الإهداءات

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: تفسير الاحلام بشكل سريع (آخر رد :ايمان فتحي)       :: حكمــة اليـــوم (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: عطر البنفسج وجنون أنثى .... (آخر رد :دوريس سمعان)       :: تحت نغماتِ الحنين (آخر رد :دوريس سمعان)       :: هـذا الصبـــاح ...... (آخر رد :دوريس سمعان)       :: سكون (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: رسالة من المنفى ..فلسطين تتحدث (آخر رد :ابراهيم امين مؤمن)       :: * تخاريف مقبل على الموت * (آخر رد :جمال عمران)       :: هذيان الشتاء ممزوجاً بقوانين عشقي (آخر رد :جوتيار تمر)       :: رِحْلَة عِيدٍ فِي قَلْبِ القُدْسِ (آخر رد :جوتيار تمر)      


العودة   منتديات قناديل الفكر والأدب > قناديل السرد > قناديل المسرح والرواية


رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 »

قناديل المسرح والرواية


إضافة رد
قديم 02-08-2021, 06:43 PM رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

«هذان الطفلان فلسطينيّان، اتّصلَ والدُ الطفلة مستغيثًا لإنقاذ ابنه وابنته مِن الجحيم، بينما لمْ تصلْنا إشارة حتى الآن بتوجّه فريق الإغاثة لإنقاذهما، لقد انشقّتْ الأرض عن يمين وشمال الطفليْن وتركتهما محصوريْن بين جداريْن مِن ألسنة لهب الحمم البركانيّة العالية،
نارٌ تتأجّج أمامهما وخلفهما؛ بينما هما يصرخان واقفين على الأرض المحصورة بين طوديّ الحمم الملتهبة، الأرضٍ قريبةٍ في شكلها مِن شكل المثلث متساوي الساقين المرسوم على الأرض، ويبدو مِن خلال المعاينة ومراعاة الأبعاد أنّ المثلث ضلعه يتراوح ما بين 15-17 من الأمتار بينما قاعدته أكبر فطولها ما بين 25-27 متر.»
فلمّا سمع جاكُ هذه الأبعاد كوّرَ كفىّ يديْه بحيث أصبح ظهريْهما للسماء، ثُمّ أمالهما خفْضًا ورفْعًا وهذه إشارة لإمساك دراكسيون دراجه بخاريّة، وقدْ كان يقصد ذلك بالفعل .
ومن حجرة مبيت عالم الفيزياء الفذّ ميتشو كاجيتا بمصادم ffc-1 الكائن في سيرن بسويسرا نجد كاجيتا يشاهد البركان ويرقص، وكلّما زاد البركان توحّشًا زاد رقصًا وفرحًا، ولقد كان يتراقص قائلا: «هيّا أيها البركان الرحيم خلّصنا من هذه الزبالة البشريّة.»
واستأنف الإعلامي: «والرماد البركانيّ والحِمم في ازدياد، وأخيرًا جاءتْ إشارة أنّ منطقة الطفلين خطرة ولا يملكون التحليق فوقها الآن وليس لديهم أدوات لمدِّ جسر لإنقاذهما. لكنّهم سيحاولون إرسال الدعم في وقت قريب، فكلّ طائرات الإغاثة منشغلة بإنقاذ عشرات الآلاف مِن الضحايا.»
انتفض جاك ثمّ قفز على دراجته البخارية وأنزل اللثام على وجهه وانطلق بها مخترقًا باب منزله الذي طار في الهواء، وظلَّ منطلقًا بأقصى سرعة متجاوزًا الزحام بالتحكم في حركتها بطريقة أسطورية. وبمجرد خروجه جاءتْ إشارتان أحدهما تقول إنّ الأبَّ الفلسطينىَّ صاحب الرسالة قد شاهد ولده منذ لحظات وأنّ المحصور في البركان ليس ابنه.
والإشارة الثانية من يهوديّ يقول عن هذا الذي مع الفلسطينيّة ابنه، وقد قال بالنص: «إن لمْ تنقذْه الحكومة فسوف يحمّلهم مسئوليّة موته .»
ولقد سمع قوله يعقوب إسحاق مقولته عبر التلفاز فارتعد وانتفض، ثمّ هاتف بيد مرتعشة الرئيسَ الأمريكيّ على الفور وقال: «إن مات طفلنا فسوف أمحوك من الوجود.»
ثمّ تلتها إشارة ثالثة بعد قليل أنّ فريق البحث متّجه لإنقاذ الطفل والطفلة لخمود الرماد البركانيِّ والحِمم حولهما بصورة تُمكّن طائرة الإنقاذ التحليق فوقهما لانتشالهما. ويبدو مِن الإشارة الثالثة أنّهم استطاعوا أنْ يوفّروا طائرة استغاثة بالفعل.
انطلق جاك متّجهًا إلى مكان الطفليْن، فلمّا دنا مِن المكان أدّى صلاته ودعا الربَّ بالنجاة والتوفيق ثُمّ دعا لأمريكا بالخلاص.
وانطلق بأقصى سرعة، ولحسن الحظ أنّ الجدارَ المنفصل الواقف عليه الطفلان منخفضٌ عن الأرض. فطارتْ الدراجةُ مرتفعة في الهواء لمسافة ما بين 15-17 مترًا وظلَّتْ في الهواء متجاوزة ألسنة الحِمم التي كادتْ أن تنال منه، وبالفعل فقد قذف البركانُ جمرةً صغيرة التصقتْ بأسفل بنطلونه. ثمّ بدأتْ الدراجة في الهبوط متّجهة إلى قاعدة المثلث الكبرى.
كانت الدراجة مسرعةً، وأيّ فرملة مفاجأة سوف تقلبه هو والدراجة في الجحيم، ففرمل على مراحل، المرحلة الأولى خفيفة وكذلك الثانية والثالثة، أما الأخيرة فكانت على بعد أربعة أمتار مِن حافّةِ قاعدة المثلث قبل أنْ يفعلَها، ثُمّ أسند بقدمه على الأرض وآمال الدراجة قليلاً فمالتْ وسارتْ تجاه أحد ضلعيِّ المثلث. وظلّت الدراجة تدور حول نفسها عدة مرات حتّى استقرتْ.







رد مع اقتباس
قديم 02-09-2021, 07:40 PM رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

جاك يعلم أنّ الدرّاجة لن تستطيعَ العودة مطلقًا لوجودها في مهبط، وبالطبع فلن تصعدَ الدرّاجة ضد الجاذبيّة، وحتى لو كان هذا جائزًا فالمسافة قليلة لكي يطير بها مجددًا.
فماذا يخبئُ جاك لنا؟
من المدهش أن بطل العالم في الدرجات كان يشاهد المشهدَ فقال دهشًا: «أنا ما أستطيع فعلها.»
والناس تشاهد المشهد برمته عبر التلفاز، ولقد شاهدوا قفزته؛ فخطفت أنفاسهم حتى إنّها صرفت أبصارهم عن موت آلاف الضحايا الذين يسقطون كلّ ساعة.
اشرأبتْ أعناقهم نحو التلفاز، واستطلعتْ عيونهم كذلك محدّقين قائلين: «لقد ألقى الفارس الملثّمِ هذا بنفسه في التهلكة رغم شجاعته ومهارته وشهامته.»
ومن الوادي الجديد نجد فهمان يشاهد هذا الرجل الملثّم وهو يلقي بنفسه لإنقاذ الطفلين غير مكترثٍ لحياته، فتمنّى فهمان أن يكون مثله في التضحية والشجاعة.
أما داخل مبنى وكالة ناسا فيشاهد رئيسها الفتى الملثّم ويخاطب نفسه قائلاً: «أيّها الملثّم، أنت تصلح أن تكون رائد فضاء من الطراز الأول.» ثمّ تحركت شفتاه همسًا مستفهمًا: «مَن أنت أيّها الفارس الملثّم؟!كم أرجو رؤيتك.»
أيقن كل المشاهدين بأنّه سوف يموت، لكن ماذا يخبّئ لنا جاك؟ هل هذه العبقريّة وهذا الضمير الملائكيِّ ساذجٌ لهذه الدرجة أن يلقي بنفسه في الجحيم؟!
الحقيقة أنّ جاك ألقى بنفسه وهو بالفعل لم يحسب خطوات العودة، نظر إلى الطفلين وسألهما غيظًا وحنقًا عن سبب سيرهما بدون مصاحبة والديهما، ثمّ أطرق متسائلا: «وماذا كان سيفعل الوَالِدَانِ في هذا المأزق.»
فنظرت الطفلة إلى بنطلونه الذي بدأ يحترق، فقد بدأت الجمرة تتحوّل أسفل البنطلون نارًا فقالت له الطفلة: «عمو،أنتَ تحترق.»
ثمّ نظر الطفل اليهوديّ إليه أيضًا قائلاً: «سيدي أنتَ تحترق.»
فضرب جاك بنطاله بيده غير مكترث لما قد يحدث لقدمه او له من احتراق وإنّما حدّق في الطفلين وكرّر نفس السؤال للمرة الثانية.
فأجابتْ الطفلةُ: «إنّنا كنّا مجموعة مِن الأطفال عربًا وعجمًا، فأقبلَ عليّ هذا الولد وقال لي بأنه يهوديّ ويريد المال الذي معي والفستان الذي ارتديه، فلمّا قال ذلك رمقه بعض الأطفالُ العرب وقالوا له وهم يتغامزونه وأياديهم مبسوطة نحو جيبه بأن كلامه لا يصحّ ومبجلين إياه بقولهم له بأنه سيدهم.أمّا بقيتهم فتداولوا فيما بينهم ثمّ رحلوا جميعًا، وانتهز فرصة رحيلهم فضربني ولا زال يضربني حتى اِنشقتْ الأرض.» وفور ان انتهت من كلامها أجهشت بالبكاء حتى ارتعد جسدها وأعادت قائلة: «انشقتْ الأرض لأنّه ظلمني.» ثمّ تمالكتْ نفسها ومسحت دموعها وتثبّتتْ ثمّ رددت: «وهكذا سيدي الشجاع، تنشقُّ الأرض عندما تُسلب من أصحابها.»
فعلق الطفل اليهودي على قولها: «نعم سيدي، هي على حقٍ في قولها "تنشقُّ الأرض عندما تُسلب من أصحابها."نعم سيدي، انشقتْ الأرض لأنّ فلسطين اغتصبوا أرضنا.»
فلمْ يعبأ جاك بعراك الطفلين وإنّما أخذ يفكّر كيف ينجي هذين الطفلين من الموت، أيستسلم؟! جاك الذي لمْ يفشلْ قطٌ يموت الآن، مستحيل.
وعبْرَ الشاشات نجد الناس يتملّكهم الحزن الشديد على الملثّم قائلين: «خسارة أن يفقد هذا العالم رجل مثل هذا الفارس، وتأهّبوا للصلاة عليه بعد أن تأكله النيران.»
استجمعَ جاكُ فِكره وغيّب مشهد الفزع الذي ينتابه مِن شكل الطفلين، ثمّ جثا على ركبتيه صامتًا حتى ظنَّ الناس إنّه يصلّي صلاة الوداع .
.







