الإهداءات

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: تفسير الاحلام بشكل سريع (آخر رد :ايمان فتحي)       :: حكمــة اليـــوم (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: عطر البنفسج وجنون أنثى .... (آخر رد :دوريس سمعان)       :: تحت نغماتِ الحنين (آخر رد :دوريس سمعان)       :: هـذا الصبـــاح ...... (آخر رد :دوريس سمعان)       :: سكون (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: رسالة من المنفى ..فلسطين تتحدث (آخر رد :ابراهيم امين مؤمن)       :: * تخاريف مقبل على الموت * (آخر رد :جمال عمران)       :: هذيان الشتاء ممزوجاً بقوانين عشقي (آخر رد :جوتيار تمر)       :: رِحْلَة عِيدٍ فِي قَلْبِ القُدْسِ (آخر رد :جوتيار تمر)      


العودة   منتديات قناديل الفكر والأدب > قناديل السرد > قناديل المسرح والرواية


رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 »

قناديل المسرح والرواية


إضافة رد
قديم 10-25-2020, 09:34 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء الرابع
الطريق إلى مملكة الرؤوس الثلجيّة
ظلّا سائرين نحو ثلاث ساعات، وأخيرًا ركبا سيارة قاصدين الوادي الجديد، وما زال الخوف يسيطر على كليهما. فلمّا وصلا اتّصل بأحد سماسرة العقارات واشترى شقة متواضعة على الفور.
تمددا على السرير وناما من الإعياء الشديد. نام فطين محتضنًا المال المتبقى من شقة جنوب سيناء بعدما استخرج منه المال الذي اشترى به الشقة الحالية. الخوف يعتصر قلبه، وفهمان أشدّ خوفًا منه لأنه يحبّ أبيه جدًا فضلاً عن قلبه الضعيف الذي لا يستطيع تحمل أدنى الكوارث.
ومرجع خوف فطين أنّه لأول مرّة في حياته يعيش طريدًا رغم بعده الشديد عن مسرح الجريمة، وكان يواسي نفسه ويطمئنها من خوفها بعد إجراء العملية التي عزم على إجرائها. استيقظ فطين، بينما ابنه لم ينم إلّا غفوات. ارتدى ملابسه ومضى وقد آثر فهمان ألّا يسأله عن وجهته.
ذهبَ إلى إحدى المكتباتِ الشهيرةِ في القريةِ واشترى بعضًا مِن كتبه المفقوده وحاسوبًا جديدًا وعادَ إلى المنزل. بحثَ في بعضها عنْ تقنيات زراعة رأس إنسان أو وجه، وبعد التحرّي والتمحيصِ قرّرَ أنْ يزرعَ رأسًا كاملاً بدل الوجه دون إشارة طبيب مختص. فتحَ الحاسوبَ ليبحثَ عن أسماء أطبّاء يقومون بمثل هذه العمليات فحصل على أشْهَرِهم، إنّه صاحب مشفىً كبير بالوادي الجديد واسمه..مؤيد أصيل، والموْقع مدوّن به إنجازاته الطبيّة. أعمق البحث ليعرفَ عنه أكثر، فعرفَ أنّ أكثر مِن مُحامٍ رفعوا عشرات القضايا ضده لأنّه يقوم بعمليات زرع أعضاء دون الحصول على إذن مِن وزارةِ الصحةِ. وتكلّمتْ بشأنه صحفُ المعارضةِ المصريّةِ فقالت إنّه سفاحٌ وماصٌ للدماء، والنظام الحاكم يغضُّ الطّرف عنه لأنّهم يتحصّلون منه على ضرائب باهظة.
فتتبعَ فطينُ هذه الأخبار الخطيرة واستوثقَ منها عن طريق مقابلة أحد الذين ذكَرَتُهم الصحفُ بأنّه تبرّعَ بجلد وجهه لأحد المجرمين الهاربين مقابل مبلغ ضخم مِن المال، وبالطبع دون الحصول على تصريح مِن وزارةِ الصحةِ حتى يستطيع المجرم الهارب الإفلات مِن جريمته.
وزارة الصحة لا تستخرج التصريح إلّا بوجود المُتبَرِعِ والمُتَبَرَع له وعمل اختبارات بصمات الأصابع وخلافه للتأكد أنّ المتبرَع له غير مجرم.
وبعد التأكد التام مِن صحة الأخبار قررَّ أنْ يلتجئ إلى مؤيد أصيل ليعمل له العمليّة. فكّرَ فطينُ كيف يصل إلى الدكتور مؤيد لمساومته على زرْع رأس له دون تصريح مِن وزارة الصحة. خرجَ مِن بيته قاصدًا العنوان المدوّن في الإعلان الإشهاريّ للمستشفى على الحاسوب، خرج ولم يستأذن ابنه كالعادة فعقله مغيب تمامًا عن كلّ شيء إلّا ذاك الأمر الذي قرّر فعله. توجّه فهمان إلى الحاسوب فور رحيل أبيه مباشرة، فوجد مواقع لمشافٍ تزرع الأعضاء، فقرأها ثمّ تساءل: «ماذا تودّ أن تفعل يا أبتِ.»
بمجرد وصول فطين المشفى سأل أحد أفراد الأمن عن الطبيب مؤيد أصيل. فقِيِل له أنّه مدير المستشفى، ويأتي إليها يومًا أو يومين في الأسبوع وغالبًا السبت والثلاثاء، والسبت رئيس عنده، ثُمّ سأله الحارس:
- «أليس اليوم السبت؟»
- «بلى.»
- «كم الوقت الآن؟»
- «الساعة دخلتْ على الثانية عشر صباحًا.»
- «على وشك الوصول.»
- «ومتى ينتهي مِن عمله؟»
- «مساءً.»
وجه الحارس نظرة على الطريق الذي مِن المعتاد يسير فيه الدكتور مؤيد، وبالفعل وجدَ سيارته مقبلة، فأشار إلى السيارة بإصبع الإبهام قائلاً لفطين ها هو قد جاء.
انتظرَ فطينُ انتظارَ المتحفّزِ، ونظرَ نظرةَ الوجل حتى وصلتْ السيّارة ونزلَ منها فرآه فطين. شكَر الحارسُ ثُمّ مضى مسرعًا خلف الطبيب الذي ولجَ مِن الباب الرئيس لكنّه لمْ يدركْه. حكَّ رأسه أسفل لاسته وقرّرَ أخيرًا أنْ ينتظره حتى انتهاء عمله. ولمْ يترك المكان حتى مارس عادته المشهورة بالنظر إلى تكنولوجيا الجنس البشريّ.
فنظرَ إلى المبنى ولفتَ نظره خروج أحد المصاعد مِن المبنى لتدخل في المبنى المجاور، هذا المبنى هو ملحق المستشفى إذْ يحتوي على الصيدليّة وبعض الحجرات لإقامة المرضى فيها، ويبدو أنّ أحد المرضى أُجريت له عملية جراحية ونقلوه بالمصعد إلى المبنى الملحق. تفحّصَ المصعدُ واستذكرَ قراءته، وعلى الفور علم أنّ المصعدَ يعمل بتقنية الرفع المغناطيسيِّ بديلاً من الكابلات، وأنّه بإمكانه السير أفقيّاً ورأسيّاً فضلاً عن حركته المعروفة وهي الهبوط والصعود. مضى فطينُ تاركًا المشفى إلى حين، حتى إذا حانتْ لحظة غروب الشمس عاد إلى المستشفى ووقفَ على مرأىً مِن بابها الرئيس حتى إذا خرجَ الطبيبُ مؤيد تبعه. وبالفعل خرج مستقلاً سيارته فتبعه فطينُ بسيّارة أجرة على الفور، حتى إذا وقفتْ سيارةُ مؤيدِ أمام الباب الرئيس للفيلا كان هناك باب آخر كان يمثلُ جراجًا خاصًا له، فُتح جراج الفيلا إلكترونيًا ودخلَ وأُغلق الجراج ولمْ يخرجْ مؤيد بالطبع.
امتعضَ فطين، حيث كان يظنُّ أنّه سوف يخرج ثمّ يلجُ الفيلا من بوابتها الرئيسة، فأقبلَ كالتائه إلي حارسها وقال له: «أريد مقابلة الدكتور.»
فردَّ عليه: «هل أنت على موعد معه؟»
فردّ فطين: «لا، فقط أخبره أنّي أريده في شئ هام وخطير.»
هاتف الحارسُ الطبيبَ فأمره بإحضاره إلى حجرة الاستقبال.
ولجّ فطينُ حجرة الاستقبال وقابله مؤيد وحيّا بعضهما.
تعجّب مؤيد من هيئته، ومن لاسته المزركشة والجلباب ، ثمّ قال له مؤيد: «أأمرْ يا معلم.»
قال فطينُ بهدوء: «رأس ، أريد زرع رأس.»
ردّ باستياء مشيرًا بيده إلى باب الخروج: «هذا ليس محل عمل، قابلني في المستشفى غدًا ، اتفضلْ .»
ردّ بثقة وهدوء: «أريد زرعَ رأس ولك ما تطلب.»
احتدَّ صوته مُتسائلاً سؤال المتهكم:مِن أنت يا رجل ؟ ولماذا لمْ تقابلنِي في المشفى؟
بهدوء وثقة: «أريد زرع رأس بلا تصريح مِن وزارة الصحة ولا علم الحكومة، فأنا رجل يلوذ بك وأراكَ مُغيثًا، ولا أظنُّ كريمًا مثلك يردُّ مستغيثًا إلّا إذا كان المستغيث لئيمًا وأنا لستُ كذلك رعاك الله.»
قال بسخريّةٍ: «أتريد أيضاً أنْ تُغير اسمك؟»
واصل هدوءه قائلاً: «يا ليت.»
اشتدّتْ نبرةُ صوته أكثر، ثُمّ سأله: «مَنْ قالَ لك إنّي أخالف القانون؟ اخرجْ وإلّا طلبتُ لك الشرطة.»
- «أرومُ أنْ تساعدني.» صمت هنيهة إذ لمح صورة معلقة على جدار الحائط وخلف ظهره مباشرة، يظهر فيها وهو يقوم بإحدى العمليات لأحد الأشخاص ومن خلفه بطارية ذرية لا يلحظها إلّا ذو علمٍ كبير، فعلم على سبيل الظنّ أنّ مكان العملية في أحد الأنفاق الفلسطينية وأن المريض أحد أفراد اتحادها، فكانت الصورة بمنزلة فرصة ذهبية اقتنصها على الفور قال له: «أنا رجلٌ وطنيّ والموساد الإسرائيلىِّ يلاحقني.»
انتبهَ للعبارة «فأنا رجلٌ وطنيّ والموساد الإسرائيلي يلاحقني.» وسكت على إثرها هنيهة ثُم قال بهدوء مغمغمًا بكلام متهدج: «ق..قل..ق..قلتُ لك اخرجْ.»
لمْ يستطعْ مؤيد أنْ يكبحَ جموحه نحو انتمائه لعروبته التي لا تُضاهى، هذا ما شعرَ به فطين عندما لجلج في الكلام؛ فاستبشرَ خيرًا. وقرّرَ أنْ يصمتَ ويطول صمته حتى يستخرج ما بداخل مؤيد مِن خلال علامات وجهه ورعشة منكبيه التي بدتْ واضحةً عندما أخبره أنّ الموساد الإسرائيليَّ يلاحقه.
وآثر الهدوء والصمت.







