشاهدات : 120 - الوقت: 12:57 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          طيوب الهجرة / شعر د. جمال مرسي (الكاتـب : - مشاركات : 14 - المشاهدات : 102 - الوقت: 12:46 PM - التاريخ: 09-18-2018)           »          .. ورقة مطوية في كف طفل .................. (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 7 - المشاهدات : 118 - الوقت: 12:09 PM - التاريخ: 09-18-2018)




شعرية الواقع في تثوير المواقع في ديوان " ثورة الأموات " لأحمد مفدي " تأملات في أرصفة

النقد و الدراسات النقدية


إضافة رد
قديم 05-09-2018, 02:03 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
شاعر
إحصائية العضو






إدريس زايدي is on a distinguished road

إدريس زايدي غير متواجد حالياً

 


المنتدى : النقد و الدراسات النقدية
افتراضي شعرية الواقع في تثوير المواقع في ديوان " ثورة الأموات " لأحمد مفدي " تأملات في أرصفة

شعرية الواقع في تثوير المواقع
في ديوان " ثورة الأموات " لأحمد مفدي
" تأملات في أرصفة التيه " أنموذجا


توطئة

قد لا يتحدَّدُ الشعرُ بعيدا عن شعريةِ القصد. ولا يمكن أن يكون الشعر إلا مهمازَ غوايةِ النظر . تلك هيَ نشوة شاعر ينثر موجدته للآخر الذي يحملهُ إنسانا، فيمنحان معاً نفسيهما فسحةً ماتعةً في حروفٍ قُدَّتْ من مشترَك . منه المُدرَكُ وغيرُ المُدرَكِ . وكلٌّ يأمُلُ أن يَقرأ ما خرج إلى السطور، إيمانا بأن الشعر هو فقهُ الروحِ، واستعارة مشتركة . ولعل ذلك المشترك هو الذي جعل الشاعر يَفتِنُ الحياةَ عَنِ الموتِ ، ليُخرجَ الميتَ من الحيّ وَيصنعَ لنا سمتاً لفهم القليل منْ ديوان تعلَّقَ الثورة في الموتِ، فتجلى الأمواتُ في اللوحة ، يحملون ثقوبا في الوجه . هي أفواه فاغرةٌ ، تعلو بياض الزيّ كَفناً. فاختلط البياض بالسواد بين الجسوم وظلالها . في فضاء الطبيعة التي رسمتْ غماماتِها ، لتلُفَّ شخصيات ترفع أيديها تعبيرا عن الاستنكار بلغة الصوت الممتدّ في وجوهنا، نحن قراء الصورة قبل فحوى الكتاب .
ومن منطلق جلالِ الشعر، آثرنا أن نتحدث بقليل من الكلام ، عن ديوان " ثورة الأموات" أملا أن تكون المقاربة نوعا من النقد الثقافي والقراءة الأنطولوجية لشعرية عالية مرتبطة بأسئلة عميقة عن الوجود الإنساني ، وما يرتبط به ، حتى نتبين أن الشاعر أحمد مفدي يحمل رؤية إلى العالم والتاريخ في مؤلَّفِه ،رؤيةً تقاوم عبثية الحياة بشكل عام . فتغدو التجربة الشعرية عنده مسارا لصراع بين أسئلة الوجود وعدميته ، كأن مُنحنى الرؤية يصبُّ في حِكمة تحاول التخلص من فضيحة السقوط في براثن الحياة الفانية . وكأني بالشاعر يستحضر قول أبي العلاء المعري :
نَهَارٌ وَلَيْلٌ عُوقِبَا ، أَنَا فِيهِمَا
كَأَنِّي بِخَيْـــــطِي بَاطِلٌ أَتَشَبَّثُ
أَظُنُّ زَمَانِي ، كَوْنُهُ وَفَسَادُهُ
وَلِيداً بِتُرْبِ اُلأَرْضِ يَلْهُو وَيَعْبَثُ

