الإهداءات

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: هذيان الشتاء ممزوجاً بقوانين عشقي (آخر رد :جوتيار تمر)       :: حصاد ريق زهراوي (آخر رد :جوتيار تمر)       :: رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 » (آخر رد :ابراهيم امين مؤمن)       :: قطـــــــــــــ أحلام ـــــــــــرات،،، (آخر رد :أحلام المصري)       :: خربشات على الماء (آخر رد :يزن السقار)       :: أفكاري (آخر رد :فاطمة أحمد)       :: همساااات /عايده بدر (آخر رد :عايده بدر)       :: اِنْهَضْ كَفَاكَ (آخر رد :صقر أبوعيدة)       :: وَجَعُ الأَزِقّة (آخر رد :صقر أبوعيدة)       :: يا مصر (آخر رد :صقر أبوعيدة)      


العودة   منتديات قناديل الفكر والأدب > قناديل السرد > قناديل المسرح والرواية


رواية قنابل الثقوب السوداء « كتارا 2019-2020 »

قناديل المسرح والرواية


إضافة رد
قديم 02-24-2021, 05:03 AM رقم المشاركة : 31
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

الدببة الروسيّة تقهقعُ على مفاتيح أبواب فلسطين
مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ إسحاق يعقوب
هاتف يعقوبُ وزير دفاعه فلما حضر أمره بالجلوس فأبى أن يجلس.
فسأله يعقوب دهشًا: «لِمَ لا تجلس؟»
- «أنا لا أريد أن أتشبّه بالعرب سيادة الرئيس، فهم دائمو الجلوس والكلام وأنا أريد الحركة والعمل.»
فسرّ يعقوب لذلك، ثم ما لبث أن سأله على الفور: «هل أرسل وزير العلوم والتكنولوجيا الأجهزة الجديدة.»
- «منذ دقائق فقط.»
- «وهل انتهى خبراء هيئة الصناعات العسكريّة من تجهيز الصواريخ؟»
- «انتهوا منذ ساعات.»
- «وخبراء الجيولوجيا؟»
- «جاهزون.»
- «وخبراء هيئة الصناعات العسكريّة.»
- «جاهزون.»
- «وأفراد العمليّة والروبوتات؟»
- «جاهزون، الكل يتحرق شوقًا لهذه العملية.»
- «اتصلْ بطياري القوات الجويّة وابدأ التنفيذ فورًا، أنا سوف أكون بانتظاركم هناك.»
قال الوزير دهشًا: «معذرة سيادة الرئيس، أين تودّ الذهاب؟»
- «إلى المعسكر لشرْح عملية اقتحام النفق المراد اقتحامه بالصور، بعدها مباشرة نذهب كلنا لمسرح العمليّة سيادة الوزير.»
- «أنت! أنتَ ! كيف؟»
- «ألم تقلْ منذ دقائق أنّك لا تحبّ الجلوس ولا الكلام؟ ألَا تحبّ لي ما تحبّ لنفسك؟ هيّا فأنا لا أريد الكلام أيضًا، جهّزْ فريق الاقتحام والطيارين واسبقوني عند مركز العمليّات الحربيّة، ثمّ نتّجه بعدها مباشرة إلى النفق لاقتحامه.»
حضر الجمْع كلّهمُ وأُنيرتْ شاشة كبيرة، وقف أمامها يعقوب إسحاق وبدأ بعرض بعض الصور -هي مجموعة صور لشكل النفق من الداخل والخارج- وأشار إلى أول صورة منها وقال: «هذا النفق يطلق عليه المغتصبون النفقَ العقرب، أولئك الذين يسمّون أنفسهم اتحاد المقاومة الفلسطينيّة، ولقد وصفوه بذلك إشارة أنّ مَن يودّ مسّه بسوء لابدّ أن يُلدغ فيموت، وهو أحد الأنفاق الرئيسة الهامة للمغتصبين.» سكت هنيهة ثم أشار إلي الجدران والأسقف قائلاً: «كما ترون، هذه الجدران والأسقف طبقات خرسانيّة مدعّمة بطبقات من الرصاص السميك. لونها غريب وكأنّها مطليّة بمادة ما، ولقد حاول رجالُنا معرفة سبب تغيّر لون جدرانها وأسقفها فلم يهتدوا لإجابة.»
وعرضَ صورة أخرى، أشار بعصاه عليها وقال: «هؤلاء قنّاصة على مداخل النفق؛ تلك القنّاصة التي تستطيع أن تسقط عصفور من على شجرة على بعد نصف كيلومتر واحد.»
وأشار إلى صورة ثالثة وقال: «وصورة مستقلة يظهر فيها شكل الكمائن والفخاخ فضلاً عن عشرات الألغام الأرضيّة.»
ثمّ عرضَ مجموعة صور أخرى تبيّن شكله من الداخل، وأشار عليها جميعًا بعصاه قائلاً: «كما ترون أنّ طرقها معبّدة بصورة أشبه بشكل خيوط العنكبوت، ولذلك فهي أنفاق عنكبوتيّة تؤديّ إلى متاهات ومهالك. فهم عندما يأتونه لابدّ أن يكون معهم خريطة تبيّن لهم المكان المراد الوصول إليه أو المكوث فيه. فيها أسلحة وذخائر، وجاسوسنا لم يستطعْ تحديد مكانها، لكنّه قال لنا أنّه يرى عربات محملة بالأسلحة والذخائر تخرج منها ولا تعود.» أخذ نفسًا عميقًا ثم قال في إثره: «وطبعًا يا سادة هذا معناه أنّ النفق فيه مصنع أسلحة.»
وألقى بالعصا جانبًا ثم قال: «ومثل هذه الأنفاق تُمثل حضارة كبيرة، فهي مجهّزة بكلّ سُبل دعم الحياة من غذاء واتصالات وصناعة، يا سادة، المغتصبون يستطيعون أن يحيوا عشرات السنين في هذا النفق دون الاتصال بالخارج، مصدر خطورة هذا النفق وأمثاله أنّه يمثل مسرح العمليات الحربيّة ووضْع الخطط لباقي أفراد المقاومة، وفيه يتمّ تدريب الكوادر القتاليّة وتصديرها إلى باقي الأنفاق وخاصة ترحيل المدربين إلى سيناء، كما أنّهم يطلقون صواريخهم منها مستهدفين مدننا التي يقطنها المدنيّون والعسكريّون على حدٍّ سواء.»
أقفلَ الشاشة ثمّ قال: «ساعة الصفر بعد لحظات، علينا بالتحرك الآن، توكلنا على الله.»
تقدّم يعقوبُ -وقد تلثم- ومعه فريق الاقتحام السالف الذكر، تصحبه مجموعة من الكلاب المدرّبة وقنّاصة ومقاتلين تدرّبوا خِصيصًا للضرب تحت الأرض، بالإضافة إلى خبراء كشْف الألغام وروبوتات، كلُّ هؤلاء سيكونون على تواصلٍ مستمر بمجموعة من الطيارين الذين يحلّقون بالقرب منهم. الطائرات تحمل الصواريخ المجهّزة خصيصًا لاختراق القشرة الأرضيّة وهدْم الطبقات الخرسانيّة والرصاص الذي يغطي أسطح وجدران الأنفاق العسكريّة.
حتى إذا رصد فريق الاقتحام النفق الهدف الذي بيّنه يعقوب في الصور قاموا بتحديد الإحداثيات وأرسلوها إلى هذه الطائرات، عندئذٍ يقذفونه بصواريخهم.
تقدّم فريقُ البحث أولاً ويشمل الجيولوجيون والمهندسون لتحديد موقع النفق -فتحديد الموقع ليس بالأمر الهين رغم أنّ أحد جواسيسهم ولجه من قبل، كما أنّ هناك مداخل ومخارج وهميّة تؤدي إلى متاهات أو ألغام - وبعد بحثٍ مضنٍ استطاعتْ أجهزة الاستشعار أن ترسل بيانات منها، وبتحليلها تبيّن وجود إرهابيين فيها. وبتسليط أجهزة الزلازل الدقيقة تمّ رصْد بعض الاهتزازات مما يدلّ على وجود حركة. وهنا جاء دور الروبوتات المصممة للكشف عن الخطوط والمنحنيات عن بُعد، وهذه مدونة على شريحة الروبوت، فإذا رصدها ترسل هذه الروبوتات إشارة لها صوتًا خاصًا، يعبّر هذا الصوت عن وجود بشر.
وبالفعل أرسلت الروبوتات إشارتها التي تثبت وجودهم في هذه المنطقة.
جاء الآن دور الكلاب، تسير الروبوتات إلى الأمام تتبعها الكلاب، الروبوتات تسير في اتجاه الخطوط والمنحنيات التي تدل على وجود بشر، ومن خلفها الكلاب البوليسيّة. ظلّت الروبوتات تسير وخلفها الكلاب، ويعقوب إسحاق وباقي الفريق لمسافة بلغتْ أكثر من عشرة كيلومتر، وقد واجه الفريق عدة ألغام ومتفجرات في طريقهم خلال هذه المسافة بيد أنّ الكلاب البوليسيّة كانت تشير إلى أماكن وجودها فيتحاشوها ويمضون بعيدًا عنها. والطائرات تتواصل مع فريق الاقتحام.
بدأتْ تظهر أمام يعقوب بعض أبواب الأنفاق، يحرسها قنّاصة مهرة، يتوارون خلف جدران سميكة من الرصاص منتصبة أمام الأبواب. عندها أمر فريق الاقتحام بتعين إحداثيات الموقع وإرسالها إلى الطائرات حتى يؤدّون دورهم. أرسلت الروبوتات الإحداثيات إليها، ثمّ أمر يعقوب إسحاق الفريقَ كلّه بالتراجع بعدها مباشرة بمسافة تسمح لهم بمعاودة المكان فضلاً عن بُعدها عن قناصة العدو وصواريخهم. لم يشعر مَن في النفق بحركة يعقوب إسحاق ورجاله.
صُوبت الصواريخُ إلى موضع الإحداثيات، ثمّ أطلقها الطيارون على الفور؛ فاخترقتْ قشرة النفق الأرضيّة -والتي تبلغ سمكها نحو عشرة أمتار- ثمّ اصطدمت بأسقف وجدران النفق، وهنا المفاجأة..فقد أحدثتْ هزّات عنيفة هرع على إثرها مَن بالداخل، وأُطلقت سفارات الإنذار، وتأهّبتْ القنّاصة وباقي رجال النفق للقتال، أُنيرت الكشافة الخارجيّة، وتمّ رصْد فريق الاقتحام من بعيد، بعيد جدًا، تمّ الرصد من خلال ثقوب موجودة في النفق. أطلق رجالُ المقاومة بعض العبوّات الناسفة والرصاص والمدافع نحو فريق الاقتحام، بيد أنّ كلّ هذا لم يصل بسبب البُعد الشديد من الثقوب. أمر قائد النفق أفراد الاتحاد بألّا يخرجوا لعمل هجوم مضاد، وقال لهم بأن يمكثوا جميعًا في أماكنكم. وكلّ هذا وما زالتْ الروبوتات ترسل إشارتها بقذْف المزيد من الصواريخ، إذ إنّ النفق لم يتهدّمْ منه شيئًا.
تعجّبَ يعقوبُ إسحاق، فاقترب نحوه وحده غير مبالٍ بالخطر الذي قد يدركه، لم يصحبه في تقدمه سوى أحد الكلاب، لتصوير الصواريخ الساقطة على جدران النفق فوجد عجبًا، وجدها تصطدم بالأسقف ثمّ تسقط ذائبة على الأرض على هيئة شُهب من النار، ثمّ تتطاير دُخانًا كثيفًا.
فقال صارخًا: «يا أولاد الكلب والزناة.»
ثمّ تقهقر للوراء وأمر الطيارين بالتوقف عن الإطلاق وانسحاب كلّ الفريق من الموقع؛ وذاك لأنّ الخطة مبنية على هدْم النفق ثمّ الهجوم وتصفية أفراده وأخْذ الأسلحة التي بداخله وتحميلها على العربات المدرّعة التي أحضروها معهم.
بعدها أرسلتْ إشارة مشفرة من قائد النفق إلى باقي الأنفاق مفادها أنّ النفق تمّ ضرْبه بأكثر من عشرين صاروخًا بوساطة الطائرات فأحدثت بعض التصدّعات الداخلية فيه نتيجة الهزّات الشديدة، وعلّل ذلك بأنّ الجدران والأسقف الخارجيّة محاطة بدرع الإله -وهي حقول القوى الروسيّة- بينما من الداخل فهي ذات ترسانة خرسانيّة رصاصيّة فقط.
وصل الخبر بالطبع إلى مؤيد وكان جالسًا مع بروفيسور بيتر حينها، فضحكا معًا. قال البروفيسور الذي لم يكفّ عن الضحك: «والله إنّ تقهقع الدبِّ الروسيّ أسكتَ نهيق الحمار الأمريكيّ.» كان عبد الشهيد إذ ذاك موجودا وآثر الصمت لحين يكفوا عن الضحك ثم قال: «علام تضحك يا أبتِ؟ » ثمّ نظر إلى بيتر وقال له: «وأنتَ كذلك يا جدي، ألَا تعلمان أنّ وصولهم للنفق كارثة وإن قُتلناهم جميعًا، فمعنى ذلك أنّ معهم أجهزة متقدمة ستمكّنهم من رصْد الأنفاق ومحاصرتها سنوات فلا يخرج أحد من النفق ولا يدخل إليه فيهلك كلَّ مَن فيها، وأنتم تعلمون أنّ كثيرًا من الأنفاق الرئيسة غير داعمة للحياة على المدى البعيد.»
ارتاعا لكلامه فسكتا، مضى بيتر إلى فراشه حزينًا، أما مؤيد ففور سماعه لكلمة عبد الشهيد لم يستطع القيام، تقلّب مزاجه وذهبت الدماء من وجهه، ارتطمت أسنانه نتيجة الرعشة التي ألمت بكلّ أوصاله. وظلّ مؤيد فيما بعد مثقلا بالخوف والهموم.