رد مع اقتباس
قديم 02-13-2021, 04:15 PM رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وانتفض فجأة ونظر لبركان النار وصراخ الطفلين ودموعه تنهمر من عينيه، مسح دموعه ونظر نظرة خاطفة إلى الدراجة، ثمّ أقبل عليها وفتح حقيبة كبيرة كانت خلف المقعد الذي يجلس عليه واستخرجَ كيس النايلون الذي فيها -إنّه كيسٌ رقيقٌ خفيفٌ لا ينفذ منه الهواء مطلقًا ولا يحترق إلّا تحت درجة انصهار عالية ومطلىٌّ في فوهته بمادة لا تحترق، كان يحتفظ به في دراجته للقيام ببعض المناورات الطائرة، أما فوهته فعبارة عن طوق مِن الحديد ذات قطر صغير 90 سم ومطليّة بمادة ضد الحرائق- وتذكّر عندما اشتراه أنّ البائع قال له: «هذه المادة ضدّ الحريق يا فتى.» ولمْ يفكر وقتها في السبب لكنّه علمه الآن وقال لنفسه وقتها: «يبدو يا جاك أنّ هذا البالون كان يستخدم كمنطاد في نقل راكبين أو ثلاث.»
رآه فهمان وقد كان جالسًا، وعلى الرغم من ألمه وتفجّعه على الناس الذين يحترقون إلا أنّه لم ينسَ العلم كأبيه، فحدّق في الفتى الملثّم قائلاً: «أرجو أن تفعلها أيّها الملثّم ..أرجو أن تفعلها، وانتبه لما معك، فمعك الموقد والغاز والهواء.»
تفاءلَ جاك بذلك واستبشرَ، وارتسمتْ على وجهه علامات الطمأنينة.بعد ذلك، أخرج مِن الحقيبة علبَ كانز فارغة، علب كان يخزنها بعد ارتشافها ليبيعها لأحد الباعة من أجل أن يستعين بها على قضاء بعض حوائج المعاش.
ولحسن حظه أنّها كانتْ كثيرة، استخرجها وألقاها أرضًا ثمّ ثقبها كلّها من أعلى ثمّ قال همسًا: «لا بأس بها فإنّها تفي بالغرض.»
لقد تعجّب الناس عبر الشاشات من فعله الغريب فقالوا: «لقد أصابته لوثة الجنون.» أما رئيس ناسا ففهمَ ما ينوي الفتى فعله،
فقال متحفزًا: «أرجو أن تنجح في صنع سفينتك الفضائيّة أيّها الملثّم.»
وقد صدرتْ أوامر إلى طائرة فريق إنقاذ بالذهاب إلى مكان الحادث لإنزال أريكة بحبال تحتوي على أبازيم رابطة لتحمل الطفلين إلى الطائرة.
بعد ذلك استخرجَ جاك مِن أسطوانة الدراجة الغازية الغاز الذي تعمل به بعد أن ثقبها ثمّ أفرغها كلّها في علب الكانز عن طريق أنبوب.
ثم قام بسداد علب الكانز كلِّها بسدادة محكمة، وربطها كلّها معًا بإحكام في أربع مجموعات، ثم ما لبثن أن ربط المجموعات في قاعدة خشبيّة كانت ملقاة على أرض البركان.
وفهمان يحدّق في الشاشة مائلاًَ مقوس ظهره ويحفزه غيابيًا بقوله: «هيا، هيا اِفعلها، اِفعلها أيّها الملثّم البطل.»
ومن تل أبيب كان يعقوب إسحاق يشاهد المشهد من أوله، ولقد أدرك أخيرًا ما ينوي فعله ذاك الملثّم.
بعد أنْ انتهى جاك، لمْ يجد عناءً مطلقًا في المرحلة التالية، كان عليه الآن أن يحضر مضخّة الهواء اللاسلكيّة (قوتها 12 فولت)كان يضخُّ بها الهواء لإطاريّ دراجته. طرح البالون وأمرَ الطفلين بإمساكه جيدًا كي لا يطير فامتثلا، ثمّ ربطه جيدًا في صخرة كبيرة كانتْ على سطح الجدار المعزول حتى لا يطير، كما ربط َالطرف الآخر كذلك. قام بضخّ الهواء البارد داخل البالون حتّى امتلأ، ثمّ قام بسدّه حتى لا يتسرب الهواء البارد.
وسرعان ما أحضر مجموعات الكانز الأربعة، وقام بنزع سداداتها واحدة تلو الأخرى وبسرعة، وكلّما نزع واحدةً منها أشعلَ النّار فيها فكانتْ تشتعل كموقد البوتاجاز، فاطمأنّ أنّها تعمل بامتياز. أشعلَ النارَ بوساطة أحد الأعواد الخشبيّة التي كانت ملقاة على الأرض مِن خلال أحد ألسنة اللهب المتأججة، ولقد لحظ تسرّب بعض الهواء مِن البالون، فأعاد ضخَّ الهواء مِن جديد حتى امتلأ، نادى على الطفلين، وأعدّ حبلاً متينًا كان يستخدمه في تسلْق الأشياء المرتفعة، أحضره مِن الحقيبة أيضًا، ربطَ نفسه في جهة وربط الطفلين في الجهة الأخرى من البالون حتى يتّزن البالون ولا يتأرجح، لكن الطفلان أثقل قليلاً، فاضطر لحمل حجر في يده -وزنه 11 كيلو جرام - في الإطار الحديديّ الدائريّ المثبّت في أول البالون القريب مِن أرض الجدار مدَّ يده إلى الداخل وأمالها أفقياً، ثمّ ربطَ المجموعات الأربع فيه.
قال فهمان عندها: «ها قد فعلها، ها قد فعلها.»، أما رئيس ناسا فقال: «لقد صنع مركبة فضائيّة، فأرجو أن ينجح في صناعة كوابحها.»
وصلتْ الطائرة أخيرًا، وأرسل قائدها تقريرًا إلى مبنى الطائرات أنّه لن يستطيعَ التحليق عِن قرْبٍ بعد أن ارتفعتْ ألسنة اللهبِ منذ قليل، وتبعًا، فإنّ الدرج لن يبلغ الطفلين، وجاءت الرد له فورًا بعدم المغامرة والانتظار لعلّ البركان يهدأ. تلاها إشارة أخرى معللًا للطائرة بعدم المغامرة لأن هناك فتىً ملثمًا قد صنع مِنطادًا طائرًا، ولذلك يجب عليه الترقب.
بدأ الهواء البارد يسخن تدريجيّاً بفعل مواقد الكانز، ثُمّ بدأ البالون يرتفع محلقًا عاليًا، وعندما اطمأنَّ جاك أنّ المنطاد ارتفع عن ألسنة اللهب ولا خطورة منه بدأ يوجّه البالون حتى ساقته الرياح للحركة الأفقيّة؛ فتغيّر مِن الوضعيّة الرأسيّة إلى الوضعيّة الأفقيّة.ثم مدَّ يدُه وقام بنزْع مجموعةً من المجموعات الأربع، فبدأ المنطادُ يهبط مائلاً.
بدأ المشاهدون يتفاءلون وكلّهم في ذهولٍ وترقّبٍ، يأملون أن ينجح الملثم في عملية الهبوط.أما يعقوب إسحاق فحمد الله على نجاة الطفل وأطلق أخيرًا أنفاسه التي كانت محبوسة.
ولمّا غادر المكان أفقياً أيضًا نزعَ المجموعة الثانية؛ فخفَّ اللهب كثيرًا ممّا تسبّبَ في هبوط البالون تدريجيّاً، لكنّه ما زال يحلّق؛ فنزع الثالثة ثُمّ الرابعة فاصطدموا جميعًا بالأرض دون أذى. انشقّتْ الأرضُ المثلثيّة بعدها مباشرة وابتلعتْ الأرضُ الدراجةَ.
نظر خلفه ليجد دراجته التي يعشقها تنفجر، حمد الربَّ على نجاة الطفليْن، ثُمّ ترك المشهد كلّه هروبًا من أن يعرفه أحد.
بدأ البركان يهدأ بعدما أفرغتْ الأرض غيظها وغضبها، والحِمم الباردة تغطي مساحات شاسعة على أرض كاليفورنيا وخاصة المنطقة المحيطة بجامعة بيركلي. ورغم موت آلاف الضحايا في البركان الغاضب إلاََ أنَّ مشهد جاك ارتكزَّ في عقول وقلوب العالم كلِّه وخاصة الأمريكيين.
وظلّتْ وسائل الإعلام تقصُّ وتروي وتستفيض في وصف فتى البركان الملثّم، وخاصة أنّ الطفلين أحدهما يهوديّ والأخر فلسطينيّ .
وظلتْ على مدار أيّام وشهور يعرضون صورة الدراجة وهي تطير ، وصورة الملثّم وهو طائر في الهواء ببالون صنعه ببراعة شديدة ، وصورة الدراجة وهي تتهاوى في البركان، وأشاروا إلى وجهه مليارات المرات متسائلين: «تُرى مَن أنت أيها الملثّم المجهول؟»
ولقد شاهد جاك تعليقات وسائل الإعلام على صنعه فلم يكترثْ لهم وإنما قال مستبقيًا نفسه:«الحمد للرب على نجاة الطفلين.»