تثوير الواقع وإيقاظ المواجع

ومن خلال ديوان " ثورة الأموات " نرتشف مواجع الاستعارة ، ونبادر إلى القول بأن كلام الشاعر أحمد مفدي ليس توصيفا ، أو قراءة تقع خارج مرجعياتها، وإنما القصيدة في أعماله هي صيحة موجعة . ولغةٌ تعانق الوعي والتاريخ ، بما هو جرح غائر . واللغة عنده تمسُّكٌ يهوي من الحس الإيديولوجي ليكون فعل النضال عنده خارج المفهوم الدونكيشوتي . هو الشعر عنده تجدد مستمر لرؤياه دون بحث جديدٍ عن جوهرٍ خارجَ الثابتِ فيهِ . فالشاعر يرشفُ المعنَى وجعاً نهْريا في قصائد قد تغطي صفحات الديوان كله . وكأن تيمة الموت في ديوان "ثورة الأموات " هي بؤرة التشظي في مرايا منكسرة ، فتعكس الشيء موَحَّداً في ألفِ وجهٍ ووجهٍ من كل جزء . بما يعني أن ثورة الأموات هِيَ صورةٌ للموت فينا ،والذي يتحدد بغياب باعثٍ على تخيُّل ذلكَ المَيِّتُ الذي يبعث الحياة في الأحياء ، ويُشعل فتيل الرؤيا ليحترقَ الشاعر في رؤياه . ثمَّ يعودُ لنفسه يُجانس بين الحياة والموت ، فيكتب عن الإنسان الذي يجابه قدرَهُ. فجاء نسغ الشعر يتملكه الوجع ، حيث لا يدري الشاعر طرفي ثنائية الدائرة . فكل حي عنده ميت ، وكل ميت منه ينبعث الحي . وهو ما يجعل من شعر شاعرنا يقوم على ثنائية التوصيف والتنبيه حدَّ التقريع ، ومؤسسا على خطية الوجود . إذِ الإنسانُ لا يموت حين يعانق الموتى ، بل يتوسد إيمانه بأن الموت حياة مجاوزة للحسي والمدرك. إنه اعتراف شعري يغلفه الشاعر بأسطورة الفينيق تضمينا ، حيث يتراسل مع الموروث الديني الإسلامي والثقافة الإنسانية والعالمية عموما .
إن وجع الشاعر هو ما تقول العبارة . وكل عبارة ترميز لواقع ثقافي غير متجانس الأركان . ومن منطلق الوثوقية جاءت الجمل إخبارا بحقيقة الوعي وبدونية القيم . وهو القائل :

وَقَدْ لَوَّثَهُمْ هَذَا اُلسُّحْتُ اُلسَّائِلْ!...
فَسَتُلْفِيهِمْ تَارِيخاً مَلْفُوفاً فِي اُلْعُلَبِ ....
!