رد مع اقتباس
قديم 02-26-2021, 01:00 PM رقم المشاركة : 32
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

***
حريق الجامعة
اشتدّتْ العلاقة بين فهماك وجاك أكثر وأكثر مِن طول الأُنسة، فضلاً عن توازي خُلقيهما وعبقريتهما المنقطعتي النظير، هذا التوازي كان أكبر عامل محفز لتغلغل كلّ منهما في الآخر.
أمّا داخل المحاضرات فكان شأنهما عجبًا، كانا كثيرًا ما يتناقشان مع أساتذة الفيزياء بخصوص نظرياتها الشائكة ويطرحان حلولاً جديدة، كلّ هذا على الرغم أنّهما ما زالا في الفرقة الأولى؛ ممّا ينمّ عن وجود مخزون إبداعي داخلي لكلّ منهما ليس له علاقة بالتحصيل والمعرفة.
وفي شأن الأبحاث، فكانا يقدمان أبحاثهما إلى أستاذ الفيزياء، وعندما يطّلع عليها يجدها أشبه بأحد الرسائل المعدة لاجتياز شهادة دكتوراة.
وعلى ذلك ذاع صيتهما في الجامعة كلّها، مما حدا بأحد الأساتذة -الذي ارتاع كثيرًا لشأنهما- الذين يعلمون العلاقة السابقة بين بيروفيسور بيتر وعالم الروبوت المصري برفع تقرير أمني إلى رئيس الجامعة يحذر فيه من شدة العلاقة الحميمة التي ربطت الطالبين ببعضهما. رفعه رئيس الجامعة إلى وحدة السي آي أي دون أن يقرأها. ووضعت السي آي أي تحت مجهر المراقبة خشية أن يحدث لجاك مثلما حدث لبيتر. في لحظة فراغ أمر رئيس الجامعة بإحضار التقرير ليطلع عليه، فلمّا أتاه فتحه، وظلّت عيناه تحدقان في التقرير بدهشة، وكأن التقرير يتكلم عن عالمين فيزيائيين وليسا طالبين. وظل يقرأ حتى رنّ جرس هاتفه، إنّه رئيس مخابرات السي آي أي، أخبره في المهاتفة أنْ يستميل الفتى المصري نحوه، ويتقرّب إليه بشتى الوسائل. وفور إغلاق الخط همسَ لنفسه: «يبدو أنّ العالم مقبل على مرحلة جديدة، يكون فيها هذان الفتيان محورا ارتكاز لموازين القوى العالميّة.» وعاود مجددًا القراءة.
وفي نفس الوقت نجد جاك يتنزه في حديقة الجامعة، وفهمان في المسكن يبتكر خلية صماميّة.
جلس جاك ينظر إلى الحديقة ليتمتع بمنظرها الخلّاب، ويصغى بأذنيه ليسمع صوت العنادل، فقال همسًا: «يا ليت قُبح أهل الدنيا ينقلب جمالاً مثل جمال هذه العنادل، ويا ليت عواء البشر وفحيحها يتحولان إلى طرب جميل مثل صوتها.»
رفع بصره إلى السماء؛ فوجدها ملآنة بالغمام وقتئذ ؛ٍفقال كلمة واحدة: «الحياة .» إلا أنّه شعر بانقباض في قلبه لم يدرِ سببًا له.
وبينما هو يتحسّر على حال العالم رآه أحد زملائه؛ فناداه مِن داخل سيارته، وأشار بيده ليأتيه من أجل القيام برحلة طائرة بها.
ركبها وحلّق بها مرتفعًا إلى علوٍّ لم يبلغه أحد قبله، حتى إنه جاور سرب أحد الطيور المهاجرة، فالتقط أحدها وقبّله ثمّ طيّره مرّة أخرى.
واستمرَّ في التحليق مرتفعًا حتى ظنّ المشاهدون أنّه كاد يلامس السحاب، وذهب عن الوعيّ فجأة؛ فقضى لحظات حالمًا، حيث لاحَ له ولأوّل مرّة جنود مِن الصفيح ألسنتها وسائر أعضائها منه أيضًا. كانوا مدججي السلاح، يهبطون مُردفين، قاصدين استعمار الأرض أو كأنّهم، تحاول أن تخترق البُعد الذي يوصّلهم إلى الأرض وكانوا يشيرون إليه ليكون دليلهم فأبى، واخترقهم هو، قاتلتهم ولكنّهم رموه عن قوسٍ واحدة، فقال: «ربّاه، أين أنا؟»
هكذا رأى المشهد بين النائم واليقظان ولم ينتبه مِن غفوته إلّا بعد أن وجد نفسه على الأرض والنّاس يفرّون مذعورين من أمام السيّارة.
خرجَ جاك مِن السيّارة مرتعدًا لما رآه، فكّر، فلمْ يستطع تفسير الحدث المؤلم.
وفهمان ما زال قائم على صنْع الخلية الصماميّة، فكان يطرح أكياسًا مغلقة بداخلها معدن قلوي على طاولة الحجرة، وكذلك طرح بعض الأدوات التي يحاول منها صُنع خليّة الصمام.
لمح جاكُ عن بُعد البستانيّ يسقي أحد الأشجار، ما لفت نظره أنّها تطلُّ على إحدى شرفات مختبرات الجامعة. أسرع إليّه وقال له بغضبٍ وصوتٍ عال: «اجتثْ هذه الشجرة يا رجل.»
رد البستانيُّ متعجبًا: «ما لك أنت والشجرة أيّها الفتى الأرعن؟»
فقال جاك: «يا رجل، وجود شجرة تطلُّ على مختبر علميّ أمر خطير.»
ثم ما لبث أن سأل نفسه: «كيف لمْ أرها إلّا اليوم؟!جاك لابدَّ أن تنتبه أكثر مِن ذلك.» وقرّر أن يكلّم رئيس الجامعة بشأن الشجرة غدًا، ثمّ اتّجه قافلاً إلى المسكن. دخل جاك على فهمان فوجده قائم على عمل بعض التجارب كالمعتاد.
استلقى على سريره، وتوجّه بنظره تلقاء فهمان يتأمّل في قسمات وجهه المألوفة، كما يتأمل في الأكياس التي على الطاولة.
والعجيب أنّ فهمان نفسه لم يشعر بلحظة دخول جاك أصلاً، فهو لم يدرك إلّا ما كتّل له كلّ محسوساته وهو صنْع خليّة صمام تلك التي أنهاها منذ لحظات وهمَّ بها ليجربّها. فجأة وقع أحدُ الأكياس المغلقة على الأرض، وتمزّق، وخرج ما فيه من محتوى، وتدحرج فتوارى تحت السرير. أحسَّ جاك بالاختناق؛ فهبّ منتفضًا على الرغم أنّ باب وشرفة الحجرة مغلقان تمامًا، أي لم يأتيهما أي دخان خانق من خارجها، فصرخ في فهمان وقال له: «ألم تجد المحتوى بعد؟»
ثمّ جرى إلى باب الحجرة ونافذتها ففتحهما، فقلّ الاختناق. ثمّ أعاد القول مرّة أخرى، أوجده وأغلقه.
فلمّا أمسكه فهمان ووضعه في كيس آخر تجدّد الهواء كما كان مرّة أخرى، ثمّ قام جاك وأغلق الباب والنافذة.
اندهش فهمان من سرعة استنتاج جاك، فسأله: «ما الذي أعلمك أن سبب الاختناق هو المحتوى الذي كان بداخل الكيس.»
ردّ: «لم يحدث الاختناق إلّا بعد أن وقع الكيس وتمزّق، هذا الكيس يا صديقي به معدن يمتصُّ الأكسجين من الجوّ، فلمّا ثُقب أدّى المعدن عمله على أكمل وجه.»
- «أتعرف ما في هذا الكيس؟»
- «مِن أين أتيت بهذا المعدن يا صديقي؟ إنّه نادر جدًا.»
لم تزايله الدهشة أيضًا من علم جاك، سأله: «مَن أعلمك بحيازتي له؟»
- «سرعة الاختناق تدلّ على أنّه معدن الكوبالت مضافًا إليه بعض المركبات، إنّها بللورات ملحيّة مازة قادرة على تفريغ أكسجين الحجرة في ثوانٍ معدودة، إنّه ثقب أسود للأكسجين فقط.»
بينما هم على ذلك ازداد الجوّ سوءًا بالخارج، فقد ظهرتْ سحب كثيفة جدًا في السماء تُنذر الأرض بقصف رعدٍ وحشيّ. شعرا بها ولم يكترثا لها لسخونة الحوار بينهما.
قال فهمان: «هل ترى هذه الخليّة الصماميّة التي بيدي؟»
- «لماذا ابتكرتها؟»
- «الخليّة الصماميّة عبارة عن قناة تحتوي على مركب يقوم بسحب مركب الأكسدة الأوّل المتراكم على البللورات ثمّ يتطاير في الهواء.»
- «أعلم.» صمت هنيهة ثم سأله مجددًا: «كمْ معك مِن هذه الأكياس الآن؟»
قال وهو ممسكٌ بإحدى يديه الخلية والأخرى شيئًا ما: «مئة وسبعة عشر كيسًا، وها هي صماماتهم سوف أركبها.»
- «مبارك لك صديقي، اختراعك سوف يوفّر بعض حاجة روّاد الفضاء من الأكسجين، حيث من الممكن تركب على البذلة الفضائيّة لتمتص الأكسجين إلى داخلها.»
ورعدتْ السماء بشدّة، وتزايد رعدها، وتوالى القصْفُ واحدًا تلو الآخر، وغدت الرياح تقتلع بعض الأشجار ذات الجذور الصغيرة.
فانتفض جاك فجأة حيث تذكّر الشجرة، فقطع حديثه مع فهمان آملاً قطع الشجرة قبل أن تقع الكارثة. لكن الشجرة فعلتها قبل أن يدركها، حيث سمع أبواق إنذارات الحريق تُطلَق في كلِّ مكان من الجامعة.
خرج جاك وفهمان على الفور إلى الردهة المؤديّة لكلّ حجرات المسكن، وكان فيها لوحة تحكّم أنظمة الاحتراق -والمتصلة بطريقة مباشرة مع باقي لوحات التحكم الموجودة في الجامعة كلّها، إنّها مِن النوع المعنون- وفيها وجد رقم لوحة تحكّم -هذه اللوحة الأخرى تعطي أجهزة استشعاراتها إنذارات الحريق ومدوّن عليها اسم المكان ومحتوياته- قرأها فعلم مكان الاحتراق بالضبط، وقد صدق ظنه؛ فقد نشب الحريق في المختبر الذي تطلّ عليه الشجرة، فعلم أنَّ العاصفة الرعديّة قد اخترقت الشجرة فشبَّ فيها الاحتراق نتيجة الأكسدة، وأحرقتْ معها المختبر وسرتْ النار تعدو في المبنى كلِّه.
على الفور طلب من فهمان إحضار الأكياس وخلايا الصمامات، أسرع فهمان داخل الحجرة وأخرج البللورات الملحيّة المازة من الأكياس ووضعها على الفور في خلايا الصمامات ثمّ وضعهم جميعًا في شوال وحملها، فلمّا خرج من الحجرة متّجهًا إلى الباب الرئيس وجد جاك منتظره في سيارة يلوّح بيده ليستحثّه على الإسراع -تلك السيارة اقتحمها منذ دقائق معدودة، ونتيجة ذلك أعطت أجهزة استشعاراتها إنذارات صاخبة، وتمّ نقل الفعل على هاتف صاحبها وبيته- ركبَ فهمان السيّارة مع جاك، طار بها جاك متّجهًا إلى مكان الحريق. وفي طريقهما شاهدا الطلبة والأساتذة يهرعون مبتعدين عن مصدر الحريق، يصرخون متفجعين، بينما ألسنة اللهب ترسل دخانها إلى أسفل السحاب.
طرقت السرايين آذني رئيس الجامعة مِن لوحة تحكّم مكتبه، فألقى الملف من يده وخرج هلعًا لينظر الحدث، فشاهد ألسنة النيران ترتفع وهي تلتهم الجامعة، وسيارات الإطفاء بدأت تتوافد واحدة بعد الأخرى. بينما بدأت تتحرك طائرة الإطفاء الأمريكيّة العملاقة لخطورة الموقف.
وجاك وفهمان على بعد مئات الأمتار مِن مكان الاحتراق ، النار التهمتْ المختبر فانفجّر وامتدتْ ألسنته إلى المختبرات المجاورة.
ارتفع جاك بالسيّارة إلى أعلى وأحاط بالمكان إحاطة السوار بالمعصم، وظلَّ يدور حولها بأسرع مِن دوران الصقر، و يُحصي نيرانها كأنّه يحبسها خلف جدران عازلة، وفهمان يرمي بالخلايا الصماميّة على مواضع الأكسدة، يدور جاك بسرعة البرق ويرمي فهمان بحكمة وحنكة منقطعة النظير. تسحب تلك الخلايا الأكسجين ولا تشبع منه أبدًا، ولا تسمح الصمامات بخروجه.