رد مع اقتباس
قديم 02-15-2021, 11:02 PM رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء السابع
حكمة:اغرسْ في أرضك بذورًا تصلح لها..
سبعة أشهر مضتْ على زلزال كاليفورنيا
اجتاز فهمان الثانويّة العامة ولمْ يكنْ بين العشر الأوائل على مستوى الجمهوريّة، مع أنّ أبيه كان يعتقد أنّه سوف يكون أولهم.
اِغتمَّ فطينُ وسأل ابنه عن هذه العبقريّة المفرطة التي لمْ تُفعّل في الدراسة.
أجابه فهمان: «أبتِ أنّا منشغل دائمًا بالبحثِ والتقصّي في العلوم التي أعشقها مثل الفيزياء، وقد تبحرت كثيرًا في علومها. ولذلك انشغلتُ كثيرًا عن باقي المواد وأهملتها سهْوًا.»
اقتنع فطين بكلامه، وكيف لا وهو من هو، هو العلامة الحذق. قال فطين:«وماذا بعد؟»
ردَّ بحزم: «كليّة العلوم.»
- «أتكتب أوّل رغبة علوم القاهرة؟»
تلعّثمَ ولمْ يقوَ على الكلام، ثمّ أطرق في أسىً بالغٍ ليداري ما به.
قال فطين: «ما لك لا تنطق؟ اِرفع رأسك وتبسم، أريد لكَ العلوم في جامعة.» وهنا ضرب فطين جبهته بضع ضربات وهو يردد قوله: «جامعة، جامعة، جامعة، جامعة بيركلي بكاليفورنيا،فما رأيك؟»
انفجرتْ عينا فهمان مِن البكاء فرحًا ووجلاً، واحتضنَ أبيه وقبّل يديه.
بعد ذلك سأله أبوه: «أتعلم كمْ النفقة؟»
- «كثيرًا يا أبتِ، كثيرًا.»
- «اِعلمْ وأخبرني، كذلك أخبرني بترتيبات اللحاق ببيركلي.»
جلس فهمان أمام الحاسوب ليبحث عن شروط القبول والنفقات و..الخ. فلمّا قرأها تفجّع قائلا: «كارثة، نفقات الالتحاق باهظة جدًا.»
انصدعَ قلبُه وامتقعَ وجهُه بعدما أيقن انّه لا سبيل للسفر إلّا بالمنحة الدراسيّة، وهو يعلم أنّ أبيه لن يستطيع تحمل أعباء النفقات. تصفّح أكثر؛ فوجد أنّ المنح الدراسيّة لا توهب إلّا في حدود ضيقة جدًا.
حان وقتُ المساءِ، وأتى فطين مِن الخارج، ثم أخذه وخرجا قاصدين السيرك، وسأله في الطريق: «هل أنجزتْ المهمة؟»
أجابه: «لا أريد السفر يا أبتِ، النفقة كثيرة وفوق طاقتك بكثير.»
سمعها فطين وسأله عن حجم المصروفات فلمّا أجابه أطرق في أسىً بالغ. ومِن الغمِّ الذي سيطر على أوصالهما قرّر فطينُ إلغاء عرض الليلة، وقفلا راجعيْن إلى المنزل.
ظلّا صامتيْن ساعات، الحزن قد ألجم اللسانين فخرسا، لكن فطين القويّ ما وقف في حياته عاجزًا أبدًا، فبدّل كثافة الصمت القاتل بقول حازم: «ستسافر يا ولدي مهما كان الثمن، أعدك بذلك، ستسافر وربّ هذا الكون.»
وفور كلمته تلك رن جرس هاتفه، إنّه الطبيب مؤيد.
- «مرحبًا صديقي الطبيب.»
- «كيف حالك يا فطين؟»
- «الحمد لله.»
- «مبارك لولدك.»
- «الله يبارك فيك.»
- «كيف حال سركك ؟ سمعت أنّك تكسب كثيرًا .»
-«الحمد لله.»
- «نريد منك خدمة، انزلْ وقابلني.»
نظر إلى ابنه وربت على كتفيه مطمئنًا: «لا تستهن بأبيك؛ فأنا ما أعجزني شيء من قبل حتى أعجزُ الآن عن تحقيق حلم هو حلمي قبل أن يكون حلمك.»
نزل فطينُ لمقابلة مؤيد. قابله على مدخل المبنى المشرف على أعمال السيرك يستحثّه على الإسراع حيث إنّه تأخّر عن موعده المحدد حيث إنه ما تأخر قط.»
فقال فطين له: «اعتذرْ لهم عن تقديم عرض الليلة لأنّي مريض.»
فلمّا مضى خطوات للأمام رجعها مرّة أخرى ثمّ أخرج من جيبه خمسين دولارًا وقال له: «أعطها لمن لم يجد في صناديق القمامة طعامهم اليوم.» ثمّ استقلّ سيارة مؤيد ومضى.