إن فعل التأمل في قصيدة " تأملات فِي أرصفة التيه " هو مناجاة الشاعر لحال الثبات في الحال ، يستثيرها في نداءات تتكرر كلازمة بعبارة " أيها الواقف ..." وكأن العبارة إنشاء لحركية ينشدها في الواقف ، والوقوف يحمل أكثر من دلالة حين يكون المنادى نكرة مقصودة ، فذلك الواقف في رصيف التيه، يتصف بصفات المتفرج المعتوه الخاسر، يقول :
أيها الواقف في رصيف التيه...
تتفرَّج كالمعتوه الخاسرِ ذاتَهُ في
أنديةِ الرَّيْنِ ... !
ذاك هو الواقف الذي يحضر في تأملات الشاعر ، والذي يقع في عالم مدنس ( أندية الرين) ،هو عالم الواقف الذي لا يدرك ذاته ...وكأن الشاعر يستنهض الأمة بعنوان الديوان " ثورة الأموات " . استحضارا لأنواع من الموت بما يعني أنْ هُبُّوا أيها الواقفون فمنكم : المتفرج والمعتوه ، والقاطف وباءَ الدولار ، والمشدوه والقاتل والباحث عن وجه آخر والمُخفي وجهه ، والواقف تحت المطر النفطيّ ، والواقف مفزوعا ، والمائل ...
فهذا "الواقف " عند الشاعر متنوع الوقفةِ من حيث سلبية الموقف، رغم توارد الصيغة الصرفية ( فاعل) ، وفي مواقع السلب عامة، لذلك توزعت الرؤية بين توصيف الحال ، وما ينبغي أن تكون عليه . مستحضرا غربة الإنسان العربيّ عن ذاته وهويته ، في لغة انتقادية تمارس شعرية الفضح لواقع موبوء، مع ختمٍ باستدراك يعود على صدر القصيدة ، حين يقول :
لَكِنْ...
مَنْ يَفْقِدُ فِي مَمْشَاهُ هُوِيَّتَهُ ...
لاَ يُحْزِنُهُ أَنْ تُفْقَأَ عَيْنَاهْ.... !
كَاُلسَّادِرِ فِي حَيْرَتِهِ
قَدْ يَغْزِلُ مِنْ لَيْلِ عَمَاهُ هَوَاهْ... !
وَمن هذه البنية الحلزونية في القصيدة ، ندرك قلق الشاعر ، الذي يعكس رسالته الثقافية ، التي تعري وتفضح علاقة الإنسان العربي بذاته وهويته ، فالشاعر يجمع بين اليأس والأمل ، على غرار كبار الشعراء أمثال عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وعبد الله راجع وأحمد المجاطي وغيرهم ممن حملوا لواء شعرية التاريخ بهمومها وقلقها ، وكأن واجب الفضح ليس سوى توجيه المرء إلى إعادة النظر في ذاته ونفسه ، كيْ يتخلص من وهْمِ ما صنعته ثقافتُهُ السلبية المسؤولة عن واقع الأمة العربية ، وما آلت إليه ، تلك الثقافة غيْرُ المؤسَّسَة ِعلى العقل وبُعدِ النظر . وبأسلوب السخرية يقول الشاعر :
مَا أَرْوَعَ أَنْ يَرْتَاحَ اُلغَافِلُ
فِي أَسْوَارِ جَنَائِنَ عَلَّقَهَا ...
وَهْمٌ فِي أَحْدَاقِ اُلْعَرَبِ ... !
[/SIZE]