رد مع اقتباس
قديم 02-27-2021, 07:41 AM رقم المشاركة : 33
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وحضرتْ طائرة الإطفاء الأمريكيّة، وشاهدت -وسط سحب كثيفة وتملأ السماء- سيارة جاك فلم تكترث لها، امتدت ببصرها إلى الأسفل فشاهدت عجز سيارات الإطفاء عن احتواء الموقف. وبدأت الاستعداد لإطفائها؛ أثناء هذه اللحظة بدأت النيران تخف شيئًا فشيئًا -وذاك لأن الخلايا الصمامية قد استمكنت من وقف عمليات الأكسدة- فانشغلت الطائرة بسيارة جاك؛ فقد أهملت عملها بعد أن سحر جاك قائد الطائرة بمعجزته الخالدة.
فلمّا همّت بإلقاء مواد إطفائها وجدت النار قد انطفأت ولم يبق منها إلّا الرماد والدخان الذي ما زال يتحرك في الهواء. خطفَ أحدُ سائقي سيارات الإطفاء الهاتفَ مِن أحد الصحفيين الذين صوروا الحادثة بفضولٍ جامحٍ ونظر في المشهد، فتسمر مكانه بعد أن شاهد تلك المعجزة.

قال جاك لفهمان وهو يدور حول مواضع الأكسدة التي هدأت: «نكتفي بهذا القدر يا صديقي.»
وهبط جاك بالسيارة التي لم تكف بعد عن إطلاق أبواب إنذاراتها.
أما رئيس الجامعة، فقد شدته من بين كل هذه الأحداث براعة السيارة الطائرة وقدرتها الخارقة على إطفاء حريق عجزت عن إطفائها عشرات سيارات الإطفاء. سعى إلى السيارة مسرعًا، وحال وصوله إليها كان جاك يفتح بابها فالتقوا ثلاثتهم. نظر فيهما، فتأكد له أنهما الطالبين الذين كان يقرأ ملفهما منذ قليل، فقال لهما: «أنتما! تعالا معي.» وفي طريقهم إلى المكتب سألهما: «من أنتما! أقصد ممن أنتما!أقصد هل أنتما مثلنا بشر؟!»
ردَّ فهمان: «أنا فهمان وهذا أخي وصديقي جاك.»
وفور وصولهما أعادا عليهما السؤال السابق لدهشته: «مَن أنتما ! أقصد ممن أنتما ! أقصد هل أنتما مثلنا بشر!»
أعطى فهمان كارتًا مدوّن فيه هاتفه الشخصيِّ وقال له: «يا فتى، كُن على اتصال بي في أىّ وقتٍ تريد، يا فتى، اعتبرني أهلك.» وحدّث نفسه قائلاً خسارة: «كنت أودُّ أن تكون أمريكيًا.»
قال جاك: «هل لنا أن ننصرف يا بروفيسور.»
- «تنصرفا قبل الترحيب!» ثم سارع نحو فهمان مرة أخرى وقال: «يا فتى، لقد قررتْ الجامعة منذ عدّة ساعات أن تتكفّلَ بنفقات دراستك بقرضٍ حسن، فما رأيك؟»
نظر فهمان إلى جاك ولمْ ينبس بكلمةٍ، بينما سرح جاك بخياله -وهو السياسيُّ المحنّك- إذ يعلم أنّ عرضًا كهذا غرضه ضمان ولاء فهمان لأمريكا بعد التخرج والعمل على أرضها. وفي تلك اللحظة طرق حارس الأمن الباب، وأخبر رئيس الجامعة بأن بالشرطة بالخارج.
قال الشرطي: «معنا بلاغ مِن أحد طلاب الجامعة ضدّ المدعو فهمان فطين المصريّ بالتعدّي عليه، وسرقة سيارته بالإكراه، وإحداث أضرار بالغة فيها.»
دهش جاك وقطّب غاضبًا وقال: «دعوه ولا يمسّه أحدٌ بسوء، وأنا سوف آتي به إلى القسم.»
ردّ الضابط: «ابتعدْ أنت أيّها الفتى، لا شأن لك بالأمر.»
اربدّ وجه جاك مِن الغضب، ثمّ أخذ يهدر كهدير الرعد، وكوّر قبضته، ووثب على الضابط فلكزه في صدره لكزه طرحته أرضًا وهو يصرخ: «لا يملك أحد في الكون كلّه القول لجاك الولايات المتحدة الأمريكيّة ابتعدْ، لا شأن لك بالأمر، بل الشأن كلّه لي.»
أحاط به أفراد الشرطة وأمسكوه مِن ذراعيّه. فانتفض رئيس الجامعة قائلا: «اتركوه.» ثم أخذ جاك من بين أيديهم وقال: «هدئ من روعك يا جاك يا ولدي، لن أترك صديقك فهو ولدي أيضًا.»
ردّ جاك: «لمّا يتعرّض أحد للظلم فلجاك الشأن كلّ الشأن، ومَن! صديقي! لا أملك من الدنيا سواه.»
وسحبت الشرطة فهمان بينما فهمان ينظر إلى صديقه مسرورًا لقوله السابق.

