الإهداءات

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: هذيان الشتاء ممزوجاً بقوانين عشقي (آخر رد :جوتيار تمر)       :: حصاد ريق زهراوي (آخر رد :جوتيار تمر)       :: رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 » (آخر رد :ابراهيم امين مؤمن)       :: قطـــــــــــــ أحلام ـــــــــــرات،،، (آخر رد :أحلام المصري)       :: خربشات على الماء (آخر رد :يزن السقار)       :: أفكاري (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: همساااات /عايده بدر (آخر رد :عايده بدر)       :: اِنْهَضْ كَفَاكَ (آخر رد :صقر أبوعيدة)       :: وَجَعُ الأَزِقّة (آخر رد :صقر أبوعيدة)       :: يا مصر (آخر رد :صقر أبوعيدة)      


العودة   منتديات قناديل الفكر والأدب > قناديل السرد > قناديل المسرح والرواية


رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 »

قناديل المسرح والرواية


إضافة رد
قديم 05-14-2021, 03:09 AM رقم المشاركة : 51
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

- «رئيس عادل، وإني أحبه.»
شعر فهمان بأن مؤيد يود قول شيء ولكنه متحرج، وبالفعل، بدأ كلامه بخجل شديد وهو ينظر إلى الأرض: «أريد أن أُخبرك بأمر يخصّ والدك.»
فانتبه فهمان بشدة، وتأكد بأن مؤيد يخفي عنه شيئًا، فقال جامحًا وهو يركز نظره عليه: «تكلم يا أبتِ.»
- «ألم تقل منذ قليل بأن رئيسك رئيس عادل؟»
- «بلى.»
- «إذن، آن الأوان لردّ كرامة أبيك وشرفه يا ولدي.»
- «وهذا ما انتويت فعله بالضبط، فأبي لم يكن مشعوذًا أبدًا.»
- «المسألة ليست مسألة دجل وشعوذة، وإنما، إنما..» تمتم مؤيد لحظات ثم قال بصوت حزين: «أمن الدولة أحرق جثة أبيك.»
تفجّع فهمان على الفور، وحزن حزنًا شديدًا ظهر في انهمار دموعه التي غدت تغطي وجهه، ثم قال له بصوت منخفض: «كيف ذلك؟!»
- «كانوا يخشونه، والرئيس السابق أراد محو قضيته دون ترك أي أثر لها.»
- «لماذا؟»
- «كانوا يخشون من تعاطف الجمهور معه عندما يعلمون بموته -لأنه دخل قلوبهم- والرئيس السابق كان ظالمًا ومواليًا لليهود، ومعلوم دوره البارز في خدمة المخطط الصهيوني الشرير.»
- «فعلا، لقد عاش أبي وما آل جهدًا في خدمة أهله من أبناء وطنه.»
مضى مؤيد، وقد خلف وراءه همًا ثقيلا على قلب فهمان إضافة إلى حزنه الشديد عما حدث لأبيه.
بعد أيام جاء اثنان من قصر الرئاسة ليصحباه إلى الرئيس مهدي.
وفور دخول فهمان سلم عليه ثم قال: «أنا سعيد بسيادتكم، وأرجو أن تنهض مصر بكم.»
- «بِِك.»
قال دهشًا: «بي أنا؟!»
- «نعم، بك،المصادم، مصادم الرسالة.»
سكت هنيهات يترحم فيها على أبيه في نفسه عندما علم بمرام الرئيس مهدي، بعدها قال بوجه متهلل: «أتقصد سيادتكم بناء المصادم على أرض مصر؟»
هزّ -مهدي- رأسه بالإيجاب دون أن ينبس بكلمة.
قال فهمان بدهشة: «قد يتكلف مممم..»
أردفه مهدي: «ليتكلف ما يتكلف، مائتا مليار دولار مثلا، ثلاثة، الذين حفروا قناة السويس وبنوا السدّ العالي من المؤكد بأنهم قادرون على بناء مصادم كهذا، فهمان مصر فيها رجال (يتكلم وهو قابض على يده اليمنى ورافعها إلى أعلى) والجيش كلّه رجال، لا تخفْ ولا تحملْ همّاً، قلْ أنت موافق ودعني أقوم أنا بالترتيبات اللازمة.» صمت هنيهة أخرى ثمّ قال: «أتعلم لِم أردت تصميمه على يديك؟»
- «لِم سيادة الرئيس؟»
قال مكوّراً يديه بحيث باطنيهما في تلقاء وجهه ورافعهما إلى أعلى بمحاذاته: «لأنّي أريد أن يُبنى بأيدٍ مصريّة.» ثمّ أومأ بسبابته إليه: «وأنت صاحب الفكرة، ولن يستطيع بناءه إلّا أنت، وأرجو أن يكون بناءك له عن علمٍٍ لا عن دجلٍ وشعوذة.»
ضربته الكلمة في أوردة قلبه؛ فانتفض جسده على الفور، وانهمرتْ الدموعُ من عينيه، وقال بصوت متهدّج من أثر البكاء: «أبي لم يكن دجّالاً ولا مشعوذًا؛ بل كان وطنيّاً عالمًا، ولولاه ما وصلت إلى ما وصلت له أنا الآن، وقد ساعد المقاومة الفلسطينيّة التي تفضّلتم سيادتكم وساعدتموها من قبل بتمزيق الاتفاقيّة الرباعيّة، وقد حاول الأخذ بثأرنا من قاتل عالم الفندق، بيد أنّه لم يفلح، وخاف علىّ فقام بزرع وجهه، زرعه له بروفيسور بيتر، وكان برنامجه السحريّ يؤديه مقابل قوت يومه، وكان يكره الثورة، والصراع النفسيّ الذي حدث بداخلي كان صراعًا بين أمريكا التي أنعمت علىّ وبين وصية أبي الذي كان دامًا يقول لي بألّا أعمل لديهم، وأنّ تراب بلدي أولى بي، وقال لي لو وفقك الله يا بني فلا تترك رئيس بلدك.»
بعدها رفع فهمان يده اليمنى إلى السماء مشيرًا إلى الفضاء ودموعه تزداد انهمارًا قائلاً: «وبعد كلّ هذا يتناثر رمادًا محترقاً في الهواء، هذا هو أبي، هذا هو أبي، هذا أبي.»
انتفض مهدي من مكانه وسأله: «هل تعرف مكان بروفيسور بيتر يا ولدي؟»
- «لا والله.»
- «وكيف علمتَ بأمره مع أبيك؟»
كذبه وقال: «مِن أبي.»
- «وكيف عرفت أنّ أباك ساعد اتحاد المقاومة؟»
كذبه مجددًا: «من أبي.»
شعر مهدي بأن فهمان كذبه بشأن إعلامه بمصدر معرفته بأمر بروفيسور بيتر، وكذلك بمصدر معرفته بشأن مساعدة أبيه لاتحاد االمقاومة، ولذلك قال مهدي في نفسه: «كذبتني يا بني! لا بأس، لا بأس، يبدو أن هناك شخصًا أخبرك بأمر أبيك وتود عدم البوح باسمه حتى لا تعرضه للخطر.»
وفجأة قال له مهدي وهو مطأطأ الرأس: «صدقتَ يا فتى، صدقت، لكن أخبرني، أمتأكد أنت أن أباك كما أخبرتني؟»
فهمان بصوت متهدج: «والله كان كذلك، والله كان كذلك.»
واستدعى مهدي رئيس المخابرات وقال له: «تحريّاتك يا سيادة اللواء غير دقيقة، وسأحاسبك على ذلك، أعدْ تحريّاتك من جديد حول المدعو فطين المصريّ.» ثمّ أشار إلى فهمان بسبابته قائلاً: «والذي هذا هو ابنه، ولن أتركَ هذا الأمر، ولن (ينفى وهو ناظر إلى فهمان الذي خنّ من البكاء) اتركْ هذا الفتى حتى تأتيني بالحقيقة التي أخفيتها عنّي سيادة الرئيس (يقولها سخريّة منه).»
رد رئيس المخابرات: «سمعًا وطاعة فخامة الرئيس، أمهلني ثمان وأربعين ساعة فقط.»
قال مهديّ : «ثمان وأربعين ساعة ليس أكثر، أريد أن أعرف أكان دجّالاّ ومشعوذًا أم كما يقول هذا الفتى وطنيّاً عالمًا.» صمت هنيهة ثمّ أردف: «خذْ فهمان وسله عن أبيه، ثمّ خصص له مكانًا يقيم فيه بالقرب مني .»
وفور خروجه كان مهديّ يخط جواب عزله من منصبه مع عدم المحاسبة لدواعٍ أمنية.
وبالفعل فور انتهاء اليومين حضر رئيس المخابرات قصر الرئاسة وقد كان فهمان حاضرا -فقد استدعاه مهدي- وقال: «سيادة الرئيس، بعد البحث والتقصي مما قاله الدكتور فهمان تبيّن لنا أنّ نظام الرئيس المخلوع هو مَن اتهم أباه ظلمًا بالدجل والشعوذة، ولقد تحرّينا أمر واقعة الفندق الخاصة بالرجل -رحمه الله- فتبيّن لنا بالفعل وقوع معركة شرسة في الفندق -فندق هيلتون طابا- دارت بينه وبين أحد أفراد فرقة الكيدون الإسرائيلية، ولقد غيّر وجهه آنذاك خشية القبض عليه مِن الموساد أو الأمن المصريّ -رحمه الله- إذ كان يظنّ أن كيدون الموساد قد مات. وقام بعمل سيرك في الشارع بتذكرة رمزيّة من أجل الإنفاق على تعليم ولده؛ إذ كان عازمًا على تسفيره لاستكمال تعليمه في أمريكا، ولم تأتنا أخبار بشأن التحاقه بأنفاق اتحاد المقاومة أو الإنفاق على حقول القوى التي حصّنوا أنفاقهم بها و..»
صرخ فهمان مقاطعًا: «أبي لا نظير له، حمى المجاهدين وحمى الأنفاق و ..»
قاطعه مهديّ قائلاً: «هون عليك يا فهمان.» ثم نظر إلى رئيس المخابرات داعيًا له باستئناف كلامه.
استأنف: «وتبيّن لنا أنّه قد كان يتحصل على أموال طائلة من خلال تأدية ألعاب سحرية تعجيزية، ولم ندرِ أين ذهبتْ، ولقد أخبرنا أحد الفيزيائيين أنّ ألعابه تنبع مِن قوّة في دماغه.» صمت هنيهة ثم اكمل: «لعلّها الخلية الإلكترونيّة التي أخبرنا بها الدكتور فهمان، ولقد مات أبوه قبل أن يأتيه وفد المخابرات الأمريكيّ ليحقق معه بشأن بروفيسور بيتر، أما بالنسبة لحرق جثته -رحمه الله- فقد تم ذلك على يد أمن الدولة، وقد ارتأى لهم ذلك لدواعٍ أمنية؛ إذ إن خروج جثته إلى الشارع قد تحدث ثورة عبر رصدها من صحف المعارضة وتتفكك الدولة وتنهار ال..»
قاطعه مهديّ قائلا: «حسبك، انصرف.»
نظرَ إلى فهمان فوجد الدمعة على خدّيه، قال له بصوت فيه مودة: «اذهبْ أنت الآن يا ولدي.»
وفور خروجه وجد مجموعة من الرجال يصحبونه، فسألهم عن شأنهم فقالوا بأن الرئيس مهدي كلفهم بحراسته في النوم واليقظة.