شعرية الكتابة

[SIZE="3"]إن قراءة أشعار الشاعر أحمد مفدي من خلال دواوينه ، لا شك أنه يتهيب دخول عوالمه الشعرية الشاسعة ، لأنها تتوحد في رؤية تتعدد أوجهها بين اللغة ، والثقافة ، والتخييل ...وغيرها من آليات الكتابة كالترميز والأسطورة والمجاز بأنواعه . ومن هذه العوامل تتشكل الصورة الشعرية إِنْ جزءاً أو على امتداد جسد القصيدة كلها .
ويعتبر فعل التوليد ميسما أساسا في شعر أحمد مفدي ، عبر المقاطع أو الجمل ، فتصير القصيدة نهرا يجري وفق تخطيط يصنع مجاريها ، حتى لتغدو القصيدة بيانا عن تجربة مثقف حاملٍ همَّ الوطن والإنسان، وما يُحاكُ ضد العروبة والإسلام .وهذا الشعور تؤكده بنية النص الشعري التي تركب سردية توحي بأن الشاعر أحمد مفدي لم تلهِهِ الموضاعات خارج الإحساس بفجيعة التاريخ .فكأن السرد عنده هو البنية الكبرى التي تؤطر الفعل الشعري . ويمكن التمثيل على ذلك بطول القصيدة كما باقي القصائد في جملة دواوين الشاعر الذي خبر تحولات مراحل تاريخية طويلة ، في أوجهها الفكرية والثقافية والسياسية، وطنيا وعربيا ودوليا . ومن فعل السرد والتوليد يمتد اجتراح الحس الثوري عبر تجديد المقاطع المكونة لنص القصيدة . وكأننا أمام حوارية قوية مع التاريخ بحثا عن معنى بعيدٍ عن الخدر الإيديولوجي ، واحتفاءً بلغة الوعي والتاريخ .
إن " ثورة الأموات " للشاعر أحمد مفدي بقصائده الإثنى عشر والموزعة عبر 180 صفحة بمعدل خمسة عشر لكل قصيدة ، يحمل دلالة عميقة عن وجع لا ينتهي. فهو يفتتح قصيدة " تأملات ..."بنداء مقصودٍ مخاطَبُهُ ( أيها )، وبهذا الخطاب الموجَّه ، ينبه إلى وعي الذات بذاتها ،من خلال بنية الجملة الشعرية التي يشفعها بثلاث نقط للحذف إنشاءً، ثم يتبعها بجمل متلاحقة تؤكد ثبات الحال. وبين الإنشاء والخبر ينشئ الشاعر خريطة الرؤية التي تتساوق والحركية التي يبعثها فعل التثوير . ويتحقق من مفارقة الإضافة إثارة قصوى حين تنضاف الحركة للثبات كما يبين عنوان الديوان ( ثورة الأموات) ، فتقرأ في الجملة حركيتها التي ستنبسط على امتداد قصائد الديوان ، وكأن عنوان القصيدة " تَأَمُّلاتٌ فِي أَرْصِفَةِ اُلتِّيهِ" يركبُ المدى بالتأمل المحمول على توصيفِ ثبات الحال . هكذا يصبح الثابت أصلا للحركة ، حيث يلتقط الشاعر صورا متلاحقةً لهذا الجسدِ المخمورِ بسكراتِ الموت ، وتكون الجملة الاسمية دالاً على تعلق أرصفة التيه بالكامن في ظرفيةِ حرفِ الجر (في) بما يحمله من احتواء ، والاحتواء مجلبة للظلمة . ويكون التأمل في محتوى الضياع مُحفزا على النهضة والثورة . بما يعني الخروج من نفق الظلمة إلى معانقة النور . وهو فعل النضال الذي يراهن عليه الشاعر، خارج أيقونة الجملة الشعرية عن طريق التأويل لرؤيته التي تَغْرِفُ من وصف الحال الثابتة ، كإدراك لمعنى وجودٍ لا يتحقق إلا بحركةٍ تستثيرُ عينَ المتلقي أن تنظرَ إلى ما حولها ، فتتخِذَ قرارَ زحزحةِ المواقع ، لتدرك أن الوقوف موتٌ يتعددُ شكلُهُ . فهو صنو الجهل ، إذ يقول الشاعر :
لِمَنْ تَقْطِفُ أَزْهَارَ وَبَاءِ اُلدُّولاَرِ وَمَا
تَدْرِي أَنَّ عَصَافِيرَ اُلشَّرْقِ غَدَتْ
تَسْقُطُ صَرْعَى ... !؟