حكمة: الثعلب يترصّد أمام الحظيرة
دخل فهمان على وكيل النيابة، أبلغه الوكيل أنّه متهم بالتعدّي على المدعو إسرائيل، وإتلاف سيّارته الطائرة بعد سرقتها بالإكراه.
فصمت فهمان ولم ينبس بكلمة. وكان صمته عبارة عن خوف ممزوج بالدهشة مما ألجم لسانه فلمْ يجد ما يقوله.
وكان إسرائيل صاحب البلاغ جالسًا واضعًا أحد قدميّه على الأخرى أمام وكيل النيابة، ويلوك في فمه شيئًا، ويرتدي نظّارة -هي إحدى نظارات جوجل التي تنقل الواقع الافتراضي- وعلى الطرف الآخر نجد الذعر يملأ قلب فهمان، ووكيل النيابة يتأهب لفتح التحقيق.
لحظات وقدِمَ جاك ودخل المكتب وقال: «أنا الذي أخذت سيارة هذا الرجل وكلّ الجامعة تشهد بذلك.»
فردّ (أو ردت كتعبير رمزي) إسرائيل: «أنا صاحب السيارة وهذا المصريّ هو الذي سرقها منّي.»
قالت الوكيل لليهوديِّ بسخريّة: «هناك شهود يا معالي الرئيس فما قولك؟»
قال إسرائيل له: «أنا صاحب السيارة، وأنا أتهم ذاك الفهمان.»
ردتْ الوكيل ساخرًا: «يا سيادة الرئيس،عنده شهود ولن أستطيع أن أحتجزه، إن أردت اتهام الطالب جاك فلا مانع لدي لفتح التحقيق.»
لحظات أُخر وجاء رئيس الجامعة ودخل على النيابة وقال أنا شاهد على الواقعة، وقص عليه كل ما شاهده.
نظر الوكيل إلى اليهوديّ إسرائيل: «ماذا ستفعل الآن؟»
خلع اليهوديّ نظارة الواقع الافتراضي وطرحها أرضًا وسبَّ فيهم جميعًا: «أتدافعون عن المصريين المغتصبين؟!»
ثم تركهم غاضبًا.
أقبل الوكيل على فهمان وقال: «لله درك يا فتى، لقد أنقذت أمريكا من ضر محقق.»







رد مع اقتباس
قديم 02-27-2021, 08:26 PM رقم المشاركة : 34
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

مضى فهمان وهو غاضب من سلوك إسرائيل؛ سلوك مستفز صارخ، وشعر بعدم الأمان في هذه البلد. ولقد شعر جاك بوجيعته فقال له: «لعلك غاضب من ثقة الطالب إسرائيل المفرطة، حنانيك يا صديقي، إنّ الرئيس الحالي لأمريكا يحاول بقدر الإمكان التضييق عليهم بعد أن توغّلوا كثيرًا في عهد الرئيس السابق، ولولا يعقوب إسحاق وحسن تدبيره وسعة حكمته لضاعتْ إسرائيل في عهد رئيسنا الحالي، ألَا يكفيك أنّي أحبك كثيرًا حتى أنّك أعزّ علىّ مِن أيّ أمريكيّ، صدقني لو كان لدىّ أخٌ لاستأثرتك عليّه، أنت يميني في العلم والخلق، لا أستطيع الاستغناء عنك.»
سكت هنيهة ثمّ قال: «فهمان هذا رجلٌ حقود عليكَ لأنّك تميزت عليه في كل شيء، ومثله مثل أيّ يهوديّ لا يحبّ أيّ ازدهار حضاريّ لأيّ دولة عربيّة ولاسيما لو كانت في محيط المساحة المعروفة من النيل إلى الفرات.»
وزفرَ زفرة طويلة ولم ينبس بكلمة بعدها.
طأطأ فهمان رأسه وقال: «لذلك ضربتَ الضابط وقلت له: «لمّا يتعرض أحد للظلم فلجاك الشأن كلّ الشأن.».»
قال جاك: «فهمان، هذا الطالب أعرفه جيدًا، إنّه يهودي متطرف، ولو أحببتَ أن أركلَ مؤخّرته وأحطّم نظارته وأكسّر قدمه لفعلت، ولا أخاف منه ولا مَن وراءه، فهمان، كلّ ما أريده أن تبتسمَ وتفهم وترضى.»
احتضنه فهمان وشعر أنّ جاك حضارة وأمّة أخلاق في شخص إنسان، شعر أن الألفة التي وجدها في قلبه غلبتْ غربته نحو العالم الأجنبي كلّه.
وهكذا، فقد قوّت تلك العاصفة -التي كادت أن تعصف بفهمان- العلاقة بينه وبين جاك، فاجتمعا معًا، وتآلفا معًا، وتآخيا معًا، تحت قبّة هي أجلّ القباب، أغلى القباب، أثمن القباب، إنّها الإنسانيّة.
***
لقد وضعتْ المخابرات الأمريكيّة ملف جاك وفهمان على رأس الملفات الحساسة بعد حادثة حريق الجامعة مباشرة ولاسيما بعد موقف جاك الذي اتّخذه عندما ضرب ضابط الشرطة في مكتب رئيس الجامعة من أجل صديقه.
فهم لا يريدون أن تتكرّر كارثة بروفسيور بيتر مرّة أخرى. وقد سلكتْ أمريكا حربًا ضروسًا تجمع بين الترغيب مِن جهة، والترهيب الحذر المشوب بالضبابيّة مِن جهة أخرى لجذب العلماء العرب على وجه الخصوص، وذاك لأنّ السيطرة على منطقة الشرق الأوسط مِن أولويات أصحاب القرار الأمريكيّ -وسبب هذه الأولوية أنّها معبر للدول الأسيويّة مِن خلال المضايق والقنوات والممرّات الحيويّة- ومِن التدابير التي قامتْ بها الإدارة الأمريكيّة تجاه ملف فهمان وجاك أن قرّر السي آي أي عمل تقرير كامل عن الفتى وعن حالته العلميّة والاجتماعيّة، ومِن أجل ذلك، تمَّ تكليف أحد أفراد جهازهم أن يتحرّى عن فهمان في بلده.
وبعد يومٍ واحد فقط كان التقرير أمام أحد مدراء الجهاز، مدوّن فيه باختصار الكلام المعنىْْ به مِن قِبلهم. ومفاده الآتي:
«فهمان فطين المصريّ هو شاب مصريّ الجنسيّة أبًا وأمًا، أمّه متوفيّة، كانتْ خبيرة في فيزياء الجسيمات، وكانتْ تساعد زوجها في عمله، ولم تعمل في أيّ جهة حكوميّة بعد زواجها. أما أبوه فقد باع منزله في منطقة جنوب سيناء، وسافر إلى الوادي الجديد، ويقطن هناك منذ عامين تقريبًا. فور نزوله أرض الوادي الجديد قام بعمليّة زرع رأس جديد، ولم يعرف أحد سبب انتقاله مِن أرض سيناء إلى الوادي الجديد لأنّ انتقاله كان مفاجئًا، كما لم يُعرف سبب قيامه بعمليّة الزرع. يعمل ساحرًا، ماهر جدًا في أداء عمله، ولقد شاهد عروضه السحريّة أحدُ رجالنا الذي كان له باع طويل جدًا في هذا المجال، وقال إنّ هذا الرجل يملك قوّة خارقة تمكنه من أداء ألعابه السحريّة ببراعة لم يصل إليها أمهر السحرة حتى اليوم. ذو ذكاء وهيبة، يخشونه كلَّ الناس. مشهور بين أهل منطقته بالوطنيّة والكرم، وطنيّ حتى النخاع، ذاع صيته حتى وصل إلى أمن الدولة المصريّة. الأمن المصريّ وضعه تحت المجهر بسبب التفاف الكثير مِن الناس حوله.»
وقام جهاز المخابرات بتحليل هذه المعلومات، ومما توصلوا إليه أن فهمان سيكون عالم فيزياء نظرية بالوراثة قبل أن يكتسبها من البيئة التي تُوفر له. أما بالنسبة لترْك الأب لجنوب سيناء فجأة ورحيله إلى الوادي الجديد مع عملية تغيير رأس ينم عن وجود سرّ خطير، وبالقطع هو هارب مِن شيء ما. وبالنسبة لخوارقه في أعماله السحريّة فأرجعتْ الإدارة ذلك إلى قوّته في علم الفيزياء، ولكن عندما تمَّ عرض تلك الأعمال على أمهر السحرة وعالم الفيزياء والذي أخبر من قبل رئيس الجامعة بشأن جاك وفهمان قالا كلمة سواء: «إنّ هذا الرجل يمتلك قوة داخليّة ليست روحيّة تمتْ إضافتها في مخّه، في الغالب تحتوي خلاياه الدماغيّة على رقاقة إلكترونيّة إضافيّة تجعله يتحكم في حركة الأشياء في اتّجاه وعكس الجاذبيّة الأرضيّة، ولا أحد يستطيع القيام بهذه العمليّة إلّا بروفيسور بيتر فقط على مستوى العالم كلّه.»







رد مع اقتباس
قديم 02-28-2021, 07:29 PM رقم المشاركة : 35
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

فتأكّد للمخابرات أنَّ هناك خيطًا يربط بين فطين وبروفيسور بيتر ولاسيما أنّ عملية تغيير الوجه تمتْ بعد اختفاء بيتر بفترة ليست كبيرة. أمّا الأمن المصريّ فهو يخشى مِن قيام ثورة على النظام يكون هذا الرجل مُحرّكها.
وبناء على ذلك قرّر جهاز المخابرات بتأليب الحكومة المصريّة على هذا الرجل عن طريق لجنة حقوق الإنسان، وسردتْ عدة أمور تخصُّ منطقة الشرق الأوسط منها تجاوزات الأنظمة في السجون، وتغييب الوعي المدرك ودروشته ووضعه في بؤرة الجهل والتخلف عن طريق الدجل والشعوذة.
كما حثّت الحكومات العربيّة والمصريّة على وجه الخصوص معاقبة هؤلاء الدجّالين، وأيّ دولة ستقصّر في هذا ستتعرّض للمساءلة والعقوبات.
وبدءوا بتنفيذ القرارات، فاتصل جهاز ال سي آي أي بالرئيس المصريّ يعلمه أن يقبض على المدعو فطين المصريّ لضلوعه في قتْل أو اختطاف البروفيسور بيتر المختفي منذ فترة دون أن يلحقوا به أي ضرر.
صدر على الفور قرار رئاسيّ باعتقال المدعو فطين المصريّ بتهمتي الدجل وإثارة الشعب ضد النظام الحاكم، ففطين مصدر تهديد لهم مِن الأساس، وعلى ذلك فهم يراقبونه منذ فترة خشية تأليب الشعب على الحكومة من خلال الثورة.
كما قرّروا القيام بعمليّة مسح شامل في جميع المحافظات وخاصة القاهرة للقبض على كلّ القائمين بعمل الدجل والسحر.