رد مع اقتباس
قديم 05-21-2021, 06:07 AM رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

أليس الربّ بالمرصاد؟!

كرّس جاك حياته لدراسة الثقوب السوداء الفضائيّة وكلّ ما يتعلق بها مذ أن شاهد نجم سحابة أورط؛ وعلى ذلك، فقد قرر أن يرابط حول المراصد لمراقبته حتى يسارع في إدراك العالم قبل أن يتحول إلى ثقب أسود حسب ما يظن؛ وإن كان يأمل أن يتحول إلى قزم أبيض بحسب ما ارتأى خبراء ناسا.
وعلى طول فترات المرابطة وهو يردد قول واحد وهو: «نفسي فداءً للبشرية.»
وكثيرًا ما كان يفكر في شأن هذا النجم، ويتساءل قائلا: «لماذا ساقه الرب إلينا في هذا التوقيت بالأخص؟!»
وأجاب بنفسه: «أيكون عقابًا للعالم بسبب تناحره الذي قد يؤدي إلى قيام حرب نووية؟ أم يكون ردءًا لهذا العالم حتى لا تُُقام هذه الحرب؟»
تبسّم ساخرًا مستعبرًا عندما استحضر في نفسه حالة الناس الوحّشية ورد فعل الثقب معهم، حيث إنّهم تذئبوا، وتثعلبوا، فنصبوا كمائن العنكبوت ليمصّوا دماءَ بعضهم بعضًا، وبنوا حضارات العناكب في كل مكان، وها هي السماء تنتفض انتقامًا لتغيث الأرض فتفنيهم وحضاراتهم العنكبوتية الحمقاء.
أليس الربّ بالمرصاد؟
ثمّ عاود وتعجّب من شأن النفس التي جُبلت على الظلم فقال: «ولِمَ كلّ هذا وقد منحها الله كلّ سبل دعم الحياة ووهبها ما يُبقي على حياتها؟»
وبينما تصارعه هذه الخواطر رن جرس هاتفه، إنه فهمان.
وبعد أن تبادلا كلمات الترحيب أخبره فهمان بما فعله الرئيس مهديّ بشأن تَبْرِئةً والده، فسُرّ جاك بذلك أيّما سرور رغم الهمّ الساري بأوصاله بشأن توحّش الناس.
سأله فهمان عن أحواله، فأجابه جاك بكل ما يدور بخلده بشأن نجم سحابة أورط.
قال فهمان بغضب: «ما أرسل به إلّا ذاك الملعون إبليس وأعوانه.»
- «وما شأن إبليس بالثقب؟»
- «هذا الثقب أرسله الله انتقامًا من الناس بما كسبت أيديهم بعد أن أوحى إليهم ذاك الملعون المسمى بإبليس.»
- «أرى أن النفوس لا تحتاج إلى وحي الشياطين يا فهمان لكي تفجر أمامها.»
- «على كل، افعل أنت ما يحلو لك، وآمن بما تعتقد، أما أنا، فلن يقر لي قرار، ولن ينام لي جفن، ولن يطيب لي فراش حتى أدق عنق ذاك الإبليس، وأقسم بربي لأذهبن إليه عبر بوابته، عندئذ، سيقف أمامي صاغرًا لأعد عليه أعماله، وأذكره أفعاله: وآمره، فإن لم يمتثل قتلته على الفور ليكون عبرة للشياطين.»
أشفق جاك على فهمان فور سماعه تلك الكلمات؛ لأنه يعلم أن أمر طرق بوابة إبليس صعب المنال، وأن محاسبة إبليس من رابع المستحيلات بسبب ضعف أبناء آدم.»







رد مع اقتباس
قديم 05-29-2021, 07:41 AM رقم المشاركة : 53
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