رد مع اقتباس
قديم 10-28-2020, 03:30 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

تفرس مؤيد فطينًا وقلما يخطئ في فراسته، نظرَ إليه وقوّمه في خياله، فقال في نفسه: «أنّه رجلٌ تبدو عليه علامات الإجلال والقوّة معًا، كما تبدو عليه علامات الصلاح والنبل.» فأزمع بداخله على عمل حيلة ليتأكد مِن ظنونه التي بثّها في خياله على الفور.
وهكذا تفحّص كلٌّ منهما الآخر كأنّهما خبيران في علم لغة الإشارة والجسد.
قال مؤيد بعد فكر وبصيرة: «أيّها الرجل، اقعد.» وفور قعوده استأنف كلامه بتؤدة: «أنا لا أقوم بمثل هذه العمليات لكني أصدقك فيما قلتَ.»
ثمّ سرح مؤيد بخياله مرّة أخرى مرددًا على مسامع أذنيه: «لابدّ أنْ أكون حذرًا خشية أنْ يفتضحَ أمري ويَهلك مَن ورائي؛ فالاتحاد في حاجة إليّ من موقعي المتميز في المستشفى.»
ثمّ ناوله سيجارة وأخرج قداحته الأخّاذة وأوقدها له ثمّ تصنّع وقوعها على حجر فطين، فلمّا أراد فطين ردّها إليه قال الطبيب هي وقعتْ في حجرك وهي مِن نصيبك، خذها هدية بسيطة جدًا.
ثمّ أعاد مؤيد قوله: «أيّها الرجل الكريم، إنّي لا أمارس هذه العمليات مطلقًا، وإن كنتَ صادقًا فأسأل الله أن ينجيَّك مِن القوم الظالمين.»
- «إذًا، هذا رأيك الأخير.»
- «قال بحزمٍ ..ومصرّ عليه.»
نهضَ مؤيد، وتبعه فطينُ وقوفًا على الفور، ثُمّ استأذنه في الانصراف تاركًا القدّاحة وراءه.
ناداه أثناء دلوفه الباب، فانتبه، فقال له مؤيد القداحة : «لقد نسيت القدّاحة.» ثُمّ أقبل إليه وربت على كتفيه ودعا له بالسلامة.
مضى فطينُ مترجلاً هائمًا على وجهه لا يكاد يتحمّل همس الريح، ولم يكفّ أثناء سيره عن التدخين ترويحًا عن نفسه. كان يوقدُ السيجارة بقدّاحة الطبيب، والطبيب يتابعه مِن خلالها، ولمْ يسمعْ مؤيد غير نقر نِعال المارة، وبعض أصوات هدير السيارات؛ إذْ كان الوقت في الهزيع الأول مِن الليل. ظلَّ سائرًا يفكّر فيما ينتظر ابنه مِن سوء المآل، ومؤيد خلفه ليأتي بالخبر اليقين عمّا تلمّسه في فطين من وطنيّة لا تقارن. وصل أخيرًا إلى الحيّ ودلف باب العمارة، فرصد مؤيد مدخلها.
دلف حجرة فهمان ليطمئنّ عليه؛ فوجده عاكفًا على الحاسوب، بينما مكثَ مؤيد في سيارته لم يخرج منها وهو يتنصت عليه.
وكان فهمان لحظة دخول أبيه يبحث عبر المواقع الإلكترونيّةِ العربيّةِ والأجنبيّة عن خبر جريمة قتل الفندق التي كلّمه أبوه بشأنها فما وجدها، لكنّه أعمق البحث وظلّ منغمسًا فيه حتى إنّه لمْ يشعرْ بدخوله، وعندما زاحمه في النظر إلى الحاسوب انتبه فهمان ثُمّ قال:«اليهوديّ لمْ يمتْ يا أبتِ.»
سمعها مؤيد من داخل سيارته عبر جهاز التنصت فاقشعرَّ جلده ووظّف كافة حواسه للمحادثة.
ألقى فطين بالقدّاحة بجانب الحاسوب ثمّ ردَّ بثقة: «بني، عندما يتعلق الأمر بأمن وكرامة دولة يصبح الغريب مألوفًا والمألوف غريبًا وتتبدّل كلّ المفاهيم.» زفر زفرة ثمّ تابع كلامه: «في تصورهم أنّ قتل رجل منهم وفى عقر دارهم أمر مشين وعلى ذلك فلابدّ من ردّ فعل كبير، بني، هم يتربّصون بي ويبحثون عنّي متنكرين، ولنْ يهدأ بالهم حتى يستردّوا كرامتهم.»
- «ولذلك قررتَ أن تغيّر وجهك.»
- «كيف علمت؟» ثمّ نظر إلى الحاسوب فأجابه بنفسه: «من الحاسوب..ولدي عندما تريد أن تعرف شيئًا فسلني أنا ولا تفتّشْ ورائي.»
- «سمعًا وطاعة أبتِ.»
- «هكذا يجب أن يكون سلوكك مع أبيك ومع البشر يا بني.»
ثمّ تركَه فطين وذهبَ إلى حجرته مغتمًا .
وما إنْ انتهى الحوار طاطأ مؤيد رأسه وقال: «إنّ هذا الرجل هدفي، ولابدّ أن أجنّده؛ فهو سيمثل له ورقة رابحة ومكسبًا كبيرًا في إطار صراعنا ضد اليهود.»
نزل مؤيد من السيارة ثمّ توجّه تلقاء أحد المحال ليعرف رقم الحجرة التي يقطنها فطين.
وصل المحل وطلب علبة سجائر وزجاجة مياه، ثمّ سأله عن فطين: «أيّها السيد، هل يسكن في هذه العمارة رجل يلبس لاسة وجلبابًا و ...؟»
رمقه عامل المحل شزرًا كأنّه يقول له هنا مصر، كلّ شيء له سعر حتى السؤال. أهمله البائع، بعد لحظات قال لمؤيد: «لِم تسأل عنه؟»
فأجابه: «يريد الزواج بأختي وأنا لا أعرفه.» سكت هنيهة ثم قال: «استأذنك، كم الحساب؟»
ردّ البقال: «خمسون جنيهًا سعر زجاجة المياه، ومئة وخمسون جنيهًا سعرعلبة السجائر.»
أخرجَ مؤيد مِن جيبه العملة المصريّة الجديدة وهي فئة الألف جنيه، وأخذ يحركها يمنة ويسرة وعين البائع تدور حيث حركة يد الطبيب، فقال البائع بلهفة: «سأخبرك، اسمه فطين ولا يعيش معه إلّا ابنه وجاء هنا بالأمس فقط.»
غضب مؤيد قائلاً: «قلت لك كم رقم حجرته؟»







رد مع اقتباس
قديم 10-29-2020, 05:27 PM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

قال البائع: «ابحثْ عنه في الدور الرابع أو الخامس.»
ألقى الطبيب له الورقة بقرف واشمئزاز بعدما استردّ منها سبعمئة جنيهًا، ثمّ ولج باب العمارة وطرق باب الدور الرابع والخامس ووقف على بسطة السلم المشتركة بين الدورين، ففتح باب شقة فطين. نظر إليه فطين بدهشة وسأله: «أنت، أنت؟ لماذا تتبعني؟»
أجابه: «ألَا ترحّب بضيوفك ؟ أمْ تتركني على الباب؟»
- «اتفضل.»
أجلسه في ردهة المنزل. نادى على ولده بأن يحضر زجاجة مياه له على الفور.
قال الطبيب: «أمعك سجائر؟»
أخرج له فطين سيجارة. وضعها الطبيب بين شفتيه ونظر إلى فطين قائلاً: «ألّا تشعلها؟»
فأخرج قداحته القديمة ولما همّ بإشعالها استوقفه مؤيد ثم قال له: «القدّاحة الجديدة ، أشعلْها بالقدّاحة الجديدة.»
تعجّب فطينُ مِن رغبة الطبيب الغريبة؛ لكنّه لمْ يكترث للأمر. نادى على ولده كي يحضرَ القدّاحة مِن الحجرة. ولمّا أشعل له السيجارة خطفها قائلاً: «تلك عصاي أتوكأ عليها، كما أعرف عصاكَ التي توكأتَ أنتَ عليها منذ يوم ونصف.»
فتعجّبَ فطينُ مِن قوله، ثمّ قال له: «ماذا تقصد؟»
قال مؤيد: «لِمَ قتلت يهودىَّ الكيدون؟»
ظنَّ فطينُ على الفور أنّ الدكتور مؤيد بلّغ عنه، وأن الشرطة على الباب الآن رغم علمه المسبق بحالته، فأجاب متغاضيًا: «لا أدري عمّ تتكلم.» سكت هنيهة ثمّ قال: «حضرتك طبيب أم محقق؟»
- «فندق هيلتون طابا يا فطين.»
حدج فيه فطين كاظمًا غيظه وزأر من داخله وكظم لسانه ايضًا.
قال مؤيد: «أتذكر هذه القداحة؟» وفتح الطبيب إيّاها دون أنْ يمهله الردّ وأخرجَ منها جهاز تنصّت، ثمّ أخرجَ هاتفه الذكيَّ وأسمعه الحوار الذي دار بينه وبين ولده.
تفجرت القنبلة -بنفس فطين- التي أشعل فتيلها مؤيدٌ منذ لحظات، فأقبل على الطبيب لينفث عن غضبه؛ فرفعه مِن ياقة بذلته بكلتا يديه إلى أعلى، وهمّّ بإلقائه مِن النافذة؛ فقد أعماه الغضب عن فعل الحلم والروية والتدبير. حاول الطبيب الخلاص من قبضة فطين، ولكن محاولته فشلت بسبب قبضته الحديديّة، غمغم جبرًا فقد كاد يختنق، يبدو أنه لم يتبق له في هذه الحياة إلا بضعة هنيهات ويودع الحياة؛ إذ بدأت تجحظ عيناه، بينا فطين لا يكترث لحالته، واستمر في إطلاق السب واللعنات مع إحكام قبضته.
سمع فهمان هدير صوت أبيه من الداخل فهرول مسرعًا، فرأى المشهد على الفور؛ فذُعر وأمسك يد أبيه ليدفعها بعيدًا عن الطبيب بيد أنّ يد فهمان لمْ تحرك ساكنًا. ولمّا صاح فهمان صياحًا شديدًا؛ رماه فطين متبرّمًا لاعنًا ثمّ قال له: «ياخائن يا ابن الكلب.»
بينا سارع فهمانُ نحوه يفكُّ أزرار البذلة حتى يتنفس، وأقامه، وأجلسه على كرسي، وناوله بعض الماء حتى إذا تمالك نفسه قال لفطين وأنفاسه تتسارع: «أنا ما جئت لأهدّدك أو أبتزّكَ، وإنّما جئتُ لأجري لك العمليّة، وأعطيك أيضًا هويّةَ صاحب الرأس الجديد إن أردت، وبذا تكون قد أمّنتَ نفسك وأمّنتَ مستقبل ولدك.»
- «وكيف أصدقك؟»
- «لو أردتُ ابتزازك لِمَا حضرتُ إلى بيتك، ولو أردتُ الغدر بك لأوصلتُ هذا الحوار إلى الشرطة عن طريق طفل بوهبةِ زجاجة مياه ثُمّ فررتُ أنا.»
تدبر فطينُ قليلاً في كلام مؤيد فوجده معقولاً، بل هي عصا موسى التي ستنجّيه وولده مِن حبل المشنقة، أو إرساله إلى إسرائيل ليضعوه في سجنٍ سرّيّ لايَمُوتُ فِيه وَلَا يَحْيَا، ثُمّ قال: «هات ما عندك أيّها الطبيب.»
- «قال سآخذ رأسك وأزرعك الرأس الذي لديّ و ..»
استوقفه فطينُ قائلاً: «أنا لا أقبل أيّ رأس.»
ردّ الطبيبُ بتوسلٍ: «لا تقاطعني حالما انتهي، صاحبُ الرأس رجل فلسطينيّ وطنيّ مِن شعر رأسه إلى أخمص قدميْه، تهجّر مِن بلده ودخل هو وأمّه وأخوته إلى مصر عبر شمال شرق سيناء بموجب الاتفاقيّة الرباعيّة و ..» لم يكمل، حيث صمتَ توجّعًا وأطرق رأسه خجلاً.
طغى الفضول على نفس فطين فقذفه قائلاً: «أكملْ.»
لمْ يردّ عليه، وعاد مِن جديد وحشُ الماضي الطاغي وفرض نفسه على مشاعره التي كان يداريها عبثًا خلف ابتسامة زائفة مع أنّ قلبه يتمزق إرَبًا. ولقدْ تجسدتْ الآن الصورة أمام عينيْه اللتيْن بدأتا تزوغان وتغرورقان، وأخذ جسده يرتعش مع الذكرى رعشة الصاعقة. وتجسّدَ المشهدُ الأليم في مخيلته كأنّه حدثَ منذ لحظات؛ في المشهد يظهر الفلسطينيِّ وهو يصارع سكرات الموت غمًا وحسرةً على ما يحيق بوطنه من ويلات، كما يدعو على يعقوب إسحاق بأن يصيبه الله الشلل في جسده، ويتحسّرُ على عدم إدراكه للعمل مع الاتحاد. وعلى جانب آخر من الصورة أمّه واقفةً، ويتزاحم إخوته التسعة حول ثديها الجاف. نظرتْ الأمُّ إلى ابنها الهالك وإلى أولادها الصغار وقالتْ: «لا أدري يا أبنائي أحملُ مَنْ الآن، أحملكم أمْ أحمل ولدي الهالك؟ هذا الهالك الذي كان يحملنا، الآن لا يجد مَنْ يحمله. اِصبروا حتى ندخل مصر ونبحث عن جُحْرٍ يأوينا.»
انسلبتْ مِن أبنائها واندفعتْ بكلِّ مشاعرها نحو ابنها واقتعدت الأرض ورفعتْ رأسه ووضعته في حجرها وصرختْ.
أقبل عليها مؤيد لمواساتها؛ فنهرتنه قائلةً: «ابعد عنّي أيها المصري المتوحش، إلى متى سنظلُّ قرابين لحكّامكم؟ تملكون حريتكم بتعبيد الطريق المؤدّي لاسترقاننا، إلى متى..إلى متى؟»
فقال لها كذبًا: «أنا فلسطينيّ أجاهد من أجل تحرير بلدي، وأريد رأس ابنكِ لاتحاد المقاومة.»
نظرت إلى صراخ أطفالها، ثمّ نظرت إلى ابنها الهالك؛ فحثت على رأسها التراب إشارة إلى أنها لطخت نفسها بالعار من أجل حماية صغارها من الموت جوعًا. ثمّ نهضت واقفة بثبات وهي تمرر إصبع الإبهام على إصبعي السبابة والوسطى قائلة: «كم؟»
وزاد صراخ أطفالها فزاد صياحها وأخذت تردّد بجنون وبعينين زائغتين: «كم ؟ كم؟»
فعرض عليها مبلغًا كبيرًا، فوافقت على الفور ثمّ انكبتْ على ابنها الهالك تحتضنه وتصرخ قائلة: «في جنة الله ياولدي، سامحني يا ولدي.» ثمّ انتصبتْ واقفة ورفعتْ يديها إلى السماء واستأنفت: «ربّ إنّي أودعتُ ابني عندك ولا حيلة لي ولا سناً تقطع، اللهمّ أرني في يعقوب إسحاق يومًا أسود كيوم عادٍ وثمود ، اللهمَّ إنّ رأس ابني وديعة عندك فحلْ بينها وبين جسد أيّ مجرم أو غادر، اللهمّ إنّ ابني عاش بجسدٍ حميدًا مدافعًا عن وطنه فاجعلْه في جسدٍ بقلب حميدٍ خلوقٍ.»
ولمّا طالتْ لحظات الصمت ووجد فطينُ رجفةَ الطبيب ودموعه التي انهمرتْ حتى سقطتْ قطراتها على فخذيه أشفق عليه وناداه وحاول أن يستحضرَه، بينا الطبيب غائب في لوحة الماضي الأليمة.
فأقبل تلقاء وجهه وأمسك منكبيْه بكلتا يديه يستحثّه على الانتباه وطرْد ذاك الشيطان الذي جثم على مشاعره، ثمّ هزَّه مستنبهًا: «دكتور دكتور.»
فانتبه.
قال فطينُ: «أنا موافق بشرط أن تجبني عن سؤالٍ واحدٍ ولا تكذبني، هل الفلسطيني وطنيّ مِن شعر رأسه إلى أخمص قدميْه كما قلتَ؟»
- «هو من الشهداء يا فطين.» وأسرّ مؤيد في نفسه قصة شرائه، كما لم يبحْ له برغبته في ضمّه (ضم فطين) إلى اتحاد المقاومة.
قال فطين: «كمْ تريد؟»
فقذفه سريعًا بسؤال: «لِمَ قتلتَ يهودىّ الفندق؟»
أجاب: «النفس بالنفس، قتل عالمنا المصريّ، وكان أملاً لخروج مصر من أزماتها السياسيّة والاقتصاديّة.»
سكت مؤيد هنيهة ثمّ قال: «عملية اغتيال العالم المصريِّ المشهور، أتقصد تلك العمليّة التي تمّت في فندق هيلتون طابا؟»
- «نعم.»
- «لمْ يعرفوا حتى الآن كيف دخل السمُّ إلى الحجرة رغم الحراسة المشدّدة عليه، هذا العالم أعرفه كذلك، إنّه كان بروفيسورًا في إحدى الجامعات الأمريكيّة، أعرفه جيدًا جدًا، إنّه عالم روبوتات رائع ليس له نظير غير واحد فقط؛ يعمل في مصادم سيرن fcc-1 اسمه اسمه..اسمه ميتشو كاجيتا.»
وأخفى عن فطين أنّ بروفيسور بيتر كان معه في الفندق وقتها، وأنّه انضمَّ لنفق الاتحاد وقتها.
سأله مؤيد: «لكن كيف سيخرجكم من أزمتكم الاقتصاديّة؟»
- «لو التفَّ حوله باقي العلماء والباحثين وأنشأوا مصنعًا روبوتيّاً ضخمًا لأمكنهم صنْع آلات تتمتع بقدرات خاصة مِن الممكن تصديرها لدول أوروبا وآسيا بأسعار خياليّة؛ لأنّ الأمريكان والروس يتنازعان حول حكم العالم.»
- «من أين عرفتَ كلَّ هذا؟»
- «قرأتُ في جميع تخصصات الفيزياء لاحتياجي لها في عملي، فأنا ساحر.»
- «ألعاب سحريّة! كم أنت رائع يا حاج فطين.»
- «ولمّا تيقن الموساد مِن خبر ابتكاره لهذا الروبوت وإباءه العمل لدى الأمريكان صدر الأمر إلى قسم الكيدون بالتصفيّة الجسديّة فورًا بأيّ ثمن.»
- اقتضبَ مؤيدُ الحديث وأداره حيث يريد وقال: «أريد المال الذي دفعناه فيه فقط، أمّا جهدنا فسأترك لك تقديره حتى إن لمْ تدفعْ شيئًًا، فأنا لست أقلَّ وطنيّة منك يا حاج فطين، لكنّنا سنأخذ رأسك فأنت لست بحاجة إليه.»
- «بلْ أنا في حاجة إليه، أنا معجب به، أحبُّ أنْ انظرَ إليه يوميّاً، وقد يأتي يومٌ آتي إليك فيه لتركبه بجسدي مِن جديد.» صمت هنيهة ثم قال: «لِمَ إذن تساعد المجرمين ليهربوا مِن جرائمهم بعد أن تغير وجوههم؟»
- «هذا سرُّ يا فطين، لكنّي أوؤكد لك أنّ المال الذي اتحصّل عليه لا يدخل جيبي، أتبرعُ به للقضيّة الفلسطينيّة.»
ابتسم فطينُ، وصدق حدسه في مؤيد ثُمّ سأله:«ألمْ تخشَ على المستشفى؟»
- «أخشى طبعًا، لكنّي حريص جدًا في حال مخالفة القانون، والمجرم له طرق مختلفة للحصول على التصريح، البلد فاسدة وكلُّ شيء يُشترى بالمال..عامة، رأسك غالٍ يا فطين ولا يقدر بثمن، تنازلتُ عنه.»
- «متى نبدأ؟»
- «خلال أسبوع، المهم يكون معك المال.»
- «اتفقنا.»
- «اتفقنا.»
انفجرت أسارير فهمان بعد هذا الحديث الشائق على الرغم من خطورة العملية التي عزم أبوه على إجرائها.