المخلصون يشعرون بقدوم الزلازل
منذ فترة وفطين يشعر بقدوم كارثة ستسحقه، لذلك اتصلّ بالطبيب مؤيد وأخبره بما يشعر.
ردَّ الطبيبُ عليّه أن يستعين بالله على قضاء حوائجه، وكان اللقاء بينهما عابرًا إلى أقصى درجة حيث اكتفى فطين بإبلاغه أنَّ هناك خطرًا يحدّق به، وأنّ ابنه فهمان في الخارج سيتحطّم مِن بعده، فدعى له مؤيد وطمأنه بأن اتحاد المقاومة لن يتركه أبدًا، وسيظل يسانده حتى يصل الى مبتغاة.
قال فطين بدموع حارة: «مؤيد، وصيّتك ولدي مِن بعدي.» ثُمّ ناوله عنوان ابنه.
رحل مؤيد وترك فطين حائرًا لا يدري ماذا يفعل، أصابه الإبلاس والتيه، وأخيرًا قرّر إرسال خطاب إلى ابنه كتب فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم
ولدي الغالي، السلام عليكم، أرجو أنْ تكون بصحة جيدة، لقدْ سعدتُ كثيرًا باختراعك الأوّل، الخليّة الصماميّة، وفي انتظار المزيد والمزيد مِن ابتكاراتك، وأنا متأكد أنّكَ سوف تنجز الكثير منها. وكلُّ ما أرجوه أن تبتكر لنا ما يُخرج مصر من دهاليز القيعان المعتمة ويحلّق بها إلى قمم الشموس المضيئة؛ كلّ ما أرجوه أن تبتكر لنا ما يُطفئ النار التي شبّتْ في عروبتنا، وتمزّق أشرعة الأهواء التي مزّقت أشرعة سفينتنا، يجب أن ينتهي رماد الاحتراق المنبعث من ..
أهوائنا .
أحقادنا .
نزاعاتنا .
أطماعنا .
ولدي، إنّى أشمُّ رائحة غدر اليهود وأنا أكتب كلامي هذا، وأنّ مخططهم لحرْق العالم تطرق أُذنيّ الآن. إنّ العالم مقبل على حرب عالميّة ثالثة لا محالة، وستكون كلمة الفصل فيها للعلم والتكنولوجي.
العالم سيحترق، فاجعل علمك يطفئ ناره ولا يشعلها؛ اجعله سلاحًا في يدك اثقبْ به طبول الحرب، وسُدّ أبواقها، وصُمّ به آذان الشياطين، وهذّبْ به النفوس الآثمة، وأشهرْه عاليًًا، ستجد حمائم السلام يتخذونه متكأ.
ولدي، أريدك أن تكون ردءاً لمِصر مِن هذه الصراعات، تعَلّمْ وعلِّمْ وحاول أن تصلّ بقلبك إلى رئيس بلدك فتعينه ويعينك على الخلاص مِن أضراس الحرب النوويّة القادمة، لا تعملْ لدى أحد، اِعملْ في بلدك، كُنْ نابغة عصرك؛ تجدُ رئيس بلدك مِن أمامكَ وخلفكَ وعن يمينكَ وعن شمالكَ، لا تعملْ خارج مصر، لا تعملْ لدى أحد.
ولدي، تثبت ولا تهن، ولا تترك مكانك، فإنّي راحل عاجلاً أم آجلاً، فاتخذ مؤيدًا أبيك؛ فهو رجل ليس له نظير.
ولدي، لا أحبّ أن أرى دموعك إلّا عند الفرح، فلا تحزن، فكلنا راحلون؛ كلنا راحلون.
ولدي، لقد آثرت أن أكتب لا أن أتكلم حتى تظلّ كلماتي منتصبة على سمعكَ وبصركَ وفؤادكَ فتتلوها وتذكرها ولا تنساها أبدًا، فاحتفظْ بخطابي هذا ما دمتَ حيّاً. ليكن خطابي وحيك ودربك ونجاتك.
ولدي، لا تعملْ لدى أحد غير بلدك مصر، أكرر كُن بين أبناء وطنك
أبوك:فطين المصريّ.»
وبدأ يغلّف كلماته بيدين مرتعشتيْن وعينيْن دامعتيْن ويضعها في الخطاب،كما نوى إرساله أيضًا إلى مؤيد.
شعر فطينُ بأنّ القلم قد انكسر، وأنّ اللسان قد خرُس، وأنّ الروح قد نُزعتْ، وأنّ المسافة بينه وبين ابنه قد بعُدتْ وغدتْ في اللانهاية بعد هذا الخطاب.
وصل الخطاب بالبريد السريع وقرأه فهمان؛ فشعرَّ بأنّ أباه نعى نفسه فانصدع قلبُه، وحاول طرْد هذا الإحساس مِن قلبه تفاؤلاً.
***







رد مع اقتباس
قديم 02-28-2021, 08:19 PM رقم المشاركة : 36
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

أنهى فطينُ عمله اليوم بعد أداء عرْض مميز قدمه مجانًا لأوّل مرّة. وكان مِن بين المشاهدين فرقة من أمن الدولة، ونظرًا لأنّ المطلوب عدم إثارة بلبلة أثناء القبض عليه لحبِّ الناس له تقُرّر القبض عليه في الخفاء.
عاد إلى منزله. فتح بابه وأضاء الأنوار وأسند عصاه على الحائط، فلمّا نظرَ أمامه وجد فرقة أشبه بفرقة المارينز الأمريكيّة التي تؤدّي المهمات الصعبة، فتوجّس شرًا وأمسك بعصاه مرّة أخرى، ثُمّ نظرَ إليهم بغضبٍ وازدراء وقال: «مَن أنتم؟»
قال أحدهم بصلف وحزم: «أمن الدولة، معنا أمر بالقبض عليك.»
- «لن أخرجَ معكم حتى أعرف تهمتي بالضبط.»
رد الضابط بحزمٍ: «ستعرف هناك.» ثم مضى للأمام وهو يقول للفرقة:«اسحبوه.»
ردّ غاضبًا بعد أن صرخ في الممسكين به ودفعهم بقوة: «أريد أن أعرف الآن.»
تعصّب الضابطُ عليه قائلاً: «نحن لا نلعب.» ثم صرخ مجددًا في الفرقة قائلاً: «هيا يا بهائم اسحبوه.» ودلف الباب وهو يتكلم.
فأقبلوا عليه ليكبّلوه، فلمّا دنوْا منه تضاعفتْ قوّة فطين وعزيمته، وتضخمتْ عضلاته، ونخرَ أنفه وزأر كالأسد، واستُنفرتْ الخليّة الإلكترونية وغدت في مرحلة تأهّب قصوى لدفع ضرر المعتدي.
ضربهم بعصاه بقوّة وثباتٍ فخرّ بعضهم على الأرض، وبعضهم أمسكه من ياقة جلبابه فنطحه فشقّ رأسه، تكاثروا عليه من جديد بعد أن نهضوا من الأرض فأمسك أحدهم ورماه عليهم فخرّوا جميعًا على الأرض. وقعتْ لاسته على الأرض فانتبه لذلك وتوجس شرًا. أخرج الضابط مسدسه من مغمده وشهره في وجهه وقال مهددًا: «سرْ أمامي وإلّا قتلتك.»
وكذلك أخرج رجاله مسدساتهم مِن أغمادها، ركّز فطين على الأسلحة تركيزًا شديدًا فخرّت واقعة مِن أيديهم تحت تأثير الخليّة، وخطف مسدس الضابط بسرعة خاطفة ثمّ لكمه في وجهه فأدماه. تناولوا المسدسات من الأرض مجددًا، وأشهروه في وجهه، لكنّ الضابط وجد الدماء تنزف منه كالأنهار فضربه قصاصًا بطلقتين في قدميه فخرّ فطين ينزف، تحامل فطينُ ونهض يتوكأ على الجدار عندما دنوا منه ليجرّوه؛ فضربهم جميعًا فطرحوا أرضًا من جديد، وللأسف نزْف الدم أسقطه هو أيضًا، فسقط مغشيّاً عليه. حملوه وأوضعوه في سيّارة الشرطة، ثمّ ألقوه في زنزانة انفراديّة وأرسلوا له طبيبًا ليخرج الرصاصتين. وعلى الفور تمَّ إبلاغ السي آي أي بإنجاز المهمة.
آفاق فطين مِن غيبوبته فور إلقائه في الزنزانة مباشرة، وفور أن تحرك سُمع صوت الأصفاد المرعب التي تغل يديه وعنقه وقدميه.
بعد قليل دخل عليه جنديان أخذاه واصطحباه إلى مكتب أحد رموز النظام، بعدها أجلسه أحد كبار رجال أمن الدولة وبدأ التحقيق معه
نظر إليه المحقق قائلاً: «لماذا قتلتَ يا فطين؟»
ردَّ دهشًا: «قتلتُ مَن؟»
قال غاضبًا: «لا تتصنّع الجهلَ يا ابن الكلب، بيروفيسور بيتر؟»
قال بهدوء: «أتعرف يا هذا لو تركوني عليك لنفخت فيك فتبخرت في الهواء، لا أعلم شيئًا عمّا تقول.»
- «لا، أنت لست قاتلاً فقط، بل قليل الحياء والأدب أيضًا، فطين كُن متعاون معنا حتى نستطيع أن نساعدك، ألم تقتل بروفيسور بيتر بعد أن زرع لك رأسًا؟ تعاون معنا نتعاون معك.»
ضحك فطين وتعالت ضحكاته الساخرة، ثُمّ تثاءب فجأة ووضع يده على فيه كأنّما يريد النوم ثُمّ قال: «أتعاون معكم لأجل أنْ تتعاونوا معي!لا جرم، عالم فندق طابا كان بودِّه أن يتعاون معكم فهل تعاونتم معه أم.» قاطعه المحقق قائلاً: «لِمَ تخرج بنا عن موضوعنا الرئيس! قتل بروفيسور بيتر لا يهمنا في شيء، هذا شأنهم وسوف يقتصّون منك بطريقتهم، لكنْ من قتل ضابط الأمن أثناء قيامه بتطهير الخلية الإرهابية في منطقة إمبابة؟ والرائد الشهيد كذلك أثناء وجوده في اقتحام ال ..؟»
وأخذ يعدّدُ له رجال النظام الذين قُتلوا على مدار سنة ونصف مضتْ. وقد نسب له إدارة خلية إرهابية
- «مَن هؤلاء الذين سيقتصّون منّي بطريقتهم، فئران أم أبراص؟ وأيّ خلية تقصد؟ خلية نحل مثلاً، تسألنّي عن رجالكم! أيّ رجال؟ أنا أعلم رجالاً بمعنى الكلمة أنت لا تعلمهم؛ ألم يكن عالم الفندق مِن رجالكم؟! ألم يكن العلماء المغتالون في القرن السادس والسابع والثامن والتاسع والعشرين والواحد والعشرين من رجالكم؟! ألم يكن فهمان ولدي الذي سوف يتشرّد مِن بعدي مِن رجالكم؟! ما زالتْ أياديكم إلى الآن تسيل منها دماءُهم.»
قال منتفضًا: «هل أنت مجنون!هؤلاء رجال تخلّوا عن مصريتهم وعروبتهم فتركناهم، ولمّا تابوا وأرادوا العمل في بلادهم بعد أنِ استيقظتْ ضمائرهم لَمْ يخبرونا؛ فكانتْ مصائرهم الاغتيال بيد إسرائيل. هل تظنّ أنّنا نقتل أبناءنا، ثُمّ أنّهم لم يطلبوا الحماية منّا كي نحميهم، ولكن كانتْ كلُّ قراراتهم منفردة دون تنسيق معنا، فمثلاً عالم فندق طابا كان تحت حراستنا وقد فعل رجالنا ما كان يتوجّب عليهم فعله ولكن للأسف طالته يد الغدر. مصر ملآنة بالصراعات الداخليّة، ونحن نعمل ليل نهار لعدم إحداث فوضى قد تؤدّي إلى ثورة على نظام الحكم فتحدث انقسامات بين الشعب تؤول في النهاية إلى حرب أهليّة.» صمت هنيهة يستبقي نفسه ثم استأنف وهو يشيح بيده يمينًا ويسارًا: «انظرْ إلى العالم وتلك الحروب الأهليّة التي تحدث بين الشمال والجنوب والشيعة والسنة و ...إلخ. ثمّ تأتيني وتكلّمني عن رجال ونساءٍ لمْ يخبرونا بوجهتهم ولا بطلب من أجل حمايتهم.»
كان فطين ساند خدّه إلى كف يده اليمنى وأنزل جفني عينيه أثناء كلام الضابط، فلمّا سكت عن الكلام رفع جفنيه متثائبًا ووضع باطن يده على فمه ثمّ قال: «كلام جيد، لننهي كلامنا، أنا وابني نلوذا بِكم فهل ستتركونا؟»
سكت هنيهة ثمّ تابع كلامه بحسرة: «كم زوّرتم التاريخ على مدى عقود طويلة، وسوف يأتي رجل منها يحملوه رجال منها أيضًا فيأخذون بيدها.»
- «يأتى مَن؟ ومَن المسكينة؟»
- «ألا تعرف الأمّ، هي المسكينة، غُلّت بأياديكم، مصر يا أيّها السجّان.»
- «مصر.» ارتعش المحقق وانتفض ثمّ استأنف: «أنت ممن تريد النيل بمصر أيّها المزوّر القاتل.» ثمّ نادى على الحرّاس أن يرجعوه إلى زنزانته.