رسالة ماجستير جاك
اسم الطالب: جاك الولايات المتحدة الأمريكيّة.
تخصص الرسالة: علم الفلك والفضاء.
الرسالة بعنوان: ماذا لو اتجه نجمٌ هِرمٌ إلى مجموعتنا الشمسية وتحوّل إلى ثقبٍ أسود؟
المشرف على الرسالة: أستاذان في علوم الفضاء والفلك.
لجنة المناقشة: لفيف من أساتذة الفضاء والفلك.
القاعة : قاعة كليّة العلوم ببيركلي.
التاريخ : في المستقبل .
ومن أجل المناقشة، زحف الجمهور الأمريكيّ من كاليفورنيا وكذا بقية الولايات إلى بيركلي، وكذلك حضر بعض الأجناس الأخرى ممن يقيمون فيها، والسبب يرجع لعدة عوامل منها: تسابق بروفيسورات الكليّة للإشراف على رسالته، وذكر الدور البطوليّ الذي قام به لإنقاذها من الحريق، واسمه الغريب المسمى نفسه به لأنّه مجهول النسب بالفعل، وإتقانه المنقطع النظير في معرفة دروب ومسالك المجرّات، وكان العامل الرئيس لكثرة الحاضرين هي حملة إعلامية قامت بتدشينها إسرائيل.
ولقد صرّح بعضٌ من العلماء أنّ هذا الفتى سوف يتجاوز علمه علم الكثير من بروفيسورات العالم، بل قال قولا عظيما فيه: «يبدو أن آينشتاين قد بُعث من جديد!»
ومما حفز الشعب الأمريكيّ على الحضور بهذه الأعداد الكثيفة هو ظن الكثير منهم ولاسيما رجال الدين منهم أنّ هذا الفتى هو المسيح المنتظر، فهم لم ينسوا مطلقا قول القساوسة في خضم حريق الجامعة: «إنّ الله حمى تلك الجامعة من أجل رجل سينزل بها سوف يخلّص العالم من كارثة سوف تلم به.»
وما زالت الدوائر العلميّة وبعض الدوائر السياسيّة في شتى بِقاع الأرض تنتظر الحدث المثير والذي سوف يشاهدوه عبر الشاشات .
كذلك الدوائر العلميّة والسياسيّة في أمريكا من رؤساء الجامعات، وأعضاء الكونجرس، ومجلس الشيوخ، ورجال البيت الأبيض.
كلّ إمّا على أرض بيركلي أو أمام الشاشات.
وفهمان ينتظر الآن مشاهدة المناقشة أمام شاشة التلفاز، عيناه مليئتان بدموع الفرح وهو يشاهد الجمع الغفير الذي أتى من أجل صديقه من كافة الولايات.
أمّا العالم الفذُّ ميتشو كاجيتا فيشاهدها عبر التلفاز وعيناه تقدح شررًا من جمرات جهنم.
العرض التقديمي
جلس على كرسيّه وأمامه طاولة وعلى يمينه شاشة عملاقة، أمسك بعصا وأشار إلى حركة النجوم وتجمعاتها في بعض المجرّات، وأخذ يشرح قائلا: «حركة النجوم، السماء ملآنة بمليارات النّجوم، يصل بعدها عنّا من أربعة إلى الملايين من السنوات الضوئية، وهي تتجمع على هيئة عائلات تسكن في ناطحات سحاب المجرّات، وستجدون في.. إلخ.»
ظلّ يتكلّم عن النجوم حتى بلغت براعته أن أحد الفلكيين الجالسين قال: «الفتى رسم خريطة جغرافية للمجرات وهو قائم بيننا، رباه ما هذا الذي أراه، ما أسعد بلدك بك أيّها الفتى الفذّ، بل ما أسعد هذا الجيل وأنت فيه يا فتى، فقد شرفتهم.»
....وما زال جاك يتكلم عن النجوم؛ حيث استأنف بقوله: «وقد يشردُ نجمٌ بعد أن عقّ عائلته ثمّ يأتي ليستعمر مجموعتنا الشمسية، لكن كيف يستعمرها؟ هذا ما سوف تعرفونه لاحقًا في السطور اللاحقة.» استراح قليلا ليمسح عرقا قد قذفه الهم والخوف الساريان بأوصاله حزنًا على أحوال البشرية، ثم انتفض واقفًا وأشار بالعصا إلى صورة للمجموعة الشمسيّة وما حولها من كواكب سيّارة تدور في فلك الشمس وهو يقول: «وما خارج عائلة المجموعة الشمسيّة؟ هذه هي المجموعة الشمسيّة كما تروْن، إنّها تتحزّم بحزام عبارة عن سحابة اسمها سحابة أورط، هذه السحابة وما خلفها عبارة عن مجرات ونجوم وكواكب وكويكبات ومذنبات تبتعد عن بعضها من عشرات إلى ملايين السنوات الضوئيّة.» صمت هنيهة ثم أشار مجددًا على موضع فيها وهو يقول: «هنا، هنا بالتحديد سكن نجمنا المارق، انفلت بسبب سرعته الرهيبة وظل سائرًا قاصدًا أرضنا ليستعمرنا، يستعمرنا من هنا، فيحرقنا هنا، يحرق أولادنا هنا، سوف ينادينا بجاذبيته ليحرقنا من هنا، سوف ..»
لجلج، ثم انهار بجبال خوفه المتطفلة في فضاء قلبه، وكعادته، تحامل وتماسك وقال: «ولن يستطيع إلّا بعد أن يموت، ثمّ يُعاد إلى الحياة، وسيعود وحشًا، أتعلمون كيف؟ سأقول لكم، يتقيأ أولاً وقوده النوويّ، ويظلّ يصغر حتى يصبح بحجم هذه القاعة (يتكلم وهو يشير بيده اليمنى) مع أنّه كان بحجم الشمس، ويموت مودعًا حياة النجوم لينضم إلى زمرة وحوش الثقوب السوداء، عندئذٍ يخبّر عن نفسه، فيطهو الأرض داخل أمعائه..و ..»
ظلّ يغمغم بكلام غير مفهوم حتى ثقل لسانه تمامًا صاحب ذلك رجف بالجسد، وسرعان ما انهدّ وانهار كالجبل على كرسيّه.
حينئذٍ، عمّ الصمتَ كل أرجاء القاعة، وليس ذلك فحسب؛ بل عبر الشاشات من كلّ أنحاء أمريكا والعالم، إنه صمت الفاجعة، فتساقط العشرات من الحاضرين مغشيًا عليهم، وكذلك بضعة آلاف من أنحاء العالم، بينما بعض الفئات القليلة شرعوا في تلاوة الصلاة داعين الله -الرب- باللطف والنجاة من تلك الكارثة الكونية.
وعليه، فقد أطلقت الحكومات من كافة أرجاء العالم ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية سيارات إسعافها لتطلق سراينها المتواصلة في الطرقات لإسعاف المصابين من الناس.
قال فهمان عندما شاهد صديقه وقد تضعضع: «ربنا يلطف بك صديقي الرحيم، فأنت تعلم ما لا يعلمون.»
تمالك جاك نفسه واستجمع قواه وعاود الكلام: «إنْ كنّا نخشى مَن يهاجمنا مِن هذه السحابة أو من خلفها فعليكم أن تخشوا ما هو أكثر من مهاجمة هذا الجرم، أتعلمون ما هو؟ إنّها ثقوبكم أنتم! ثقوب الحرب التي أشعلتموها بأيديكم، ثقوب الحقد والكراهية.» وفور أن قال كلمته تلك إلا وقد أخذ ينظر بعضهم إلى بعض ويفكرون بما كسبت أيديهم من آثام ضد الإنسانية.
استأنف: «دعونا نفترض فرْضًا، نفترض أنه تحوّل إلى ثقب أسود، وعلى بعد سنة ضوئيّة واحدة من الأرض، ثمّ ثبت مكانه وظلَّ يدور حول نفسه ليتهيأ لإفنائنا؛ فما الحل إذن؟ ما الحلّ؟»
والحقيقة أن جاك يرى تلك الفرضيات حقيقة لديه، ولذلك استطرد: «أنتركه يمزّق بلوتو، أم يمزّق نبتون؟ أنتركه يعبث بالشمس، أنتركه يعبث بنا؟ لا والربّ، لن يمسّ هذا المارق أمريكا ولا غيرها، فنفسي فداء لكم جميعًا أيّها الناس. أيّها الناس جميعًا، أيتها اللجنة المبجلة، علينا أن نحتاط للمستقبل، فإذا تحوّل النجم إلى ثقب أسود سنكون نحن أهل الأرض بين المطرقة والسندان، بين جاذبيتين، جاذبية الشمس وجاذبيته، عندئذ، ستحدث زلزلة، زلزال يهزّ الأرض؛ فيهلك مَن عليها، علينا أن نحتاط إذن ونهجر الأرض. وقد يحدث ما هو أشدّ تنكيلا بنا، وهو التهامنا، انظروا..»
وأشار بالعصا على الشاشة ليظهر صورة صورتها ناسا تبيّن كيف التهم ثقب أسود نجمًا كاملاً.
لم يتمالك العالم الثبات من كلام جاك الذي وثّقه بصورة ناسا، فتساقط الآلاف من الضحايا خشية أن يتحول النجم إلى ثقب أسود.
أكمل: «لكن كيف يلتهمنا؟ يلتهمنا إذا كبُر، ولن يكبر إلّا إذا التهم بعض الفرائس التي وقعت بين أنيابه النووية.»
ومنذ هذه اللحظة بدأت بعض الرسائل ترِدُ على الحكومة الفيدرالية بوقف بثّ الرسالة عبر التلفاز، أرسلها بعض الساسة على أثر البلاغات التي وردتهم من بعض الناس من مختلف بقاع الأرض، فأرسل وزير الداخليّة الأمريكيّ إلى لجنة المناقشة رسولا خاصًا معه بعض القوات الأمنية لفض المناقشة معللًا ذلك بأنها لدواعٍ أمنيّة.
استأنف: «هل ممكن القضاء على الثقب الأسود قبل أن يقضي علينا؟»
تنفس الناس الصعداء فور كلمته ورددوا خلفه قائلين نفس عبارته.
أجاب: «من الممكن أن يخلّق مصادم fcc-2 الذي سيبنيه الفتى المصريّ – المعجزة- في مصر المادة المضادة، نرسلها إليه بعد حجزها في مصائد مغناطيسيّة بوساطة محرك سريع فيفنيا بعضهما بعضًا كما حدث في الانفجار الكبير.»
سمعها فهمان فانفجر باكيًا وهو يقول: «واعلم أنّني لن أتاخّر مطلقًا في إنقاذ الناس ولو كان طفلا واحدًا حتى لو كانت حياتي ثمنًا لذلك.»
استأنف: «ومن المعلوم أن هذا المحرك لم يتم اكتشافه بعد، ولم تسعفنا تكنولوجياتنا من تصميم محرك كهذا.»
رفع جاك أوراقاً بيده اليمنى وقال: «تصميم هذا المحرك في هذه الأوراق وسوف أوافيكم به عند رسالة الدكتوراه حالما انتهي مِن وضع اللمسات النهائيّة له.»
زمجر رئيس لجنة المناقشة قائلا: «جاك، لا تخاطب الجمهور، ولا تخرج عن موضوع الرسالة ..لو سمحت.»
تبرّم الجمهور من زمجرة رئيس لجنة المناقشة التي لا داعي لها وأخذوا يلمزونه حانقين عليه.
يكمل: «الذهاب إليه لدحره سيستغرق قرابة عشر سنوات، وإذا نجحتُ في تصميم هذا المحرك؛ فليس من السهل توفير سُبل دعم الحياة من شراب وطعام وأكسجين على مركبة فضائيّة خلال كلّ هذه المدة، والحلّ لديّ.» وهنا رفع جاك يده مرّة أخرى، في هذه اللحظة بالضبط دلف رسولُ وزير الداخليّة باب القاعة ورفع الكارنيه، وأقدم على رئيس لجنة المناقشة ليخبره بوقف المناقشة، ثم ما لبث أن نظر في وجوه الحاضرين المكفهرة، ثم نظر إلى جاك وتأمل ملامحه جيدًا، فوجد رجلا يحمل هم العالم على كتفيه، وشدته تلك الملامح؛ فآثر أن يتمهل قليلا في فض المناقشة، هنيهة واحدة ورفع جاك دوسيه جديد وهو يقول: «في هذه الأوراق تصاميم لجهاز شامل يدعم الحياة في الفضاء لفترة لا تنتهي، واسأل الربّ أن يوفقني لإتمام إنجازه، واعلموا أنه من أحد التحديّات التي سوف اجتازها من أجلكم، من أجل اللقطاء الذين لم يعرفوا لهم أبًا ولا أمًا مثلي.» وفور أن قالها أجهش بالبكاء.
وبكى كلّ لقيط سمع كلمته حتى إنّ كلّ أبّ وأمّ مِن كلّ جنبات الأرض يمسحون دموعهما الحارة قائلين: «أنا أمّك يا ولدي، وأنا أبوك يا ولدي.»