وأمام هذا الواقع الممتد إلى تخوم الشرق النفطي ، يؤكد الشاعر فعله النضالي ، جاعلا من الموت سمة العربي ، وهو يعبر بذلك عن مرحلة يقصدها ، كما يدل على ذلك مضمون الإهداء ، الموجَّهِ إلى زمن الحركات النضالية التي عرفها المغرب ، كما باقي الدول التي تشرئب للحرية والاستقلال. وهي المراحل التي كان للإنسان العربي مشتركا وجدانيا ، وصفه الشاعر بقوله " إلى جيل الزمن الجميل بكل ما له وما عليه – أثرى الحقل المعرفي بتعدد الرؤى ... كلها تنطق صمودا وجموحا وإصرارا على ضرورة التحول ..." ويقصد الشاعر جيل السبعينيات والثمانينات الذين قضوا ، فيهدي لهم شعره في انتظار موسم الرياح . والقصد في الإهداء جليل ، أن يدل لفظ الرياح على التلاقح مصداقا لقوله تعالى ( وأرسلنا الرياح لواقح ) .
ومن فعل التفكر في قضية التحول ، يقيم الشاعر احتفالا باللغة وللغة . فهو يوقظ اللغة من سباتها لتكشف عن ثقوب مرحلة تاريخية ، مستعينا بنقط الحذف تحريكا لنباهة القارئ وعقله على دخول محراب التأويل لحال الموت ، كحقيقة موجعة .كما يجمع بين عدد الأفعال في صيغة المضارع وبتواتر قوي ،مثلا في المنشور الثالث ، من قصيدة " الوثيقة الأولى والملصقات السبع " :
أَحْرِقُ أَوْسِمَةَ اُلسُّلْطَهْ ...
وَيَجِيئُ صِحَابِي فِي سُدْفَةِ لَيْلٍ ...
لِنُقَهْقِهَ مِنْ فَشَلِ اُلْجُنْدْ
أَوْ نَشْرَبَ شَاياً ، يَيْرُدُ ، يَسْخُنُ .. !
يَتَثَلَّجُ فِي عُنُقِ اُلشَّارِعْ .. !
وَعَلَى أَرْصِفَةِ اُلْمَقْهَى
لُكْنَا وَنَلُوكُ ، نُعَانِقُ أَحْزَانَ اُلصَّبْ ..
ولسنا نقصد بذلك غير التأكيد على أن الشاعر أحمد مفدي مغرم بصيغة المضارع ، والمضارع بما فيه من حركية تؤكد حقيقة الرغبة في متابعة السير والتحدي ، يقول الشاعر في قصيدة " ومضَات / ومضة الانتظار " ص 95:
عِنْدَمَا ، يُورِقُ تَاجُ اُلتَّلِّ شُخُوصاً مُنْبَطِحَهْ
تَزَّاوَرُ شَمْسٌ...تَنْطَفِئُ ...
لاَ ...تَحْتَرِقُ ...
تَنْثُرُ تَالِيَهَا ...
تَغْمِسُهُ فِي دَمِهَا ... ظَمْآناً ...
بَعْدَ هَذَا ، فَلْيَهِمْ دَرْوِيشُ اُلْقَلْعَةِ فِي ظُلْمَتِهِ
أَوْ يَمْضِي فِي نَشْوَتِهِ
قَدْ ضَلَّ طَرِيقَهُ فِي دَمِهَا
إِنْ ضَاعَتْ مِنْهُ عَصَاهُ / فَاُلسُّبْحَةُ فِي يَدِهِ ...
والملاحظُ أن استعمال الفعل المضارع ينسجم مع بنية النضال الذي يغمُرُ كل القصائد في الديوان، توصيفا وانتقادا واستشرافا ، مدعوما بالحث على الفعل بصيغة الأمر ، وكأن الشاعر يستنهض الأموات لتمارس فعلها ، فيعمد إلى الأمر المجانس لرغبة التجاوز على سبيل خطابية إنشائية تؤكد مقصدية الكلام الشعري ، حيث يقول بعد توصيف لحال واقع الواقف :
أَيُّهَا اُلْوَاقِفُ فِي أَرْصِفَةِ اُلتِّيهْ ...
هَلْ تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ بَيْنَ رُكَامِ اُلْغَيْبْ
وَالإِفْكُ شَظَايَا ...
تَزْرَعُهَا فِي اُلْقَلْبِ يَدَاكْ ... !؟
ومن أفعال الأمر نجد في المقطع الأخير من القصيدة على سبيل النصح والإرشاد قوله : لَمْلِمْ عَارَكْ... / فَاطْوِ شِرَاعَكَ يَا هَذَا .../ وَارْحَلْ عَنْ بَيْدَاءِ اُلْعَرَبِ.../ اِرْحَلْ كَيْ تَغْتَسِلَ اُلأَنْهَارْ.../ وَاُحْمِلْ مَنْ أَحْبَبْتَ مِنَ اُلْقَوْمِ / اُنْشُرْ رَحْمَتَكَ اُلْمُثْلَى .... / وَاُسْقِ بَهِيمَتَكَ اُلْعَجْفَاءُ ... / وَدَاوِ اُلْعُشَّاقَ بِشِرْعَتِكَ