رد مع اقتباس
قديم 03-01-2021, 08:06 PM رقم المشاركة : 37
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وقد علم فطين مِن أحد المسئولين الصادقين الذين يخافون على هذه البلد ولا يرضون الدنيّة في أوطانهم أنّ غدًا سوف تقلّه طائرة إلى أمريكا مقبوضًا عليه مِن قِبل رجال المخابرات الأمريكيّة للتحقيق معه.
ومنذ أن علم ثارت ثورته وهاج اهتياج الثور، وبدا له أنّ أشرّ ما يقع به وبابنه أن يكون مجرمًا في بلد يكون ابنه فيها عالمًا.
فأطفأ أجيج الثورة ببرد الصلاة، وظلَّ طوال الليل يدعو ربه ألّا يجمع بينه وبين ابنه في أمريكا. في الصباح نزل الوفد المخباراتي مِن المطار متّجهًا إلى فطين؛ وعندما وصلوا إلى محبسه وجدوه قد فارق الحياة.
ومات المواطن فطين المصريُّ، وودّع الحياة بعد أن رسم للعروبة دروب نجاتِها، وضرب لهم أروع الأمثلة في الشجاعة والفِداء والتضحية.
مات المواطن فطين المصريُّ بعد أن أعدّ مِن صُلبه فتىً سوف يكون له شأن في إصلاح هذا العالم الفاسد (كما ستبين أحداث الرواية).
الآن الجسد الطاهر مسجّى بعد أن رسم البسمة على شفاه عشرات الألوف مِن أهل قريته ووادعهم وآلفهم وصاحبهم.
مات فطين المصريُ، فهل سيواري الثرى جسده الطاهر أم تحمله الرياح إلى النجوم؟ وكيف سيُدوّن شخص فطين المصريّ في التاريخ؟ سيدوّن في مزابله أم في نفحاته؟
رماد معطّر يزين سماءَ مصر
ظلَّ مؤيد منذ القبض على فطين متوترًا، لا يكاد يتمالك نفسه نتيجة الحزن عليه، حتى إن لسانه يتلعثم أثناء الكلام بسبب الحزن المشوب بالخوف الساري في كل أوصاله.
لم يخف عن مؤيد فزّاعة أمن الدولة المصريّة التي تُصيب ولا تُخطئ من أجل الحصول على الاعترافات؛ تلك الفزّاعةُ التي اِنهار تحت وطأتها رجال أقوياء، كما يعرف أيضًا قوّة ورباطة جأش فطين ومدى إخلاصه ووفائه له وللمقاومة. وظلّتْ هاتان المعرفتان تختلجان في صدره فتحدث له الريبة والاضطراب؛ مصارعة عنيفة بين أمل يكتنفه يأس، وعزيمة يكتنفها وهن. ولقد نصحه قادة الاتحاد بالاختباء خشيّة أن يرشد فطين عليه تحت وطأة أساليب أمن الدولة؛ لكنّه رفض لثقته الشديدة في إخلاص فطين ومدى صلابته التي لا توهن.
ظلَّ مؤيد يكدّس كلَّ قواه الحيّة في رصد كلِّ ما يتعلق باعتقال فطين، ويحوم حول الأسباب التي بسببها تمَّ اعتقاله، واتحاد المقاومة لهم عملاء في كلِّ مكان داخل مصر وخارجها، بلْ لهم أنصار داخل الأنظمة نفسها يفدونهم بأعمارهم إذا لزم الأمر.
وكان التقرير يأتيه أوّلاً بأوّل عن ملابسات اعتقاله وحالته، بل أدقّ الأسرار وصلتْ إليهم وهو وصول الوفد الأمريكيّ ليأخذ فطين.
وفي الليلة المشئومة وصل التقرير إلى مؤيد أصيل يقول عبارة واحدة: «اُستشهد فطينُ.»
سمعها مؤيد، فاختلجتْ عيناه وزاغ بصره، واسودَّ وجهه وخرس لسانه إذ التصق في سقف حلقه، وانتفضَ جسده وسرتْ فيه حرارة الصيف الحادِّ حتى ألجمه العرق إلجامًا، جلس وشرب شربة ماء ليجري في سقف حلقه الجاف، وأدار التكييف حتى يذهب عرقه، وأغمض عينيه حتى لا تخطف من أثر الحزن.
بعد عدة ساعات مِن وصول التقرير الأول وصل تقريرًا آخر يقول بأنّ فطين لم يُدفنْ؛ بل أُحرقتْ جثته وذرّتها الرياح؛ فسقط مغشيّاً على الفور.
مرَّ يومان ومؤيد ما زال معتكفًا في بيته، يفكّر كيف يواجه ابن فطين بخبر اعتقاله ثمّ موته حرقًا.
ومن بيركلي اتصلَ فهمان أكثر مِن مرّة بأبيه، بيد أنّ الهاتفَ مغلقٌ دائمًا، فهو أو أبوه قلّما يمرَّ يومٌ إلّا تبادلا الحديث عبر البريد أو صفحات التواصل الاجتماعيّ، لكنّ هذه المرّة كلّ شيء مغلق.
وتمرّ الأيّام، وظلَّ فهمان مشتت الخاطر لا يذهب إلى الجامعة، وعندما تذكر خطاب أبيه توجس شرًا؛ فقرّر النزول إلى مصر.
وجاك مشفق عليه بسبب حالته العصيبة، وليس في إمكانه فعْل شيء تجاهه إلّا بكلمة اطمئنان تُهدّأ مِن ثورة الخوف والوجل اللذين يعتريانه.
وفور رفعه الحقائب جاءه خطاب مِن مجهول، فتحه، قرأ: «بعد السلام، أنا صديق أبيك، ومعي نسخة من الخطاب الذي أرسله لك والدك منذ أيام، أكيد تذكُرني، الأمن المصريّ اعتقلَ أباك بتهمة الدجل والشعوذة؛ فمات في محبسه، وقد قاموا بالواجب ووارو سوءته. ابقَ في مكانك وتذكّر وصايا أبيك لك، ابقَ في مكانك ولا تتركه، وقدْ حوّلت لك مالاً وفيرًا يكفيك حتى الإنفاق على دراساتك.
افتح خطاب أبيك واقرأه، وتذكر قوله: «تثبت ولا تهن ولا تترك مكانك، فإنّي راحل عاجلاً أم آجلاً، فاتخذ مؤيدًا أبيك فهو رجل ليس له نظير.»، واعلمْ أنّك موضوع تحت ميكرسكوب السي آي أي بعد حادثة حريق الجامعة. ابقَ في مكانك وسيطرْ على مشاعرك، وكنْ رجلاً مثل أبيك يا ابن فطين المصريّ.»
بالطبع لمْ يقلْ الطبيب له الحقيقة لأنها قد تصيبه بانهيار عصبيٍّ وتؤثر على مستقبله العلمِيّ وإنّما قال له ما يبقيه ثابتًا ويفي بالغرض.
تناول فهمان الخطاب، انهار بمجرد قراءته، أحسَّ بنار الفراق الأبديِّ يحرق قلبه إلى الأبد، وأنّ التشرّد سبيله، وأنّ حواسه ما عادت تصلح للعمل.
رمقه جاك؛ فجلس بجانبه، وتناول الخطاب، وقرأه، ثمّ تركه ونظرَ إلى فهمان ذي الجسد المرتعد والدموع الساخنة والأنف الأخنّ، قال له: «إنّ المصيبة وإن عظُمتْ؛ فليس لها أن تُعجزك وتُفتت عضديك، و كلّ مصيبةٍ وإن جلت وعظُمت فلابدَّ يومًا ما تهون. أنت رجلٌ تحمل رسالة للناس جميعًا، ولقد كان نبيّكم محمدٌ صلدًا رغم وفاة زوجته وعمّه في عامٍ واحد. فهمان، سيطرْ على مشاعرك ولا تجعلها تأخذ بناصية عزيمتك ووفائك للعلم؛ فتضيع وتضيّع عَالمًا في أمسِّ الحاجة إليك غدًا. صديقي نحن نحمل رسالة كبيرة، ويتوجب علينا أن نتماسك عند الكارثة وألا نتباهى عند النجاح حتى نستطيع أن نؤدي رسالتنا العلمية على أكمل وجه.»
ثمّ توجّه إليّه ونصب وجهُهُ في وجهِهِ وطلب منه أن ينظرَ إليّه، بيد أنّ فهمان ما يستطيع أن يرفع هاتيْن العينيْن البائستيْن في وجه أحد أيًا ما كان هذا الكائن، ولذلك قضى يومه مغمضًا كالأعمى.
ووضع يديه على منكبيّ فهمان ثمّ قال له: «فهمان، تماسك، المفروض أنّك عالم فيزياء لا تهزّك أبداً نائبة الدهر، كما يجب ألّا تهزّك متقلبات الطبيعة، لابدَّ أن تتغلب على كلِّ شيء وتنسى كلَّ ما يعوق مسيرتك. فهمان تماسك، أمامك الدنيا كلّها ذلولة ارتعْ فيها كيفما تشاء وأرِ هذا العالم كمْ سيصبح علمك ترياقًا في وجه الموت عندما يتحدّى َالإنسانُ الطبيعةَ الغضوبة. وإن كانتْ مصر فقدتْ رجلاً مثل أبيك فعلمك المنتظر يستطيع أن يُحيي ألف فطين إذا نُشر به السلام.»
يكلّمه جاك لكنّ فهمان لمْ يكن حاضرًا مطلقًا، لا عقل ولا قلب ولا رؤية، كلّ ما يسيطر على كيانه هو حزن الفقد وانتظار الضياع.