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2020, 05:50 PM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وفور أن رحل مؤيد تذكّر فطين الاحتراق الذي نشب في صورته ولم تحرق منها إلّا رأسه فاستبشر خيرًا.
فارقه مؤيد، ولقد ذكرته هذه الاتفاقيّة مع فطين بالحوار الساخن الذي دار بين قادة المقاومة منذ سنوات في نفق الوادي الجديد، فيه كادوا يقتتلون بسبب اختلافهم الشديد حول فكرة استغلال جثامين شهدائهم في تدعيم المقاومة مِن عدمه - ببيعها لزراعتها لأشخاص أخر يدفعون أموالاً لهم- إذ إنّ المقاومة في حاجة لشراء أسلحة وذخيرة من أجل استمرار حركة المقاومة بعدما قطع يعقوب إسحاق أنفاسها، كذلك من أجل إعالة عائلات أفراد شهدائهم.
وقدْ رجحتْ في النهاية كفّةُ الرأي القائل باستغلال جثامينهم لتوفر الإمكانات، إذ إن لديهم الطبيب الأول عالميًا في عمليات الزرع وهو بروفيسور بيتر الأمريكيّ، فهو معجزة العصر في زرْع الأعضاء وخاصة الوج، كما أن وجود مشفي مؤيد سيسهل عليهم تحقيق الهدف بسهولة.
بعد ثلاثة أيام مِن اللقاء، نزل سائق عن سيارة حمراء توقفت عند مدخل عمارة فطين، فلما قابل سائقها فطين على باب المنزل خرج فهمان على الفور، وقد كان يبحث في شأن زراعة الأعضاء على الحاسوب وقتها، قال له أبوه: «فهمان يا ولدي، لقد أوتيتَ الرشد صبيًا، إن لم أعد فدبر حالك، فقد تركت لك مالاً كثيرًا.»
حدّجه فهمان وهو متفجع القلب وسأله: «إلى أين يا أبتِ؟»
- «إلى حيث تعلم يا بني.»
- «ألَا تتمهل قليلاً حتى نتأكد من موت اليهوديّ.»
- «مات يا ولدي، مات.»
اغرورقت عيناه وقال راجيًا: «إنْ شاء الله ستنجح العملية وتعود إلي.» ثمّ لثّم رأسه وهو يعلم أنّها آخر قبلة لرأس أبيه.
- «لا تترك المنزل حتى أعود فإنّي أخشى مِن استفزاز أهل الحيّ لك أثناء غيابي، الشقة فيها كلّ ما يلزمك، فإن لمْ أعد فسيعلمك الطبيب مؤيد بفشل العمليّة، عندها اخرجْ ومارس حياتك بنفسك.»
خرج فطين مقلاً السيارة، ركض خلفها فهمان وهو يصرخ، ودعه أبوه من داخلها وهو دامع العينين.
فقال فهمان لنفسه وهو متقطع الأنفاس: «ستعود، ستعود يا أبتِ.»

***
قرر فهمان أخيرًا أن يذهب إلى الفندق بنفسه قبل أن تُجرى لأبيه العملية. ترك فهمان المنزل خلف أبيه بساعة تقريبًا وأخذ معه بعض المال قاصدًا الفندق، فرمقه فرد مخابرات من أفراد المقاومة كان مكلف بحراسته لحين عودة أبيه.استقلّ فهمان إحدى السيّارات فأسرع نحوه فرد المقاومة محاولاً رده إلى المنزل.

***
ظلّتْ السيّارةُ الحمراء تسير على الطريق الرئيس، حتى إذا قطعتْ عدة كيلو مترات كان هناك على جانب الطريق شاحنة في انتظاره، فُُتح بابها الخلفيّ وأنزَلَتْ درجًا فصعدته السيارة ثمّ رفُع الدرج وأُغلق باباها ومضت. سارتْ نحو ساعتيْن وهي في حالة ترقّبٍ حذِرٍ، ثُمّ فُتحَ البابُ الخلفيّ وأُنزلتْ نفسُ السيّارة، السيّارةُ الحمراء يسوقها سائقٌ قريب الشبه بالسائق الأول ويرتدي ملابسه، وكذلك جلس بجانبه رجلٌ قريب الشبه بفطين ويرتدي أيضاً ملابسه، بينا السائق الأول وفطين الآن في الشاحنة ارتديا ملابس السابقيْن الذين نزلا مُنذ قليل.
وظلت سائرة حتى إذا وصلت إلى مكان مزدحم بالناس نزلا وقلدا مشية فطين والسائق الأول قاصدين أحد المقاهي، مكثا نحو ساعة، ثُمّ استقلا السيّارة ومضوا إلى مكانٍ خالٍ تمامًا ليتبينا إنْ كانا مراقبيْن أمْ لا؟

***
وبدءًا من الساعتين الماضيتين تخللهما أحداث فهمان، إذ ظلت السيارة التي يقلها فهمان تمضي إلى أن وصلت موقف سيارات السفر إلى محافظة سيناء، ومِن هنا بدأتْ مرحلة الخطورة.
فهاتفَ فردُ المقاومة رئيسه في شأن ذلك، فردَّ عليه قائلاً: «أيّها الأبلة، كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ أين كنتَ أنت وقتها؟ اقبضْ عليه وأعدْه إلى بيته.» وأغلق الخط، ثم أمسك الهاتف محدق العينين وهو يزمجر وهاتف فرد المقاومة مرة أخرى: «معذرة، أقلتَ أنّه توجّه إلى سيارات أجرة سيناء الوادي الجديد؟»
- «نعم.»
- «امنعْه الوصول إلى سيناء بأي وسيلة، ولا تلتحمْ بأيّ إسرائيليِّ مهما كان الثمن، ولوْ كان الثمن حياة الفتى.»
- «عُلم.»
حاول فرد المقاومة استعادته بيد أن فهمان كان أسبق منه فقد ركب السيارة المتوجهة إلى سيناء ومضى، فتبعه عله يدركه.