رد مع اقتباس
قديم 02-18-2021, 07:20 AM رقم المشاركة : 25
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء الثامن
حكمة:إذا أردتَ أنْ يصدّقَ الناس أكذوبتك فصدّقها أنت أولاً .
درع الإله
وفي مكانٍ خالٍ وقفت السيارة وكان في انتظارهما بروفيسور تكنولوجيا الفلك والفضاء -وهو منهم - نزلا وقابلاه ثمّ ارتجلوا ثلاثتهم.
قال فطين لمؤيد: «أأمرني صديقي، قلتَ تريد خدمة.»
قال مؤيد موجّهًا كلامه لفطين وهو يتأوه:«المقاومة داخل فلسطين وخارجها معرضة للخطر .»
ردّ فطين متحسرًا: «يا خبر أسود، كيف؟»
أجاب مؤيد: «تكنولوجيا الأقمار الصناعيّة لعنة الله عليها، جاءنا مِن أحد عيوننا وهو منّدس بينهم أنّ هناك أنباءً بامتلاك إسرائيل لقمرٍ صناعيّ -تصميم أمريكيّ- باستطاعته رؤية ما تحت القشرة الأرضيّة.»
- «كيف ذاك؟ كلُّ ما أعلمه أنّ عمليات الرصد والبحث ما هي إلّا مجموعة مِن أجهزة استشعار ومجموعة من أجهزة الزلازل وأدوات تنصّت كالميكروفون وأشياء من هذا القبيل .. الخ. كما أنّ الأقمار مِن خلال أجهزة الاستشعار الراديويّة تستطيع أن ترصد وسط الضباب، أمّا أنّها تخترق القشرة الأرضيّة فهذا مستحيل.»
نظر البروفيسور إلى فطين مندهشًا من عبقرية فطين وآثر الصمت.
قال مؤيد : «كلُّ أساليب رصدهم تحاشيناها في أنفاقنا الرئيسة التي تعتمد عليها المقاومة بشكل رئيس لأنّها أنفاق محصنة، أمّا غير المحصنة فسقط بعضها وهي أنفاق مهملة لأنّها مجرد مخازن نلقي فيها بعض متاعنا.»
قال فطين: «إذاً، جهّزوا باقي الأنفاق بالتكنولوجيا الحديثة وتنتهي المشكلة.»
- «ليست المشكلة في الأنفاق غير المجهّزة؛ إنّما المشكلة أنّ الأنفاق كلّها بلا استثناء قد تُدمّر؛ للأسف يا فطين حتى الأنفاق خارج فلسطين معرّضة للتدمّير الكامل أيضًا.»
- «كيف؟ الأنفاق داخل فلسطين كلام معقول؛ وإن كنتُ أأمل ألا يحدث ذلك، أمّا خارج فلسطين فكيف ؟ كيف؟»
- «معظمها في شمال شرق سيناء وجنوبها، ويعقوب إسحاق لا يدخر جهده لتدميرنا، وأنتَ تعلم أنّه استطاع أن يُمضي الاتفاقيّة الرباعيّة الآثمة؛ فتعرّضتْ أنفاقنا للخطر في شمال شرق سيناء. كما استطاع أن يأخذَ فندق هيلتون طابا فتعرضنا للخطر أيضًا في جنوبها، والآن يريد أن يعرّي كلّ الأنفاق بالقمر الصناعيّ الجديد، فيباد اتّحاد المقاومة عن آخره.»
- «لعلها حرب إعلاميّة يا دكتور.»
حدق البروفيسور فطين مرة أخرى، ثم طأطأ رأسه على كلمته الأخيرة وظلّ صامتًا أيضًا.
قال مؤيد: «لا لا، لو أعلنوه لقلتُ إنّها حربٌ نفسيّة، لكنهم يخفونه فيما بينهم حتى ينقضّوا علينا به.»
- «وهل تعلم كيف تخترقُ هذه الأقمار اللعينة؟»
أدار مؤيد كفَّ يده مشيرًا إلى البروفيسور قائلاً: «يجبْك عن هذا برفيسورنا الفضائيّ.»
أجاب البروفيسور: «رغم الرسالة التي وصلتنا فنحن كخبراء في تكنولوجيا الفضاء لم نستطعْ أن نصلَ إلى طريقة ما ولو نظريّة تمكّنهم من معرفة مكان نفق واحد تحت الأرض بوساطة قمرهم الصناعيّ الذي أخبرنا به أحد رجالنا.»
علق فطين على كلام البرفيسور: «لعلَّ أجسامنا التي تصدر الأشعة تحت الحمراء أو عمليتي الزفير والشهيق في جهازنا التنفسيّ تتسرب فوقنا مباشرة فترصدها مجسات قمرهم هذا.»
دهش البروفيسور مرّة أخرى من علم فطين بفيزياء الفضاء، قال له: «هذا مستبعدٌ يا حاج فطين لعدم تمكّن هذه المجسات من رصْد الأشعّة.»
قال فطين ضاحكًا: «إذن، ممكن لو لديهم كِلابًا مدرّبة تكتشفُ أماكن الألغام أو البارود، أقصد كلاب جان تستطيع أن تشمَّ على بعد عدة أمتار تحت الأرض، ممكن، ممكن.» ضحك فطين طويلاً ثم تابع كلامه ضاحكًا: «ممكن لو علقنا الكلب فوق القمر الصناعيّ وألبسناه بذلة فضائيّة ليعمل كمجس أو تلسكوب فيدور مع القمر ويمسح المناطق المحتمل وجود أنفاق فيها، عندئذ، عندئذٍ يكون كلب من كلاب الجان.» سكت فطين عن الضحك والكلام هنيهة ثم قذفه قائلاً: «بروفيسور، أظنّها حربًا إعلامية، فهم يريدون أن يرعبونا بطريق غير مباشر.»
وضح البروفيسور: «هي كذلك، لكن مؤيد يراها غير ذلك -يقولها وهو يشير إلى مؤيد- وإنّي مختلف معه، ولكن عندما يتعلق الأمر بكيان دولة علينا أن نضع كلَّ الاحتمالات في الحسبان.»
قال فطين:«ما الحل؟»
قال البروفيسور: «الروس.»
قال مؤيد: «الرصاص.»
قال فطين مستفهمًا: «الروس؟ الرصاص؟»
قال البروفيسور: «للأسف لدينا خياران.الأول، الأخذ برأي الروس وشِراء جهازهم الذي لديهم لتجنّب الخطر، والآخر، إحاطة الأنفاق بطبقات مضاعفة من الرصاص.»
قال فطين: «وماذا قرّرتم؟»
أجاب البروفيسور: «إحاطة الأنفاق بطبقات سميكة مِن الرصاص لن يفي بالغرض حال الهجوم، وليس لدينا إلّا اللجوء إلى الروس فيما أشاروا إلينا به، لكنّه خيار مكلّف جدًا جدًا.»
قال فطين: «وهل يعرف الروس طبيعة هذا القمر ليبعونكم هذا الخيار المكلّف؟»
ردّ البروفيسور: «لا، لكنّهم يقولون كلّ شيء جائز، و يقولون مهما كان مِن أمره فإنّ جهازهم قادر على خلْق ستارة ثلاثية قادرة على إذابة كل ما يرتطم بها، وزادوا، العيب الوحيد في الستارة أنّها لا تقوم بعمل تشويش ضد أيّ أجهزة كشف.»
ردَّ فطين: «آه، يقصدون عند كشْفهم وضرْبهم بأيّ سلاح لا يفلحون، لعلّ الروس اخترعوا حقل القوى المتَكَلم عنه في روايات الخيال العلميّ.»
تعجّبَ البروفيسورُ ونظرَ إلى مؤيد وكأنه يقول له: «انظر إلى عبقرية رجلكَ.» ثم قال موجهًا كلامه لفطين: «هو كذلك بالفعل، يقولون إنّ جهازهم قادر على إذابة الصواريخ وحزم الليزر.»
ردَّ فطين: «وضّح كلامك أستاذنا الكبير، أنت تقصد الجهاز الذي يصنع حقل القوى.»
نظر البروفيسورُ في الأرض خجلاً لعدم دقة كلامه وقال: «أنا كنت ضمن المبعوثين إليهم من قبل اتحاد المقاومة لسماع فكرتهم ومدى جدواها والمطلوب في سعره، وأراها لا بأس بها.»
قال فطينُ وهو ينظر إلى مؤيد: «وما دوري أنا، إبداء رأى أمْ م م..؟»
أجاب مؤيد: «لقد قرّرَ الاتحاد الاستعانة بالجهاز لصنْع حقل القوة ونحتاج إلى المال، وأنت مِن أحد الذين قصدناهم.»
قال فطين وهو يحدق في مؤيد: «أنا؟! من أين آتي المال؟» ثمّ نظر إلى البروفيسور قائلاً: «ألَا تستطيعون صُنْع هذا الجهاز ؟»
أجاب البروفيسور: «حاولنا فلمْ نستطعْ، أحضرنا كلَّ خامات حقل القوّة ومزجناهم معًا أكثر مِن مئة مرّة ثمّ ضربناها بطلقة رصاص فاخترقتها، واضح يا فطين أنّ الجهاز يعمل على مزجهم بطريقة وبنسب معينة حتى يعمل حقل القوّة على أكمل وجه.»
علق فطين: «إذن لا مفرَّ، تريدون المال للشراء.» ثمّ وجّه كلامه إلى مؤيد مباشرة: «أنا لا أملك مالاً؛ إن أردتم أخذ الشقة التي تأويني وولدي فلا مانع لديّ.»
ردَّ مؤيد بجموح وهو يحدّق بعينيه في وجه فطين: «السحر، السحر، ألعابك السحريّة، أخبرتْنا عيوننا أنَّ عدد مشاهدينك يتزايد بصورة مخيفة، وأنّ الحيَّ والأحياء المجاورة مفتونون بك، ولو طلبتَ أيَّ سعْر للتذكرة فمنَ الممكن على مدار شهر تحصل على المال الكثير.»
قال فطين: «مستحيل، هم حُفاة عُراة يسكنون جحور النمل، مستحيل.» صمت يأسًا وتدبّر الأمر بعمق ثمّ قال: «لو افترضتُ أنّى فعلتُ ما قلتَ فماذا، فماذا ينفع الحجر الواحد إذا أردنا أن نبني به برجًا كبيرًا.»
قال مؤيد: «عندما يحمل كلٌ منا حجر نستطيع أنْ نبنيه يا فطين.»
صمت فطين هنيهة، وتذكّر وعده لابنه المسكين بشأن سفره، ثمّ همس في نفسه: «والآن العروبة تناديني، فأيّهما أولى؟»
وقت أن همس فطين هذه الكلمة كان فهمان نائمًا في المنزل، فوقع عليه من سقف الحجرة حبال ثلاثة كان يستخدمها أبوه في بعض أعماله، الأول وقع على عنقه، والثاني على يديه، والثالث على قدميه، ثمّ أزاحتهم عواصف شديدة آتية من شرفة الحجرة؛ فالتفّتْ لتوثقه ولكنّها لم تنل منه.
وجّه فطين كلامه إلى مؤيد بعدما استوقفه وهو سائر وأمسك بمنكبيْه: «وأنا قررّتُ أنْ أحملَ ألف ألف حجْر إليكم.»
فأمسكَ مؤيد منكبيّ فطين قائلا: «مصر فيها رجال، طول عمرها فيها رجّالة.»
نظر فطين إلى البروفيسور وقال: «أخبرني ما طلبات الروس ليبعونا جهاز حقل القوة هذا ؟»
قال البروفيسور: «يجب عليك معرفة ماهيته أولاً قبل سعره يا حاج فطين.»
قال فطين موجهًا كلامه للبرفيسور: «حقل القوّة حاجز نحيف غير مرئي لا يخترق، يحرف أشعة الليزر ويذيب الصواريخ، وأيضًا يصدَّ الأعاصير والعواصف ويجرف الطوفان.»
حملق البروفيسور في فطين وتعجب أكثر من شأنه، قال: «إنّ الروس يسمونه "الدرع الإله"و ..»
قاطعه فطينُ بحدّة مشوبة بالامتعاض: «استغفر الله، استغفر الله ليس كمثله شيء.»
بروفيسور متابعًا كلامه: «درع الإله ما هو إلّا ثلاث طبقات، الأولى نافذة بلازما مسخنة إلى درجة حرارة عالية جدًا تصهر المعادن، والطبقة الثانية ستارة من أشعة ليزريّة ذات طاقة ضخمة تسخّن أيّ شيء يمرُّ من خلالها وتبخّره سواء كانت صواريخ أو مدافع، والطبقة الثالثة عبارة عن شاشة مصنوعة من أنابيب كربونيّة نانونيّة أقوى مِن الفولاذ بعدّة مرات، وبهذه الطبقات الثلاث استطاع الروس صنْع "الدرع الإله الذي لا يخترق".»
قال فطين: «سوف يصلكم المال.»
نظر إلى مؤيد: «كلُّ يومٍ مُرْ علي، خذ ما اتحصّلُ عليه مِن مال.»
قال مؤيد: «فطين أنت معك جهاز لمْ نخبرك به.»
قال فطين: «ليس معي شيئًا.»
قال مؤيد له: «ألمْ تشعر مطلقًا أنّ عقلك تطوّر في الإدراك والفهم والذاكرة و ..الخ.»
ردّ فطين: «أشعر طبعًا وقلت في نفسي إنّ الفلسطينيّ كان عبقريّة مِن عبقريات الزمن.»
ردّ مؤيد:«لا لا، معك خليّة إلكترونيّة قام بروفيسور بيتر بتركيبها في رأسك لتعمل بجانب الخلية الطبيعيّة لأّنا كنّا نودُّ الوقوف بجانبك لتستطيع الإنفاق على ولدك، وأنا كنتُ أتعشّم يومًا أن تنضمَّ إلينا فتكون عندئذٍ فرْد مقاومة خارق. المهم، جاء دورها الآن، ركّزْ تركيزًا شديدًا سوف تُفعّل مباشرة، ركّزْ على ألعابك السحريّة وسوف تأتي بالخوارق بالفعل، ارفعْ التذكرة وقمْ بعمل الدعاية سوف تحصد مالاً كثيرًا، استغلها وسوف يأتونك أصحاب الملايين.»
تذكّرْ عندها فطين يوم أنّ تعرّضَ أهل الحيِّ لولده، فقد نظر إلى عصيّهم فتساقطتْ.
عاجله مؤيد بكلمة يمتصُّ بها وقْْع المفاجأة عليه ويستحثّ وطنيته ونبله: «فطين، رُضّع فلسطين ونسائها وشيوخها يلوذون بك فغثهم.»
رغم دهشة فطين بشأن الرقاقة إلَا أنّه بدأ كلامه قائلاً: «روحي فداء لهم.»
ثمّ تابع كلامه بحدة وسرعة كالقذائف: «لكنّكم لمْ تشاوروني في أمر الخليّة، كما أنّكم أضمرْتم الأمر ولمْ تصارحوني بِه وهذا أغضبني.»
نظر إليه البروفيسور ليهدّئ من روْعِه وقال له: «ِلمَ الغضب؟ الخليّة ليس لها أيّ تأثيرات سلبيّة على عقلك، بل العكس هي تزيدك ذكاءً وفكرًا.» صمت فطين بعد تنهيدة طويلة وسكت ولم ينبس بكلمة وإنما علت وجهه ابتسامة عريضة.
وعندما شعر مؤيد برضا فطين نظر إليه مبتسمًا: «لنرحل إذن.»