رد مع اقتباس
قديم 03-03-2021, 01:47 PM رقم المشاركة : 38
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

محبرة دماء مِن صفحات التوراة
لقد دعا يعقوب إسحاق وزاراته وأصحاب القرار مِن دولة إسرائيل والمخلصين لها لعقد اجتماع سريِّ سمّاه اجتماع «ردُّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضت» أبلغهم بنفسه واستنفرهم عليه، قائلاً العبارة التي لا تفارق لسانه: «اجتماع ردّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضتْ»
وكانت هذه الدعوة إثر فشل اقتحام أحد الأنفاق الرئيسة لاتحاد المقاومة. قبل أن يبدأ الاجتماع استحثَّ وزيرُ العلوم والتكنولوجيا أعضاء الاجتماع كلّهم بترك هواتفهم الجوّالة خارج الكابينت، ثمّ قام بنفسه بفحص أقلام الوزراء وأجسادهم بوساطة جهاز كشْف ذبذبات متطور للتأكد مِن خلوِها مِن أيّ أجهزة تنصّت خشية أن تكون وُضِعت فيها على غفلة منهم، وقام كذلك بفحص المكان؛ فلمْ يبدِ الجهاز أيّ ذبذبات تُذكر، عندئذٍ نظرَ إلى يعقوب بثقة قائلاً: «الكابينت آمن يا سيادة الرئيس.»
فأشار يعقوب إلى الجمع بالجلوس لبدْء الاجتماع.
بدأ يعقوبُ بافتتاحية المجلس قائلاً: «أنا يعقوب إسحاق -خادم إسرائيل- أحبُّ إسرائيل وأحبُّ القصاص، واعتزُّ بديني وشعبي، ولا يوجد على وجه الأرض كلّها منذ بدْء الخليقة جنس أطهر مِن جنسنا -فهم أبناء الله وأحباؤه، هم السادة ولا أحد غيرهم، هم شعب الله المختار، نحن؛ نحن الملوك والأسياد- ومع ذلك فنحن الشعب الذي تعرض للاستئصال على مرّ تاريخنا كلّه. لمْ ترحمنا أوروبا لأنهم يعتقدون أننا نحارب ديانتهم؛ فاضطهدونا وشرّدونا، ولكن ما زال ولا يزال الإسلام هو عقبتنا الرئيسة.» صمت لحظات تأوه فيها ثم استأنف: «لقد أذلونا في عصر محمّدِهم، وهم يريدون استرجاع أمجاد أجدادهم. يا سادة، نحن شعب التيه المضطهد على مر العصور، لن يجفَّ دمعي، وتنام عيني، ويهدأ لظى فراشي وتنطلق أنفاسي إلّا بعد القصاص مِن هذا العالم ثمّ حكمه؛ وكلّكم يعلم ماذا فعلتُ لدولة اسرائيل كي تسود، فقد نجحتُ في مطاردة الفلسطينيين هنا وفي مصر، وأنا ما دعوتكم إلا للضرورة القصوى.»
سأله وزير العلوم والتكنولوجيا عن أسباب الاجتماع مباشرة، فرمقه وزير الدفاع رمق استنكار، لم يكترث يعقوب لفعل الوزيرين ثم أمضى كلامه قائلا: «فشْلنا في اقتحام الأنفاق الرئيسة للمقاومة كارثة بكلّ المقاييس.» وأشار إلى وزير التكنولوجيا مستأنفًا كلامه: «ولقد أخبرتُ وزير التكنولوجيا بالأمر، فقال لي إنّ الأنفاق محصّنة بحقول قوى، ثمّ شرح لي تركيبها وطريقة عملها، وأكّد لي أنّه سوف يخترع صاروخًا قادرًا على اختراق تلك الحقول وتدمير كلّ الأنفاق، ثمّ تأتي الخطوات التالية كما سيتبيّن من الاجتماع.»
سكت هنيهة ثم أشار إلى الجمع قائلاً: «كما إني أجد في هشاشة الأنظمة العربيّة مأربي، فالرؤوس قد أينعتْ وحان قطافها، فالشعوب العربيّة على وشك الانفجار مِن أنظمتها الحاكمة بسبب الظلم والفقر وقلة الماء، وهي أنظمة تكره بعضها، وهذه النقطة بالأخص بمنزلة قنبلة موقوتة لا تحتاج أكثر مِن إشعال فتيلها فتنفجر فيهم جميعًا.ولا تنسوا يا سادة قوة إسرائيل اليوم، فلدينا الآن رجال مخلصون هم أفضل مَن أنجبتْ إسرائيل أيضًا على مرِّ تاريخها، وهم على أتمِّ الاستعداد للتضحيّة بالنفس والمال من أجل؛ مِن أجل «ردّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضتْ» -متمثلة في حاخامات المعابد، واللوبي الصهيوني، وكبار البارونات- وقد بلغ الاقتصاد اليهوديّ مبلغًا عظيمًا في عقدنا هذا. كلُّ هذه الظروف ألقتْ بظلالها في كافّة أرجاء دولة إسرائيل بكل قطاعاتها ومؤسساتها لعقد اجتماعنا هذا «اجتماع ردّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضت »، والآن، أودُّ منكم وضْع مقترحات لإقامة دولة إسرائيل الكبرى، أودُّ وضْع خطة للسيطرة على العالم؛ سيطرة على:المسلمين، والمسيحيين، والبوذيين، والنازيين، حتى الملحدين، السيطرة على العالم .أودُّ القصاص؛ أودُّ القصاص؛ وأسألُ اللهَ أن يجعلني وإيّاكم مِن المتقين.» وبعد أن أنهى كلامه قام ولثّم رأس الحاخام الأكبر وحثه على التكرم بإبداء رأيه.







رد مع اقتباس
قديم 03-05-2021, 11:31 PM رقم المشاركة : 39
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