***
أمّا الشاحنة فقد استمرّتْ في السير نحو ساعتين أخريين، وبعدها فُتح البابُ وأُنزلتْ سيارة بيضاء يستقلّها فطينُ والسائقُ، مضتْ الشاحنةُ في طريقها المرسوم لها بعيدةً تمامًا عن مسار نفق اتحاد المقاومة، وانعطفتْ سيّارة فطينُ متّجهة إلى مسارها المرسوم لها، حيث نجد في هذا المسار سيارة أخرى تنتظرهما يستقلها اثنان لتذهب بهما إلى نفق الوادي الجديد مباشرة. استقلّ الأربعة السيّارة ومضوا جميعًا.
***
اِضطر فرد المقاومة إلي إيقاف سيارته بسبب نفاد طاقة البطارية أثناء متابعة سيارة فهمان لأكثر من ساعتين لحين إمداد ألواحها الشمسية بالطاقة التي تنتقل مباشرة إلى البطارية، ثُمّ عاود وأسرع عله يدركه.
راسل فرْد المقاومة قائده بشأن تأخره، فقال له: «إنْ لمْ تدركه توجّه مباشرة إلى الفندق.» سكت هنيهة ثم استأنف: «رُدّه بحذر ولا يشعر بك أحدًا، ممنوع الالتحام تحت أيّ ظروف في الفندق حتى لو تعرّضَ الفتى لخطرٍ.»







رد مع اقتباس
قديم 11-11-2020, 08:52 PM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

قال فرد المقاومة : «سمعًا وطاعةً سيدي.»
***
عصب أحدهما عينيّ فطين بإحكام، وظلّتْ السيارة تسير قرابة ثلاث ساعات تهبط وترتفع، تنعطفُ كثيرًا في الأيامن والأياسر، وفجأة انحرفت عن الأسفلت بعدما أُبدِلت بعجلاتها الأربع ثلاثًا؛ واحدة أماميّة واثنتين في الخلف -تلك العجلات مصممة لتكون أشبه بشكل خفِّ الجمل - وظلّتْ تسيرُ في رمال الصحراء، ثُمّ هبطتْ في نفقٍ ولمْ تسرِ فيه إلّا مئات الأمتار ثُمّ وقفتْ.
أنزَلوه ومضوا به معصوب العينين داخل مبنىً عسكري كبير تحت الأرض، ثُمّ توقّفوا عندما وصلوا حيث يكون مؤيد ونزعوا العصابة عنْ عينيه؛ فرآه فطينُ واستبشرَ خيرًا.
قالَ له مؤيد وهو مبتسم الثغر: «أهلاً بك في معسكر اتحاد المقاومة الفلسطينيّة، لا تؤاخذني يا صديقي على الطريقة التي أحضرتك بها، فالحرص ضروريّ جدًا، إذْ إنّ كشْف نفق اتحاد المقاومة هذا كارثة الكوارث؛ لأنّه مركز كلّ عمليات المقاومة.»
قال فطين: «لا عليك يا صديقي.»
قال مؤيد: «تكتم إسرائيل عن الحادثة شئ مقلق، وعلى الرغم من وجود عيون لنا إلا أنهم لم يستطيعوا معرفة اي شيء عن هذا الحادث، وأغلب الظن أنهم يشكون أنك من قادة اتحاد المقاومة، ولذلك آثروا أن يتركوك حتى يقتفوا أثرك؛ فيكتشفون أحد الأنفاق العنكبوتية. فلمّا حللت بأرض الوادي الجديد فرحوا، واستمروا في اقتفاء أثرك كي يصلوا إلى نفقه، هم يشكون منذ زمن أن الوادي الجديد به نفق من أنفاق الاتحاد.» زفر زفرة ثمّ استأنف: «فطين هو مجرد احتمال، فمعذرةً، باسم اتحاد المقاومة نعتذر لك.»
نظرَ إليهم فطينُ جذلانَاً ودعا لهم بالسداد والتوفيق.ثُمّ سألهم عن سبب وجود هذا النفق هنا.
أجابه مؤيد: «إنّي أعرف أنّ الدّمَ العربيَّ يجري في عروقك -يا ليت ولدك يكون مثلك- وتعلم أنّ عملية الاستيطان والتهجير تجري الآن على قدمٍ وساقٍ منذ تولّىَ يعقوبُ إسحاق رئاسة الوزراء وخاصة بعد أن كثّروا نسلهم لتهويد فلسطين. ولقدْ شيدنا هذا النفق وجعلناه الرئيس لأسباب كثيرة منها:توفر المياه بأرض الوادي، وبُعده الشديد عن منطقة التوتر سيناء -تلك التي تحت سيطرة أعين المخابرات والجيش الإسرائيليِّ-؛ سيناء التي تكتظُّ بحملات التفتيش الإسرائيليّة والمصريّة للبحث عن أنفاق المقاومة.»
طأطأ فطينُ رأسه إعجابًا بهم.
نظر إليه مؤيد وقال في لهفةٍِ وتوسّل:«تعمل معنا؟»
- «رسالتي هي تهيئة ولدي ليكون سلاحًا لبلده، ولدي حضارة وحده.»
سكت هنيهة ثم سأل: «قل لي متى العملية؟»
- «إنْ شئتَ فأنت منّا منذ هذه اللحظة، وإن شئتَ أجرينا لك عملية الزرع ثمّ تركناك عزيزًا راشدًا.»
- «في المعسكر!العمليّة في المعسكر!»
ابتسمَ ابتسامةَ طويلة، ثمّ قال: «نحن لدينا هنا أمهر الأطباء في العالم، ولدينا مستشفى مجهزة بأفضل المعدات والتجهيزات الطبيّة.»
- «كيف توفّرون الطاقة لأجهزتكم؟» يسأل فطين وهو يعلم عدة تقنيات لها.
- «ننتج الكهرباءَ مِن الماء بعملية تسمى الكهرومائيّة، كذلك لدينا المولّدات الحراريّة وبطاريات نوويّة.»
- «مَنْ سيجري العمليّة؟»
- «بروفيسور بيتر.»
- «دهشَ فطين وقال ..أهو بروفيسور بيتر الذي كان مع عالمنا؟»
- «نعم، هو.»
- «أعرفه جيدًا، إنّه بروفيسور في الفيزياء الطبيّة، ليس له نظير في العالم كلّه؛ لذلك فإنّ ال سي آي أي لا زالت تبحث عنه بكلّ الوسائل.»
- «عاش مؤمنًا بالقضية الفلسطينيّة؛ ولذلك هو هنا، سيجري لك العملية، والمال سنأخذه، ورأسك إنْ كنتَ ستبخلُ علينا به فسندعها لك.»
صمتَ طويلاً، ثمّ أخذته رعدة البكاء، وظلَّ يتهامس بصوت متحشرج حتى إذا هدّته الدموع هدًا سكت، ثمّ قال له مستسلمًا: «هي لكم، رأسي ورءوس كلّ المصريّين تهون في سبيل تحرير فلسطين؛ اليوم يسقط رأس فطين ليعلو رأس فلسطين.»
أخذه الطبيبُ مؤيد ومضيا معًا إلى بروفيسور بيتر، وخلال ساعات ثلاث أجريت له فيها الفحوصات والترتيبات اللازمة قبل إجراء العمليّة، فتطابقتْ طبيعة العصبونيّات والدم والأوردة والشرايين.وتأكد بروفيسور بيتر تمامًا مِن قابلية التحام جسد فطين بالرأس الجديد
فعلّق مؤيدُ قائلاً: «أرأيتَ يا فطين أنّ الدمَ العربيَّ واحدٌ.»
طأطأ رأسه وقال: «نعم.» نظر إليه بتودد ثم سأله: «هل مِن الممكن أنْ اتّصلَ بولدي؟»
ردَّ عليه مؤيدُ: «مستحيل، وقد أزلنا البطارية منه فور دخولك إلينا خشية أن يكون هاتفك مراقبًا، لكنْ لتكنْ هادئ البال؛ ففهمان تحت أعيننا حتى ترجع.»

***
للأسف وصلتْ السيّارةُ إلى جنوب سيناء ولمْ يدركْه فرد المقاومة؛ حيث رآه ينزلُ مِن السيارةِ دالفًا باب الفندق، فتابعه مِن خارجه ولمْ يلجْه، فهو يعلم أنّ الفندق به عناصر مِن الموساد تعرفه جيدًا؛ فقرّر أن ينتظره متخفّيًا حتى إذا ما خرج فهمان انتشله ومضى. لحظات ودخل يهوديّ الموساد الذي قاتله فطين من قبل بصحبة روبوتيه. نظرَ في القاعة، عاين الزبائن؛ فلفتَ نظره ذاك الفتى الجالس بعيدًا، فأخرج هاتفه المعجزة لعلّه يدون له هويته.
أبصر فهمان الروبتين وحدق فيهما جيدًا وكذلك في اليهودي فتواردت له الخواطر بعد الاستقصاء والتمحيص أن هذا الرجل هو اليهودي الذي قاتله أبوه فانفرجت أساريره. أراد أنْ يتبيّن الأمر ويتأكد أنّه هو، فاقترب إلى صاحب البار وسأل عنه.
نظر إليه صاحب البار باشمئزاز ولم يجبه.
أخرج فهمان مِن جيبه مئتي دولار وأعطاها له، ثم سأله هذه المرة عن حادثة الفندق، وعما إذا كان هذا الرجل (يقصد اليهودي بالطبع) له علاقة بالحادثة أم لا.
حدج عامل البار في الدولارات فاستقلّها، فزادها فهمان إلى خمسمئة.
نظر إلى اليهوديّ يرقبه وهو يأخذ الخمسمئة دولار، ثمّ مدّ يده في جيب فهمان وأخذ كلّ ما فيه وألقاه في درج البار، ثمّ بدأ يقصُّ عليه صِدقاً ما حدث حيث قال: «قَدِمَ علينا رجلٌ بعصا سحريّة، رجلٌ مِن الطراز القديم جدًا، مصريّ شجاعٌّ لا يشقّ له غبار، ولا يهزمه أحد، قاتل هذين الروبوتين -مشيرًا إليهما بيده- فهزمهما، وأتلف الشرائحَ الإلكترونيّة والهاتف لهذا اليهوديّ السيد، وضربه ضربات قاتلة، وظنَّ الرجلُ أنّه مات بعد أنْ مُثّل عليه دور الميت و ...»
قاطعه فهمان: «حسبك وكفى.» وتركه دالفًا باب الفندق للخروج ليسرع بمهاتفة أبيه لمنع إجراء العملية.
للأسف، رمق اليهوديّ صاحب البار وهو يحادث الفتى فدنا منه وسأله عما قاله للفتى، فأخبره بكل شيء.
تركه اليهوديّ قاصدًا الإمساك بفهمان، يريد أنْ يعرفَ سبب مجيئه وسؤاله، أما فرد المقاومة فقد رمق فهمان أولاً ثم رمق اليهودسي خلفه فتوجس شرًا.
استوقفه اليهوديّ على درج السلم أمام الباب الرئيس له وسأله: «لَِمَ تسأل عنّي أيّها الفتى العربيّ؟»
- «توسّمتُ فيك الشرف والإجلال فأحببتُ أن أعرِفك.»
ردّ بغضبٍ: «قلتُ مَنْ أرسلك إليّ؟ ماذا تريد منّي؟ ما شأنك بي؟»
ردّ وقد تفككت أوصاله: «قلتُ توسمتُ فيك الشرف والإجلال فأحببتُ أنْ أعرفك.»
اغتاظ اليهوديّ وقررَّ الإمساك به واصطحابه إلى مكانٍ خالٍ حتى يعرف حقيقة مجيئه للفندق والسبب وراء سؤاله. فأمسكه وجذبه.
فقاومه فهمانُ حتى لكمه اليهوديّ فطرحه أرضًا، ثُمّ أشار إلى حتشبسوت بحمله. انتفض فرد المقاومة وأصابه الغضب الممزوج باليأس إذ أيقن أنّ الأمر خرج مِن يده وخاصة أن قائده نهاه عن الالتحام بكل الأحوال. رماه فرْد المقاومة بخِنجر مسموم كان في جيبه -إذ إن من عادة أفراد المقاومة حمل هذه الخناجر- فأصاب اليهوديّ في قدمه، ثمّ ألقى خنجرًا آخر على حتشبسوت فأتلف شريحة الإدخال فتعطّلتْ، ثمّ ألقى خنجرًا ثالثًا إلى الروبوت يهوذا فأصاب منه ما أصاب مِن حتشبسوت بالضبط. ثم ما لبث أن طار نحو فهمان فاعترضه اليهوديّ وقاتله؛ فجنّدله فرْدُ المقاومة وطرحه أرضًا، ثم أخذ فهمان ركضا بأقصى سرعتيهما نحو السيارة، استقلاها وانطلقا بأقصى سرعة.