رد مع اقتباس
قديم 02-19-2021, 12:15 AM رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء التاسع
حكمة: العلم مع ضمير حيّ معيار حضارة عريقة
الحركة بتأثير الدماغ
عاد فطين إلى البيت مثقلاً بالأعباء والهموم، لا يدري كيف يواجه ولده بمسألة تأخير سفره إلى أجلٍ غير مسمى.
دخل حجرته فوجد الحبال الثلاثة؛ فأزاحهم ثمّ قطّعهم وقال: «لا انهزام، لا انكسار، لا قضبان.» ثمّ أقبل على ابنه وفرد جسده ليتحرّر. جلس بجانبه بينما فهمان ما زال نائمًا. تذكّر كلمات مؤيد الأخيرة: «ركّزْ تركيزًا شديدًا سوف تُفعّل مباشرة، ركّزْ على ألعابك السحريّة وسوف تأتي بالخوارق بالفعل، ارفعْ التذكرة وقمْ بعمل الدعاية سوف تحصد مالاً كثيرًا.» ظل يكررها في نفسه حتى رنّ الهاتف، إنّه مؤيد.
حذّره عبْر الهاتف قائلاً: «البروفيسور يسلّمُ عليك ويقولُ لك: ركّزْ وتخيّلْ أنك تنقل الأشياء وهي سوف تنتقل مباشرة، وما دام التركيز مستمر ستظلُّ في حراك متواصل، وعند زوال التركيز يزول تأثير الحركة فيها، وإيّاك أن ترهقها؛ فالبروفيسور قال لو أكثرتَ مِن التركيز فستتلف عقلك وستتلف أيضًا الخليّة.»
قال فطين: «يجب علي الحذر إذن، عُلم.»
ظلَّ فطين يفكر في الأمر كثيرًا، واهتدى لفكرة مبتكرة تعتمد على الحاسوب العصبي برأسه، وقرر تنفيذها من الغد.
نزل بعض المحلات التي تبيع الأدوات السحريّة واشترى مستلزمات اللعبة السحريّة الجديدة، وعزم على عمل ألعاب تتحرك بفعل خليته الصناعيّة، وهمس لنفسه بها قائلاً: «وليكن اسمها، الحركة المعلقة.»
عاد إلى المنزل وأغلق عليه باب حجرته ليعد ترتيبات التجربة، وكلما قام بتجربتها تفشل في كل مرة، شغّلَ الكمبيوتر وفتح بعض الكتب علها تعاونه في أداء تجربته بنجاح، وبعد بحثٍ مضنٍ وعمْل التجربة مرات عديدة نجحتْ بامتياز. عندئذ، انتفضَّ مِن مكانه فرِحًا مُهللاً.
اليوم التالي أرسل منسقو ألعابه إلى أهل الحيَّ وأخبروهم باللعبة الجديدة، ونادوا في الأحياء المجاورة بأنّ الساحر فطين سوف يعلّق الأشياء ويجعلها تثبتُ ضد الجاذبية الأرضيّة، وأنّ سعر التذكرة ستتضاعف في هذه التجربة إلى مائة ضعْف.
فور أن سمع فهمان تلك الأخبار صُعق، وشعر بالذنب، ولكنّه آثر الصمت حتى حين. والملاحظ أنّ هذه الزيادة دفعت الناسَ إلى الفضول؛ ممّا زاد عددهم وتتابعوا حتى افترشوا الشوارع، انفضَّ عنه كلّ الفقراء وخاصة ممن يأكلون من صناديق القمامة.
تتابع كلّ الناس غير الفقراء لمشاهدة العرض، وممن حضر، الأغنياء، وتيارات إسلاميّة متطرفة، وأعضاء في حركة مذهب التنوير، وشخصيات سياسية، وأفراد من الأمن القومي المصريّ، وبعض وسائل الإعلام.
وأخيرًا قربت ساعة الصفر؛ فانطلقَ فطين مِن منزله يصاحبه ولده حاملاً حقيبة العمل.
فلما وصلَ السيرك هاله المشهد، تفحّصَ المشاهدين وأيقن أن الجُحر الذي يعيش فيه هو وابنه سوف يكون أمام مرمى سمْع وبصر البلد كلّها؛ فارتاع لهذا كثيرًا وانقبض قلبه.
وبدأ العمل، ناوله فهمان بعض أدوات التجربة فأمسكها وطرحها على الطاولة مستاءً وقال له: «انتظر يا ولدي.» ثمّ نادى على أحد المنسّقين: «أين أهل الحيّ ؟ أين أصحاب جحور النمل؟»
سمعها فهمان فانفرجت أساريره وزفر زفرة طويلة كأنّ ثقلاً رُفع من على قلبه الآن.
فأجاب المنسق: «يفترشون الشوارع المجاورة، ويلتحفون بأغطية الحزن والعزل والحرمان.»
ترك فطين المكان غير مكترث للحاضرين وذهب إليهم، وفور وصوله سمع قولاً لأحد الأطفال لأبيه: «أبي، هو عمو فطين طردنا ؟»
فهرع إليه فطين وحدق فيه دامعًا، فبادله الطفل بدموعه التي تنزل على شفتيه المشققتين، ثم تأخذ في الانهمار حتى لامست ثوبه المرقع.
نادى فطين عليهم جميعًا: «إخوتي وأبنائي، لن يرقد فطين مرقده اليوم حتى تروا جميعًا عرض الليلة، والتذكرة سنضاعفها مرّة واحدة.» فهلّلوا جميعًا له.
قفل راجعًا، وقف أمام الطاولة وقال: «نبدأ باسم الله، وتوكلتُ على الله.»
ألقى على الطاولة بعضًا مِن قطع المعادن ذات حجم كفِّ اليدِّ (هي في الأصل مغانط) ثمّ ألقى على بُعد 60 سم تقريبًا سائلاً متجمّدًا (في الأصل زئبق متجمد بالهيليوم).
قام بالتركيز على السائل، حرّك يده اليمنى جهته كأنّما يستنهضه، بدأ وجهه يرتعشُ بشدة، حتى جلد وجهه يرتعش خفضًا ورفعًا وما زكى الرعشةَ إلّا قوّة التركيز الخارق.
عندها بدأ السائل المتجمد يتحرك كأنّما يدفعه تيارُ هواء شديد جدًا، وكلُّ المشاهدين ينظرون في حالة ترقّب فاغري الأفواه، ترقْب يكاد تنخلع له القلوب.
ارتفع السائل إلى أعلى حتى اعتلى المعدنَ بالقفز، وهكذا غدا السائل معلقًا في الهواء دون تدخل أيّ قوّة خارجيّة.
بلغت الدهشة من المشاهدين مبلغًا عظيمًا، فصمتوا هنيهة ثمّ هبّوا بأهازيج كادتْ تخلع جدران المكان.
أسكتهم فطين ليكمل تجاربه.
ناوله فهمان سوائل متجمدة أخرى على أشكال مختلفة، منها سائل شُكّل على هيئة رجل عربيّ يمتطي فرسًا ويحمل سيفًا فقال فطين:«هذه ملحمة الناصر صلاح الدين.» ناوله عربيّ آخر يحمل جناحي صقر جريح ويمتطي حصانًا أعرجًا فقال فطين: «وهذه سمفونيّة:سوف تنهض يا وطني.»
وانقبضت أسارير فهمان من جديد عندما حلّل التجربة بداخله فوجد فيها تدليسًا وغشًّاً.
انتهى العرضُ والناس في حالة تصفيق حادٍّ وأهازيج كالرعد. بعدها توافد على المكان المنتظرون في الشوارع المجاورة، أخذ1 كل منهم مجلسًا، وفعل فطين نفس التجارب هي هي.
بعد ذلك مضيا إلى البيت وفطين يقول لابنه: «سأضع هذه الحقيبة في المصرف -يقصد مال التجارب-»
قال فهمان بصوت حزين: «أبتِ لا أريد السفر، أنا أحبُّ بلدي يكفيني بلدي.»
نظر إليه فطين بغرابة شديدة لم ينبس بكلمة؛ بل مضى مسرعًا إلى الخارج بلهفةٍ، وبمجرد أن اختلى بمكان هاتفَ مؤيدًا ليدعوه لأخذ المال.
عاد فطين إلى البيت فوجد ابنه يبكي بحدّة، فسأله دهشًا: «ما بكَ يا ولدي؟ ما الذي أصابك؟»
- «لا أريد السفر كما قلتُ لك.»
- «لم يا ولدي؟ ما الذي غيرك؟»
- «أنت.»
- «أنا؟ ألمْ ننه مسألة سفرك؟»
- «بمال حلال ، بمال حلال يا أبتِ.»
- «ومَنْ قال لك يا ولدي أنّي سأسفّرك بمال حرام؟!»
- «المال الذي يأتي بالكذب على الناس واستلاب أموالهم وهم في حاجة إليّه هو مال حرام، لمّا فطين المصريّ مَثل الشرف والوطنيّة الآن كاذبٌ وغاشٌ يكون المال حرام.»
لطمه لطمة شديدة سقط على إثرها على الأرض، ثم قال له على الفور: «اسكتْ اسكتْ، أنت غبي لا تعلم شيئًا.» ثمّ رفع من حدة صوته وقال: «لمّا الناس تدفع ضرائب لأجل المحافظة على هويّتهم وأعراضهم يكون هذا عارًا؟!»
وأخذ فطين يكررها أكثر من مرة. ثمّ خفّض مِن حِدّة صوته -قد كان واقفًا فقعد- وقال بتأوه: «ربيتك على الأمانة والشرف والآن تقول أنّي كاذب وغاش !كيف؟ كيف يا ولدي كيف؟»
هبَّ فهمان واقفًا ودموعه قد خالطها الدم المنهمر من وجهه قائلاً بثقة ويقين: «ضاعفت تذكرتهم، وكذبت عليهم.» سكت هنيهة ثمّ فصّل: «ضاعفتْ تذكرتهم وهم لا يجدون قوت يومهم، وكذبتَ عليهم أيضًا، قلتَ لهم أنّك حرّكتَ الأشياءَ وعلقتها في الهواء، في حين أنّكَ استخدمتَ الخواص الفيزيائيّة للأشياء لحملها ولكن لا ، لا، لا أدري كيف قرّبتَ السائل المجمّد، أنت تضلل الناس يا أبتِ.»
ردَّ فطين دهشًا: «اشرحْ لي يا ولدي استنتاجك، اشرحْ.» وفطين يمسح في دموع ابنه المختلطة بدماء أنفه وشفتيه ويأخذ بيده ليقعده وهو يردد أثناء كل أفعاله هذه: «بيّن لي، بيّن لي، اشرحْ.»
بدأ فهمان يشرح لأبيه استنتاجه متهدّج الصوت مهزوم النفس متحسّر القلب: «السائل المتجمد زئبق في غاز الهيليوم، الزئبق مادة فائقة الموصليّة لا يعمل عند درجة حرارة الغرفة؛ لذلك أحطته بغاز الهيليوم البارد جدًا لتنهار مقاومته تمامًا.»
ارتعشت يدا فطين؛ فقد ظنّ أن ابنه تجسس عليه بالأمس أثناء القيام باختبارات التجربة فسأله: «كيف عرفتَ أنّ هذا زئبق وهذا هيليوم؟»
- «من نتائج اللعبة، فالمعدن يا أبتِ لم يكنْ معدنًا عاديًا بل مغناطيسًا كهربائيّاً. الحقل المغناطيسيُّ المتولّد مِن المغناطيس حرّض التيارات الكهربائيّة على سطح الزئبق ممّا نتج عنه حقول مغناطيسيّة معاكسة تنتج من التيارات المحرّضة. تلك الحقول الجديدة فيه تسبّبتْ في تحريكه ليصبح معلقًا في الهواء.والحقول المغناطيسيّة غير مرئيّة. أمّا تقريب الزئبق حتى يعتلي فلا أجد لها تفسيرًا، كيف قرّبته لتحدث عملية الرفع، لا يمكن فِعل هذا إلّا مِن خلال خليّة عصبيّة مرتبطة بالدماغ وأنت لا تمتلك هذه يا أبتِ، مَن حرّكه ليعتلي يا أبتِ؟ مَن حرّكه ؟ أتخاوي الجِنّ يا أبتِ؟»
بمجرد انتهاء كلامه اِحتضنه أبوه بقوّة وحرارة والدموع تنهمر من عينيه، ثمّ ربت على ظهره حامدًا شاكرًا الله على عطائه المتمثل في ابنٍ جمع بين العلم والضمير الحيِّ.
ثمّ أبعده مِن حضنه ليرى وجهه ويمسح دمعه وهو ما زال ينتفض من البكاء وقال: «ستصبح يا ولدي حجّة على أهل العلم جميعًا، قمْ يا ولدي، اغسلْ وجهك وثقْ في أبيك، واعلم أنّي أخذت مالاً لأُحيي أمّة، أحيي العروبة.»
- «إذن فهمني.»
- «الأمر ليس بيدي ولا أملك قرار البوح بهذا السرِّ العظيم، لكنْ قرَّ عينًا يا ولدي وثقْ في أبيك، ولا تنسَ أنّي قلتُ للناس أنّي اعتمد على خواص المواد لتقديم هذه الألعاب، أي أنّي لم أغش يا بني.»
لم يرتح فهمان على الرغم من قناعته بمبرر أبيه المجهول.
ابتسم فطين، ثمّ خلع لاسته ووضعها على رأس ابنه ثمّ قال: «هذا تاج العلم.»
فضحكا معًا.
وكلُّ عدّة أيامٍ تأتي سيّارةُ الطبيبِ مؤيد تأخذُ ملايين الأموال. وتتابعتْ الأيامُ تنوّعتْ فيها ألعاب فطينِ السحريّةِ، وبدأ الناسُ يأتون مِن المحافظات؛ فقام المنسّقون بتهيئة الشارع الرئيس لعروضه، وذاع صيتُه حتى وصل إلى أمنِ الدولةِ المصريّةِ وسوف يترتبُ على ذلك كارثة ستحلّ به قريبّا.
بعد قرابةِ شهرٍ..موسكو.
وفْدٌ سرِّي مِن اتحاد المقاومة سافر إلى موسكو بعد إعداد مال الصفقة، حضرَ ليعاين حقول القوّة ويبرمُ الاتفاق.
وزارةُ الدفاعِ الروسيِّ أتوا بالخلطة ثمّ وضعوها في جهازهم فاستخرجت حقل القوة المكوّن من النوافذ البلازميّة والستائر الليزريّة والشاشات النانونيّة ثمّ نصبوه. ومن مركزِ إطلاقِ الصواريخِ أطلقوا صاروخًا عليه فاصطدم بالحقل وأحدث رجّة عنيفة جدًا أشبه بالزلزال ثُمّ وقع منصهرًا. ثمّ أطلقوا صاروخين معًا فاصطدما به ووقعا منصهرين على الأرض. ثمّ لجئوا هذه المرة لتسليط حزمَ الليزرِ عليه فلمْ تُحدث فيه أي ثقب، كما لمْ تُسبّبْ له أيّ انصهار، وقد كان أمر حزم الليزر خدعة لم ينتبه إليها فيزيائيو الاتحاد.
انطلقوا جميعًا إلى المختبر لإتمام الصفقة حيث أخذ الروسُ المالَ وأعطوهم الجهاز.
تمَّ شحنَ الجهاز إلى مصرِ مِن ضمن أجهزة استيراد مِن الخارج ولمْ يعلم الجمرك بالطبع ما بها.
اتّصلَ فطينُ كعادته بعد أوّل كلِّ عرض ليبلّغَ مؤيّدًا بتوريد حقيبة جديدة مِن المال فأجابه أنَّ اتحاد المقاومة أنجزَ المهمةَ وجارٍ العمل لتصفّحِ الأنفاقِِ الرئيسةِ بحقولِ القوى.
حمدَ اللهَ بعدما اطمانَّ عليهم، ثمّ شردَ كثيرًا وقرّرَ أنْ يُسفّرَ ولدَه فهمانَ بهذه الحقيبة، ويخفّضُ التذكرةَ مِن جديدٍ إلى عهدها الأوّلِ.وبالفعل، تمَّ الشروعُ في التنفيذ وإعداد أوراقِ سفر فهمان.
في داخل الاتحاد، وُضِعَ الجهازُ أمام مجموعة مِن بروفيسوراتهم، قاموا بفحصه وتحليله بطريقتِهم، وبعد مرورِ ستّةِ أشْهرٍ مِن الفحص والتحليل استطاعوا أنْ يصلوا لسرّ صنعِه بعدها مباشرة، صنعوه عمليًا بنجاح منقطع النظير (كان فهمان في نهاية هذه الفترة في بيركلي، فيما بعد).