رد مع اقتباس
قديم 06-09-2021, 02:23 AM رقم المشاركة : 54
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

عندئذ جلس رسول الوزير بين الجالسين بعد أن تأثر بشدة.
تماسك مجددًا وهو يقول بعزة وإباء: «أنا ابن الولايات المتحدة الأمريكيّة، واعتزّ بأنّ كلّ أبّ وأمّ يحملون الجنسيّة الأمريكيّة هم آبائي وأمهاتي، وإن كانوا لا يحملونها فلنا نحن الأمريكيون الشرف بأن يمتزج الدم الأمريكيّ بدماء كلّ الأجناس في صلة مودة واتحاد.»
صمت هنيهات ليهيّئ نفسه للخروج من هذا الحمل النفسي الرهيب ليستقبل حملا أثقل منه بمراحل، ثم بدأ كلامه بتؤدة تحمل آهات الحزن: «كذلك من سبل نجاتنا من وحش كهذا هو الوصول إلى الأكوان المتوازية لمقابلة حضارة أرقى منا، إذا قُدر لنا بطريقة ما الوصول إلى كونٍ متوازٍ لنا فلعلّ حضارة هذا الكون تكون أرقى منّا بملايين السنين، عندئذ يدمرونه بما أوتوا من علم من أجلنا. ولا أجد وسيلة للوصول إلى تلك الأكوان إلّا عبور الثقب الدوديّ المتمركز في الثقب الأسود.»
تنهّد بعض أفاضل الناس وقالوا: «الفتى يريد أن يرمي بنفسه في النار من أجلنا؛ ونحن نلقي بأهلينا وجيراننا فيها من أجل المال، ألا لعنة الله على هذه الدنيا!»
أمّا ميتشو كاجيتا ففور سماعه عبور الثقب إلى كونٍ موازٍ سرح بخياله بعيدًا بعيدًا حتى جاءته الغفوة فتكلم فيها قائلاً: «سوف تأتيكم إيريكا300(روبوت متطور) من سحابة أورط، فحوّلوا النجم لثقب أسود حتى تعبره وتعود بكم إلى الأرض (يخاطب هنا كون آخر من خلال اللاوعي كما ستبين الأحداث اللاحقة).»
تابع جاك: «وإذا اجتزنا كلّ هذه التحديّات سنعبر ونحطمه، سندكّ عنقه. والحظ سيكون حليفي، وسوف أؤمّن لكم حياتكم أيها الناس، فلا تتقاتلوا ولا تتباغضوا ولا تتحاسدوا واعتصموا بحبل السلام جميعًا، مسلم ومسيحي يهودي وبوذيّ ..إلخ.»
وبدأتْ مناقشة ما جاء في الرسالة، واستغرقتْ المناقشة أكثر من ساعتين، وفي النهاية تمّ منحه رسالة الماجستير بتقدير امتياز، وفيما بعد حصل على وسام شرف من البيت الأبيض، ووسام آخر من مقرّ رئاسة الوزراء الإسرائيليّ بأورشليم.

***
احتفالات أكتوبر

أرسل مهديّ إلى فهمان ليحضر في ميدان التحرير -مسقط رأس الثورات الشعبيّة على مرِّ العصور- ليشارك في احتفالات نصر الجيش المصري على نظيره الإسرائيلي في السادس من أكتوبر.
استهلّ مهديّ افتتاح الحفل ببضع كلمات، وظلّ يتكلم عن شجاعة الرئيس الراحل أنور السادات، وشجاعة الجيش المصري في حسم الحرب، وتكلم عن تحطيم خط بارليف وعبور قناة السويس، وأسهب كثيرا في شأن الضربة الجوية ودور الرئيس الراحل محمد حسني مبارك في إدارة المعارك الجوية.
وظل يتكلم بعدها عن دور التكنولوجيا في حسم الحرب، وخص بالذكر دور التعليم بصفة عامة في ازدهار حضارة الأمم.
وقال فيما قال بأن أي دولة لن تنهض بدون العدالة حتى لو بلغت قمة الهرم في الازدهار الحضاري.
ثمّ تطرق أخيرًا إلى رجال أنجبتهم مصر وكانوا مخلصين من خلال دورهم البارز في الحفاظ على أمن مصر ووحدتها وحضارتها. بعدها صمت طويلاً حتى ظنَّ الجالسون ومَن يتابع خطابه المتلّفز على الهواء مباشرة أنّه أنهى خطابه. لكنه فاجأ الجميع وتلفظ بالبسملة وكأنه ما تكلم سابقًا.
قال: «بسم الله الرحمن الرحيم.»
صمت وهو يزفر زفرة طويلة تخرج من بين ثناياها نسيج متشعب من الحزن المشوب بالحسرة، ثم عاود واستأنف كلامه: «ونحن اليوم مع رجل، رجل من طراز خاص، لكن للأسف، للأسف لم يكن بيننا بروحه؛ بل بذكراه التي سوف تُخلّد عبر التاريخ. رجل من أغلى الرجال، من أقوى الرجال، من أصدق الرجال.»
ونظر نظرة المستعبر إلى جانب من الميدان مغطىً بعلم مصر، وأومأ بيده إليه فأُزيح العلم -طوله نحو عشرين مترًا وعرضه متر ونصف مترًا- فانكشف عن تمثال كبير ذو جناحين؛ ولكن رأسه مغطى بوشاح يحمل علم مصر أيضًا. تسمر نظر مهدي إليه، وظل صامتًا، وفجأة ألقى إلى التمثال التحية العسكرية وعيناه تغرورقان بالدموع.
فتعجّب الجميع، وتساءلوا فيما بينهم عن شأن هذا التمثال الذي بلغ من عظمة صاحبه أن الرئيس مهدي ألقى إليه التحية العسكرية؛ حتى ظن البعض بأنه تمثال للرئيس الراحل محمد أنور السادات. والبعض الآخر ظن بأنه تمثالا لسعد زغلول. ودارت الظنون في أدمغتهم، وحاروا حانقين على هذا الوشاح الذي يغطي رأسه. بينما فهمان يحوك في صدره شيء ينشرح له ولكن لا يدري ما هو.
وأخيراً، أزيح ستار الرأس، فصُدم الحاضرون لأن التمثال المبجل لم يكن لأي أحد ممن يعرفونه، فهو نكرة في تاريخ مصر بالنسبة لهم.
لكن في المقابل، نجد بعض رجال أمن الدولة يظهرون استياء شديدًا نحو ذاك التمثال، بينما نجد أهل القرية التي كان يسكنها فهمان تهلل وتكبر مشيرة إلى ذاك التمثال فرحين بفعل رئيسهم مهدي وفخورين بصاحب التمثال. بينما نجد فهمان ينفجر في البكاء يتبعه في ذلك بكاء جاك -المتواجد في أمريكا- على بكاء صديقه.
هب فهمان من مكانه، ثم ركض إلى التمثال ودموعه تزداد انهمارًا، وفور وصوله انكبَّ على قدمي التمثال يلثّمُهما بطريقة خاطفة ومتسارعة.
وباقي الحاضرين ما زالوا فاغرين أفواههم ومحدّقين إلى التمثال الأسطوريّ، ولكن من خلال فعل فهمان أيقنوا بأن هذا التمثال يخص أحد يعرفه وتساءلوا: «مَن هذا الرجل الذي أقام له الرئيس هذا التمثال الفاخر ذو الحلة الرائعة والجناحين الأشبه بأجنحة الملائكة؟ وما شأن فهمان به؟»
ولا يزال فهمان يقبّل قدمي التمثال، ثمّ رفع بصره لأعلى وحاول أن يتسلقه ليدرك رأسه فاستعصى عليه الأمر، وحاول مرارًا بيد أنه في كل مرة يقع يائسًا متحسرًا بينما عيناه تحدق في ملامح وجه التمثال وتبكيان بشدة.
أشار مهديّ إلى أحد الحرّاس بأن يحضر له درجًا كهربائياً متحرّكًا، فركبه فهمان على الفور وارتفع به حتى أصبح تلقاء وجهه، وعندها، أطلق قبلاته بحرارة على رأس أبيه الحقيقي الذي لطالما تمنى رؤيته منذ زمن طويل. واحتضن ذاك الرأس -الذي بحجم نصف جسده تقريبًا- حبًا واشتياقا بعد أن كان محروما من رؤيته بعد عملية الزرع مباشرة.
لم يكن بمقدور التمثال الوقوف صامتًا إزاء فعل ابنه نحوه، فضمه بجناحيه -حيث قام مصمم التمثال بالضغط على زر من وحدة تحكم التمثال فحرك جناحيه- ثم قام التمثال بالدوران وهو يحتضن فهمان -قام بها مصمم التمثال لمحاكاة التقاء اثنين أحبة بعد أن تأكدا بأن اللقاء بات مستحيلا- وفجأة، أُلقيَ عليهما من أحد جوانب الميدان ثيابٌ طوقهما وضمهما ضمة الأم الحنون ولا يزالا يدوران لم يتوقفا بعد.
وفور أن تكلم فهمان توقف الدوران، قال: «أبي، أبي، هذا أبي.»
حينئذٍ أميط اللثام عن هوية التمثال وافتخر الحاضرون به (من الجدير بالذكر بأن عامة أهل مصر لا يعلمون من أمر فطين شيء) قال مهديّ بصوتٍ خفيضٍ خاشع: «هذا هو أبوه، فليرِني كلّ منّكم أباه، ألديكم مثل والد هذا الفتى؟» ثم ما لبث أن قص حكايته على الحاضرين مستفتحا بقوله: «هذا هو فطين المصري، وهذا هو (يشير إلى فهمان) طموح أبيه... وقد تحقق له ما أراد، ويحزنني ويحسرني يا فطين (مشيرًا إلى التمثال) أن لا ترى ثمرة غرزك اليوم.»
وبعد الانتهاء من مراسم تبجيل فطين المصريّ قال الرئيس وهو يشير إلى فهمان: «إنّ القوات المسلحة ستبني المصادم الجديد في مصر بيد هذا الفتى.» ثمّ رفع سبابته مشيرًا إلى التمثال واستأنف كلامه: «ابن صاحب هذا التمثال.»
وانفض الاحتفال، وبالنظر إلى فعل مهدي، نجده قد تصرف بحنكة شديدة، وكان بعيد النظر جدا في سلوكه هذا، ويتضح ذلك من خلال العمل على تأهيل فهمان روحيا وذهنيا لبناء المصادم fcc-2، حيث إن نبوغ فهمان كان من أسمى أماني فطين، وقد ضحى بالغالي والنفيس من أجل يوم كهذا، يوم يقف فيه فهمان يساند بلده، ولن يؤهل هكذا ما دام أبوه -رحمه الله- مصنفًا إرهابيا ومشعوذا في نظر بعض الناس الذين يعرفونه.