وقد جاء الاستفهام ب(هل) ، التي وردت في ستة مواقع متبوعة بفعل مضارع ، لتفيد التقرير والتعجب ، على غرار الاستفهام بالهمزة ، أي حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر عجيب قد استقر عنده ، وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار ، والإنكار نفي ، وهو ما قصد إليه الشاعر بقوله :
- وَهَلْ يُنْبِيكَ عَنِ اُلْخُسْرَانِ كَفَاقِدِ مَا بِيَدَيْهْ ...؟
- هَلْ تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ بَيْنَ رُكَامِ اُلْغَيْبْ
- هَلْ تَفْضَحُ أَوْرَاقَكَ أَمْ تَغْسِلُهَا
- فَهَلْ تَرْجُو مِمَّنْ خَنَقَتْهُ يَدَاكْ رِضَاهْ.... !؟
- هَلْ تَقْرَأُ / فِي اُلشَّفَقِ اُلْمَلْفُوفِ تَبَاشِيرَ اُلْغَدْ/ قَدْ زَهَقَ اُلْبَاطِلْ ...؟
ففي قصيدته نجد الشاعر أحمد مفدي يشكل بنية النص وفق توزيع هندسي للأفعال ، هدفه جعل الزمن في الأفعال وجوديا ، حيث يدمج الماضي في الحاضر والمستقبل ، مما يدل على ابتعاده عن التصور الواحد للعالم ، عالمٍ يجترُّ صعودَه وانحدارَه بشكل دائري ، يبعث الثورة في الأموات ، ويجعل من التأمل فعلا محركا لثورة المواجد ، فتصبح الاستعارة ذلك الأرخبيل الذي تتحرك فيه اللغة اسما وفعلا وحرفا . والجملة الشعرية استعارة للتوتر في الخطاب الشعري وتأويله . هي عملية تدمج المستعار في المستعار له، وذلك من أجل كشف الوظيفة الاستعارية للوجود ، والتي تنشئ القيم الشعرية المتعالية على مفهوم الزمن الفيزيقي .
إن الشعر هو ذلك المتعالي على الزمن عند الشاعر ، إذ يتجه نحو عمق زمني مكمنُه الذات المفارقة شعريا للزمن الصرفي الفيزيقي ، وهذه المفارقة تحقق شعرية جمالية عبر حدوس الذات الباطنية . فيتأكد أن الشعر هو زمن خاص منفلت بحرية ، وعن علاقة الشعر بالزمن يقول محمد بوحاشي :" وعن حركة الزمان هذه تتولد الحركة بوصفها إرادة الخلق لفكرة لم تتحقق في العالم ، إنها حضور الغياب ، حضور مستقبل في الحاضر ، إرادة سلب الواقع للمعطى الحاضر ،والزمان نفي الحاضر من خلال المستقبل ، الزمان نفي للحاضر بالاستغراق في الماضي ( الذكرى) ، وفي المستقبل ( إرادة الخلق)" . وهذا ما يجعل من شعر أحمد مفدي ، متسما بشعرية التأمل التي تسافر في كتب التاريخ والفكر ، بحيث يستحضر رموز تاريخية كالشاه ص172 وأبي لهب ص173وعمرو بن العاص ص175 وغيرهم ... وفي هذا المد التاريخي ما يؤكد حضور مرجعية تاريخية ودينية قوية ، كما في استحضار الشاعر لألفظ القرآن الكريم مثل : ينبيك – رضا - الشيطان - صرعى – وثني – لا يلتقيان – غراب – الغيب - الافك – صليب – خطايا – صحائف – النمرود – عمّْدْهُ – غضب الله – أرحم – الفاسق – قداس – آناء الليل وأطراف نهارك – الشهداء – يثرب – الأنوار – سلاما – إفك الأمراء – الصحف – القرشية – قد زهق الباطل – وثن – السحت – الصلبان – انشر رحمتك – اسق بهيمتك ....
ومن خلال هذا الكم من الألفاظ والعبارات ، يحقق الشاعر أحمد مفدي جمعا بين مجالات عدة يمتزج فيها الفكر بالدين بالواقع ، دليلا على عمق التجربة الرؤيوية الثائرة . فهو يوجه الخطاب لواقع معادل لواقع الأموات الحقيقيين . فكأنه يلوم الأحياء ، وقد رضوا بما آل إليه الواقع العربي الجريح ، وأنهم لا يشعرون بمسؤولياتهم تجاه ما وصل إليه واقعنا العربي من انكسار في مجالات متعددة ، نتيجة زوال القوة الحسية ، فكأن الشاعر يحمل المسؤولية للإنسان العربي ، ويطمح في أن يجعله يعقل ذاته استحضارا للآية الكريمة في سورة مريم ( يا ليتني متّ قبل هذا) . وهو ما يفسر غشاوة القلق الوجودي عند شاعرنا ، فيبسط شعره مشفوعا بالحكمة المبنية على عمق النظر واستشراف الآتي من الزمن ، مما سيجعل من القصيدة بينا قويا يعبر عما آل إليه واقع العرب ، يقول :