رد مع اقتباس
قديم 02-20-2021, 11:31 PM رقم المشاركة : 27
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الجزء العاشر
اتّجه فطينُ إلى أحد المصارف ووضع حقيبة آخر عرض باسم ابنه. عاد فطينُ بعد ذلك إلى المنزل مباشرة فوجد فهمان مغتبطًا،
فسأله عن مصدر سعادته.
فأجابه: «بسبب خفْض تذكرة الدخول.»
ردّ فطينُ بعد أنْ زفرَ زفّرةً طويلةً كأنّما جبل كان جاثمًا على صدره قائلاً: «شدة وزالتْ يا ولدي.» همس لحظة ثم أخبره بشأن الحقيبة وبعدها سأله: «ماذا اخترتَ؟»
أجابه بإباء: «أريد الحصول على بكاليوريوس في العلوم الفيزيائيّة، وقدْ حددتُ لكَ المطلوب مِن الإجراءات كي ألتحقَ بالجامعة هناك.»
- «أيّ جامعة اخترت؟»
- «جامعة بيركلي بكاليفورنيا.»
- «ألم تكن هذه الجامعة التي حفظها الله من البركان بمعجزة؟»
- «بلى يا أبتِ حفظك الله ورعاكَ.»
صمت فطين متأملًا في ابنه وتفرّس شيئًا قاله في نفسه: «لعلّ الله حفظها من أجلك يا ولدي.» سكت هنيهة ثمّ سأله: «متى تنوي السفر؟»
- «بمجرد الانتهاء من الأوراق اللازمة سأسافر فورًا، خلال ستة أشهر على الأكثر أكون في بيركلي إن شاء الله.»
- «تمام، أعدّ أوراق سفرك وتوكّلْ على الله.»
- «أعددتها أبتِ، وبمجرد الموافقة على ابتعاثي وحصولي على خطابِ قبول جامعة كاليفورنيا وحصولي على نموذج i-20 المسمى بشهادة التأهيل الصادر منها عبر البريد السريع سأحصلُ على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة مباشرة f-1 مِن القنصليّة الأمريكيّة بالقاهرة، وبعدها أعدُّ حقائبَ السفر مودِعًا.» لجلج فحصر لسانه وأطرق رأسه ثم أكمل: «إيّاك يا أبتِ.»
- «وما المسار بالضبط حال نزولك أرض الأمريكان؟»
- «سأتصل بالملحقيّة المصريّة بواشنطن، وبعدها اتّجه مباشرة إلى كاليفورنيا جامعة بيركلي، وهناك سيأخذوني إلى حجرتي بالسكن الجامعيّ الخاص بها.»
- «كيف؟ ألَا تحتاج إلى إبرام عقد خاص بالسكن الجامعيّ؟ أمْ ستنزل في غرفة إيجار خاصة أولاً؟»
- «أنا أحجز مِن مصر أبتِ، وعندما أذهب إلى هناك أكون على علم بمنزلي الجامعيِّ لديهم.»
- «الحمد لله، يطيبُ المنزل إن شاء الله.»
أعدَّ فهمان أوراق سفره استعدادًا للرحيل في الصباح، والآن الليل هو محطة انتظار لحين فلْق الحبّة.
هاتف فطينُ الطبيبَ مؤيدًا ليأتيه على وجه السرعة، فلمّا أتاه أخبره أنّ فهمان سيسافر في الفجر متّجهًا إلى أمريكا مِن أجل استكمال دراسته. فدعى له مؤيد بالتوفيق.
بوجّهٍ كالحٍ قال فطين: «صديقي الحميم، لمْ يكن لفهمان أحدٌ غير الله وإياي، ولو حدث لي شيئًا فسيضيع، ولن يستطيع استكمال دراسته بالخارج.»
ردَّ مؤيد مطمئنًا: «فطين الإشارة خضراء على الدوام مِن اتحاد المقاومة للسير إليك والوقوف بجانبك وتلبية كلَّ رغباتك مهما كان الثمن.»
صمت فطين لحظات وفجأة أجهش بالبكاء، وظلَّ يبكي حتى وصل إلى حدِّ الخنين، وبدأ صوت خنينه يرتفع مع رعدة تصيب جسده، وفهمان يسمع صوت نحيب أبيه من داخل غرفته فيبكي، ويزداد بكاءً ببكاء أبيه.
خرج فهمانُ مسرعًا من غرفته واقتحم المجلس، ثمّ احتضن أبيه بحرارة قائلا بصوت متهدّج من بكاء متواصل: «لن أسافر، لن أسافر أبتِ، لن أتركك.»
أبعده فطين عن حضنه قليلاً ليمسح دموع عينيه، وربت بعدها على شعره وقال: «لابدَّ أن تسافر بني، مصر في حاجة إليكَ، لابدَّ أن نضحّي مِن أجل تراب بلدنا، سافرْ، سافر، وإن أردتَ أن تخفّفَ عنّي ما أجده فكنْ عند حسن ظنّي بك، وأرني وهذا العالم من هو فهمان فطين المصريّ.»
بكى مؤيد لهذا المشهد الساخن المفعم بالحرارة، أشدّ ما تأثّر به مؤيد هو كلمة فطين لولده: «لابدّ أن نضحّي من أجل تراب بلدنا.»
نظرَ مؤيد إلى فطين وقال له متأثرًا: «اطمئنْ تمامًا ولا تخشَ فنحن أيضًا أهله، ألم ترَ رأسك؟ ألم تدرِِ أنَّ الدّم المصريّّ والفلسطينيّ دمٌّ واحدٌ ؟! توكّلْ على الله وسفّر ابنك واعلمْ أنّي أتكلم ب ب ب.» توقف عن الكلام واقتربَ من أذنه وهمسَ له: «ب بلسان اتحاد المقاومة.» ثم رحل فورًا.