وشرع مهديّ في أخْذ التدابير وتمهيد الأسباب لبناء fcc-2 ، فأرسل إلى صندوق النقد الدوليّ بصرْف قرض قيمته عشرون مليار دولارًا كدفعة أولى لبناء المصادم.
كما أرسل إلى الروس يطلب الدعم، فلمّا علمتْ أمريكا بهذا الشأن سارعت هي الأخرى لتقديم المعونة، فرحّب مهديّ بذلك أيّما ترحيب مستغلا تلك الحرب الباردة المصغرة لمصلحة مصر.
وتداول خبر إنشاء مصادم الهادرونات الكبير عبر كلِّ وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وكان رد الفعل متشابها إلى حد كبير (كما ستبين الأحداث اللاحقة).







رد مع اقتباس
قديم 06-11-2021, 02:45 AM رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

***
الماضي مرآة المستقبل
تداول خبر بناء مصادم ابن فطين المصري لدى كلّ قطاعات الشعب المصريّ بجميع فئاته، ولولا نصْرة مهديّ لهم مِن قبل إبان ثورتهم المجيدة ضد الرئيس المعزول، وكذلك نصرته لاتحاد المقاومة الفلسطينية، ونجاحه المتفرد في التوافق بين كآفّة أطياف الشعب على اختلاف مِللهم ونِحلهم ومذاهبهم تحت مظلة المواطنة لارتابوا في أمر بناء المصادم، واعتبروه أمرًا سيفاقم من فقرهم أكثر وأكثر؛ بل قد تتطرف ظنونهم لأكثر من ذلك بأن يعتبروه حجة يتعلل بها مهدي من أجل فرض ضرائب عليهم.
ومما حفزهم على الثقة في مهدي أكثر وأكثر هو الدور الذي قدمه الساسة المصريون وأئمة المساجد وقساوسة الكنائس وخبراء الاقتصاد من أجل إقناعهم بجدوى بناء المصادم بمصر، كل منهم يتكلم من خلال إيمانهم بالرئيس مهدي وقناعتهم الشخصية بجدوى بناء هذا المصادم.
ومما قاله خبراء الساسة والاقتصاد لهم بأن العالم على مشارف حرب نوويّة، وعلى ذلك سيكون محل نظر أصحاب القرار من الدول المتحاربة، وكذلك باحثوهم وخبراؤهم بسبب الطاقة الجديدة التي سيعمل بها -ألَا وهي 400-500 تيرا إلكترون فولت- هذه الطاقة قد تُسخر لصنْع سلاح قد يكون له كلمة الفصل في ترجيح إحدى الكتلتين على الأخرى في الحرب النوويّة المحتملة بينهما.
وبذلك قد بوءوا لمهدي قاعدة عريضة يتكئ عليها ينطلق من خلالها لضم ما تبقى من أموال الشعب المصري إليه ليبني به المصادم.
فضلاً عن هذا التدشين؛ فهناك عوامل أخرى يتكئ عليها مهديّ، وهي أنّ صاحب الابتكار ابن الوطنيّ الشهيد -فطين المصريّ- والذي كُرم في قلب ميدان التحرير.
أما محاولة اغتياله في جنيف كانت بمنزلة كلمة السرِّ أو المفتاح الذي فتح قلوب هذا الشعب الفقير العريان له آنذاك فأحبوه وقلدوه الثقة.
أمّا أصحاب القلوب المريضة فتواروا خلف ألسنتهم المعسولة، وبسماتهم الزائفة، وظلوا يتشدقون عبر وسائل الإعلام بجدوى بناء المصادم في حين إن قلوبهم تمتلئ غيظا من ثبات الرئيس مهدي، وثقته في نفسه، وقوته التي ما بلغها رئيس مصري من قبله.
وبعد تأهيل نفوس للشعب إزاء بناء المصادم شرع مهديّ للقيام بأول خطوة لدعم المصادم، فأرسل يتعجّل البنك الدوليّ بشأن قرض العشرين مليار دولارًا، وأرسل كذلك إلى الروس والاتحاد الأوربي.
وبدأت المفاوضات، وقد استمرت بضعة أشهر، تأكد مهدي خلالها أن كل هؤلاء متشدقون، فأخذ قرارًا أضمره في نفسه ولم يبح به حتى تأتي اللحظة المناسبة، ولما جاءت تلك اللحظة أعلن عنه -وهو الخطاب الآتي- وبإعلانه عن الخطاب تحفزت بعض الدول لسماعه بسبب دورهم المخزي تجاه الدعم الخاص ببناء المصادم، ومن بين هؤلاء دولة إسرائيل، وقادة اتحاد المقاومة الفلسطينية، والولايات المتحدة الأمريكية، والروس، واليابان، كما تحفز أيضًا بعضُ فيزيائيي العالم -كعالم الفيزياء الياباني ميتشو كاجيتا- ورئيس جامعة بيركلي. وكذلك مدير صندوق النقد الدولي، هذا بالإضافة إلى فهمان -صاحب المشروع الأصلي- وجاك صديقه، والشعب المصري.
والآن الخطاب المنتظر..
«أيّها الشعب الكريم سلام عليكم، أنا ألوذ بكم، فهل تغيثوني؟......
امتد يد الشعب قاطبة نحو التلفاز وكأنهم يلبون نداءه بالفعل.
.....أنا واثق أنّكم أهل نخوة ونبل وشجاعة، وسوف تمدّون أيديكم لتضعوها في يدي لنسير معًا نحو حركة إصلاح اقتصادي مستنير. قبل أن أخبركم ما أريده منكم أريد أن أعلمكم بالتفصيل مماطلة البنك الدوليّ، وكذا كلّ الجهات التي أبدتْ رغبتها في دعم بناء مصادم fcc-2، تعرفونه طبعًا، كما تعرفون كيف كانت أمريكا حريصة على بنائه في أنفاق أراضيهم، وهذا لا يمنع بأن كثيرًا من الدول الغربية تود تحقيق هذا الأمر على أراضيها أيضًا، كسويسرا....
لمّا سمعها رئيس جامعة بيركلي تحسّر توجعًا، فكم كان يرجو أن يُبنى على الأراضي الأمريكية.
....أقول لكم الحكاية من البداية أم النهاية؟ أقولها من البداية أفضل. بداية، طلبنا من المصرف الدوليّ قرْضًا بقيمة عشرين مليار دولارًا كدفعة أولى للإنفاق على المصادم، وردّ المصرف بأنّه سيبحث الطلب، وانتظرنا ردهم لكن للأسف لم يردوا. فأرسلنا إليهم؛ فصارحونا بأن هناك بعض العقبات لصرف هذا القرض، قلت لهم كيف ذلك؟ فتمتم لي مندوب البنك الدوليّ ثمّ طلب مهلة أخرى، فأحسستُ أنّه يماطل أملا في نصْب فخٍّ لنا، فلا أجد مبررًا للتأجيل أو المماطلة إلا إنها لا تتصرف باستقلالية....
رئيس صندوق النقد معلقًا وهو يشاهد الخطاب: «نحن لسنا جهة ذات سيادة يا مهديّ، وأنت تعلم ذلك فِلمَ تكابر؟»
...قلتُ في نفسي، ننتظر، بعد فترة أرسلوا إلينا بأنّ الدولة المصريّة ليس لديها موارد لتسدّد قيمة القرض، فضلاً عن أنّ الدين المحليّ كارثي، فالدولة اشترتْ وما زالت تشتري سندات كثيرة من البنك المركزيّ. قلتُ لهم لا دخل لكم بشئوننا الداخليّة، باختصار أنتم تتعلّلون بحجج واهية، أنتم تماطلوننا، وقلتُ لن أعجز أبدًا عن سداد القرض الشهريّ، ولن يعجز الشعب المصريّ على الوفاء به، فطلبوا منا مهلة أخرى حتى يردون، وعلى الرغم من أن طلبهم للمهلة هو للتفكير في صرف القرض من عدمه إلا أنهم قالوا لي بالنص: «أليس لديكم شيئًا تفعلونه غير بناء هذا المصادم؟ إنّه مختبر يحتاج إلى أموال كثيرة لإنشائه كما أنّه يحتاج دعمًا ماليّاً بعد ذلك.»
ومن أجل إثبات وجهة نظرهم أردفوا: «الاتحاد الأوروبيّ ينفق على مصادم سيرن fcc-1 ومن قبله hlc، ألَا تعلمون ذلك؟»
قلتُ لهم تكلّموا فيما يخصكم فقط، عليكم تقولوا سنقرضكم أم لا.
رئيس صندوق النقد معلقًا: «قلت لكَ منذ قليل نحن تابعون ولسنا متبوعين، ثم أغلق التلفاز واكتفى بما سمعه.»
استأنف مهدي: «وانتظرناهم حتى يقولون كلمتهم. فجاء الرد بالموافقة على إعطائنا القرض في مقابل حقّ إدارتهم للمصادم من قِبل بعض العلماء الذين سيختارونهم يتقدمهم صاحب الفكرة -فهمان فطين المصري- وليس هو طلبهم الوحيد؛ بل طلبوا مني فرض ضرائب على الشعب.»
علق جاك عبر كلمة الرئيس الأخيرة: «إنّ علم فهمان أكبر مما تتخيّلون، لا أنت يا مهديّ تعرف حجم عبقريته، ولا صندوق النقد، فهمان لو أراد أن يحتل العالم كله بعلمه لفعل.»
استطرد مهدي: «قلتُ سبحان الله، ألم يكن المصادم بالنسبة لكم مصدر رفض لأنّه عائل يحتاج إلى الإنفاق عليه؟، وما يفاقم من المشكلة أنه لا يدرّ ربحًا، والآن تريدونه تحت سيطرتكم! ثمّ قلت لهم: وأيّ ضرائب أفرضها على شعب يسكن الكهوف والورق والجحور ويشرب من ندى الثرى، ثمّ قلت لهم: أنتم من الآخِر تريدون التحكم في قرارنا! تريدون التدخل في اقتصادنا! تريدون التدخل في حياتنا! علق مندوب البنك بأننا فهمناهم خطأ. قلتُ لا؛ بل أنا فهمتها صح، لا جرم، فهمونا أنتم الصواب. ردّوا بأنهم لو أداروه سيحقق أرباحًا طائلة، فالعلماء سيأتون إليه من كلّ العالم لأنّه أول مؤسسة علميّة يديرها بنك. قلت: لو أدرتموه أنتم سيحقق أرباحًا، ولو أدرناه نحن سيكبّدنا خسائر، عامة ليس لكم شأن بعلماء الأرض جميعًا أنا أعلم جيدًا كيف يأتون مصر. فقالوا بأن هذه شروط البنك، والبنك يستشعر أنّكم لا تحبّون التعاون معه، أي أنّكم تطلبون القرض ولكنّكم لا تريدونه على الحقيقة، لماذا..لا يعرفون. قلتُ: أنا الذي أماطل؟!
فسكتوا ولم يردّوا.»