***
دلفَ مؤيدٌ حجرة بيتر وكان بيتر حينها يكتب في ورقة أسماء طاقم أطباء العملية الجديدة.
قال مؤيد: «بروفيسور بيتر، فطين هذا قوىّ أمين، محبٌّ للعروبة، معتزٌّ بوطنيّته، له دراية كبيرة بعلوم الفيزياء، لديه كلُّ المقومات التي تؤهّله ليكون قائدًا فعّالاً في اتحاد المقاومة.»
- «إنْ كان كذلك فجنّده.»
قال متأوّهًا: «للأسف رفض.»
- «لم؟»
- «يقول إنّ رسالته نحو بلده -مصر- والعروبة تكمنُ في تأهيل لولده ليكون عالمًا.»
قال مازحًا باسمًا: «إذن اقتله.»
لمْ يبادله القهقة بسبب تغلب مشاعر الحسرة على كلِّ حواسه، ثم قال له: «يقول عن ابنه بإنّ لديه عِلمًا إبداعيًا ليس نابعًا عن دراسة؛ وإنّما عن مخزون إبداعيّ محضّ.»
- «فطينُ رجلٌ ذكيّ ويفكر بحنكة، فعلاً مؤيد؛ إذا كان الربُّ وهبه ذلك فعليه أنْ يكرّسَ كلَّ حياته مِن أجله ومِن أجل مصر ومِن أجل فلسطين ومِن أجل البشرية جمعاء.»
- «هذا رأيك اذن؟»
- «نعم ، هذا رأيي، ولكنّ الإبداع يلزمه دراسة أيضًا، ولذلك ستعترضه بعض العقبات، وسيحتاج إلى مالٍ كثيرٍ لينفق على تعليم ابنه.» صمت هنيهة ثمّ سأله: «ماذا يعمل هذا الرجل؟»
- «ساحر.»
سكت هنيهة متدبرًا ثمّ قال: «أبتِ هل من الممكن نفعل شيئًا لفطين لعلّه ينضمّ إلينا يومًا.»
- «نعم، ممكن جدًا، وخاصة أنّه ساحر؛ ولاسيما لو كان متعلّمًا.»
- «إذن، نهيّئه وابنه لنا.»
- «ماذا تقترح؟»
- «غيّرْ الرأس كما اتفقنا، أريده أن يكون مزدوج المهام، أضف إليه خواص الآلة لينفع المقاومة.»
- «لا مانع لديّ، فطبيعة عمله تناسب ما اقترحتَ به يا مؤيد، سأفعل، سأضع في الرأس الجديد خليةًّ إلكترونيّةً تحتوي على مليارات العصبونيّات الصناعيّة فتزيده ذكاءً؛ فضلاً عن قدرتها على نسْخ نشاط فيزيائيّ.»
- «لنعملَ على ذلك، سأدخل معك غرفة العمليّّات وأكون لك معاونًا.»
- «أمرك يدعو للفضول، لِمَ رغبتَ في العمل معي في هذه العمليّة بالأخصّ؟»
- «لإنّ فطين هذا شيء عظيم.»
- «لا مانع لديّ، واعلمْ أنّ ما يحفّزني ويستنهض عزيمتي على تركيب هذه الخليّة أنّها ستجعله مِن الأثرياء بسبب قدرتها على نسْخ أعمال فيزيائيّة أثناء أداء أعماله السحريّة، وسيحتاج إليها كثيرًا، فبدونها لنْ يستطيعَ أنْ يتحصّل على المال اللازم لتعليم ولده.»
- «كيف؟ »
- «الدولةُ المصريّة لا تعتني بالعلماء، والجامعات الأمريكيّة وكذا سائر جامعات العالم حجّمتْ كثيرًا مِن المنح والمساعدات لتدعيم الطلاب الدوليين، ففطين سيحتاج إلى أموالٍ كثيرةٍ لينفق على ابنه.»
- «يفعل الله ما يشاء.»
- «خذ أسماء هذا الطاقم وأعدّه، فخلال ساعة سنبدأ عملية الزرع.»
بعد خمسة وأربعين دقيقة دخل مؤيد على بيتر، أبلغه أنّه أعدَّ الطاقم وغرفة العمليات، ومضوا جميعًا إليها.

***
بعد أنْ نجا فهمان مِن عمليّة قتْل محققٍ ناشدَ فرْد المقاومة الاتصال بمن يصل إلى أبيه ليخبره بأمر منع إجراء العملية؛ إذ إن فهمان حاول الاتصال به بيد أن الخط مغلق.
ردَّ فرْد المقاومة: «لا أعلم عن أيّ شئ تتحدث.»
سكت فهمان قليلاً وتبيّن له أنّ هذا الشخص يراقبه ليحميه فقط ولا يدري أيّ شيء عن عملية الزرع، فقصَّ لفرْد المقاومة كلَّ شيءليكترث للأمر. وبالفعل فور ان سمعه هاتفف رئيسه ليخبره بما سمعه، بيد أن هاتف رئيسه لم يكن بجانبه.
وقُطعت الرأسُ...







رد مع اقتباس
قديم 01-09-2021, 12:48 PM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وقُطعت الرأسُ
العمليّة:
بعد التحاليل دخلَ غرفةَ العمليات وكان في انتظاره فريق متطور مِن الأطباء يقودهم بروفيسور بيتر. جلسوا على طاولة العمليّات، ثُمّ خدّروه مِن خلال جهاز التخدير الموجود أعلى الطاولة مباشرة والمتصل بأنابيب تسير فيها غازات التخدير والأكسجين مِن تمديدات مركزيّة في جدران المستشفى، ثمّ ألصقوا على صدره ملصقات التخطيط الكهربائي للقلب، بالإضافة إلى أنابيب قياس الأكسجين في الدم والضغط. وإلى سلك جهاز التخثير الكهربائيِ المتصل بساق فطين عن طريق لصاقة خاصة.
تمَّ تسليط الضوء الساطع على رأس فطين، ثُمّ قربوا الميكروسكوب المجهريِّ المتطور -الذي يبلغ قوّة تكبيره إلى أربعين ضعفًا- وكذلك أحضروا جهاز الليزر مع الميكروسكوب المجهريّ بالإضافة إلى خليةٍ عصبونيّةٍ إلكترونيّةٍ -عبارة عن رقائقٍ متناهيةٍ في الصغر تحاكي تمامًا الخليّة الطبيعيّة للكائن الحيِّ- وَجِيءَ بالهرم الزجاجيّ الموضوع به رأس فلسطينيّ الحدود، الخلايا ميتة ولكنّها سليمة لم تتقطّعْ أو تتحطّم حيث إنّ الرأس كلّه تحت تأثير تقنية التبريد العميق. بعد عملية التخدير قام طبيبٌ مختص بوظائف الكبد بتنشيط الكبد بإعطاء الجسد حقنة تسمى بحقنة جنون الكبد -ولقد سمّاها الأطباء كذلك بسبب انتفاضة الكبد وهيجانه كأنّه تحوّلَ إلى حارس يبذلُ كلَّ ما بوسعه للدفاع عنْ جسده قبل أنْ يهلك، هو يسعى إلى المكان الذي حدث فيه الخلل؛ والخلل هو قطْع الخلايا العصبيّة بعد قطْع الرأس، فيثور ويهتاج وينتفض انتفاضة النفَس الأخير فيفرز أعلى نسبة هرمونات مِن شأنها أنّها تحول دون موت الخلايا العصبيّة، ويظلُّ الكبد يرسل إشارات استغاثة تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ سيارات الإسعاف التي تنقذ المرضى؛ تلك الإشارات هي قيامه بإفرازات لا نهائية مِن هذه الهرمونات- يقوم بيتر قبل قطْع الرأس أيضًا وبعد التخدير بتوصيل خلية عصبيّة اصطناعيّة عبارة عن رقاقة الكترونيّة نانويّة بالخلايا العصبيّة لفطين؛ والتي تعمل نائبة عنها إذا ما ماتتْ خلاياه الطبيعيّة وتوقفتْ عن العمل تمامًا، كذلك في حالة دخولها السبات العضويّ. كلُّ ما يريده الطبيب كسْب وقتٍ كافٍ حتى يتسّنى له وصْل الخلايا والنخاع والأوعية الدمويّة بتقنية جهاز الليزر حال قطْع الرأس.
****
مضى رئيسُ فرْد المقاومة المكلّف بحراسة فهمان إلى هاتفه بعد تركه نحو ساعة مضت، فتحه فسمع مِن شأن فطين ما سمع فألقى الهاتف على الفور وتوجّه مسرعًا إلى حجرة العمليات ليمنع العملية حيث إنّ مقره قريب مِن مستشفى النفق.
وقُطع الرأس بعد توصيل الخلايا العصبيّة الاصطناعيّة مباشرة بينما رئيس فرد المقاومة على باب حجرة العمليّات يأمل أن يدرك مؤيد ليخبره بمنع عمل العملية.
لكن للأسف جاءه الخبر بأنّ الرأس قُطع منذ لحظات.فأسِفَ لذلك.

****

عمليّات التوصيل
وقام بيتر بربط الأوعية الدمويّة والخلايا العصبيّة بالليزر عن طريق تكبيرها بالمجهر، وذلك لمشاهدة العصبونات المراد ربطها وتوصيل الشرايين والأوردة ببعضها ودمْج أطراف الحبل الشوكيّ معًا عن طريق الليزر فائق القصر. ثمّ أحضر رأس الجثة المحفوظ بتقنية التبريد العميق والتي خلاياه دخلت في حالة سبات عميق مِن المستحيل إيقاظها إلّا بتوصيله بخلايا حيّة. حرّك الطاولة بطريقة مناسبة وقرّب الرأس إلى الجسد الجديد وسلّط نبضات الليزر فائقة القصر، سرعة النبضة فيمتو ثانية وبين كلّ نبضة وأخرى 10-12 ثانية يتمُّ تسليطها على مناطق الربط. وعلى طول مدة العمليّة كان جهاز التخدير هو البطل الثاني حيث إنّه ساعد فطين على التنفّسِ حال قطْع الرأس، فأبقى على القلب حيّاً حيث كانتْ عمليات التنفّس تخرج مِن المجرى المؤدِّي إلى الأنف والفمِّ الهالكين عن طريق الشهيق والزفير. ومِن خلال جهاز التخدير كان طبيب التخدير يراقب باستمرار المؤشرات الحيويّة مثل سرعة النبض والضغط الدمويّ وأوكسجين الدمّ ومعدّل التنفّس وتخطيط القلب وكلُّ هذا تمَّ على أحسن حال. كما أنّ جهاز التخثير الكهربائيّ قام بوظيفته على أحسن وجه حيث قام بوقف نزْف الدّم بالأوعية الدمويّة من شرايين وأوردة.
وأثناء العمليّة وبعدها قام جهازُ مصّ المفرزات سحْب الدمِّ والسوائل المتجمعة في جرح العمليّة وتجميعها في زجاجات صُنعتْ خصيصًا لذلك، ثمّ تُرمى بعد ذلك لأنّها غدت مِن النفايات الطبيّة. ولمْ تستغرق العملية أكثر مِن ثمان ساعات في حين أنها كانت في العقد الماضي تستغرق ستة عشر ساعة. وكان مِن أحد عوامل النجاح الأساسيّة هي دقّة الضرْبة الليزريّة التي أتقنها بيتر ببراعة. تمَّ حمْل رأس فطين ووضعه في الهرم الزجاجيِّ وتمَّ حِفظها بتقنية التبريد العميق.
والرأس الجديد فيه خليّة عصبيّة اصطناعيّة قدْ تكون سبب بقائه على قيد الحياة. وفي الخارج، نجد رئيس فرد المقاومة منتظرًا حالما ينتهي بيتر مِن العمليّة، بعد ثمان ساعات تقريبًا خرجَ بيتر بمصاحبة مؤيد فناداه فالتفت إليّه ..فأخبره بأمر يهوديّ الفندق وبكلِّ ما حدث في الفندق بالضبط. فتأوّه مؤيد ودعا لفطين قائلاً: «الله يلطف بك يا فطين.»
ثمّ نظر إلى رئيس فرد المقاومة وقال له: «تكتّمِ الأمر تمامًا ولا تُحدّثْ نفسك به.»
تركه وهاتف فرْد المقاومة ليخبره بنجاح العمليّة، فأعلمَ فهمانَ، فسقط من فوره مغشيّا عليه.
***
وأمّا فطين فقد سبَحتْ روحه في عالمٍ آخر أثناء مدة العمليّة، فقد سافر إلى المستقبل أكثر مِن ثلاثة عشر عامًا . وجد فطينُ ولده في هذا المستقبل وقد ترك عالمه إلى عالمٍ آخر مِن خلال عبور سمّ كسمّ الخياط، وقد رآه من بُعد الأموات في هذا العالم الآخر طريحَ طاولة من نار موضوعة على أرض ناريّة وحوله مخلوقات غريبة تبدو عليهم علامات التقوى والورع، فخشِيَ أن يحترقَ؛ فنادى عليه ليحذره ويدعوه لترك الطاولة والهروب بعيدًا عنهم، بعدها ببضع سنوات أخر وجدهم يلفونه بلفافة مِن نورٍ لمْ يرَ مثلها قطٌّ؛ لأنّها تنبثق من بُعدٍ مختلفٍ؛ من بُعد ولده وبُعده، وقالوا له عندما يأذن الله سنخرجك. عاد فهمان بصحبة فرد المقاومة إلى المنزل منذ ساعتين تقريبًا وفرْد المقاومة أقام معه في المنزل لحين عودة أبيه. أفاق فطينُ مِن العمليّة فوجد مؤيدًا بجانبه، نادى على بروفيسور بيتر
قال بيتر: «حمدًا لله على السلامة يا بطل.»
قال فطين بتوجع: «الله يسلمك يا دكتور.»
قال بيتر: «العمليّة نجحتْ بامتياز، وأنتَ الآن أقوى مِن ذي قبْل بكثيرٍ؛ أنت رجلٌ خارقٌ الآن يا فطين.»
قال فطين مبتسمًا: «حقّاً يا دكتور، أمْ أنّها رسالة التطمين المعتادة التي يقولها الأطباء لمرضاهم.»
قال مؤيد: «بروفيسور بيتر رجلٌ أمريكيٌ لا يفهم ما تقول يا فطين، الأمريكان لهم تقاليد غيرنا، همْ يقولون الحقيقة ولا يعرفون المجاملات.»
طلب بيتر من مؤيد إحضار مِرآة، نصبها بيتر تلقاء وجه فطين ثمّ قال له: «انظرْ، تفحّصْ، هل ترى شيئًا؟»
تفحّص فطين شكله فلمْ يجدْ إلّا خيطًا رفيعًا يكاد لا يُرى إلّا بالمجهر، فحمد الله.
ثُمّ قال بيتر: «أحمد الربَّ وأحمد أيضًا مؤيدًا، فقدْ بذل جُهدًا كبيرًا معي لكي تنجح العمليّة.»
نظرَ فطينُ إلى مؤيد وتذكّرَ يوم أنْ كاد يقتله في منزله بالوادي الجديد فنهض مِن رُقاده كي يقبّل يديه بيد أنّ مؤيدًا دفعه للخلف وقال له: «يا مجنون، أنت ممنوع عن الحركة تمامًا.»
مضى الشهر وأتمَّ الله شفاءه وأخذته سيارة المقاومة إلى منزله بالوادي الجديد. وقد تكتّموا جميعًا أمر يهودِيّ الفندق.