رد مع اقتباس
قديم 02-21-2021, 07:54 PM رقم المشاركة : 28
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

نظر فطين لولده وقال مستسلمًا: «سافرْ وتعلّمْ واخدمْ وطنك، سيأتي يومٌ يا ولدي وستحتاج مصر إليك، هذا اليوم ستجد فيه من يحمل هذا البلد ويقيم دعائم العدل فيها، ويستعين بك وبالعلماء للعودة مجددًا إلى القمّة التي فقدناها منذ قرون، سنتقلّد القممَ يومًا، ونطفو مِن لُجج البحار طفْو النجاة؛ لا طفو الغرقى كما هو الحال اليوم، فطفونا طفو المنافقين.» وخلدا إلى فراشهما.
لمْ ينما، كانت ساعات الانتظار تحرقُ الأكباد قبل القلوب، حتى جاءتْ لحظة الخلاص، رغم أنها الضربة القاضيّة إلَا أنّها سوف تريح القلوب والأكباد من جلدات الانتظار.
أذّن الفجر مُرسلاً بين ثناياه رُسلَ الرحيل، وتنفّسَ الصبّح لهيبًا في قلبيهما، وأرسل سطوعه أضواءً تضيء لفهمان دروب الرحيل.
حمل فطين حقائب ابنه واستقلّا سيارة قاصدين المطار، وهنا تكلمت لغة العيون وخرست الألسن، ولغة العيون حروف من الدموع تسقط شلالات ماء. على أبواب المطار سقطتْ لاسته؛ فشعر أنّ رأسه قُطع مرّة أخرى، وفقدَ عصاه التي يتوكأُ عليها؛ فشعر عندها وما كذبه قلبه قبل ذلك بأنّه الوداع الأخير.
قال فهمان بعينيه: «سأفتقدك يا أبتِ.»
ردّ فطين بعينيه: «وأنا كذلك يا ولدي، يحفظك الله من كلِّ شياطين الأنس والجنّ.»
وحلقت الطائرة في الجوّ، وفطين يرمقها بعينين زائغتين.
وفور ولوجَ فطين الحيّ قابله أحد الأهالي وسأله عن لاسته المزركشة، تحسّس فطين رأسه فوجده حاسرًا، ثمّ عاود السائل وسأله عن عصاه، فنظر في كلتا يديه وتذكّر أنّه فقدها في المطار. تركه فطين ولم يجبْه بشيء، ولجَ حجرة ولده يرفلُ في ثيابه فأمسكها مسمارٌ في الباب فمزّقها. تسارعتْ دقّات قلبه حتى أغلقتْ أنفاسه كأنّه في حشرجة النزع الأخير من الموت، رقد ساعات فتململَ كالمريض.
تحامل على نفسه وقام ليطفئ نار الفراق بصبّ الماء على أعضاء جسده، فتوضأ وصلّى ودعا الله أن يثبّته على هذا الأمر الذي لا طاقة له به. ثمّ رقد في مصلّاه وظلّ نائماً أكثر من اثني عشر ساعة.

****
غرفة ببيركلي تتوّج جبين الجامعة شرفًا وعزّة إلى الأبد
بمجرد هبوط الطائرة توجّه فهمان إلى إدارة الهجرة والجوازات بالمطار بأوراق الالتحاق وتأشيرة الدخول إلى مسئول الجمارك وحمايّة الحدود ليختم له تاريخ الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة. اتصل فهمان بالملحقيّة الثقافيّة المصريّة في واشنطن لتسوية الشئون الماليّة الخاصة بدراسته ومعرفة كلِّ الأمور المتعلقة بوحدات الدراسة، وكذلك لمعرفة الأمور الخاصة بالمدينة السكنيّة التي سيقيم بها.
بعدها ركب إحدى السيّارات الهجينة إلى كاليفورنيا قاصدًا جامعة بيركلي، وبمجرد نزوله أرض الجامعة اصطحبه أحدُ إداري الجامعة إلى سكنه بالمدينة الجامعيّة الخاصة بها -كانت المدن الجامعيّة في أمريكا مخفّضة نسبيًا في العقود السالفة، ومع توافد الكثير مِن الطلبة إلى جامعات أمريكا وتزاحُم ولاياتها إلى حدٍّ أصبح مِن غير المعقول قبول أجناس عربيّة أو أسيويّة، بدا هذا الدعم النسبيِّ يقلُ تدريجيًا حتى انعدم تقريبًا، حتى أنّنا لا نكاد نرى فرْقًا كبيرًا بين تكاليف منزل في فندق كبير وغرفة في المدينة الجامعيّة- وكانت حجرة فهمان التي اتّفقَ عليها مُسبقًا مِن مصر فسيحة نسبيًا، تحتوي على سريرين، ونظرًا للتكاليف السكنيّة الباهظة آنذاك؛ فقد آثر أن تكون مشتركة لرفع نصف التكاليف عن أبيه. وهناك قابل جاك الذي كان له السبق في حجز الغرفة.
وما إن نظرَ إليه حتى شعر بشيء يربطه به، شيء يصله به أشبه بحبل المشيمة السري، فصافحه مغتبطًا (فهمان لا يعلم أنه فتى البركان الملثم).
وفى اللحظة التي صافح فيها فهمانُ جاكَ كان أبوه ما زال نائمًا في مصلّاه لم يستيقظ بعد، انفرجت أساريره وهو نائم.
صافحه فهمان وتعمّد ارتطام يده بيده بقوّة أثناء المصافحة، اكتنفه الذهول فقد شعر ببرد يده في قلبه. شعر بقوة قبضة يد جاك وهكذا كان أبوه، لمْ يلحظ أيّ اهتزازٍ في جسده فهو ثابت كالمسمار وهكذا كان أبوه. ابتسامته عريضة صادقة وهكذا كان أبوه، فتمنّى عندئذ أن يكون هذا الفتى كلّ أهله بعد أبيه. لمْ يتركْ فهمان هذا الشعور الرائع يمرُّ عليه مرَّ الكرام، حدّق فيه، تفحّصه بنظرة عميقة، وأوغل في نفسه يريد أن يتفحّص أعماقه وهو ما زال يصافحه لم يتركْ يده بعد. قسمات وجهه تأخذ مِن كلِّ ملامح أهل الأرض، لمْ يكن أحمر ولا أصفر، كما لم يكن أبيض ولا أسود فقد اجتمع في لون بشرته خليط مِن كلِّ هذه الألوان، وإن كان يغلب عليه اللون الاصفر، وكأنّ ملامحه تشير أنّ كلَّ ألوان أجناس البشر هي كلُّها كلُّها أوطانه (صدقت فراسة فهمان فهي بالفعل نظرة جاك للعالم). عيناه حادتا البصر كالصقر، واسعتان، عريض المنكبين، مفتول العضلات، ممتلئ الصدر إلى حدٍّ ما، غزير الشعر في اليدين ممّا ينمُّ أنّه غزير كذلك في الصدر. لا بالطويل ولا بالقصير وإن كان للطول أقرب. هدوؤه وابتسامته الخفيفة تدلّ على شاب يتسم بالمودة والعطاء.
ولقد توغّل أيضًا جاك في أعماق فهمان فوجد فيه النبوغ والتضحية والعطاء.
فلمّا طال بهما الأمر سحب كلٌّ منهما يده.
وعزما على التعارف وبدأ فهمان بالكلام وعرفه بنفسه.
فقال جاك: «وأنا جاك.» سكت هنيهة ثمّ أعاد وزاد: «جاك الولايات المتحدة الأمريكيّة.»
- «أنا سعيد بأن الله جمع بيني وبينك في مكان واحد.»، ثمّ تمتمَ على استحياء: «ماذا تعني جاك الولايات المتحدة الأمريكيّة؟»
- «ألم يكن فهمان المصريّ هو ابن الفراعنة؟»
تثاءب جاك لغلبة النوم عليه، وبصوت هادئ ناعم خيره بين أحد السريرين.
ركضا، بيد أنّ عينا فهمان لم تنما، يفكّر في أبيه في حاله بعده، وخالطه شأن جاك في التفكير أيضًا.
سأله فهمان مجددًا: «هل يسكن أبوك هنا في كاليفورنيا؟»
- «مات.»
- «رحمه الله ..وأمُّك؟»
- «ماتت.»
- «رحمها الله.»
- «هل لك أقارب؟»
- «أمريكا.»
- «وهل ال.....»
لم يكملْ السؤال حيث سمع له صوتًا، فنظر فوجده يغطُّ في نومٍ عميق.
رقدا، وشاء الله أن يجمع روحيهما كما جمع جسديهما، فرأيا عُجبًا.
ففهمان رأى كابوسًا مخيفًا؛ رأى روحه بعد ثلاثة عشر عامًا من مستقبله تعبر سمًا كسمّ الخياط، ثمّ طُرحت على طاولة ناريّة؛ فخشي أن تحترق، فضج صارخًا يستغيث، فجاءته مخلوقات تبدو عليها علامات التقوى فأمنته وأسكنته، بعدها ببضع سنوات ألقوا عليه نورًا لم يره من قبل؛ فنهض وقام من مرضه، ثمّ رأى آلهة كاذبة تستعبد البشر فتمنى عندها الموت فصرخ وخرّ ساجدًا (وهذه الرؤية تحققت).
أما جاك فقد حلم بكابوسٍ هو الآخر. إذ رأى وحشًا بحجم الشمس، ثمّ أخذ ينكمش على نفسه حتى أصبح مثل مدينة صغيرة، ثمّ فتح منتصفه كأنّه فمه، ثمّ سعى خلفه ليأكله ويأكل مَن حوله؛ لكنه قرّر أن يباغته ليمزّقه مِن الداخل، فجذبه فدخل بين فراغات أمعائه ومزّقها، ولكن للأسف فقد كان يمزقه هو الآخر، صرخ وما زال يصرخ حتى استيقظ صارخًا (وهذه الرؤية تحققت).
نظر تلقاء فهمان فوجده يصرخ مثله ويصيح: «أغيثوني أغيثوني.»
انطلق جاك نحوه؛ يُهدّئ من روعه ويهزّه من منكبيْه كأنّما يوقظه حتى يصمت. فقال له فهمان: «معذرة أخي لعلّ صوتي أيقظك فزعًا.»
- «أهو كابوس؟»
- «نعم.»
فتعجّب جاك مِن تزامن كابوسيْن في أول لقاء يجمعه مع هذا العربيّ الخلوق، وعندها علم جاك أنَّ هناك آصرة قويّة تجمع بينه وبين هذا الفتى.