رد مع اقتباس
قديم 06-15-2021, 05:57 AM رقم المشاركة : 56
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

سكت مهدي بضع لحظات يمسح جبينه ليستعد للدفعة الثانية من الكلام: «قررتُ والمجلس العسكريّ ترْكهم قليلاً لعلّهم يرجعون إلينا ويكونون جآدّين في دعمنا بديلاً عن هذه المماطلات. نترك البنك قليلاً وسأقصّ لكم كوميديا ساخرة أخرى عن الروس....
كان رئيس روسيا جالسًا ومتوكئًا على كفّ يده اليسرى ومستندًا إحدى قدميه على الأخرى عند ذكر اسم بلده في الخطاب المتلفز، فأنزل قدمه ويده وحدّج في مهديّ مقدمًا نصف جسده العلويّ إلى الأمام قليلاً.
....حضر وفدٌ من الروس إلى مصر، واجتمعوا بنا، قالوا نحن علمنا بشأن البنك، وأنّه رفض التعاون معكم، ونحن أصدقاؤكم، ولا نريد أن نخسركم، فإنْ كان البنك رفض فنحن سوف نتعاون معكم. قلت لهم، ليس لكم شأنًا بصندوق النقد، اِطرحوا عرضكم، فقالوا بأنهم سيعطوننا القرض بشرط، ألا نشتري أسلحة من الأمريكان أو أحد من حلفائها، فأنتم على مدار تاريخكم تشترون منّا ومنهم، الآن فقط اشتروا منّا، منّا فقط. فقلت لهم، لو احتجنا أسلحة ووجدناها عندكم سنشتري منكم، ولن نشتري من الأمريكان، موافق. فقالوا، ممتاز، سنعطيكم نصف القرض فقط والنصف الثاني سنعطيكم به أسلحة. قلتُ لهم، سبحان الله، لا أريد أسلحة الآن، أريد الدولار، وهبْ أنّي أريد أسلحة فهل ستبيعون لنا ما نريد؟ لا جرم، لو افترضتُ بأنّي أريد سلاحًا نوويًا، فهل ستبيعونه لنا؟...
حدّق رامسفيلد في التلفاز وانكفأ بجسده إلى الأمام وأصابته حمى الانتظار عمّا سيجيب به مهديّ.
....تمتموا جميعًا، ونظر بعضهم إلى بعضٍ ثمّ قالوا لي بأنهم لا يستطيعون بيع السلاح النووي لنا....
لمّا سمع رامسفيلد ردّ موسكو جلس بأريحية تامة.
....وطبعًا أنتم تعلمون أنّ الروس داخل على حرب نوويّة ضد الأمريكان، وأنا مندهش أنّهم يريدون أن يبيعوننا أسلحة، إذ يتوجب عليهم شراء الأسلحة وليس بيعها، لكنّهم ظنّوا أننا أغبياء، هم يريدون أن يبيعوا لنا الراكد فقط. شعرتُ أنّ الأمر فيه خدعة أو مماطلة أيضًا، شأنهم كشأن صندوق النقد....
فور أن أنهى مهدي كلمته الأخيرة هاتف الرئيس الروسي وزير دفاعه قائلاً: «تخلّص من الأسلحة التقليدية بأيّ طريقة، أريد النوويّ، أريد النوويّ.» وأغلق التلفاز وهو يقول بتأفف: «رجل ثرثار.»