رد مع اقتباس
قديم 01-11-2021, 08:37 PM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء الخامس
حكمة: سُلطان المرآة يخور أمام سلطان القلب
عاد فطين إلى المنزل واحتضنَ ابنه، ولقد أضمرَ فهمان في نفسه غربة ووحشة شديدتين تجاه هذا الوجه الجديد، وتصنّع مبادلته نفس حرارة الشوق والحرمان الذي طال أمده نحو شهر كاملٍ.
مرّتْ أيامٌ مُنذْ وصوله، وما زالت الهموم تسيطر على قسمات وجهه الجديد، يحاول جاهدًا أنْ ينسى وجهه الأصليّ فما استطاع.
أمّا فهمان فكان يتمزّق إربًَا مِن الداخل - فهو بين بين- يحاول جاهدًا أن يتأقلمَ مع وجه أبيه الجديد فما يستطيع، وعليه أيضًا أن يمارسَ لأبيه دور الطبيبِ النفسانيِّ الذي يجب عليه أنْ يبثَّ فيه عوامل الألفة والأُنْسة.
وفوق كلِّ هذا يحمل ثقلاً كالجبل، فهو يودُّ مصارحة أبيه بشأن يهوديّ الفندق، وهو متأكد أنّ الخبر سيمثل كارثة بالنسبة له؛ إذْ إنّ مصارحته بالحقيقة الآن لن تزيدَه إلّا ألمًا، فما أشدّ أنْ يشعرَ المرءُ بأنّ السهمَ ارتدَّ في نحرِه وقدْ كان يظنَّ أنّه في نحر عدوه؛ لذلك آثر التأجيل ليتحيّن اللحظة المناسبة.
تصدّى بقوّة لهذه المسائل وحاول جاهدًا الوقوف بصبر وحكمة حتى لا يفشل.
قال له: «أبتِ إنّ القلب هو ماهيّة الإنسان، هو كيانه، شخصيته، إرادته، أبتِ إنه الملك، فهو الذي يصدر أوامره على هيئة إشارات لخلايا العقل العصبيّة بأداء وظائف الجسد.»

- «بني، تقصد أنّ القلب الملك، والعقل نائب له؟»
- «نعم أبتِ، وتستطيع أن تستبدل نائبك متى شئت، أبتِ، إنّ العقل صورة والقلب جوهر، ألَا تدري أنّ الله نسب إلى القلب الفهم والإدراك؟ ألَا تدري أنّ الله لا ينظر في صورة الإنسان إلّا قلبه؟»
- «بني، كيف؟»
- «أبتِ، إنّه محل الثواب والعقاب، مثل :الحبّ -الكره -الحساب -العقاب -الخير -الشرّ.»
فطين يعلم كلّ ما يقوله ابنه ولكنّه آثر أن يسمع منه، فأحسّه بقلبه وأحسّ بكؤوس تُصبّ في قلبه من أنهار الجنة، وأراد أن يشرب منه المزيد. ولذلك سأله: «وماذا أيضًا يا بني؟» سأله وهو ولع بكلامه كالعطشان.
- «أبتِ، أتظنّ أنّ العقل هو وحده من يملك خلايا عصبيّة؟ لا لا، فالقلب تمّ تشريحه وتبيّن أنّ له خلايا عصبيّة أيضًا و ذاكره، والمعجزة أبت ِ أنّ .. أنّ ..»
- «قل يا ولدي ما المعجزة هذه؟»
- «إنّ العقل لا يتصرف بصورة مستقلة، لابدّ أن ينتظر الأمر من القلب، وسيظلّ ينتظر وينتظر حتى يأتيه الأمر من القلب، أبتِ، حفظك الله من كلّ سوء، اُنظرْ إلى هذه العبارة التي قالها أساتذة الفيزياء الطبيّة والجراحون: إنّ النشاط الكهربائيّ في القلب أكثر مِن المخ، وفي الواقع المجال الكهربائي للقلب يزيد ستين مرّة عن نظيره في الدماغ، وكذلك المجال المعناطيسيّ له أكبر من نظيره أيضًا في الدماغ بـخمسة آلاف مرة .»
حدّق فيه أبوه بقوة وإعجاب، فسياقة العبارة بهذه الطريقة تنمّ عن طبيب متخصص أو دكتور فيزياء.ثمّ قال له: «نحن نولد بكلّ أعضائنا يا بني لا نولد بالقلب وحده.»
- «أبتِ، أسأل الله أن يتمّ نعمته عليك، إنّ القلب هو أول عضو يتكون في رَحِم أمهاتنا.»
وانتظر فهمان أبيه هنيهة فلم يتكلم فآثر أن يزيده فقال: «القلب هو قلبك لمْ يتغيرْ لكنّ العقل ليس عقلك بل عقل الرأس الجديد، لكنّه لا يتصرف بصورة مستقلة حتى تأتيه إشارات قلبك، فاسترحْ أبتِ وعِشْ حياتك بصورة طبيعيّة، وتأكد أنّ مشاعرك لنْ تختلفَ تجاه مَن حولك، الدليل أنا، هل اختلفتْ مشاعركَ تجاهي؟ أنا فهمان أبتِ، أم أنّي لست أنا؟»
أُعجب فطين بكلامه، هو يدرك جيدًا براعة ابنه في علوم الطبيعة والكيمياء والرياضيات، أمّا أنّه يكون بهذه البراعة في علوم الطبِّ والنفس فهذا جديد عليه. لأوّل مرّة يبتسم مِن قلبه، ابتسامة انبثقتْ مِن معين عقل ابنه العبقريّ؛ هذا العقل الذي أفرزَ فِكرًا مثّل له جيشًا مِن بيادق دفاعيّة ضد فيروسات الأحزان والغربة. احتضنه بحرارة وقد اغرورقتْ عيناه فرحًا وإعجابًا، ثمّ ابتعد قليلاً لينظر في عينيه ويتمتع بنور العلم الذي ينبثق من خلالهما. قعد وأقعد ولده ثمّ سأله مستفهمًا: «قلْ لي يا بُني، أثناء العمليّة وجدتك تجتاز بُعدًا ولجت فيه.» وقصّ له كلّ ما رآه أثناء ما كان مخدّرًا في العمليّة.
دهش فهمان لِما قال أبوه ثمّ أجابه بقوله: «أنت تخشى من فشل العملية ليس من أجل حرصك على الحياة، وإنما حرصك على عدم تركي وحيدًا، ولذلك فعقلك الباطن تحدث إليّ من بُعده الذي سكن فيه أثناء العملية.»
وعقلك الباطن يحدثك بأني سأهلك دونك.
صمت فطين قليلاً، وذهب إلى شأن آخر، حيث تدبّر في أمرِ أهل الحيِّ، كيف سيواجههم بوجهه هذا، قطعًا سيبلّغ أحدهم عنه، ثمّ قال لفهمان:
«للأسف يا ولدي أبوك لمْ يحسن التدبير.»
فردَّ فهمان: «لِم يا أبتِ هل..؟»
قاطعه قائلاً: «لقد نسيت أمر الحيِّ، فتجهزْ للرحيل، فأنا لنْ أخرجَ مِن بيتي أبدًا، اذهبْ غدًا وابحثْ عن مسكنٍ جديد.»
صمتَ فهمان تجاه أمر أبيه إذْ أنّه لا خطورة عليه مِن أهل الحيِّ لأنّ اليهوديَّ لمْ يمتْ، فأرجأ مصارحته إلى حين.
ثمّ قال لأبيه: «حاضر أبتِ، سأبحث.»
حكمة:وانجلى الغمام، للأسف السهم لمْ يصبْ إلّا راميه
مرّتْ عدة أيام فقط وتأقلم تمامًا قلبه مع الرأس الجديد، كما أنّ مرارة الحزن والغربة مضيا إلى زوال.
وخلال هذه الأثناء كان يتابعه الطبيب مؤيد بصورة دائمة ليبلغه تعليمات بروفيسور بيتر.
ولمْ يكفّ مؤيد خلال هذه الفترة عن دعوة فطين كي ينضمّ إلى اتحاد المقاومة، بيد أنّ فطينَ دائمًا يرفضُ ويقولُ له إن رسالته نحو ولده أجلَّ وأسمى، فولده أمّة وحده وحضارة لو فُعّلتْ لكان حُجّة على أهل الأرض جميعًا.
وكلُّما يرفض فطين يزداد مؤيد حسرة على هذه الإمكانيّات والوطنيّة التي لم تنصهرْ في بوتقة كفاح اتحاد المقاومة.
والآن ، قد حانت لحظة المصارحة، كلّم مؤيد فهمان عبر الهاتف وأمره أن يخبر أبيه بالحقيقة.
دلف فهمان حجرة أبيه فوجده شارد الذهن فاستنبهه قائلاً: «أبتِ أبتِ، عرفتُ بأمر شفائِك الكامل وأريد أنْ أبوحَ لك بسرٍّ.»
- «قلْ يا فهمان.»
- «يهودي الفندق لمْ يمتْ.»
اضطرب قلبه وزاغت عيناه بمجرد سماع الخبر ثمّ قال له: «ماذا؟ ماذا قلت يا بني؟»
- «قلت اليهوديّ لمْ يمتْ.»
سأله متفجّعًا: «كيف عرفت؟»
- «ذهبتُ إلى هناك ورأيت اليهوديّ.» وقصَّ له كلَّ ما حدث بالضبط.
تأوّه فطينُ وتحسّر على خوْض المخاطر وبيع منزل زوجته، والأوْجع تحسره لضياع دم العالم هدر، ثمّ سأله: «لِم َقلت ذلك يا بني الآن ولمْ تقلْه قبل ذلك؟»
- «ما كنت أودُّ أنْ أؤلمك مرتيْن، فكفى آلامك التي طالتك بسببي، ولقد قلته الآن بعد أن شفيت؛ فتهون الحسرة التي قد تفتك بك، ولكي تتصرّف بحريّة تامة لتيقنك عندئذٍ ألّا يلاحقك أحد.»
قال وفؤاده انصدع من الحسرة: «كمْ أنت حكيم يا فهمان، كمْ أنت عليمٌ يا ولدي.»
اختلى فطين بنفسه ليفكر في شأن مستقبل فهمان العلميّ.
أمعن النظرَ فيما كان يفكر فيه من قبل، وزادتْ عزيمته نحوه بعد موقف ابنه الأخير. وهو تسفيره إلى أمريكا لتعلم العلم السليم وتفعيله على أرض الواقع، وظلّتْ الآمال العِراض تستفزّه وتحرّكه، بينما فراق ابنه وخوفه عليه يكبحان جماحه ويثبّطانه.
لمْ يفكرْ مطلقًا في المنح الدراسيّة لأنّ المحسن سيد لمن أحسن إليه، فكيف يطلب من أمريكا تسعفه وهو سيصارعها من خلال ولده، فأبتْ نفسه العزيزة فعل ذلك ورفع رأسه لأعلى الشرق من حيث تشرق الشمس، بينما نظر إلى مغربها وأشار إليها بأنّ تأتي بركبها هنا؛ هنا في مصر وتستقرّ ثمّ قال: «ويا ليتها لو كانت أرض الوادي الجديد.»
ثم تابع حديث النفس فقال عازمًا: «لابدَّ مِن توفير كآفّة النفقات لإرساله إلى إحدى جامعات أمريكا أو سويسرا فالعلم لديهم كالماء والهواء، بينما لدى مصر والبلاد العربية كالقمامة، وحتى مَنْ فلحَ مِن أبناء جلدتنا إمّا ارتموا بعد ذلك في أحضان أمريكا فعاشوا أثرياء، وإمّا أرادوا أحضان أوطانهم وثراه فتعرضوا للتصفيّة مِن قِبل الكيدون الإسرائيليِّ. فهل يا تُرى أين موقع ابني إذا تعلّم وفقِه؟ في بلده يدخلها آمنًا ويحمل في كيانه نجاة هذه الأمّة أمْ يؤثر السلامة ويرتمي في أحضان أمريكا؟ أغامر بِه؟ لا أغامر، أقدّمُ رأس ابني تحت سيوف الموساد أمْ أقدّمه فداءً لوطني ، مصر. لعلّ مصر يأتيها مَنْ يصلّح مِن حالها ويأخذ ابني وغيره مِن مئات النوابغ المصريّة لبناء حضارتنا على بُسطٍ من العلم. بنفسي ومالي أجاهد حتى تتعلم يا فهمان.»
حكمة: إذا أردتُ أنْ تُخرس ألسنة الغوغاء فأحسنْ إليهم.
والمدهش أنّ فهمان كان يفكرُ فيما يفكر فيه أبوه، لكنّه كان يطرده حتى لا تفتك به مشاعرُه فتدفعه إلى مصارحته، كان يقول لنفسه: «كفى ما حدث لأبي مِن جراء حادثة الفندق المستلب، لا أودُّ مضاعفة غربته بحرمانه منّي على إثر سفري للخارج، لعلّ سفري يوقظ بداخله الغربة الأولى التي اندملتْ جراحها ونامتْ ولا أودُّ إيقاظها.»
فأضمر الأبُّ لحين تأتي اللحظة المناسبة، وأضمر الابن حتى لا يتسبّب في غربة جديدة لأبيه.
وظلّا على ذلك عدة أشهر، فهمان دائب الجلوس أمام الحاسوب وقراءة الكتب الإلكترونيّة ولا يهتم كثيرًا بدراسة الكتب المدرسيّة، فكلُّ اهتماماته منصبّة على دراسة الطبيعة مثل: تجارب مصادم الهادرونات المستقبلي fcc-1 بسيرن، نظريّة آينشتاين، النظريّة الكموميّة، نظريّة الأوتار الفائقة.
بينما فطين يفكّر في عمل يدرُّ ربْحًا وفيرًا إذْ إنّ عمله المعتاد في أيّ سيرك لن يكفي نفقة سفره إلى أمريكا.
يرمقه أبوه ويتأسف في نفسه على هذه العبقرية المكبلة بقيود الفقر، ثمّ يخرج متوجعًا متحسرًا ألا يجد ما ينفقه عليه.
ووصل الحال به إلى حدٍّ أن صارعته الكوابيس والأشباح في نومه.
وتتوالى الأيام على هذه الحالة حتى أتى الله بأمره، وقتها خرج فهمان يومًا إلى محل البقالة الذي أمام العمارة ليحضر بعض طلبات المنزل مِن زجاجات مياه جوفيّة وخبز مكيّس وبعض القوت، وكان المحل متموضع في السوق الرئيس للحيِّ، وبجانب المحل مقهىً كبير أحد محتوياته شاشة تيلفزيونيّة ضخمة، وقف فهمان قليلاً عندها فسمع أهل الحيّ يلعنون أمريكا وخاصة أصحاب اللحى منهم، فقد كانوا يلعنون قائلين: «ألَا لعنة الله على الظالمين، ربنا يخسف بهم الأرض هؤلاء الكفرة الملاعين.»
سمعهم فهمان ولم يلقِ لهم بالاً، إذ إنّه يعلم أنّ العبوديّة لن تقدّم ولن تؤخّر شيئًا إلّا إذا صاحبها العلم، ونظر إلى الشاشة فوجد الإعلاميّ يتكلم عن بركان عظيم من المحتمل أن ينفجر في ولاية كاليفورنيا خلال بضعة أشهر، وسمع جملة هامة جدًا تقول: «إنّ هيئة المساحة الجيولوجيّة ووكالة ناسا الفضائيّة يتعاونان معًا مِن أجل وضع خطة للسيطرة على البركان أو التقليل مِن مخاطره.» واستأنفوا: «في هذا الشأن أنّهم دفعوا بمواسير ضخمة ذات أقطار كبيرة في باطن الأرض وخارجها لضخِّ المياه إلى قلب البركان للسيطرة عليه وتقليل درجة حرارته حال انفجاره.»
سمع فهمان ذلك ووقع في روعه أنّ المواسيرَ لن تفعل شيئًا مع بركان كهذا، همس لنفسه بأنّ هناك طرقًا أخرى مِن الممكن تجربتها غير طريقة المواسير. وفطين جالس في شرفة الشقة تضربه الهموم والحسرات من ناحية، ومن ناحية أخرى تستفزّه قوّته بأن يتوكأ على أوتادها لفعل شيء لهذا المسكين. ثُمّ انتقلَ الإعلاميّ بعد ذلك إلى خبرٍ آخر، حيث عرض صورًا لمجموعة قليلة مِن الروبوتات وبعض التقنيين الفنيين من الأجناس المختلفة وهُم على سطح القمر للتنقيب عن هيليوم -3 واستخلاصه وحمله إلى الأرض.
وفي انتظار انتقال المزيد والمزيد مِن هذه الروبوتات حالما ينتهي خبراء هذه الدول ومهندسوها مِن وضْع المصفوفات الشمسيّة النانويّة على جانبي المصعد الفضائيّ.
سمع هذه الأخبار بروفيسور في العلوم السياسيّة وكان منزويًا في المقهى فتوجّس شرّاً وقال: «يبدو أنّ العالم سيفنى بهيليوم-3 عنصر الاندماج النووي لصنع القنابل الهيدروجينيّة، يبدو أنّنا على أعتاب عراك الفناء بين أوروبا وآسيا.»
انتبه أهل الحيِّ لفهمان الواقف منذ لحظات، وكان فهمان يغمغمُ مِن لغط وكالة ناسا، كما أخذه الإعجاب مِن جانبٍ آخر بنجاح العالم في صنع هذه المصاعد الفضائيّة.