وقبل أن يستهل كلامه قدم بعض الطقوس التعبدية التي تنم على الخشوع والتألم لما آلت له دولة إسرائيل -والحاخام ذو لحية كثيفة وشارب غزير ونظارة وقبعة سوداوين- بدأ بقوله: «بعد مراجعة التوراة والتلمود، وإمعان النظر فيما يدور مِن أحداث عالميّة؛ تبيّن لي على الحقيقة التي لا لبس فيها أنّ هرمجدون على الأبواب؛ لكنّها تحتاج إلى جهدٍ مضنٍ منكم كي تُؤجج وتستعر. واعلموا أن الشعب الأمريكيّ المسيحيّ الصهيونيّ سوف يساعدكم على تنفيذ مخططكم؛ لأنّ هناك نصًا صريحًا يحفّزهم على إشعال الحرب العالميّة الثالثة. هذا النص ورد في موضع واحد من الإنجيل في سفر الرؤيا: «ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير، الفرات، فنشف ماؤه لكي يُعدَّ طريق الملوك الذين من مشرق الشمس، ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء، ها أنا آت كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عريانًا، فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون.» والتلمود يأمركم بالعمل على إقامة الحرب النوويّة بين أقطاب العالم، ثم تلا بخشوع: «وقبل أن يحكم اليهود نهائيًا–أي قبل أن يحكموا العالم- يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم ليأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر القريب.» واعلموا أنّ أرض المعركة هنا في هرمجدون. فاعملوا على تهويد فلسطين كي تمثل لنا أرض فلسطين مركزًا لإدارة العمليات. وعندما تسود دولة اليهود فعليكم ببناء الهيكل على أنقاض الأقصى لاستقباله (يقصد استقبال المسيا الملك). ما ورد في بروتوكلات حكمائكم أنّ المسيا الملك كامنًا في الهيكل. وبعد أن تقوم دولة إسرائيل عليكم بالزحف مع المسيا الملك إلى الشام لخوض الملحمة الكبرى والنهائية، ثمّ تلا بخشوع: «مُدُنُ عَرُوعِيرَ مَتْرُوكَةٌ. تَكُونُ لِلْقُطْعَانِ، فَتَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُخِيفُ.» ثمّ أردف النص بنصٍ آخر: «وَيَزُولُ الْحِصْنُ مِنْ أَفْرَايِمَ وَالْمُلْكُ مِنْ دِمَشْقَ وَبَقِيَّةِ أَرَامَ. فَتَصِيرُ كَمَجْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ.» واعلموا أنّ الظفر حليفه وحليفكم كما هو مذكور في التلمود على قول التوراة: «سيأتي المسيح الحقيقي ويحصل النصر المنتظر، ويقبل المسيح وقتئذ هدايا الشعب ويرفض هدايا المسيحيين، وتكون الأمة اليهودية إذ ذاك في غاية الثروة لأنها تكون قد حصلت على جميع أموال العالم.» كما جاء أيضاً: «حيث يأتي المسيح تطرح الأرض فطيرًا وملابس من الصوف وقمحًا حبة بقدر كلاوي الثيران البريّة، وفي ذلك الزمن ترجع السلطة إلى اليهود، وجميع الأمم تخدم ذلك المسيح، وسوف يملك كل يهوديِّ ألفين وثلاثمائة عبدًا لخدمته، ولن يأتي إلا بعد اندثار حكم الشعوب الخارجة عن دين بني إسرائيل.» واستأنف تراتيله بقوله: «فيستأصل جميع الأديان، ما عدا الدين اليهودي، ويحل كل الحكومات، ما عدا مملكة يهوذا، وعندها يَستريح ربُّ الأرباب، رب إسرائيل بين خصومه، ويعمُّ العالم سلام، كما يقول التلمود، فيَنتهي بذلك بكاء رب الجنود وندمه وأنينه، لتفريطه في حق شعبه المختار، فتُمطِر السماء فطيرًا وملابس صوفية مخيطة.» ثم سكت هنيهات. فعلم يعقوب أنه انتهى من تراتيله، حينئذ نظر إليه وإلى رئيس الكنيست بعينين حالمتين، كما ملأته نصوص التوراة بهجة وسرورًا، فلمعتْ عيناه وانبسطت أساريره، واستنشقَ استنشاقًا طويلاً مغمضا بعينين حالمتين ليستحضر أمامه عرْش إسرائيل في مخيّلته.







رد مع اقتباس
قديم 03-05-2021, 11:32 PM رقم المشاركة : 40
معلومات العضو
شاعر
كاتب الموضوع : ابراهيم امين مؤمن المنتدى : قناديل المسرح والرواية
افتراضي

أشار يعقوب إلى وزير العلوم والتكنولوجيا ليتكلّم فقال الوزير: «لقدْ كانت تقارير وزارتنا على مرِّ التاريخ المرجع الأول ونقطة الانطلاق لأيّ خطة عمل تقوم بها دولة إسرائيل بكلّ وزارتها وهيئاتها؛ خطة عمل لتطوير الأسلحة، خطة عمل لتطوير المختبرات، خطة عمل لاعتلاء الكفاءات نحو الأماكن التي يستحقونها، خطة عمل للنهوض بالاقتصاد الإسرائيلي.»
سكت هنيهة، ثم ما لبث أن أشار إلى رئيس جهاز المخابرات قائلاً: «أمددناكم بمئات التقارير العلميّة عن حركة التقدم العلميّ والتكنولوجيّ العالميّ عبر التاريخ وخاصة الأربع سنوات الفائتة، ولقد كانت هيئتنا لها اليد الطولى وكلمة الفصل في تحديد موازين القوى وكشْف النقاب عن الأخطار والكمائن التي قد تلحق بإسرائيل، ولقد قمنا بتدريب كلِّ أجهزة المخابرات لتذليل مهامهم المنوطة بهم.» قطع وصلة كلامه ليبدأ بوصلة جديدة متوجهة إلى وزير الطاقة فواصل قائلاً: «ملف المياه والنفط؛ النفط يفقد مخزونه يومًا بعد يوم، والمياه في منطقة الشرق الأوسط ضعيفة جدًا، ودول الخليج ستعيش الفترة المقبلة بلا شك على استثمار أموالهم في الخارج بعد نقص النفط الحاد على أراضيهم. وما يدعو إلى التفاؤل والتمكين أنّنا نعيش على عدة أنهر ما زالت وزارتي الدفاع والخارجية يسيطران عليها منذ حرب 1967، وهي مصدر فخر لإسرائيل (يقصد أنهار منابع نهر الأردن واليرموك، وبانياس، مياه الضفة الغربية، ومياه سوريا ولبنان ومصر عن طريق المشاريع المبرمة مع أثيوبيا ودول حوض النيل). ودولة إسرائيل في هذه الأرض (يقصد فلسطين) تضمنت مخططات لكيفية الحصول على المزيد من المياه (يقصد ضمّ جنوب لبنان وجبل الشيخ ومنابع نهر الأردن والليطاني وثلوج جبل الشيخ واليرموك). وبفضل تكنولوجياتنا المتطورة استطعنا أن نسقي الأرض والفمَّ بأعظم ميكنة زراعية.
استطعنا بوساطة أقمارنا الصناعيّة أن نستكشف مناطق المياه الجوفيّة ورسم خرائط لها باستخدام النمذجة الهيدرولوجية، ولا توجد دولة في العالم لديها مخزون مياه إسرائيل الكبرى.» وبدأ بوصلة جديدة موجهًا كلامه إلى وزير الدفاع: «والآن سعينا سعيًا حثيثًا على القيام بأمرين لاستقبال حرب هرمجدون: أولهم، القيام بتخزين أكبر قدر مِن الأسلحة النوويّة في مكان نقوم فيه بعمل تشويش على أكبر أجهزة تفتيش نوويّ في العالم.» رفع يده بدوسيه أوراق إلى أعلى وقال: «معي ملف يشرح كيفية التعمية على سلاحنا ورؤوسنا النوويّة في الأنفاق، وفيه تجد ما لم يصل إليه العالم حتى الآن من وسائل التعمية على الهدف المخزن. والآخر، في حالة الحرب، سيطلب منّا حلفاؤنا النوويّ الذي لدينا، عندئذٍ علينا بالمراوغة والهروب والادّعاء بعدم ملكيتنا لأي سلاح نوويّ بعد الذي أعطيناهم، ولن نعطيهم إلّا النذر القليل.»
نظر إليه وزير الدفاع بعد قوله الأخير، ثمّ اتّجه تلقاء وجهه وانحنى له بعد رفع قبعته قائلاً: «أحييك سيدي على إخلاصك لدولة إسرائيل.»
ثمُّ تطرق وزير التكنولوجيا إلى ملف الأنفاق فقال: «أمّا الأنفاق الفلسطينيّة؛ فقد قدّم رجالنا في السنوات الفائتة إلى هيئة الصناعات والأمنيّة العسكريّة منظومة أجهزة كشف فتّاكة؛ تشمل المنظومة الجديدة أجهزة لرصد الأنفاق. كما قدمنا أجهزة قياس زلازل دقيقة جدًا قادرة على رصد أيّ اهتزاز أرضي، فلو قام أحد الفلسطينيين بالحفر رصدتْه تلك الأجهزة. وميكروفونات صغيرة تكشف أصوات الحفريّات والحفّارين، حتى إنّها تسمعنا صوت قرْع وخفْق نعالهم، بالإضافة إلى رادارات وأجهزة استشعار أخرى. كشفتْ هذه التقنيات عن معظم الأنفاق داخل فلسطين فيما عدا الانفاق الرئيسة؛ فقد أخبرتنا وزارة الدفاع أنّ الصواريخ التي تخترق القشرة الأرضيّة وطبقات الرصاص لم تتمكن من هدمها، وأوضحت لسيادة الرئيس ولوزير الدفاع أنّها محصّنة بحقول قوى ولن يفيد ضربها.
فأشرتُ عليه بحصارها والكشف عن المزيد من نوعية هذه الأنفاق حتّى إذا انتهيتُ من صنْع الصاروخ القادر على اقتحامها قمنا مباشرة بتدميرها والاستحواذ على ما بها من أسلحة وأموال.»
قاطعه وزير الدفاع قائلاً: «ولقد قررنا ذلك بالفعل.»
ثمّ نظر مجددًا إلى رئيس الاستخبارات قائلاً: «كما أنّ التقارير التي تُرفع إلينا بشأن ما وصل إليه التكنولوجيّون مِن غيرنا مِن علم ومدى أهميته وتأثيره على مخططنا العالميّ فإنّنا نردُّ عليهم مِن واقع علمنا، وتكنولوجياتنا، ومدى إبطال هذه العلوم إذا ما نافستنا.
ولقد رُفع إلينا ملف العالم المصريّ الأخير، وأوضحنا في التقرير أنّ اختراعه سيجعل مصر من أغنى دول العالم مما سوف يتسبب تبعًا لعرقلة مسيرة مخططنا، واستنادًا إلى تقريرنا صدر الأمر مِن سيادتكم إلى الموساد باغتياله. ولقد أرسلنا إليكم عدة طرق علميّة لاغتياله.» سكت ثم تابع كلامه مجددًا وهو يشير إلى رئيس المخابرات: «ولذلك تفضّلتم سيادتكم وقتلتموه بطريقة تستحقّون عليها الثناء على قدرتكم المذهلة في الوصول إلى الهدف. ولقد رفعتم لنا تقريرًا منذ أيّام بشأن الفتى المصريّ فهمان طالب بيركلي، وأوضحنا لكم في التقرير أنّه ما زال بُرعما صغيرًا وقزمًا كبيرًا ولا يستحق جهدنا وعناءنا؛ فمازال في المهد لم يصلب عوده بعد، وقلنا لكم ضعوه تحت المراقبة؛ فقد يكون رجلنا مستقبلاً، أمّا بشأن الخلية الصماميّة؛ فهذا الاختراع رغم أهميته إلَا أنّ فكرته بسيطة.»
نظر رئيس الموساد إليّه ممتعضًا وقال: «لعلّ القزم الآن يتعملق غدًا، والغزال يتذئّب.»
رمقه وزير التكنولوجيا باستياء ولم ينبس بكلمة.







رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 1 والزوار 5)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


تصحيح تعريب Powered by vBulletin® Copyright ©2016 - 2021 
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010