رد مع اقتباس
قديم 02-22-2021, 09:24 PM رقم المشاركة : 29
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

صباح اليوم التالي ...
ذهب فهمان لشراء بعض الكتب في مجال الفيزياء الذريّة وأحدث المختبرات الحديثة مثل مصادم الهادرونات المستقبلي fcc-1 ووضعها على الأرض، ثمّ نظر في الجدران ففوجئ بوجود أرفف فارغة، لحظات وولج جاك الباب واعتلى سُلّمًا ليضع كُتبًا عليها ثمّ نزلَ وقالَ همسًا: «هذه كتب طائرةٌ فيها ما يحمينا مِن الفناء.»
قرأ عناوينها، كلّها كتب تتكلم عن فيزياء الفلك والعلوم الفضائيّة.
اجتمعَ رئيسُ الجامعة بالدوليين المتميزين فقط؛ وكان منهم فهمان بالطبع؛ وعرض عليهم قروضًا حسنة مقدمة مِن الحكومة الفيدراليّة على أن تسدّد أثناء عملهم في أمريكا بعد التخرج، وإذا اِرتأت أمريكا الاستغناء عن الطالب بعد تخرجه تنازلتْ عن الدين.
وتمرُّ الأيّام وألِفَ جاك فهمان وأحبّه.
وذات يوم، فتح جاك الحاسوب الكبير في الحجرة، كتب في محرك البحث: «رحلات الفضاء القمريّة» وكان فهمان بجانبه فآثر ان يشاركه المشاهدة.
شاهدا فيها مجموعة من الروبوتات وهي تحمل أطنانًا مِن تربة القمر لاستخلاص هيليوم -3 في الأماكن المظللة منه، شاهدا كثيرًا مِن الروبوتات تتسلّق المصاعد الفضائيّة تندفع بشعاع من الليزر مِن الأرض، ثمّ بعد ذلك تسير متّجهة إلى القمر مدفوعة من خلال الخلايا الشمسيّة النانويّة التي انتهى منها خبراء العالم منذ عدّة أيّام؛ فضلاً عن تعبيد منطقة كبيرة عند خط الإستواء تمهيدًا لبناء محطة كبيرة من الألواح الشمسيّة النانويّة على أرض القمر. وذكرتْ وكالة ناسا أنّها لا تودّ عمْل محطة شمسيّة مداريّة فحسب؛ بل تريد تثبيتها على أرض القمر. وذكروا تقنية لنقل الطاقة الكهربائيّة مِن القمر إلى الأرض باستخدام المرايا.
رنَّ جرسُ هاتف فهمان أثناء ذلك، إنّه أبوه.
خرج مسرعًا مِن الحجرة إلى الردهة العامة، طمئنّ أبيه همسًا، ثمّ سأله عن حاله أيضًا فأجابه بأنّ كلّ شيء على ما يرام، وأمره بأن يعتني بنفسه وأغلق الخطّ على الفور.
همس فهمان في نفسه قائلاً: «أعرف أنّك ما استطعتَ أن تسيطر على مشاعرك، فلمّا كاد الدمع ينحدر مِن مقلتيْك دعوتَ لي وأغلقتَ الخطّ كي لا أسمعك.»
ولقد صدق حدس فهمان فبمجرد أن أغلق الخطَّ لم يتمالك أبوه نفسه، وأخذ يجهش بالبكاء وقال وهو يمسح الدمع من خديّه: «كلّ شيء يهون من أجلك يا مصر.»
غاب ساعة يهيم على وجهه حزنًا على مشاعر أبيه التي احترقتْ وتضعضعت مِن لهيب الغربة.
دلف فهمان باب الحجرة، فوجد جاك يتمتم بكلمات عن رحلة إلى أحد النجوم قائلاً: «هذه المحطة الشمسيّة من الممكن استغلال طاقتها في إطلاق شعاع ليزر من محطة ليزر تُبنى بجانبها، والشعاع يدفع شراعًا شمسيًا بمسافات لا بأس بها، لكن المشكلة أنّ الدفع سيكون في نهار القمر فقط حيث تتغذى الخلايا الشمسيّة على الشمس، و ..»
واستمر يحدّث نفسه وفهمان يسمعه ويحدّق في وجهه، فلعب به الفضول وأعاد تشغيل الفيلم مِن جديد بعد أن غادر جاك؛ فدار بخلده بعد مشاهدته ما دار بخلد جاك أيضًا.
فور أن انتهى فهمان من المشاهدة نادى على جاك فانتبه، ثم قال له: «سوف تحتاج رحلتك هذه إلى جهاز شامل يدعم الحياة.» فحملق فيه جاك وحدّج فيه بقوة إعجابًا وحبّاً.
كلّ يوم يمرّ تزداد الآصرة بين جاك وفهمان حتى تخطتْ كلّ حواجز اختلاف الجنسيّة والديانة، وما كان هذا التخطّي إلّا لصفاء قلبيْهما وعظمة بذلهما للغير؛ فضلاً عن عبقريّتهما العلميّة.







رد مع اقتباس
قديم 02-23-2021, 06:20 PM رقم المشاركة : 30
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

لم تمضِ بعد سوى بضعة أشهرٍ على سفر فهمان، وفطين في همٍّ متواصل ليل نهار، فالحرمان يهزّه ويفكك أوصاله على الدوام، ويشعل قلبه حرقةً واشتياقًا. حتى أنّ عيناه ذبلتْ، وبدأ يفقد بعض قواه المعهودة.
وكثيرًا ما كان يجرفه الشوق إلى ولده فيتخذ قرارًا بالسفر إليه، بيد أنَّ أعباء مصاريفه كانت بمنزلة قيدٍ يمنعه ويغلّ قدميه.
ولمْ يكن الحرمان هو الضارب على نفسه فقط، بل الفاقة والذلة التي أحاطت بالعرب، والخنوع الكاسح من الأنظمة العربيّة لنظيرتها الغربيّة مما يهدر كرامتهم وكرامة شعوبهم؛ فضلاً عن الكارثة الكبرى التي تتمثل في تسهيل الدعم اللوجستيّ والنفسيّ لانخراط المنظمة الصهيونيّة لتنخر في جسد دولة فلسطين. وهنا، هنا في الوادي الجديد تتجسّد كلّ مظاهر الفاقة والذلة أمام عينيه.
كثُرتْ صناديقُ القمامة، وأصبحتْ تنتشر في جميع أنحاء الوادي الجديد؛ لأنّها غدتْ الطعام الرئيس للغالبية العظمى من أهلها. والصناديق رغم كثرتها فإنها لا تكفي حاجة أهلها من الغذاء؛ فتسبّب ذلك في نشوب معارك فيما بينهم.
فاضطر النظام الحاكم وضْْع عساكر عليها حفاظًا على الأمن القوميّ من جهة، ومن جهة أخرى كي لا يعتاد الشعبَ على البذخ والإسراف بحسب زعمه. وللأسف حتى هذه جرت فيها الرشوة أيضًا؛ فتحصّل من غذائها من لا يستحق وحُرم منها من يستحقه.
ومن المضحكات المبكيات أنّ القطط والكلاب المحلّية أصابها الهزال من الجوع، فقتل بعضهم بعضًا أثناء تسللها خلسة من أجل الحصول على طعام هذه الصناديق. ومن بعيد، نشاهد كلبًا ثمينًا وقطة ثمينة أُستوردا من أمريكا وسويسرا، ينظران إلى صناديق القمامة، وبينما هم على ذلك؛ إذ ألقى مالكهما قطعًا من اللحم البقريّ الطازج لهما.
فجرى إليها أحد أطفال الفقراء ليحوزها، فرآه مالك الكلب والقطة فأقبل عليه غاضبًا وكاد يقتله لاتهامه بسرقة أموال الناس لولا أن أسرع أبوه وانتشله من أنيابه وفرّ به.
تناول الكلب الأجنبيّ قطع اللحم وأسرع بها إلى والد الطفل وألقاها بين يديه، نظر إليه كلبٌ محليّ فحقد على الطفل فأراد أن يتسلّل خلسة ويأخذها منه.
وهذه الصناديق تمتلئ دومًا ببقايا طعام الأغنياء التي أخذت تتضخّم ثرواتهم بطريقة مذهلة، وتمتلئ أيضًا من وحدات الكتائب العسكريّة المصريّة، بينما نجد صورة مشرقة تطلّ من بعيد، إنهم فئة استثنائية من أعضاء المجلس العسكريّ، يعملون لصالح الشعب في الخفاء.
فقد كانوا يعطون بعض الجنود طعامًا طازجًا ويقول وزير الدفاع لهم: «اِذهبوا إلى صناديق القمامة بهذا الطعام وأعطوه لمن تجدونه هناك من أفراد الشعب.»
لم تكن كلّ هذه الصور القاتمة لتمرّ على فطين دون أن ينفعل معها ويتفاعل ويؤدّي دوره فيها كرجل وطنيّ من أبناء هذا الشعب.
لم يستطع فطين أن يفعل شيئًا تجاه ما يرى، كلّ ما استطاع أن يفعله هو الذهاب إلى الصناديق بالمال الذي يحصل عليه ليلقيه فوق رءوسهم. ولقد حصل على مالٍ كثير بعد أن رفْع سعر التذكرة التي يشتريها الأغنياء بطريقة مبالغة جدًا، ومع هذا لم يُحجموا عن الإتيان إلى السيرك ومشاهدة العرض.
وفي هذه المحطة الهامة من حياة فطين وقعت الواقعة التي ليس لها من دون الله كاشفة؛ إذْ تسرّب خبر فطين إلى نظام أمن الدولة بأنّه يساعد الفقراء؛ فوضعوه تحت المجهر حتى لا يمثل خطرًا على النظام -فمن المعروف أنّ الخوف قد سيطر على الشعب فشلّ أركانه، وفطين قد يشجعهم يومًا من أجل المطالبة بحقوقهم المهضومة- وأمن الدولة ترى أن فطين توافرت فيه كل سُبل القيادة.







رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 1 والزوار 7)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


تصحيح تعريب Powered by vBulletin® Copyright ©2016 - 2021 
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010