رد مع اقتباس
قديم 01-13-2021, 04:41 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

اِنتبهوا إليّه -وكعادة بني البشر يحبّون استفزاز الضعفاءِ والهروبِ مِن سطوة الأقوياء بالالتفاف حول الأخيرة خنوعًا ونعتهم بكلِّ أخلاقٍ حميدة-
تركوا الأخبار وأخذوا يتغامزونه ويلمزونه كعادتهم مُذْ عاد أبيه بوجهه الجديد، وفهمان يتجاوز مضايقتهم ولا يردُّ عليهم مع أنّ كلماتهم كالخناجر التي تدمي قلبه، كما أنّه لمْ يصرحْ لأبيه قول أهل الحيّ حتى لا يضجر.
يقذفون أبيه بعشرات التهم، وكان أبرزهم القتْل والنصْب، وتنوعتْ أساليب همزهم ولمزهم ما بين متأففٍ ومتشدّقٍ، وما بين متطهّر يمسح ثيابه كلما مرَّ فهمان بجانبه، وما بين مستهزيء ضاحك وسط قهقات بلغت الآفاق، وفطين ما زال في الشرفة يفكّر مغتمًا في مستقبل ولده، ليس من أجله فحسب؛ ولكن من أجل مصر التي تقبع في ظلمات الفقر والجهل.
وأصحاب اللحى جالسون وحدهم في المقهى وكانوا يلعنون أبيه فيما بينهم لتغييره خلْق الله بعد أن زرع الوجه الجديد ويصفونه بالكفر والخروج عن ملّة الإسلام.
تلمّس فطين وجهه ثمّ قال: «كلّ شيء يهون من أجلك يا أمّ يا مصر.»
همّ فهمان بمغادرة المكان مستاءً، فاعترضه بلطجيٌّ واستوقفه واندفعَ تلقاء وجهه، بينما فهمان يتراجع للخلف، وقال له أحد أصحاب اللحى: «لابدَّ مِن القصاص، مَنْ قتلَ يُقتل أو الفدية بالمال.» ثمّ أسرع إلى فهمان ووقف خلف ظهره وبرك بروك البعير أو كذوات الأربع، فاصطدمتْ مؤخرته بظهر الحيوان البشريِّ فتشقلب ، فضحك الناس وقالوا المثل القديم:«لا يقع إلّا الشاطر.»
شاهد فطينُ المشهد، فأخذ عصاه وانطلقَ يعدو بأقصى سرعة متوجّهًا إلى الحدث، أرسلتْ الخليتان العصبيتان الطبيعيّة والصناعيّة معًا إشارة غضب، وكان الغضب هنا مستمد مِن معينيْن ممّا كان له الأثر الشديد في مضاعفة غضبه وقوّته.
أخذ بيد ابنه فأقامه، ثُم حصدَ القوم كلّهم وتبيّن سبيلهم وأوغل في نواياهم.
وبروفيسور السياسة حدج فيهما بإدراك ثمّ قال: «ها هو الأسد المستنفَر.» فلمّا نظر إلى رأسه وعصاه التي يحملها قال: «ها هما العلم والقوة لا غالب لهما.» ولقد شاهد اللاسة والجلباب فقال: «وها هي الأصالة تحيا من جديد لتُعلن عن نفسها أنّها الأقوى.»
وقف فطين أمامهم وقد وقفوا أمامه بجهلهم صفًا، وقفَ وعيناه تدقُّ شررًا، ملامح وجهه توحّشتْ، العصا تحولتْ إلى أنياب وكلاليب، عيناه غدتْ محرك أو مغناطيس؛ فقدْ حدّ بصره إلى ثلاثة مِن أهل الحيّ كان بأيدي كلٍّ منهما عصا وركّز عليها دون أن يدري مكامن قوّته فوقعتْ جميعها على الأرض، وظنَّ فطين أنّهم ارتبكوا وانتابهم الذعر والخوف إلى درجة الاستسلام.»
ارتعدتْ أوصال البلطجيّ والدابة البشريّة الأخرى معًا فلاذا بالفرار ..
نظرَ فطينُ إلى القوم كلهم قائلاً: «إلى متى نظلُّ نلهو ونلعب، إلى متى نتعارك ونتخاصم، عدونا مِن خلفنا صعد الفضاء بمصاعد فضائيّة ونحن نبتغي في الدهاليز والأنفاق، نلوي شفاهنا ونتشدّق بألسنتنا لنبثَّ سموم الأفكار المسمومة في نفوس الشعب المسكين، ويستعفي بعضنا على بعض في حالات أخرى. اِسمعوا، لابدَّ أن نكون إخوة، وإن عدتم إلى ذلك فأقسم بربّي لأعبطنّكم بهذه العصا.»