....وفعلاً، قد علمتُ من مصادر موثقة أنّ موسكو لديهم فائض من الأسلحة التقليديّة ويريدون زيادة مخزونهم من الأسلحة النوويّة لتعينهم في حربهم المحتملة مع الأمريكان، بأيّ نقود؟ بأموالنا نحن! طبعًا شعرت بالضعف، وشعرتُ بأنّ الدول العظمى هذه بترخّص في دماء الدول الضعيفة، ولكن شعرت بالفخر عندما رفضتُ، لأني رفضتُ بإباء.»
وجلس مهدي لحظات ثم استأنف: «بعد ذلك جاء وفد أمريكيّ إلينا، وكان غاضبًا، وقالوا لنا هكذا بالنص: «إنّ الابن (يقصدون فهمان) لم يكن ابنكم بل ابننا نحن، فأنتم أنجبتموه وألقيتموه في صناديق القمامة ونحن انتشلناه وربيناه، وهذا شأنكم يا مصريين، ترمون بالجواهر وتتمسكون بالتراب والجيف، علمناه وأرسلناه بحسب إرادته هو وليس إرادتنا نحن إلى سويسرا وزكيناه كي يتبوأ المكانة التي يستحقها هناك، ولقد نشأ وترعرع مع ابننا جاك، ساعده الأيمن الذي مكنه من الوصول إلى ما وصل إليه الآن، وأنتم تعرفون بالضبط حادثة حريق الجامعة، أفق يا مهدي، أنسيت أن دولتكَ قتلت أباه؟ أفق يا مهدي، فخيرنا تجده في لباسك الداخلي وفي حماماتكم، تجده في فتحة أدباركم، عشرات من العقود ونحن نأخذ اللقمة من أفواهنا ونناولها لكم. أنتم لئام يا مصريين، عندما أردتم أن تبنوا مصادمكم ذهبتم لغيرنا رغم أن فضلنا عليكم من مفرِقِ الرأسِ حتى أخمصِ القدم.»، انظروا يا أخوتي هكذا
قالوا لنا في وقاحة منقطعة النظير.....
رامسفيلد معلقًا: «آه يا أنذال، عليكم اللعنة، اللعنة على كل العرب، لتذهب أنتَ وفتاك إلى الجحيم.»
....قلتُ، لن نذهب لغيركم، سامحونا، والآن أنا أمد يدي إليكم أنتم، وولدكم يريد أن يبنيه في مصر فساعدوه، أقرضونا إذن، فردّوا: «نريد أن تتصالحوا مع يعقوب إسحاق، إسرائيل تقول إنّها صديقة لكم، وإنّها تسالمكم، ومن الممكن أن تعطيكم ماءً من عندها لكنكم دائمًا تعادونها، وتحرضوا شعوبكم على معاداتها، وتنصروا الإرهابيين عليهم (يقصد اتحاد المقاومة الفلسطينية).» رددتُ عليهم: مَن الذي اشترى سندات سدّ النهضة من الأثيوبيين في الزمن الغابر؟ ألم تكونوا أنتم؟! ثمّ قلتُ: لو سمحتم نحّو القضيّة الفلسطينيّة جانبًا ودعونا نتكلم عن القرض....
أخذ يعقوب إسحاق يسبّ ويلعن مهدي، بينما مؤيد وقادة الاتحاد رفعوا إبهام أصابعهم لأعلى تعبيرًا منهم على أنه قام بضربة معلم.
....قالوا: «إنّ التوتر الدائر بينكم وبين إسرائيل بسبب مسألة الأنفاق الفلسطينيّة يضايقها كثيرًا، ونحن كأمريكا لن نستطيع مساعدتكم في ظل هذا التوتر.» ثمّ استطرد الوفد وقال: «كيف تبنون المصادم وهناك توتر على حدودكم؟ أكيد لن تستطيعوا سداد القرض في هذه الحالة.» أيّها الشعب، هم يعلمون جيدًا بأنّي سأرفض قبول الدعم مقابل بيع دماء مجاهدي فلسطين إذ لم تكن غاياتهم من عرضهم هذا، وإنّما يريدون معرفة الاتّفاق الذي دار بيننا وبين موسكو، لذلك قالوا: «عرضنا أفضل من الروس؟»
أرأيتم يا إخوتي، المهم، صارحتهم بكلِّ ما دار بيني وبين الروس، فأرادوا قطْع الطريق على الروس بعرض أفضل منهم فردوا: نحن سنعطيكم الأسلحة التي تريدونها ولكن لا تشتروا من الروس. قلت لهم: وقد سمعتم منّي منذ برهة أنّي رفضتُ اتباع هذه الطريقة معنا، وها أنتم تكرّرون نفس كلام الروس، وها أنا أقول لكم مثلما قلت لهم : لا أريد أسلحة، أريد الدولار. وهكذا يا أهل بلدي، يريدون أن يدعموا ترساناتهم النوويّة ببيع أسلحتهم التقليديّة للحمير والبلهاء أمثالنا على حد ظنّهم، هم اعتقدوا فينا ذلك وأنا أقول لهم إنّ الشعب المصريّ سيد العالم، المهم، ذهب الوفد الأمريكيُّ، وبعدها بأيّام اتصلَ بنا صندوق النقد بأنّه موافق أن يعطينا القرض كلّه مقابل إرسال خبراء منهم يقومون بتحصيل إيرادات قناتي الرئيسين الراحلين -جمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي- قلت نحن دولة مستقلة، ردّوا: «ونحن لن نستعمركم.» قلتُ التحكم في حركة السفن استعمار، نفرض أنكم أدخلتم أسلحة لإسرائيل لضرب إخواننا الفلسطينيين فنحن لن نستطيع منعكم. طبعًا أنا أعلم أن صندوق النقد لماذا يريد إدارة قناة السويس، هم يريدون التحكم في ملاحة الأسلحة، فتمرّ أسلحة الأمريكان عبرها دون غيرهم وخاصة الروس. رفضتُ قائلاً: لا تدخلونا في حربكم، قناة السويس للجميع، فردّوا: «أنت فهمتنا خطأ، دعك من قناة السويس، افرضْ ضرائب على شعبك وارفعْ الدعم ونحن سنتعاون معكم؛ ارفعْ الدعم حتى تخفّض الدين المحليَّ وتستطيع أن تسدد قيمة القرض الشهريّ.» قلت: أقولها كما قلتها لكم من قبل: أنا شعبي تحت خطّ الفقر فماذا بعد ذلك أطلب منهم؟ دعكم وشعبي....
سمع العبارة عامة الشعب ولاسيما أشدهم فاقة من خلال الشاشات المنصوبة في المقاهي، وكان أحدهم يتابع بانتباه وبجانبه ولده، فقال الولد: «أنا عايز أشرب يا بابا.» فخرج أبوه من المقهى وذهب إلى أحد المحال فملأ له غطاء أحد الزجاجات، فأمسكها بيدٍ مرتعشة حسرة على ما آل إليه حال مصر، فوقعتْ على الأرض، فأغشي عليه، فانكبّ ولده على صدره ويهزه بكلتا يديه كي يفوقه ويبكي قائلاً: «معلش يا بابا أنا مش عايز مية.»
....مرّتْ عدة أيّام، ووجدتُ وكالات أنبائهم وصحفهم يتحدّثون عن طلب الحكومة المصريّة منهم الدعم لبناء ال fcc-2، لكن الحكومة الفيدراليّة أبتْ وقالتْ: «إنّ الشعب المصريّ فقير، ولا يجد شربة الماء فكيف يبني مصادمًا؟» ثمّ زادوا من وقاحتهم وقالوا: «إنّ الرئيس المصريّ يريد أن يعطّش شعبه أكثر وأكثر مثلما فعل أحد الرؤساء في العصر الغابر من تاريخ مصر، ثم استطردوا: أيّها الشعب المصريّ اعلموا بأنّ الإدارة الأمريكيّة لن تترككم جائعين عطشانين وسوف نظلّ نعطيكم معونتنا حتى لو سلّط الله عليكم متسلّطًا مثل مهديّ. فعلق مهدي: سبحان الله، سبحان الله، هم يكلمون شعبي أم شعبهم ؟! يخاطبون شعبي، فما شأنهم به! هي هي أمريكا، لن تتغيّر غطرستهم، ولن تتغيّر نظرتهم للأمور، فهم يزنوها دائمًا بمكيالين، إلى متى ستظلّ الغطرسة الأمريكيّة تهيمن على الدول الضعيفة! يريدون أن يحكُمُوكم أيّها الشعب ولديكم رئيس يحكمكم، مَن قال لهم إنّي عميل أو والٍ من ولاتهم؟ عجبًا....
ردّ رامسفيلد: «أنت إمعة وليس لك قيمة، أبله، كلكم يا حكّام العرب ثرثارون، ليس لديكم بضاعة إلّا ألسنتكم، تظلون تتشدقون بها إلى شعوبكم وبضاعتكم الرائجة هي الكذب من أول اعتلائكم الحكم وحتى النزول بقبوركم.»
... طبعًا أيّها الشعب الكريم، أنتم تعرفون كمّ حقدهم وحنقهم على تمزيقي للاتفاقيّة الظالمة التي عقدها الرئيس المعزول، تلك الاتفاقيّة التي كانت تسلم أعناق الشعب الفلسطينيّ لتسيل دمًا على أخاديد سيوف الصهاينة....
هبطت الدموع من الشعب الفلسطينيّ كالأنهار حال سماع هذه العبارة.
...تنهّد عدة تنهّدات ثمّ قال: نرجع لاستكمال حكاية الروس، جاء الوفد الروسي مرّة أخرى وعرض عرضًا جديدًا وهو نفس عرض البنك ألَا وهو السيطرة على قناة السويس مقابل تمويل المصادم مجانًا، أي أنّ المبلغ لن يردَّ، وهذا أفضل عرض جاء إلينا، لكنّي عندما فكرتُ فيه ورجالكم من أبناء القوات المسلحة وجدتُ أنّ هذا العرض سيؤلّب دول العالم علينا، وأنّ الموافقة على عرضٍ كهذا سوف يجعل كلّ جيوش الأمريكان والغرب وأحلافهم يزحفون إلى أرضنا، وبديلاً من أن تُدار الحرب النوويّة بعيدة عنّا تُدار على أرض مصر، وتتلوث أرض المحروسة بدمائهم ودمائكم . رفضتُ طبعًا. نرجع مرة ثالثة لقصة صندوق النقد، عاد البنك من جديد يقول: «سنعطيكم القرض على دفعات بشرط ضمان وصول مساعدات من الأمريكان والإنجليز والروس، وكلّ دفعة لها شروطها.» يا للعجب، مال البنك والروس، ماذا يريدون؟ لعلهم فقدوا كلّ حيلهم ولم يبقَ لهم سوى أن يتعاملوا معنا بشيء من الاحترام، وينحّوا السياسة بعيدًا عن أمر القرض أو على الأقل يجعلونا نعتقد ذلك. وطبعًا هم يعلمون عروض موسكو وواشنطن جيدًا، فكان كلامهم لنا تحصيل حاصل، أي ليس له قيمة. وجاءنا عرض من إسرائيل المحتلة، هاتفني يعقوب إسحاق به، العرض يقول: «سنعطيكم القرض طويل الأجل في مقابل شيء واحد، أن تجعلونا نفتّش في أنفاق سيناء، رفضتُ طبعًا، وقلت لهم: إنّ الدم المصريّ دمٌ عربيّ، وإن الدمَ الفلسطينيّ دمٌ عربيّ؛ وهما يخرجان من مشكاة واحدة.»...
قال يعقوب: «وسوف أشرب دماءكما أيها المحتلون أرضنا، أنت فاكر نفسك ضرغام يا صرصار، يا ثرثار يا ابن الزانية. ثمّ بصق على الشاشة (على وجهه الظاهر له).»
...بعد رفض كلِّ العروض المقدمة وجدت ملف المصادم fcc-2 في أروقة الأمم المتحدة يقولون: «إنّ مصادم بطاقة 400 إلى 500 تيرا إلكترون فولت سوف يخلّق ثقوبًا سوداء مجهريّة قد تبتلع الكون كلّه، ويجب على الأمم المتحدة أن تمنع بناء هذا الوحش حفاظًا على البشر.»
... وأنا أقول لهم هذا ردّي إليكم جميعًا، أيّ شحنة أسلحة ستمرّ عبر قناتي جمال والسيسي سيتضاعف سعر مرورها ثلاثة أضعاف. وأنّنا سوف نبني مصادمنا بسواعدنا وبهمة أبناء شعبنا.»
هبّ فهمان واقفاً مهللاً كالمحتفل بعيد النصر.
في نفس اليوم والأيّام التي تليه خرجتْ جموع الشعب المصريّ من مختلف المحافظات يحتفلون بقرار رئيسهم مهديّ، خرجوا بأثوابهم البالية من الخيام والجحور والأنفاق مسرعين كالمتسابقين في العدو يصيحون قائلين: «ناصر ناصر، مهديّ مهديّ، السدّ العالي، السدّ العالي، المصادم المصادم .»