- وَالدِّيَّةُ مَالٌ عَرَبِيٌّ
ومن خلال هذه السطور الوزعة في قصيدة " تأملات ..." نلاحظ أن الشاعر أحمد مفدي يستحضر واقع العرب الموبوء ، وبحدة الشعر يباشر القول ، ما دام الذي من صفته الموت لا يسمع ، فيجعل من الأمر تقريعا دالا على حرقة العروبة التي تسكنه , فينكر على العربي الحياة ما دام التحالف في غير وضعه الحقيق ، وكأنه يشير إلى المثل السائر " اتفق العرب ألا يتفقوا " . وتبريره في ذلك هو تشابه الحاكم والمحكوم ، بقوله :
- أَنَّ اُلأَحْلاَفَ حُدَاءٌ أَزَلِيُّ اُلشَّزْرِ كَمَا
يَحْدُو اُلرَّاعِي إِبِلاً مَوْبُوءَهْ ... !
وصولا إلى قوله عن التاريخ المفضوحة قيمُه في بلاد العرب جميعا ، فيستفهم عن سبيل للتخلص من الوباء بقوله :
-
هَلْ تَفْضَحُ أَوْرَاقَكَ أَمْ تَغْسِلُهَا
مِنْ أَدْرَانِ اُلتَّارِيخِ بِأَمْشَاجِ عِظَامِ اُلْعَرَبِ ...؟
هكذا يصوب كلامه إلى الأحياء الأموات عسى ينبت ثورة في النفوس الميتة ، حين يوجه خطابه ، بقوله :
-
فَاطْوِ شِرَاعَكَ يَا هَذَا ...!
وَارْحَلْ عَنْ بَيْدَاءِ اُلْعَرَبِ...
هذه الأرض المجدبة التي لا تستحق ساكنها الميت ، وأن ما يظهر لا يعدو كونه وهما ، يقول :
-
وَهْمٌ فِي أَحْدَاقِ اُلْعَرَبِ ... !
وبمثل هذه اللغة ، نجد الشاعر أحمد مفدي لا يتستر في لغة المجاز والغموض ، بل يعتمد في شعريته على كثير من وضوح العبارة ، حيث يختار اللفظ الدقيق للمقام الدقيق ، والعبارة المسكوكة حيث تصبح حكمة أو مثلا سائرا . وهو ما يجعل شعره يعكس صدق النضال بالكلمة التي تعري المستور ، وتكشف عن عوامل خنوع العربي ، ويفضح القيم المنحطة في مجتمع عربي يريد له أن يكون مسلحا بصق الإيمان والعمل ، محاولا إبعاد الجهل وإرجاع القوة العاقلة ، كما قل تعالى في سورة الأنعام : ( أَوَ مَنْ كَانَ مَيِّتاً فَأَحْيَيْنَاهُ ) . وقصْدُ الشاعر أن يبث الروح في الإنسان الساكنِ لخوفه والمسيءِ لنفسه ، كما قال تعالى في سورة النمل : ( وَيَأْتِيهِ اُلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) . هذا الشعور الذي يكشف عنه الشاعر ، هو أكبر عائق أمام ما يُحاكُ ضد العربي ، الذي يستمرئُ جهلَهُ ، ولا يعرف أن قوًّتَه في نفسه، تقاس بمقدار إدراكه لقدراته . والكشف عنها هو سبيل نحو تحرير الذات من موتها ، فلا يكون الموت مجازا كما عبر عنه نصوص الديوان ، وقصيدة " تأملات في أرصفة التيه " ، والتيه حال مجردة لا تعني غير تغييب أسئلة الوجود .وذلك كان قصد الشاعر من ثورة الأموات . وحسب الشاعر أن يحمل رؤية موجعة لواقع الإنسان العربي ، ورسالة شعرية لقارئ تريده أن يخلع عنه عباءة الموتى ، وتكون الثورة على الذات ثقافة تنشد الحياة ....
* إدريس زايدي - المغرب






رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 1
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010