رد مع اقتباس
قديم 01-18-2021, 06:28 PM رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

نظرّ بعضهم إلى بعضٍ وتساجلوا متلاومين، يرجع بعضهم إلى بعضٍ القول، فانفضَّ مَنْ انفضَّ وظلَّ الباقون صامتين يتبادلون التأنيب.
تمحّصَ وجوههم ثُمّ قال لهم: «أنتم أهلي وجيراني، اِسمعوا، سأقيم لكم سِركًا هنا في الشارع أمتّعكمْ وأعلّمكمْ العلمَ عبر ألعاب سحريّة لمْ تروا مثلها قطّ.»
سمع القومُ كلامه ونسوا الحدث برمته وانشغلوا تمامًا بكلامه، وأخذوا يتهامسون فيما بينهم، وقال بعضهم لبعضٍ: «لعله يخرجنا مِن همومنا وأوجاعنا.»
أسرعوا إليّه كالمهاجمين، فرفع عصاه تأهبًّا للدفاع، لكنّهم أشاروا إليّه براية السلام والإجلال.
رفعوه فوق أكتافهم ونسبوا إليّه الشرف والأمانة -وهذا شأن الرعاع يحبّون القويَّ ولاسيما لو كان كريمًا، ويبغضون الضعيف ولو كان منصفًا-
وفي صباح اليوم التالي بدأ أهل الحيّ في نصْب السيرك بشارع على حارة فارغة متفرعة من الشارع الرئيس، بينما ذهب فطين إلى محلات تُباع فيها الأدوات السحريّة ليشتري منها ما يلزمه. والغريب أنّه ذهب إلى بعض المختبرات العلميّة، وقابل بعض بروفيسورات الفيزياء هناك وكلّمهم في بعض التجارب. واللافت للنظر أنّ فطينُ ليس كأيّ ساحر، فإنّه عليم بكثيرٍ مِن التجارب الفيزيائيّة، فكمْ تدارسها مع زوجته خبيرة الفيزياء النظريّة.
لمْ ينسَ، ولمْ يفارق خاطره أنّ إقامة هذا السيرك مِن أجل الإنفاق على تعليم فهمان بالخارج.
وفي طريقه للعودة انتابته نوبة ضحك عندما أمسك بالزئبق، فقد ذكّره بروبوت حتشبسوت التي ألصقتْ نفسها بسقف ردهة الفندق ظنًا منها أنّ الزئبق قدْ تحوّل إلى ثعابين، وظلَّ يقهقه أكثر ويقول وهو يقهقه: «أول مرّة أرى تكنولوجيا مسخرة.»
قفلَ راجعًا وهو على مشارف الحيّ، ومِن بعيد وجد أضواءً تخترق أشعة الشمس قبل الغروب بنصف ساعة، إنّها أضواء السيرك المنصوب.
وكان فهمان آنذاك واقفًا في شرفة الشقة يترقب عودة أبيه، فلمّا أقبل من بعيد زاد الضوء لغياب الشمس وضربَ وجه فهمان فأورق واخضرّ .
وضع أهل الحيّ عشرات الكراسي للمشاهدين وفي الأمام طاولة له: «فنادى فيهم أنّ العرض سيبدأ مساءً، وأنّ قيمة تذكرة الدخول ب..» لجلج، تلعثم، إذ تناوبه شعوران، فقد دارت عيناه على الجالسين، فشاهد آباءً أتوا بأولادهم وثيابهم ممزقة، وشفاههم مشققة، وبعضهم لا يرتدون أحذية، ورائحة عرقهم لا تُطاق، ثمّ ولّى وجهه عنهم ونظر إلى ابنه الواقف على يمينه يفكّر بشأن تكاليف تعليمه إلى الخارج.
شعر فهمان بأنّ أبيه كان يودّ الإقدام على عمل سيء لكن اعترضه ضميره فقاومه، فتبادلا النظرات، وكانت نظرة فهمان إلى أبيه تنمّ عن الرضا عنه بسبب ضميره الذي استيقظ فقهر حبّ النفس نحو الأبناء، كما أنّها كانت محفزة له للثبات في وجه هذه المطامع.
فتمالك فطين نفسه، ووطأ ألمه بأقدامه الثابتة، ثمّ قال ضميره المندفع بنظرة ابنه الواعظة: «قيمة التذكرة رمزيّة تناسب أفقر أهل الحيِّ.»
وفي مساء اليوم التالي ذهب إلى السيرك ومعه حقيبته، حقيبة ساحر بكلِّ مستلزماتها، أقدم على الحشد واخترق الطريق المتوسط بينهما، بينما هم يقتعدون الأرض على جانبيه.
وما إنْ وصل إلى الطاولة ألقى الحقيبة عليها وأوقف فهمان بجانبه وسلّمَ على المشاهدين وألقى كلمته قبل العرض قائلاً:

«يا بني وطني، ما أقدمه لكم ليست ألعابًا سحريّة تعتمد على الخرافات والجهل وإنّما تعتمد على العلم، كما أنّ عزيمتي على النجاح سحر وحده لأنّها تفعل المعجزات. أعلمُ أنّ الفقر قدْ طال كلُّ مدن مصر وقراها، وأنّ الهمّ غدا سمة العصر، وأنّ الماء تنتظرونه يوم تمطر السحاب غيثًا أو تجود الأرض ببئر؛ فأردتُ أنْ أرفعَ عنكم هموم نفوس مكدودة تساعدكم على الجلد والصبر أمام نوائب الدهر وغدره. وفي آخر كلِّ عرْضٍ يتقدّمُ إليّ مَنْ لمْ يجدْ قوته من صناديق القمامة فأعطيه ممّا أفاض الله به علىّ.»
فصفقوا تصفيقًا حارّاً وخاصة أولئك الذين لم يجدوا غداءهم الساعة، استوقف الجميع إيذانًا بالبدء.
قال: «اليوم أريكم ما كان يرونه أجدادكم وآباؤكم عبر العروض الأجنبيّة المتلفزة، فإنّي أعلم أنّ بيوتكم خالية من التلفاز منذ زمن بعيد.» فبدأ في خطف أنفاسهم فبرقت عيونهم.
ناوله فهمان ملعقة منثنية ولكنّها تبدو للمشاهد غير ذلك عند رؤيتها بصورة رأسيّة، ولذلك أقامها رأسيّا ثمّ نظر إليها بتركيز منقطع النظير، ثُمّ حركها للأمام والخلف بسرعة شديدة لا تستطيع رصدها أيّ عين بسبب الاهتزاز الشديد، بل إنّ الحركات الاهتزازيّة تظهر أمام الجمهور على أنّ الملعقة تنثني، ثمّ أوقف فطين اهتزازته بعرض الملعقة أفقياً فظهرتْ الملعقة لدى الرائين منثنيّة مع أنّها في الأساس غير ذلك.
صفقَ المشاهدون تصفيقًا حادّاً، بينما أحد الجالسين مِن أصحاب الفكر النيّر اشمئزَّ مِن فعْل فطين وتركَ المكان وهو يقذف الجميع بالسبّ واللعنات على جهلهم. انتهى العرضُ بعد تقديم عروض أخرى تعتمد على تموضع الأشياء.
مضى فطينُ وولده إلى المنزل بعدما حصل على مال يفوق حاجة قوت يومهما بنذرٍ قليلٍ، وفهمان نافرٌ متقززٌ مِن فعل أبيه، فهو يعلم بالضبط أنّ الملعقة لمْ تنثنِي، وأنّها بدتْ للعين منثنية بسبب تغيّر موضعها، كما يعلم بالضبط الإشارات الكهربيّة والكهرطيسيّة التي أرسلها المخُّ للعين.
ولكنه آثر الصمت واعتبر ما أخذه أبوه نظير جهد قدراته الحركيّة والأطلسيّة على تحريك الأشياء وتموضعها.
يطوّرُ فطين ألعابه يومًا بعد يومٍ والناس في تزايد مستمر والإيراد يزيد بنذرٍ قليلٍ، وحان الآن منتصف شهر ديسمبر، بركان كاليفورنيا.







رد مع اقتباس
قديم 02-08-2021, 01:16 PM رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء السادس

فتى البركان الملثم
استيقظ جاك على صوت صراخ منبعث مِن القناة الإخباريّة، ليست أذنيه التي تفاعلت مع الصراخ؛ وإنّما ضميره، فصوت الصارخ المستغيث يسمعه ذو الضمير الحيِّ كجاك، بينما لا يسمع ذو الضمير الميت ألفَ صارخ مستغيث، لا بأذنيه ولا بضميره.
هبَّ مفزوعًا، فرأى أبراجًا تتهاوى في مشهد رهيب. حدّقَ بصره بحدّة وما يحدُّق إلّا في وجه الفناء، فرأى دموعًا كالأنهار، ودماءً تحترق، وعظامًا تذوب في بحور من الحِمم البركانيّة الطاغية.
وأصغى السمْع وما يسمع إلّا الحسيس وأزيز الطائرات التي تُحلّق فوق سماء الحدث، وصراخًا وفرارًا ورعبًا وهلعًا.
ولمْ تمرّ إلّا دقائق معدودة وشاهد أهوال القيامة تتجسد أمامه على شاشة التلفاز. ناطحات السحاب تتهاوى متهدمة، وبعضها خُسفت، والبركان يباغت الناس في منازلهم؛ فيحترقون ويصبحون بخارًا يتطاير في الهواء.
الناس تجري فرارًا إمّا من الخسف أو الحرق، والسيّارات يتخذونها مهربًا مِن البركان الغاضب.
البركانُ أكل السيارات، وتجشأ بطعام القطارات، وتكرّع بدماء الضحايا، يُميت بلا رحمة؛ فقد هرب منه قطارًا امتلأ عن آخره بالشباب والأطفال والعجائز والرجال فأدركه وضربه من جانبه ثمّ ابتلعه.
ولم يرحم حتى المغيثين، فقد انفجر في طائرة إغاثة فأحرقها. امتزجتْ أصوات صراخ البريء والمجرم، والظالم والمظلوم، والكاره والمكروه، والسجين والسجّان، حتى الرضيع يصرخ جوعًا يريد أن يلقم ثدي أمّه لكنّه اللحظة لم يدرِ أنّه لقمة البركان.
ومواسير ناسا ذات القطر الواسع تحاول أن تغيث، فتدفع بمائها بكلّ ما أُوتيتْ مِن قوّة غير أنّ البركان بغتها فأرداها صريعة وابتلعَ ماءها، ورئيس ناسا يشاهد مواسيره المحترقة فيدعو الربّ بالخلاص.
وأبواق الحكومة الفيدراليّة تناشد المواطنين بترْك المنطقة الثائرة وترْك كلّ ما خلفهم، ولقدْ قال قائلٌ منهم: «اتركْ فقد يكون بينك وبين الموت ثانية واحدة فاظفرْ بها واستفدْ وانج بنفسك.» والصلوات تُتلى في الكنائس فِراراً إلى الغيّاث الأكبر ..ربّهم.
وما أدهش العالم أكثر أنّ أقوى بركان كان بركان بيركلي القريب مِن الجامعة، ظلّ يجري مقتحمًا ما فوق الأرض وما تحتها متّجهًا نحوها، والطلبة تُنذر بمغادرة المكان، بينما رئيس جامعة بيركلي ظل واقفًا ولم يتحرك وقال: «نهلك معًا أو نبقى معًا.»
فلمّا وصل البركان برد وتجمّد كأنّه سجد وخشع، وعلى الرغم أنّه لم يرحم الرضيع؛ لكنّه هذه اللحظة خشع وانهار ولم يقوَ على النهوض .
ولقد حار العلماءُ في شأن هذا البركان السابق، علماء الجيولوجيا وناسا يؤكّدون أنّه كان ولابدَّ أن يواصل زحفه ويحرق الجامعة، لكن القساوسة أكّدوا أنّها معجزة ربانيّة تؤكد دفاع الربِّ عن هذه الجامعة لموْلِد رجلٍ سيكون السبب في نشر الفضيلة وحماية هذا العالم مِن الفناء، وقد صدقوا فعلاً (كما سيتبين مِن أمر جاك وفهمان).
العالم كلُّه يتابع المشهد، دول الغرب ترسل سراياها للمساعدة والتدعيم، حكّام العرب يبكون ويتباكون على أمريكا والشعب الأمريكيِّ ويعلنون الولاء والتضحية بالنفس مِن أجلهما، والشعب الفلسطينيّ مثْلج الصدْر يحمد الله ويُعلن الشماتة ويردّد أقوال بعض آيات القرءان الكريم التي تتكلّم عن الانتقام مثل: ï´؟إنّ الله عزيز ذو انتقام -إنّ ربك لبالمرصاد- ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون إنّما يؤخّرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار) صدق الله العظيم.
بينما بعض المساجد ترفعُ أكفَّ الضراعة مبتهلين لاعنين الأمريكان وداعين بالتدبّر في آيات الله الكونيّة.
وفي مشهد آخر وعلى بُعد عشرات الكيلومترات مِن منزله رأى جاك كاميرا تسلّطُ الضوءَ على طفل وطفلة لمْ يتجاوزا الست سنوات.
-الطفل سمين ذو وجه ممتلئ وهيئة حسنة بينما الطفلة هزيلة وملابسها ممزقة ونحيفة شاحبة اللون- بدأ الإعلاميّ يتكلم عن هذا المشهد ليبيّنه ويشرح ملابساته إلى المشاهدين ودور الحكومة الفيدراليّة وفريق الإغاثة في إنقاذهما؛ بدأ يصف المشهد وملابساته.. وقدْ قال مُستهلّاً وجاك يسمع بانتباه وترقّْب:







رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء 1 والزوار 9)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


تصحيح تعريب Powered by vBulletin® Copyright ©2016 - 2021 
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010