رد مع اقتباس
قديم اليوم, 07:03 AM رقم المشاركة : 57
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

ابدأ بنفسك أولا
سعيًا وراء عمل خطوات جادة وفعالة لبناء المصادم fcc-2 قرر مهدي أن يبدأ بنفسه ثم بالنظام الحاكم، وهذا البدء يمتاز بالذكاء والحكمة فضلا عن أنه يتسم بالعدل. فمهدي يعلم بأن أكبر محفز لتحريك كافة أطياف الشعب للمساهمة في بناء المصادم هو الوزن بالقسط في الدولة، وهي ملكة مرتكزة في نفوس المحكومين ولاسيما العائل منهم والفقير سواء بسواء.
ومن قلب الرقيب على النظام الحاكم، ومن قلب درع الأمة، من قلب المؤسسة العسكرية قرر مهدي حثهم على المساهمة من رواتبهم وحوافزهم عن طريق فكرة رائعة أيضًا وهي إجراء استفتاء حول تطوع إجباري.
وبالفعل قام القادة ومَن يلونهم مِن الرتب الكبيرة بعمل الاستفتاء عن طريق فتح لجان انتخابية داخل المعسكرات والكتائب والوحدات وكلّ فصائل الجيش بكافة رتبه.
وتم الاستفتاء، وقد صُدم مهدي بعد أن أبلغ بنتائجه.
فأكثر من 70% من أفراد المؤسسة العسكرية على كافة رتبهم رفضوا المساس بمرتباتهم وحوافزهم معًا. ولقد هاله الأمر إلى حد الصدمة، وكاد أن يُغشى عليه لولا أن تداركه من حوله.
بعدها بأيام عقد جلسة طارئة مع المجلس العسكريّ، واستهلّ كلامه بمشاورتهم قائلاً: «يا أصدقائي، نحن وضعنا أرواحنا على أكفّنا إبان الثورة لخلع الرئيس الخائن الذي باع مصر لكل من هب ودب، واليوم أود أن نضع أرواحنا مرة أخرى لننهض بمصر. فماذا ترون؟»
قال وزير الدفاع متمتمًا نتيجة هاجس بداخله: «ماذا تقصد بالضبط يا مهدي؟»
رد: «تعرف مقصدي يا سيادة الوزير بعد أن عرفت نكسة الاستفتاء، أظن أن وقعها على قلبي كان أشد من نكسة 1967 على عبد الناصر.»
تقهقر وزير الدفاع للخلف مستاء من تهويل مهدي للأمور.
قال أحد الأعضاء: «أرى أن تُنحّي الجيش وتخرجه من مسألة دعم بناء المصادم fcc-2.»
نظر إليه مهدي متلهفا وهو يقول: «ولِمَ ؟ ولم؟»
أجابه: «الجيش هو الدرع الذي حافظ على مصر منذ عقود طوال، وهو الدرع الذي يتصدّى دائمًا للمخططات الخارجية التي تهدف لإضعاف مصر وخاصة المخطط الصهيوني، وضياعه أو تمزيقه سيُحدث يقينًا إضعافا للوحدة الداخليّة لمجتمعنا في شتى مناحي الحياة، هذا فضلاً عن أنّه البوابة أو الدرع الذي يحمي الجيوش العربيّة، فإن فُتحت البوابة أو تحطم الدرع فسوف تسقط المنطقة جزءًا جزءًا، تباعًا تباعًا.»
ارتدّ مهديّ إلى الوراء، واختلجتْ عيناه وقال منكرًا كلامه: «مستحيل، مستحيل أن أعرض الجيش لمثل هذه العثرات، هو يتعثر أحيانًا بسبب اضطلاعه بحمل ثقيل يحمله على كتفيه، أما أن يتعثر لأننا نطلب منه الوقوف بجانب شعبه فأنا لا أعتقد ذلك.»
وعمّ الصمتُ المجلسَ دقيقة وذلك مرجعه إلى أنّ المجلس لم يتصور أن هذه نظرته في المجالس العسكرية في الأزمان الغابرة، كما أنهم يرون عكس ما يعتقد مهدي، فاضطلاع الجيش بحثه على بناء مختبر علمي من أمواله هو الذي سيسقط الجيش.
فكرّ عليهم قائلا: «أرى في وجوهكم الإنكار عما قلت، نسيتم كيف ضاع نيل مصر بسبب الحمل الثقيل الذي ذكرته آنفا، نسيتم مجموعة القرارات التي كانت تُتخذ بصورة خاطئة بسبب الثورات الداخلية.»
ما زالوا خائفين من إثارة قضية دعم الجيش الإجباري في بناء المصادم، فهم متأكدون بأن مهدي سوف ينظر في أموالهم الطائلة التي يحصلون عليها من خلال عملهم.
استأنف مهدي: «لابدّ أن نبدأ بأنفسنا حتى نشجّع الشعب على المشاركة والتفاعل في بناء المصادم، لابدّ أن نكون البادئين بوضع حجر الأساس لبناء المصادم من هنا من هنا ..من الجيش.»
ووقع ما كانوا يحذرون بالفعل، ولكن إلى أي مدى سوف تكون الكارثة؟ وزير الدفاع وأكثر الأعضاء ينتظرون متخطفي الأبصار.
عضو آخر قال: «على مرّ العصور يا سيادة الرئيس والجيش يأخذ، ويأخذ، ويأخذ، فمن الصعب الآن أن ...»
قاطعه مهدي وهو يحدج فيه بقوله: «ليس صعبًا أن يأخذ وصعبًا أن يعطي؟!»
عم الصمت لحظات بعد أن صمت مهدي فجأة، فما زال الهاجس يكتنفهم ويكاد يحبس أنفاس قلوبهم ويسألون من الله اللطف بهم على ما يود مهدي فعله.
ثمّ تابع مهديّ كلامه: «الجيش هو درع الشعب الحصين ولا مانع أن أعطيه أكثر مما يأخذ غيره عن بقيّة المؤسسات، ولكن جاء دوره الآن ليعطي، نحن في أزمة.»
سكت هنيهة مجددا ثمّ أعاد نفس الكلمة إمعانا في التوكيد : «جاء دوره ليعطي، في مثل هذه الظروف لابد أن يضحي.»
قال نفس العضو السابق آملا في الإفلات من عزم مهدي على المساس بمرتباتهم: «لا أرى أن نغامر بمصير دولة كاملة مِن خلال الاعتماد على فتى صغير يدّعي القدرة على بناء مصادم حذر منه كلّ فيزيائيّ العالم لخطورته على الكون.»
هنا قال مهدي في نفسه: «ما زلتم تريدون الإفلات من الأمر الذي أود فرضه عليكم بأي وسيلة.» توقف الكلام، وكادت أنفاس أكثر الأعضاء تتوقف. فقال وهو يرمقهم: «يبدو أنني سأعلن في اللحظات القادمة عن موت محبيني إثر أزمات قلبية. تعسًا لكم.» بدأ العرق يتصبب من بعضهم بعد قوله الأخير، ثم قال بعد هذه الحالة التي عاينها: «هذا الفتى الذي لم تعرفوا قيمته عرفها الموساد، وكذلك السي آي أي، وعلى خلفيّة معرفتهم وإصرار الفتى على عدم التصريح بمكان بناء المصادم تيقّنوا أنّه سيدين بالولاء لبلده كما فعل عالم الفندق المقتول، فحاول أفراد الكيدون اغتياله، إسرائيل تعرف مدى أهمية العلم ونحن نجهله سيادة الوزير، الفتى كرّس حياته من أجل هذا البلد ونحن نبخل عليه بحفنة من الدولارات.»
قال أحد الأعضاء رغبة في إثناء مهدي عن عزمه: «الحكومة تخلّصتْ من الديون القديمة لدى البنك الدوليّ في عهد الرئيس المعزول على حساب الشعب فجاع وتعرّى وسكن القبور، ولا نريد أن نكون نحن السبب في الاستدانة مرّة أخرى و..»
صرخ فيه مهديّ: «تخلصنا كيف؟! لمّا بعنا أرضنا، وناولنا كئوسًا من دماء الفلسطينيين للجيش الإسرائيليّ ليروي بها ظمأه.»
قال عضو لم يتكلم من قبل رغبة في توسيع الفجوة بين ما يود مهدي فعله وما هم يودون: «أرى إعطاء منح للجيش حتى يحرسوا المصادم حال بنائه فضلاً عن سواعد أيديهم التي ستشترك في بنائه لا أن يُطلب منا.» قال ما في قلبه، لذلك تمتم وتراجع عن قوله السابق بقوله: «لا أن يُطلب منهم الدعم المالي من رواتبهم ومنازلهم و..»
قاطعه مهدي ساخرًا: «نسيت أن تقول سيادة العضو:وأولادهم.» رفع مهدي يديه اليمنى باسطا كف يده في وجوههم وقال: «كفى كفى.» ثم نظر إليهم محدقًا ثمّ استفتاهم استفتاء المجبرين لا المخيرين: «وأخيرًا الموافق بشأن دعم الجيش لبناء المصادم بالمال والنفس يرفع يده.»
كشر وزير الدفاع عن أنيابه وهو يقول: «يساهم بعرقه نعم، يكدّ ويتعب لبنائه نعم، لكن يساهم بالمال فذاك أمر عصيب عسير.»
نظر إليه مهديّ بحنق مشوب بالحزن ولم يعلّق، ثمّ أعاد نفس الكلمة.
فرفع قرابة 15 % من عددهم على استحياء.
عبس وجه مهديّ وازورّ للوراء كأنّما يتّقي سهمًا سُدد إليه ثمّ قال في نفسه: «لعلّ وطنيتهم نائمة تحتاج إلى من ينشطها، فهم أصدقائي وأنا أعرفهم فرادى فرادى، إذا رموا غدْرًا فضمائرهم ترعش أياديهم فتهوى الرميّة، وإذا انتقوا سهمًا ليرموا به بريئًا انتقوه مكسورًا لأنّ نفوسهم تأبى الجور، علي أن أفرض عليهم وأنا متأكد أن عملي سوف يكون مأمون الغوائل.
قال في حزم: «نؤجّل الأمر ريثما اجتمعُ بالحكومة.»
انفضّ المجلس وظلّ مهديّ يفكر فيما قال أعضاء الثورة المجيدة من المجلس العسكريّ، ورأى أنّهم جانبهم الصواب في كثيرٍ ممّا قالوا ولكن لاَ بُدَّ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ وهو إشراك الجيش بالجهد والمال في بناء المصادم وإلّا سيعزف الشعب عن الإسهام فيه.
كما رأى أنّه لابدّ من الاجتماع السالف حتى يؤهّل نفوس أصدقائه لقبول أيّ قرارات يتخذها، فعنصر المباغتة في مثل هذه الأمور لا يصبّ مطلقاًَ في مصلحة المشروع.







رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 1 والزوار 5)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


تصحيح تعريب Powered by vBulletin® Copyright ©2016 - 2021 
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010